10 أحكام في الكلام على الطعام

10 أحكام في الكلام على الطعام

رسم الإسلام لمعتنقيه المنهج السليم في التعامل مع الجوانب المتعددة للحياة، حيث شرع العديد من الآداب التي تضبط السلوك وتحكم التصرفات، ومن الجوانب التي اهتم الإسلام بذكر آدابها وأحكامها الكلام أثناء تناول الطعام، وهذه بعض الأحكام المتعلقة به.

1- التسمية في بداية تناول الطعام والحمد في نهايته:

روى الطبراني عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي الطَّعَامِ إِذَا قُرِّبَ إِلَيْهِ: «‌اللَّهُمَّ ‌بَارِكْ ‌لَنَا ‌فِيمَا ‌رَزَقْتَنَا، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، بِسْمِ اللَّهِ»، وفي سنن أبي داود عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم: كَانَ إِذَا فَرَغَ مِنْ طَعَامِهِ قَالَ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ ‌الَّذِي ‌أَطْعَمَنَا، ‌وَسَقَانَا، وَجَعَلَنَا مُسْلِمِينَ».

وفي سنن أبي داود عَنْ ‌عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِذَا ‌أَكَلَ ‌أَحَدُكُمْ ‌فَلْيَذْكُرِ ‌اسْمَ ‌اللهِ، فَإِنْ نَسِيَ أَنْ يَذْكُرَ اسْمَ اللهِ فِي أَوَّلِهِ فَلْيَقُلْ: بِاسْمِ اللهِ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ».

2- هل يجوز الكلام والسلام على الطعام؟

يشيع بعض الناس أنه لا سلام ولا كلام على الطعام، ويظن البعض أن هذا وارد عن النبي صلى الله عليه وسلم، والحقيقة أن هذا ليس بحديث ولا أصل له(1)، فليس هناك أحاديث تنهى عن الكلام على الطعام، بل ثبت كلامه على الطعام، بل قيل: الصمت على الطعام، من سيرة الجهلاء واللئام، لا من سيرة العلماء الكرام(2).

3- هل أمر النبي بالكلام على الطعام؟

يشاع على بعض الألسنة أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالكلام على الطعام فقال: «تحدثوا على الطعام ولو بثمن أسلحتكم»، وقوله: «تحدثُوا ‌على ‌الطَّعَام، وخالفوا سُنة الْيَهُود»، وهذه أحاديث لم تثبت عنه(3)، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر أمراً مباشراً بالتحدث على الطعام، ولكنه مارس ذلك فعلياً.

ففي الصحيحين عَنْ ‌أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أُتِيَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمًا بِلَحْمٍ ‌فَرُفِعَ ‌إِلَيْهِ ‌الذِّرَاعُ، وَكَانَتْ تُعْجِبُهُ، فَنَهَسَ مِنْهَا نَهْسَةً، فَقَالَ: «أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، ففي هذا دليل على جواز الكلام أثناء الطعام.

وفي صحيح مسلم عَنْ ‌جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم سَأَلَ أَهْلَهُ الْأُدُمَ، فَقَالُوا: مَا عِنْدَنَا إِلَّا خَلٌّ، فَدَعَا بِهِ فَجَعَلَ يَأْكُلُ بِهِ وَيَقُولُ: ‌«نِعْمَ ‌الْأُدُمُ ‌الْخَلُّ، ‌نِعْمَ ‌الْأُدُمُ ‌الْخَلُّ»، قال النووي: وفيه استحباب ‌الحديث ‌على ‌الأكل تأنيساً للآكلين(4)، قال ابن القيم: وكان ‌يتحدَّث ‌على ‌طعامه كما تقدَّم في حديث الخلِّ، وكما قال لربيبه عمر بن أبي سلمة وهو يؤاكله: «سَمِّ الله، وكلْ ممَّا يليك»(5).

4- هل يجوز التحدث على الطعام بالكلام المباح؟

إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم لم ينه عن الكلام على الطعام، بل مارسه عملياً؛ فإن هذا دليل على إباحة الكلام على الطعام واستحبابه، إذا ترتب عليه إيناس الجالسين وإدخال السرور عليهم، أو تأليف قلوبهم، أو تعليمهم، قال البهوتي: ويستحب عند الطعام أن يباسط الإخوان بالحديث الطيب، والحكايات التي تليق بالحال إذا كانوا منقبضين، ليحصل لهم الانبساط ‌ويطول ‌جلوسهم(6).

5- هل يجوز التحدث على الطعام بكلام مستقذر؟

الكلام المستقذر هو ما فيه تنفير للآكلين وإفساد شهيتهم، كوصف النجاسات أو القاذورات أو الأمراض المنفرة، فإن هذا الكلام وما يدور حوله مما يجب أن تصان موائد الكرام عنه، لأنه مما تعافه النفس ويصرف الإنسان عن تناول الطعام، قال البهوتي: يكره لمن يأكل مع غيره أن ‌يتكلم ‌بما ‌يستقذر(7).

6- هل يجوز التحدث بكلام يذم بعض أنواع الطعام؟

قد يجد الإنسان طعاماً لا تشتهيه نفسه ولا يتلذذ بتناوله، وليس في هذا داعٍ للحديث عن عيوبه ومساوئه، أو السخرية من صانعيه أو آكليه، فمن أهم آداب الطعام ألا يذم المسلم طعاماً، فما يكرهه البعض يحبه البعض الآخر، وما تعافه بعض النفوس تهواه غيرها؛ ولهذا، كان من هديه صلى الله عليه وسلم أنه إذا رغب في طعام أكله ومدحه، وإذا لم يرغب فيه تركه، ففي الصحيحين عَنْ ‌أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «مَا عَابَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم طَعَامًا قَطُّ ‌إِنِ ‌اشْتَهَاهُ ‌أَكَلَهُ وَإِلَّا تَرَكَهُ».

وقد بوّب الإمام مسلم في صحيحه باباً بعنوان «بَاب: لَا ‌يَعِيبُ ‌الطَّعَامَ»(8)، وقال ابن حجر: الْمَنْقُولُ عَنْهُ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ كَانَ لَا ‌يَعِيبُ ‌الطَّعَامَ فِيمَا صَنَعَهُ الْآدَمِيُّ لِئَلَّا يَنْكَسِرَ خَاطِرُهُ(9)، فلا ينبغي للمسلم أن يعيب طعاماً، حتى لا يجرح مشاعر صانعيه أو آكليه.

7- هل يجوز الكلام والطعام في الفم؟

قال العجلوني: إذا كانت اللقمة في فم الآكل فلا يجب الكلام ولا رد السلام حينئذ، أما إذا لم تكن اللقمة في فم الآكل فلا بأس بالسلام ويجب الرد(10)، والسبب في ذلك أن المتحدث مع وجود الطعام في فمه قد يخرج منه بعض الطعام، فيكون منفراً ويؤدي إلى استنكاف الناس عن مواصلة تناول الطعام.

8- هل يستحب الإكثار من الكلام على الطعام؟

لا ينبغي للمسلم أن ‌يترك ‌الحديث ‌على ‌الطعام، كما لا ينبغي له أن يكثر منه، حتى لا ينشغل عن الطعام بالكلية أو يشغل غيره عن الطعام، بل يتكلم بالكلام القليل الذي يؤنس الضيف ويدل على الكرم، قال ابن الحاج: وينبغي أن يستدعي صاحب المنزل الكلام، فإن الأنس بالكلام جانب قوي من القرى(11).

ففي هذا دليل على أنه من الأدب على الطعام وجود الكلام القليل، قال الإمام الشافعي: إن من الأدب ‌على ‌الطعام ‌قلة ‌الكلام(12)، وفي الموسوعة الفقهية: يسن الحديث غير المحرم كحكايات الصالحين على الطعام، وتقليل الكلام أولى(13).

9- حكم المزاح أثناء تناول الطعام:

يكره المزاح على الطعام خشية ترتب الضرر عليه، قال ابن الحاج المالكي: وينبغي له ألا يمزح على الأكل خيفة أن يشرق هو، أو غيره، أو يشتغل عن ذكر ما تقدم من استحضار ذكر الله وشكر النعم وذكر الموت وغير ذلك(14).

10- مقاصد الكلام على الطعام:

في استحباب الكلام على الطعام بشرط أن يكون قليلاً وطيباً مقاصد متعددة، منها:

أولاً: إيناس الجالسين، ففي الحديث على الطعام تطييب لنفوس الصانعين، وتأنيس للآكلين، قال القيرواني: ومن الآداب: الإكثار من حكايات الصالحين ومناقب نحو الصحابة ‌مما ‌يريح ‌الآكل ويقوي نهمته وينبئ عن سماحتك، ولا سيما إن كان المصاحب لك ضيفاً(15).

ثانياً: مخالفة الأعاجم، قال الغزالي: ومن الآداب أَلَا يَسْكُتُوا عَلَى الطَّعَامِ، فإن ‌ذلك ‌من ‌سيرة ‌العجم(16).

ثالثاً: عدم الإفراط في تناول الطعام، فالحديث على الطعام يخفف نهمة الآكل، ويعطي فرصة لحسن المضغ والهضم.

الهوامش
  • 1 كشف الخفاء (2/ 363).
  • 2 الموسوعة الفقهية الكويتية (35/ 120).
  • 3 النخبة البهية في الأحاديث المكذوبة على خير البرية، ص: 94.
  • 4 شرح النووي على مسلم (14/ 7).
  • 5 زاد المعاد (2/ 475)، والحديث متفق عليه.
  • 6 كشاف القناع (5/ 180).
  • 7 المرجع السابق (5/ 176).
  • 8 صحيح مسلم (3/ 1632).
  • 9 فتح الباري (9/ 667).
  • 10 كشف الخفاء (2/ 363).
  • 11 المدخل لابن الحاج المالكي (1/ 223).
  • 12 المقاصد الحسنة، ص 511.
  • 13 الموسوعة الفقهية الكويتية (35/ 120).
  • 14 المدخل لابن الحاج المالكي (1/ 223).
  • 15 الفواكه الدواني (2/ 317).
  • 16 إحياء علوم الدين (2/ 7).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة