إنجازات النبي ﷺ في شهر ذي القعدة
المتأمل في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم سيجد أنه حرص دائمًا على إحراز
كل تقدم يصب في مصلحة دولة الإسلام، بجانب الحفاظ على المسلمين الذين اعتنقوا دين
الله من التعذيب الذي كانوا يتعرضون له على يد زعماء قريش.
ولذلك، فمراجعة سيرته العطرة وتأمل أحداثها خير سراج لمن يريد إنارة الطريق
لنفسه ولغيره.
ومن منطلق كون رسول الله صلى الله عليه وسلم القدوة والأُسوة؛ فإن الثابت
عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يجعل شهر ذي القعدة موسمًا للدعة والراحة
والجدال والمراء والخصومة، بل جعله دومًا شهر للاشتغال بالعبادة والإقبال على
الطاعة والدعوة إلى دين الله والسعي لتقوية أسس دولة الإسلام الناشئة.
ومما رُوي في كتب السير ومنها سيرة ابن هشام على سبيل المثال، أن النبي صلى
الله عليه وسلم قد تحين في شهر ذي القعدة في السنة العاشرة للبعثة فرصة إقبال وفود
القبائل في موسم الحج؛ وذلك لكي يدعوهم إلى دين الله الإسلام، ومما روته كتب السير
قوله للوفود المقبلة: «أن أسلموا إلى ربكم يؤتكم أجركم التام غير منقوص».
وإن كان من ثمة وقفة جادة مع إنجازات النبي صلى الله عليه وسلم في شهر ذي القعدة،
فحري بنا أن نقلب صفحات السير النبوية لنرصد شيئًا قليلًا مما قام به عليه الصلاة
والسلام، ولعل المتأمل سيجد أن هذا الشهر كان شهر الإنجازات والانتصارات التي تؤكد
بوضوح أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يدخر جهدًا في هذا الشهر لنصرة دين الإسلام
وأتباعه من المسلمين، بجانب النهوض بمشروعه الحضاري الذي فيه صلاح العالمين.
ومن هذه الشواهد الناصعة على إنجازاته في هذا الشهر، أن النبي صلى الله
عليه وسلم قد باشر عمليًا مشروعه لإقامة لبنة دولة للإسلام قوية في شهر ذي القعدة
في السنة الثالثة عشرة من بعثته، حين أذن لأصحابه بمفارقة دار الكفر والتنكيل
(مكة)، إلى دار النصرة والتآخي (المدينة)؛ لتكون مُنطلَقًا لاستكمال أهداف النبي
صلى الله عليه وسلم الإستراتيجية في تغيير حال الأمة، والارتقاء بها لصناعة
نهضتها، التي بدأ الإعداد الفعلي لها في مكة.
ومن الإنجازات التي سجلها التاريخ الإسلامي للنبي صلى الله عليه وسلم؛ أنه
عندما فطن إلى أن قوام المُلك وأساسه تحقيق العدل، الذي تنتظم به معايش الناس
وتستقيم حياتهم، وأن العدل يفتقر إلى السُّلطة؛ فكان لا بد من دعم السلطة بالقضاء،
في تأكيد واضح على أنه لا مهادنة ولا تسامح مع من عظم جرمه وشاع خطره ووصل ضرره
للآخرين.
ولعل من أبرز الأمثلة على حزم النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الأمر، أنه
في شهر ذي القعدة من السنة الخامسة من هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، غزا النبي
يهود بني قريظة وأقر فيهم حكم الإسلام الذي قضى بقتل رجالهم، وسَبْي ذراريّهم
ونسائهم وسلب أموالهم؛ وللعلم فقد كان سبب ذلك كله هو نقض يهود بني قريظة معاهدة
السلم الموقعة بينهم وبين دولة المسلمين، وتحالفها مع أحزاب المشركين على حسابها،
وما ترتب عن ذلك من ضررٍ كبير لحق بدولة الأنصار والمهاجرين الجديدة.
ولعل من بين أهم الإنجازات التاريخية التي أحرزها النبي صلى الله عليه وسلم
لصالح دولة الإسلام، معاهدة السلام الموقعة بين المسلمين وقريش، التي عُرفت
واشتهرت بـ«صلح الحديبية»، وهذه المعاهدة المهمة لدولة الإسلام قد أُبرمت في شهر ذي
القعدة من السنة السادسة للهجرة النبوية المباركة، بلا خلاف كما حكاه وصحَّحه ابن
كثير وغيره الكثيرون.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً