حفظ القرآن.. إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون

د. موسى زايد

27 يوليو 2025

982

حفظ القرآن.. إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون

هذه إحدى معجزات القرآن وهي تعهد الله تعالى بحفظه، فكما لا يستطيع الإنس والجن أن يأتوا بسورة من مثله، فإنهم لا يستطيعون أن يحرفوه أو يبدلوه ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً.

فكلمات القرآن ما زالت كما كتبها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وطريقة القراءة تتوارثها الأمة جيلاً بعد جيل، وحفظ الله عز وجل القرآن بما أتاح له من أسباب لم تتح لكتاب غيره.

أولها: أنه نزل منجماً على مدار ثلاثة وعشرين عاماً، ولم ينزل دفعة واحدة؛ (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً) (الفرقان: 32).

الثاني: أنه نزل منجماً على وفق الحوادث؛ ما يجعل التطلع إلى نزوله أكبر وحفظه بعد نزوله أسهل؛ (وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً) (الإسراء: 106).

الثالث: أن النبي صلى الله عليه وسلم اختار كتبة للوحي محددين ومعروفين، فلم يعتمد على ذاكرة العرب الحافظة فقط، وإنما دوَّن وكتب بأدوات التدوين والكتابة المعروفة في عصره.

الرابع: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى ولمدة تقترب من عشرين عاماً عن كتابة أحاديثه حتى لا يختلط شيء بالقرآن فقال: «لا تكتبوا عني ومن كتب عني غير القرآن فليمحه وحدثوا عني ولا حرج ومن كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار».

صحيح أنه صلى الله عليه وسلم ترك مجالاً لعدد محدود جداً من الصحابة بكتابة حديثه، ومنهم عبدالله بن عمرو بن العاص، ولكن هذا لا ينافي التوجه العام بكتابة القرآن دون غيره.

الرابع: عملية تدوين القرآن في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه وجل الصحابة موجودون حتى ليكاد يكون هذا أول إجماع للأمة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.

ثم ما تم في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه من كتابة نسخ معتمدة للأمصار وأمره بحرق ما عداها.

الخامس: أن القرآن كان يقرأ في الصلوات يومياً بشكل يوثق حفظه ويمنع تغييره.

وأخيراً وليس آخراً الحفظ الشفهي للملايين من الأمة على مدار القرون وبشكل لم يتوفر لأي كتاب آخر.

كانت النتيجة أن القرآن الذي يقرأ في مكة والمدينة هو القرآن الذي يقرأ في أي مكان في العالم دون تغيير أو تبديل.

ولكن حفظ الله تعالى لكتابه يشمل إلى جانب هذا المعنى المهم معاني أخرى تترتب عليه ولا تقل عنه أهمية، منها:

- حفظ اللغة العربية؛ فهي باقية بقاء القرآن مهما جرت من محاولات لتشويهها أو محوها على نحو ما فعل المستعمرون في البلاد الإسلامية، فقد حاول الاستعمار الفرنسي محو اللغة العربية خلال أكثر من 130 عاماً من احتلال الجزائر ثم خرج المستعمر وبقيت اللغة العربية.

في حين أن الاستعمار الإسباني استطاع فرض لغته ومحو اللغات المحلية في قارة كاملة هي أمريكا الجنوبية!

- ومن آثار حفظ القرآن حفظ الشريعة والعقائد والأخلاق الإسلامية وحفظ أصول الحضارة الإسلامية، فلا تزول كما زالت حضارات سابقة مثل فارس والروم، بل تبقى نموذجاً للتكرار وحلاً لمشكلات الحضارات المادية.

- وكذلك بقاء الأمة الإسلامية، فهي قد تضعف ولكنها لا تموت، وهي قادرة على النهضة من التخلف والقوة بعد الضعف، والوحدة بعد التفرق.

- وأن هذا الحفظ للقرآن ولأنه كلمة الله الأخيرة ومنهج الله القويم هو بشارة بانتصار الإسلام وظهوره على الدين كله بما يقدم من هداية ومن حلول لأمراض النفوس وانحراف المجتمعات.

إن حفظ القرآن نعمة لا يعدلها إلا نعمة نزول القرآن؛ هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة