«هايدي».. والنجومية الزائفة!
بطريقة عفوية،
تراجعت طفلة مصرية تدعى «هايدي» (10 سنوات) عن شراء «كيس شيبسي» من أحد المحالّ
بمنطقة المنيل بالقاهرة، وقامت بإعطاء ثمنه (5 جنيهات) لأحد المحتاجين.
ورغم إيجابية
المشهد، البسيط والتلقائي، الذي يحمل دلالات وقيمًا نبيلة، فإنه صار بعد ذلك محل
نقد، بعد سيل التكريمات المقدمة إلى صاحبته، وانصراف الاهتمام –في الوقت ذاته- عن
باقي المشهد، وفي داخله الرجل المحتاج الذي قدمت له هايدي الجنيهات الخمسة، ناهيك
عن تحوّل الموقف إلى مادة دعائية، استغلها فنانون ورجال أعمال ومطاعم وشركات؛
بحثًا عن مصالحهم، أو لإيجاد مقعد وسط هذه الأضواء.
يطرح هذا المشهد
دور «السوشيال ميديا» في صناعة النجومية الزائفة، من خلال «الترند»، وقدرتها على
الانتشار الفيروسي بفعل الخوارزميات، التي تروّج للمحتوى الأكثر تفاعلًا، يساعدها
في ذلك مؤثرون وصنّاع محتوى مشهورون، لديهم الاستطاعة على تضخيم أي موضوع، وتحريك
الجمهور كمشارك في صناعة هذا المحتوى؛ وهو ما يفسِّر سعي الشركات والأنظمة
السياسية إلى الدفع بـ«ترندات» بطرقهم الخاصة، من أجل الترويج لمنتج ما، أو
للتأثير في توجّهات الرأي العام.
نجومية زائفة
يُقصد
بـ«النجومية الزائفة» بروز شخص ما –أو محتوى- فجأة لواجهة وسائل التواصل الاجتماعي،
بسبب فيديو إنساني، أو مثير، أو حتى فاضح، وهذه النجومية لا تعتمد على موهبة
حقيقية أو إنجاز مهم، بل على ضجة لحظية، ومع الوقت يخفت هذا البريق ليفسح المجال
لـ«ترند» آخر، باختصار؛ يتم الاحتفاء بمحتوى مثير، أو بأشخاص ليسوا موهوبين أو
أصحاب رسالة على حساب المبدعين الحقيقيين؛ وهو ما يكرّس نماذج سطحية، ترتفع
للواجهة في لحظة، وبقدرة انتشار خارقة، ثم لا تلبث أن تسقط ويختفي ذكرُها.
والشهرة الزائفة
باتت تُشترى أيضًا بالمال وبطرق خاصة؛ فهناك منظومة كبيرة، على مواقع التواصل
الاجتماعي، تدير عملية بيع وشراء «اللايكات» والمشاهدات، وصناعة «الترندات»، وهناك
ما يُعرف بشركات العلاقات العامة، التي تقوم بصناعة «النجوم»، ورعايتهم بعد
«الترند»؛ كي لا يسقطوا، ويظلوا حاضرين كرموز أو مشاهير أو مؤثرين أو صنّاع محتوى،
ضمن هذا العالم الفضائي الغريب، الذي بات يضج بالتفاهة والسطحية والكثير من
الأفكار الغريبة والشاذة.
تأثيرات سلبية على «النجم الزائف»
لا شك أن صاحب
«الترند» يشعر في البداية بالإنجاز؛ لتسليط الأضواء عليه والاهتمام به، ومعلوم أن
للشهرة بريقًا مؤثرًا يعزّز صورة الذات عند تلقي الدعم أو المدح، لكنه في المقابل
يمثل ضغطًا نفسيًّا بعد انتهاء موجة الاهتمام، فيحدث ما يشبه الصدمة، ربما أدّت
إلى إصابته بالإحباط، أو جعله يفكر بشكل مهووس في كيفية عودته إلى الواجهة من جديد
والحفاظ على شهرته.
تزداد الأمور
تعقيدًا إذا ما أحسّ بانصراف الناس عنه، بعد انحسار الأضواء، وهذا يضعف مكانته
الاجتماعية، وربما دفعه إلى العزلة والانسحاب من محيطه الاجتماعي.
وفي حالة هايدي،
حذّر خبراء واختصاصيون إعلاميون ونفسيون من تأثير الأضواء المفاجئة في التكوين
النفسي للطفلة، التي قد لا تميز بعد ذلك بين فعل الخير العفوي ومردود الشهرة؛ ما
يقحمها في مسارات خطرة على صحتها النفسية.
نعم، موقف
الطفلة نبيل ونموذج يُحتذى، لكن أفسده الاحتفاء الهيستيري وغير البريء من جانب
آخرين، قاموا بـ«تسليع» اللحظة الإنسانية واستغلالها تجاريًّا على حساب نقاء
وبراءة الطفولة.
انعكاسات على المجتمع
لا يمكن إنكار
أن وسائل التواصل الاجتماعي قد تتيح فرصًا للابتكار، ونشر المعرفة، وتمكين الأفراد
من التعبير عن أنفسهم، لكن حينما توجد «النجومية الزائفة» يكون لها انعكاسات سلبية
على المجتمع؛ فهي تكرّس قيمًا استهلاكية قائمة على التقليد الأعمى، لما يروّجه
المؤثرون من منتجات أو سلوكيات، وتعزّز ثقافة السطحية على حساب الاهتمام بالعلم
والمعرفة والإنجازات الحقيقية.
والخطر الأكبر
يكون على الناشئة والمراهقين، فنماذج «الشهرة الزائفة» لا تصلح قدوات، ورغم ذلك
ينشغل بهم المراهقون؛ ما ينعكس سلبًا على طموحاتهم، فتتآكل العلاقات الحقيقية
لصالح التفاعل الافتراضي السطحي، وتزاد النزعة الفردية وحب الظهور على حساب روح
الجماعة والمسؤولية المجتمعية.
وهناك آثار
اقتصادية لهذه «النجومية الزائفة»؛ حيث يمكن أن تُستغل في الترويج لسلع وخدمات غير
صالحة أو متدنية الجودة، والأسوأ: تضخم اقتصاد المؤثرين مقارنة بمهن حقيقية أكثر
نفعًا وإنتاجية.
لقد بات من
المعتاد تشتيت الاهتمام عن القضايا الجادة، كالفقر والتعليم والصحة وحقوق الإنسان..
إلخ، وانشغال الجمهور بقضايا ترفيهية تافهة، ويرجع ذلك إلى تصدّر «نجوم مزيفين»
الواجهة، وهم لا يملكون أي قيمة فكرية أو إبداعية، فيصرفون الرأي العام عن أولويات
الأمة، فتنشأ فجوة بين ما يستهلكه الجمهور من محتوى وما يحتاجه لتطوير وعيه
ومهاراته، وتترسّخ أيضًا مظاهر استعراضية أكثر من القيم الفكرية.
كيف نتعامل مع «النجومية الزائفة»؟
في الواقع أن
ظاهرة «النجومية الزائفة» صارت واحدة من أبرز التحديات التي تؤثر على وعي الجمهور،
خصوصًا الناشئة، ويمكن التعامل مع هذه الظاهرة بما يأتي:
- توعية
الجماهير بأن «الشهرة الرقمية» ليست بالضرورة دليلًا على القيمة أو الموهبة
الحقيقية، وتدريبهم على التمييز بين المحتوى الهادف والباحث عن التفاعل فقط.
- إبراز نماذج
النجاح الحقيقية في المجالات المختلفة، وتسليط الضوء على القصص الملهمة غير
المبنية على الشهرة الزائفة.
- تتحمل المؤسسات الإعلامية والتعليمية مسؤولية إنتاج برامج تشرح آليات صناعة «النجومية الزائفة»، وطرق كشفها، وتعزيز البدائل، بدعم مؤثرين أكفاء يقدمون محتوًى حقيقيًّا وآمنًا.
- وعلى الأسرة
دور مهم في تقييد الظاهرة، بالحديث عنها كنمط سلبي، وتقديم قدوات واقعية ومتوازنة؛
حتى لا يكون البديل الوحيد هو «المؤثر الافتراضي»، مع ممارسة الحوار مع الأبناء لا
المنع القسري.
اقرأ أيضاً:
لغز «فتاة الشيبسي»!
الوعي الشبابي في فخ «التريند»!
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً