«وهم له منكِرون».. إخوة يوسف بين الجهل والجحود

في حديث القرآن الكريم عن لقاء يوسف عليه السلام بإخوته بعد طول غياب، يقول الله تعالى: (وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ) (يوسف: 68)، فقد جاء في أغلب كتب التفسير القديمة والمعاصرة أن المراد بقوله تعالى: (وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ) أنهم به جاهلون، وهذا الجهل بهم كان قطعًا بسبب بُعد الزمان بين اللقاء الأول والأخير؛ فقد ألقوه في الجُبّ صبيًّا، ولعله جاوز الأربعين وزيادة حين كان لقاؤهم به بعد هذه الغيبة الطويلة.

والإنكار في اللغة يتضمن الجهل بالشيء وعدم التعرّف إلى المُنكَر؛ لأنه غريب مجهول، ومما يؤكد هذا المعنى اللغوي قول الله عز وجل على لسان إبراهيم عليه السلام لضيوفه من الملائكة الذين جاؤوه في صورة بشريّة، وكانوا مجهولين عنده: (سَلَامٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ) (الذاريات: 25)، وكذلك قول لوط عليه السلام عندما استقبلهم في بيته: (إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ) (الحجر: 26)، وعلى هذا النحو، يكون إنكار إخوة يوسف لأخيهم جهلاً غابت به حقيقة شخصه الكريم عن عقولهم، وخفيت عن إدراكهم.

حينما تشهد الفطرة والملامح

على أنني أحسب -والله أعلى وأعلم- أن هاتفًا خفيًّا راح يهتف في أعماق ضمائرهم بأن هذا الماثل أمامهم إنما هو أخوهم، وقع هذا الخاطر العجيب في أنفسهم للوهلة الأولى بمجرد مطالعتهم إياه.

فشمائل يوسف عليه السلام لم تكن بالتي تخفى عليهم، (كما ذكر ابن عاشور في تفسيره «التحرير والتنوير»)، ولا جرم أن الملاحةَ التي أنعم الله بها على يوسف الصديق عليه السلام مما لا يُجهَلُ مع مرور السنين، وأنَّ الحُسْنَ الذي جعل النسوة يقطعن أيديهن وهنَّ يطالعن صورته البهيّة ليس من شأنه أن يكون منسيًّا، على الأخص عند إخوته، مع التداعيات التي تثيرها تلك الملامح الشكليّة الموسومة، وحنين الدم الذي يشدهم إليه بألفة غريبة مجهولة دونما تفسير منطقي معقول!

ولهذا، أحسب النظم القرآني المبارك قد عَدَلَ عن عبارة: (وهم به جاهلون) إلى قوله تعالى: (وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ)، والإنكار يدل على الجهل بالشيء، كما يدل –أيضًا– على جحوده ورفضه (مع العلم به)، ولذا يكون الجمع بين المعنيين واردًا ومقبولاً، فقد عرفوا –بالحس الفطري– أنه أخوهم، لكنهم جهلوا حقيقة شخصه عندما جحدوا هذه المعرفة وأنكروها.

والتعبير بالإنكار في هذا السياق أدلُّ على ما يمور في النفس من الشكوك، وأبينُ لما كان إخوة يوسف مترددين فيه ما بين التسليم لهذا الخاطر العجيب الذي يقول: إنه أخوهم، وجحوده وإنكاره، وقد كانت بواعث الإنكار أقوى بطبيعة الحال؛ إذ كيف يكون هذا الجالس على العرش (في تمام زينته، وكمال أبّهته، ووافرِ سلطته ونفوذه)، كيف يكون هو عينه ذلك الغلام الضعيف الذي ألقوه في البئر منذ عقود طويلة ظانين أنه كان من الهالكين؟ وفي حسبانهم أنه لو قدّرت له النجاة لما نال من التوفيق شيئًا يزيد عن كونه عبدًا يرعى الغنم في وادٍ من أودية الصحراء!

على أن ذلك الهاجس الخفيَّ (بعد أن كان مُنْكرًا ومستبعدًا) قد أججه الحنين الجارف المجهول تجاه هذا (الرجل البهيّ العظيم)، فظل ذلك الهاجس الغريب المستهجن باقيًا في أنفسهم، يتداعى ما بين حين وآخر كلما أحسن الرجل إليهم، ويهب فتيًّا مع مبالغته في إكرامهم!

فلما هموا بالرحيل، (ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ) (يوسف: 70)، واستُخْرِج الصواعُ من رحل أخيهم، أرادوا اختبار صحة هذا الهاجس الخفيِّ الغريب، فعَرَّضوا بأخيهم المجهول قائلين: (إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ) (يوسف: 77)؛ لإثارة غضبه على سبيل الاختبار، ولعلهم قالوا في أنفسهم: «لو كان هذا الرجل أخانا يوسف لأغاظته هذه الكلمة وأوجعته، فكشف لنا عن ذاته المتخفية، وصارحنا بحقيقة أمره المحجوبة، وبرّأ نفسه مما ألصقناه به من دنس السرقة، فإذا كشف لنا عن حقيقة ذاته أطلق أخانا، وفرَّج كربنا، وأعتقنا من تبعاتِ الميثاق الذي أخذه علينا أبونا».

والظاهر أن يوسف عليه السلام كان فطنًا لهذا الهاجس الذي يُشْقيهم وهم عاجزون عن إبدائه، واعيًا لهذا الشك المطمور في أنفسهم، ومدركًا لما هم فيه من شقاء الحيرة؛ ولهذا أحبطَ خطَّتهم؛ وكظم غيظه، ولم يدرأ عن نفسه كيدهم؛ (فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ) (يوسف: 77).  

ساعة المكاشفة.. استفهام المُقِرّ المعترف

ولما جاءت ساعة المكاشفة دفعهم يوسف عليه السلام دفعًا إلى الكشف عمَّا يمور في أنفسهم، وجرّأهم على التصريح بما يتقلبون فيه من أوجاع الظنون المستهجنة، فقال لهم مقولة البصير: (هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ) (يوسف: 89)، فما كان منهم إلا أن أفضوا بما في ذواتهم قائلين: (أَإِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ) (يوسف: 90)؟

وهذا الاستفهام ليس استفهام الجاهل الذي يطلب المعرفة، ولكنه استفهام طالب الإقرار، فكأنما أرادوا أن يقولوا: لقد عرفنا أنك يوسف من قبلُ، وحدثتنا أنفسنا بذلك، ولكننا نَكِرناه، أليس ما زعمناه صحيحًا؟ ألم تكن أنت يوسف؟

وآية ذلك: أن جملة الاستفهام، على قِصرها ووجازتها، قد كُثّفت فيها أدوات التوكيد: «إنَّ»، و«اللام»، وكذا توكيد «كاف الخطاب المتصلة، بضمير الخطاب المنفصل أنت»؛ أي: أنك أنت بذاتك بنفسك قطعًا، أنت يوسف.. أليس كذلك؟ ألا ترى ما نقوله صحيحًا؟

ولو أنهم كانوا جاهلين به جهلاً مُطلقًا لما كان في وسعهم إلا أن يقولوا: «وما أدراك بيوسف؟ وأنى يكون لك معرفة حكايتنا معه؟»، لكنهم لمَّا استفهموا استفهام المُقِرّ المـُعْترف؛ (قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) (يوسف: 90).

 

اقرأ أيضاً:

- نوح.. بين رجاء الأب وحكمة الربّ

- قراءة نفسية وبلاغية في مشهد يونس وكعب والشاب الحالم

- تفسير: وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون

الرابط المختصر :

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة