«يديعوت أحرونوت»: فشل استخباري عميق في اختراق قيادة «حماس»

سيف باكير

07 يناير 2026

94

كشفت صحيفة «يديعوت أحرونوت» عن إقرار غير مسبوق داخل المؤسسة الاستخبارية «الإسرائيلية» بعجز أجهزتها الأمنية عن اختراق القيادة السياسية أو العسكرية لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) على مدى ما يقارب 20 عاماً، في واحدة من أخطر الإخفاقات الاستخبارية التي تكشّفت بعد السابع من أكتوبر.

وبحسب الصحيفة، تعترف المؤسسة الدفاعية «الإسرائيلية» بأن جهاز الأمن العام (الشاباك)، ووحدة الاستخبارات العسكرية «504»، وجهاز «الموساد»، لم يتمكنوا طوال عقدين تقريباً من تشغيل أي عميل ذي تأثير داخل الصف القيادي لـ«حماس»، لا في جناحها العسكري ولا السياسي.

وتطرح «يديعوت أحرونوت» سؤالاً مركزياً يعكس حجم الصدمة داخل الدوائر الأمنية: كيف لدولة تمتلك القدرة على تشغيل شبكات استخباراتية معقّدة داخل إيران، على بُعد آلاف الكيلومترات، أن تفشل في اختراق تنظيم يقع على مسافة نحو 100 كيلومتر فقط جنوب «تل أبيب»، وفي منطقة خضعت للسيطرة «الإسرائيلية» المباشرة لسنوات طويلة؟!

وتنقل الصحيفة عن مصادر أمنية تساؤلات حادة طُرحت عقب السابع من أكتوبر، من بينها: كيف لم تمتلك «إسرائيل» مئات العملاء داخل قطاع غزة قادرين على إرسال إنذار بسيط عند تحرك قيادات «حماس» فجراً؟ وكيف، في ظل الفقر المدقع في القطاع ووجود حالة تململ داخل بعض الأوساط، لم تتمكن «إسرائيل» من تجنيد عدد كافٍ من العملاء، ولو بحدّهم الأدنى، لتوفير إشارات تحذيرية مبكرة؟!

كيف فقدت «إسرائيل» أدوات الاختراق في صفوف قيادات «حماس»؟!

أحد التفسيرات التي طُرحت سابقاً، وفق الصحيفة، يشير إلى أن «الشاباك» كان يمتلك بالفعل عدداً كبيراً من العملاء داخل القطاع، إلا أن نشاطهم اقتصر على مستويات متدنية للغاية، ولم يقدّم أيٌّ منهم تقريباً معلومات ذات قيمة استخبارية قبل الهجوم، وهو ما يُعد فشلاً خطيراً بحد ذاته.

لكن «يديعوت أحرونوت» تكشف ما وصفته بالإجابة الأخطر، التي لم تُنشر من قبل: منذ الانسحاب «الإسرائيلي» من قطاع غزة عام 2005م، لم يكن لدى «الشاباك» أي عنصر فعّال أو مؤثر داخل قيادة «حماس»، لا عسكرياً ولا سياسياً، وهي حقيقة مريرة تفسّر جانباً كبيراً من الإخفاق الاستخباري.

وتوضح الصحيفة أن الانسحاب من غزة أدى إلى تفكك تدريجي لشبكات الاتصال، وتوقفت حركة العمال إلى داخل «إسرائيل»، وتراجع الاحتكاك اليومي، ومع غياب التوتر تقل فرص تجنيد العملاء، كما أن غزة، وفق التوصيف «الإسرائيلي»، تفتقر إلى اقتصاد فعّال أو سياحة أو علاقات دبلوماسية، وهي جميعها قنوات تقليدية تعتمد عليها أجهزة الاستخبارات لبناء شبكاتها.

وزادت «حماس» من تعقيد المشهد بعد أن استخلصت دروساً واسعة من العملية «الإسرائيلية» الفاشلة في خان يونس عام 2018م، التي قُتل خلالها المقدم محمود خير الدين، إذ تشير الصحيفة إلى أن «إسرائيل» لم تُقدّر حينها حجم التطور الذي بلغته «حماس» في فهم أساليبها الاستخبارية.

وتذهب «يديعوت أحرونوت» إلى أن «حماس» نجحت، على مدار سنوات، في شلّ قدرة «إسرائيل» على إدخال عملاء عبر الأسوار أو البحر أو المعابر، ونفّذت حملات ميدانية؛ ما جعل بيئة التجنيد شبه معدومة.

لماذا تحول «الشاباك» إلى جهاز للعمليات لا للمعلومات؟

وتلفت الصحيفة إلى مفارقة لافتة؛ إن عزل «حماس» داخل غزة، وهو خيار سياسي وتوصية أمنية «إسرائيلية»، أسهم عملياً في تجاهل هذا الكيان بالكامل، فتم تهميش أدوات الاستخبارات والتأثير لصالح سياسة الضربات الجوية والاغتيالات والردع بالتهديدات.

وفي هذا السياق، يوجّه بعض المسؤولين السابقين انتقادات لرئيسي «الشاباك» السابقين؛ نداف أرغمان، ورونين بار، بدعوى تقليص الاهتمام بالاستخبارات البشرية، نتيجة خلفيتهما في وحدات العمليات الخاصة.

ويقول قدامى الجهاز، وفق الصحيفة: إن «الشاباك» تحوّل إلى «وحدة دعم للعمليات الخاصة»، بعد أن كان جوهر عمله يقوم على العلاقة الثلاثية بين منسق «الشاباك» والعميل والمصدر الفلسطيني.

ورغم الإقرار بأن «الشاباك» كثّف خلال العقد الأخير من سياسة الاغتيالات، تؤكد الصحيفة أن الموارد المخصصة للاستخبارات البشرية (HUMINT) في غزة لم تشهد تقليصاً فعلياً خلال عهدي أرغمان وبار، بل إن رونين بار وضع إعادة تأهيل هذا المسار ضمن أولويات الجهاز، إلا أن المشكلة، بحسب التوصيف «الإسرائيلي»، كانت أعمق؛ فكل المحاولات فشلت، ولم ينجح أي مسار في إنتاج عملاء ذوي قيمة، وسط سؤال جوهري ظل بلا إجابة: من كان سيحمي هؤلاء العملاء؟

وتخلص «يديعوت أحرونوت» إلى أن لجان الكنيست السرية ومجلس الأمن القومي، وعلى رأسهم رئيس الوزراء بصفته المسؤول المباشر عن «الشاباك»، كان ينبغي أن يدركوا حقيقة واضحة وبسيطة؛ أنه لا وجود لعملاء بشريين ذوي قيمة في قطاع غزة، ورغم أن التقسيم المؤسسي بين «الموساد» و«الشاباك» و«وحدة 504» بدا منظماً وخالياً من الصراعات، فإنه أفرز في الواقع حالة من الانسجام السلبي وغير المنتج، تتجلّى نتائجه الكارثية اليوم.


اقرأ أيضاً:

«مليشيا أبو شباب» في غزة.. من يقودها؟ وما علاقتها بالاحتلال؟

الخيانة في زمن الحرب.. كيف نحصّن الجبهة الداخلية؟



الرابط المختصر :

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة