‏«ميد تيرم».. لماذا أخفق فرويد في علاج أزمات المراهقة؟

د. عمرو نافع

24 يناير 2026

49

انتهت قبل أيام حلقات مسلسل «ميد تيرم»، الذي حظي بمشاهدة واسعة بين أوساط الشباب المصري والعربي، كونه يخاطب مشكلات سن المراهقة بلغة قريبة من عالمهم.

المسلسل المصري من تأليف محمد الصادق، ومشاركة ورشة «براح»، وإخراج مريم الباجوري.

من خلال مجموعة من الأصدقاء الذين يدرسون في إحدى الجامعات المتطورة في مصر، نقترب من عالم كل منهم، خاصة وقد اختاروا الانضمام إلى تطبيق يعرف بـ«فرويد» ليجدوا مساحة آمنة للفضفضة مع طبيب نفسي في جلسات جماعية، دون الاضطرار لكشف هويتهم؛ ودون أحكام الوالدين والمجتمع، التي يعتبرونها قاسية وتخالف رغباتهم الحقيقية.

من هذه المساحة الآمنة ينطلق بنا المسلسل لمشكلات حقيقية يعانيها المراهقون داخل بيوت تخلو من الحب والأمان.

كانت أجمل فتيات الجامعة وأكثرهم دلالًا «ناعومي»، تريد فقط أن تشعر بأنها مرئية من أمها التي أهملتها طويلًا، وأبيها الذي قرر مصادقة الأخريات والهرب من جحيم البيت.

بيئة سامة أخرى داخل بيت «تيا»، الطالبة التي ظلّت تخاف من الوحدة التي أُجبرت عليها بعد زواج أبيها على أمها وهجرها، كانت طفلة تراقب شجارهما وترتعد في حجرتها؛ حتى تأصلت داخلها عقدة السخط والانتقام وتطورت لتصبح مريضة نفسية مصابة بالكذب اللاإرادي؛ تعيش في شرنقة من أوهامها وتصدقها، يدفعها ذلك لمراقبة من حولها والتجسس على حياتهم بدافع حماية نفسها من غدرهم، ومساعدتهم كصديقة مقربة!

تبدأ اللعبة وتطال الجميع؛ شاب متحمل المسؤولية عن أسرته التي هجرها الأب «حازم» -تيمة متكررة في خط العمل الدرامي- ورغم نبوغه الدراسي في الأمن المعلوماتي، فإنه يواجه تحديات مواجهة الحياة القاسية وشعور الذنب تجاه والدته.

سنرى صديقهم «أدهم» الذي أحبته «تيا»، وكيف يواجه في بيته معاناة مع أخيه المدمن، وكيف يعاني من صعوبة اعتراف أبيه بطموحه الرياضي الكبير.

مع شخصية الدكتورة المحجبة «هنا»، نرى أزمة الشعور بتفضيل الأخت الصغرى وتجاهل مشاعر الكبرى أو الفرح والحزن لأجلها.

يحاول د. حازم الذي يدرّس في الجامعة لأن يقترب من الطلبة ويساعدهم ويصبح نسخة الأمان في حياتهم، وباعث الأمل في حياة «هنا» خطيبته.

على جانب آخر، نرى حياة «غالية» التي وهبت حياتها لـ«السوشيال» كمؤثرة يتابعها الآلاف، وكيف يصبح ذلك الهوس مدمراً لحياتها وكل متابعيها.

سنرى نموذج الفتاة التي تطلب الحرية الكاملة على النموذج الأمريكي، أو «ملك» التي تهرب من أهلها مرات ومرات وترافق أحد الشباب «يزن» ابن المنطقة الشعبية، الذي يظن أنه يحميها من أهلها!

لعبة فرويد

مع تداخل خيوط لعبة فرويد وتشابك الأحداث الدرامية والصراعات، نظل نتوهم أن ناعومي هي من يهدد مصائرهم ويفضحهم حتى وصل الأمر لانتحار إحدى الفتيات وسجن آخر وضياع حلم ثالث في البطولة الرياضية وغيرها من المصائب التي أحاطت بالجميع، قبل أن تتكشف الحقائق ونعرف عبر الحبكة المشوّقة أن صديقتها الغالية تيا هي من دبرت لكل ذلك، وتولت مكان د. فرويد بعد أن رحل عن المنصة الافتراضية، وأسدت نصائح انتقامية لينفذها شباب مغيّب العقل وخاوي الروح.

تواجه تيا مرضها وتعترف به وتصبح أقرب للتعافي مع روح التسامح التي تطغى على غضب المحيطين.

إلى هنا نحن أمام مسلسل يواجه مشكلات المراهقين، خاصة وأنه يسدي لهم إضافة للخط الدرامي نصائح مباشرة في نهاية كل حلقة تتعلق بخطورة المساحات الافتراضية والوثوق بها،  وتنصح الرسائل الأهل بالاقتراب من أبنائهم وعدم القسوة في الحكم عليهم، نقترب كذلك من أهمية الصداقة والدعم النفسي والفضفضة بلا تنمر أو جلد.

أين المشكلة إذن؟ تكمن المشكلة في الكابوس القيمي الحقيقي في مجتمع المراهقين، فعلى مدار 30 حلقة نرى أبطالاً كسروا بالفعل دائرة البيت والمجتمع والعيب والدين، ماذا كنّا نتوقع مثلاً حين تهرب طالبة جامعية من أهلها فيعثروا عليها وقد تناولت جرعات مخدرة في سيارة صديقها؟! وهل تقريع الجدّة هنا أو الأعمام والأب قسوة كما يبدو من الحوار؟ لم يعكس المسلسل تبعات سيناريو «جيرل فريند» و«بوي فريند»، والخروج المتأخر والسهر والمشاعر التي يتبادلها الشباب في سن تفتقد للنضج وبعيدة عن أعين الأهل.

هل حماية الأب لابنه لأنه يقضي الليل مع نساء ساقطات جزء من القسوة، كما نرى في حالة أدهم وأبيه؟

هنا يحدث الخلل بين نظرة جيلين لهذا العمل الذي يتناول المشكلات بعيون غير عربية ومشكلات بعيدة عن الشريحة الأوسع من الأبناء، مثلاً، يمارس الشابان ملك، ويزن، كل ما هو تحدٍّ للأعراف بما في ذلك السرقة والهروب لسطح بناية شعبية، ثم نطلب من المشاهد أن يتعاطف فقط لأنها عذراء ومحبطة من الحياة في مصر؟!

معاناة الشباب

لقد برع العمل بالفعل في تجسيد معاناة الشباب مع الوحدة والضغوط الأسرية في بيوت تفتقد للأمان والحب والرعاية، نجح في تجسيد التعافي من الإدمان ومساحة النور التي تولد في حياة أحمد المدمن الذي يصبح أفضل في المصّحة، والأهم تجسيد التعافي من المرض النفسي عبر نصائح حقيقية من د. هشام الطبيب النفسي، والطبيبة فيدرا، وكيف أن التعافي يبدأ من الاعتراف وتخطي المشاعر السلبية من الطفولة والتعبير عنها بالكتابة والفضفضة مع ثقات، وأهمية أن ترحب دائرة الأهل والأصدقاء بنسخته الأطيب.

«ميد تيرم» تظهر فيه مشاعر حقيقية مختلطة باضطراب قيمي هائل، لكنه يدفعنا كآباء لعدم التعالي على جيل جديد له مشكلات تختلف جذرياً عن عصر مضى.

المسلسل يجعلنا أقرب للأمراض النفسية التي لا نشعر بها، ومنها الكذب اللاإرادي، وهوس «السوشيال ميديا» وخداعها، كما يكسر العناد الوالدي غير المبرر في الرقابة والهيمنة المفرطة.

يفشل د. فرويد الافتراضي؛ لأن الحياة تحتاج لمواجهة ما هو أصيل.

تكمن أزمة «ميد تيرم» برغم أهمية اقتراباته في مواجهة التفكك الأسري وآثاره على الأبناء، في جعل المشاهد يتوحد مع  نماذج متمردة على منظومة القيم والدين، صحيح أنه انتصر لنموذج البراءة وللبيت وحضن الأبوين، لكن في الحلقة الأخيرة!



اقرأ أيضاً:

رحلة داخل عقل ابنك المراهق

مفاتيح مجرّبة للتعامل مع الابن المراهق

تعلُّق المراهقين بالدراما والأغاني غير العربية.. الأسباب والدوافع

الرابط المختصر :

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة