5 دوافع للكرم في رمضان

من أهم العلامات المميزة لرمضان المبارك أنه شهر الكرم والإحسان، والجود والعطاء، شهر يشعر فيه الغني بالفقير، شهر تتفتح فيه القلوب قبل الأيدي، وتلين فيه النفوس قبل الجيوب، فما أهم الدوافع التي تجعل العطاء في رمضان أوسع من غيره؟

1- التعبد لله بصفاته العلا ومنها الكرم:

في رمضان تتجلى العديد من مظاهر الإكرام الإلهي للمؤمنين، ومن ذلك ما يأتي:

أ- فتح أبواب الجنة وغلق أبواب النار وتصفيد الشياطين؛ فقد روى البخاري، ومسلم، عَنْ ‌أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ ‌فُتِّحَتْ ‌أَبْوَابُ ‌الْجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ، وَصُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ».

ب- مغفرة الذنوب للصائمين، روى البخاري، ومسلم، عَنْ ‌أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «‌من ‌صَامَ ‌رَمَضَانَ ‌إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»، وفي صحيح، مسلم، عَنْ ‌أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ: «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ، ‌وَرَمَضَانُ ‌إِلَى ‌رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ».

جـ- كثرة العتق من النار، روى الترمذي بسند صححه الألباني عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «‌وَلِلَّهِ ‌عُتَقَاءُ ‌مِنَ ‌النَّارِ، وَذَلكَ كُلُّ لَيْلَةٍ».

د- باب في الجنة يدخل منه الصائمون يقال له الريان، روى البخاري ومسلم عَنْ سَهْلِ ابن سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ بَابًا ‌يُقَالُ ‌لَهُ ‌الرَّيَّانُ، يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لَا يَدْخُلُ مَعَهُمْ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، يُقَالُ: أَيْنَ الصَّائِمُونَ؟ فَيَدْخُلُونَ مِنْهُ، فَإِذَا دَخَلَ آخِرُهُمْ، أُغْلِقَ فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ».

هـ- عطاء الأجر بغير حساب، جعل الله الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا في الصيام، فإنه سبحانه يصب على الصائمين العطاء صباً، ففي صحيح البخاري ومسلم عَنْ ‌أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ الْحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ ‌لِي، ‌وَأَنَا ‌أَجْزِي ‌بِهِ».

و- فيه ليلة خير من ألف شهر، قال تعالى: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ {1} وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ {2} لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ {3} تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ {4} سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ) (القدر).

2- الاقتداء بالنبي:

من دوافع الكرم في رمضان التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد كان جواداً كريماً، ففي صحيح البخاري عَنِ ‌ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ ‌أَجْوَدُ ‌مَا ‌يَكُونُ ‌فِي ‌رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ».

وَإِنَّمَا كثر جوده عَلَيْهِ السَّلَام فِي رَمَضَان لخمسة أَشْيَاء: أَحدهَا: أَنه شهر فَاضل، وثواب الصَّدَقَة يتضاعف فِيهِ، وَكَذَلِكَ الْعِبَادَات، قَالَ الزُّهْرِيّ: تَسْبِيحَة فِي رَمَضَان خير من سبعين فِي غَيره.

وَالثَّانِي: أَنه شهر الصَّوْم، فإعطاء النَّاس إِعَانَة لَهُم على الْفطر والسحور، وَالثَّالِث: أَن إنعام الْحق يكثر فِيهِ، فقد جَاءَ فِي الحَدِيث: أَنه يُزَاد فِيهِ رزق الْمُؤمن، وَأَنه يعْتق فِيهِ كل يَوْم ألف عَتيق من النَّار، فَأحب الرَّسُول أَن يُوَافق ربه عز وَجل فِي الْكَرم.

وَالرَّابِع: أَن كَثْرَة الْجُود كالشكر لترداد جِبْرِيل إِلَيْهِ فِي كل لَيْلَة.

وَالْخَامِس: أَنه لما كَانَ يدارسه الْقُرْآن فِي كل لَيْلَة من رَمَضَان زَادَت معاينته الْآخِرَة، فَأخْرج مَا فِي يَدَيْهِ من الدُّنْيَا(1).

3- استشعار مضاعفة الأجر:

في شهر رمضان تتضاعف الحسنات، فيتحول الإنفاق إلى تجارة رابحة، يستثمر فيها المؤمن ماله ليجني أضعافه أجرًا وبركةً في الدنيا والآخرة، وقد جاء في الحديث الشريف أن الكريم الذي يفطر الصائمين يأخذ من الأجر مثل أجور من أكرمهم، ففي سنن الترمذي بسند صححه الألباني عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا ‌كَانَ ‌لَهُ ‌مِثْلُ ‌أَجْرِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْئًا».

وقال أَبو السَّوَّارِ الْعَدَوِيَّ: كَانَ رِجَالٌ مِنْ بَنِي عَدِيٍّ يُصَلُّونَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ، ‌‌مَا أَفْطَرَ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى طَعَامٍ قَطُّ وَحْدَهُ، إِنْ وَجَدَ مَنْ يَأْكُلُ مَعَهُ أَكَلَ، وَإِلَّا أَخْرَجَ طَعَامَهُ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَأَكَلَهُ مَعَ النَّاسِ، وَأَكَلَ النَّاسُ مَعَهُ(2)، وكَانَ حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ يُفْطِرُ كُلَّ يَوْمٍ فِي رَمَضَانَ ‌خَمْسَمِائَةِ ‌إنسانٍ(3).

إنه استشعار لأجر تفطير الصائمين، لذلك لا يتعجب المسلم حين يجد الموائد ممتدة في المساجد والطرقات، وأبواب البيوت مفتوحة في رمضان لاستقبال كل عابر سبيل أو غريب عن المكان، فيتحول الإفطار إلى رسالة عطاء ومحبة.

4- الشعور بالفقراء:

في الصيام يجوع الغني والفقير، لكن الفقير قد اعتاد الجوع، أما الغني فإنه في الصيام يشعر بالفقير، وهذا الجوع المؤقت يوقظ في الغني مشاعر العطاء والإنفاق، ويجعل العطاء صادراً عن تجربة شعورية لا مجرد تعاطف نظري، وهنا يتجلى جانب من جوانب التربية في الصيام، حيث ينتقل المسلم من مرحلة الإحساس إلى مرحلة الإحسان.

قال ابن الهمام في فضائل شهر رمضان: ومنها: كونه موجباً للرحمة والعطف على المساكين، فإنه ‌لما ‌ذاق ‌ألم ‌الجوع ‌في ‌بعض الأوقات ذكر من هذا في عموم الأوقات فتسارع إليه الرقة عليه، والرحمة حقيقتها في حق الإنسان نوع ألم باطن فيسارع لدفعه عنه بالإحسان إليه فينال ما عند الله تعالى من حسن الجزاء، ومنها موافقة الفقراء بتحمل ما يتحملون أحياناً وفي ذلك رفع حاله عند الله تعالى(4).

ولذلك قيل لسيدنا يوسف عليه السلام: لم تجوع وفي يديك خزائن الأرض؟ فقال: «‌أخاف ‌أن ‌أشبع فأنسى الجائع»، فذكر الجائعين والمحتاجين إحدى فوائد الجوع، فإن ذلك يدعو إلى الرحمة والإطعام والشفقة على خلق الله عز وجل(5).

5- الالتزام التعبدي:

لم يقف التشريع الإسلامي عند حد الترغيب في الكرم بشكل يجعل المسلم يتطوع به؛ وإنما فرضه وجعله إلزاماً يتعبد به المسلم لربه تعالى، بل إنه أصبح مفروضاً على الكبير والصغير والرجل والمرأة وعلى كل من ملك قوت يومه، وذلك في زكاة الفطر، ففي صحيح البخاري، ومسلم عَنْ ‌نَافِعٍ، عَنِ ‌ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «‌فَرَضَ ‌رَسُولُ ‌اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَكَاةَ الْفِطْرِ، صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، عَلَى الْعَبْدِ وَالْحُرِّ، وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ».

وفي سنن ابن ماجه بسند حسنه الألباني عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَكَاةَ الْفِطْرِ، ‌طُهْرَةً ‌لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ، وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ»، فهي باب الكرم والجود، حتى لا يبقى بين الناس محتاج.


اقرأ أيضا

أثر الجود والكرم على المجتمع

صفة أخلاق الكرام

الهوامش
  • 1 كشف المشكل من حديث الصحيحين: ابن الجوزي (2/ 312).
  • 2 الكرم والجود: البرجلاني، ص 53.
  • 3 تاريخ الإسلام: الذهبي (7/ 208).
  • 4 فتح القدير: الكمال بن الهمام (2/ 301).
  • 5 إحياء علوم الدين (3/ 85).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة