6 قواعد لعمارة الأوطان عند الإمام الماوردي
قال الماوردي في
كتاب «أدب الدنيا والدين» (ص 133): اعلم أن ما به تصلح الدنيا حتى تصير أحوالها
منتظمة، وأمورها ملتئمة، ستة أشياء هي قواعدها، وإن تفرعت، وهي: دين متبع،
وسلطان قاهر، وعدل شامل، وأمن عام، وخصب دار، وأمل فسيح.
القاعدة الأولى: الدين المتبع:
الدين يصرف
النفوس عن شهواتها، ويعطف القلوب عن إرادتها، حتى يصير قاهراً للسرائر، زاجراً
للضمائر، رقيباً على النفوس في خلواتها، نصوحاً لها في ملماتها، وهذه الأمور لا
يوصل بغير الدين إليها، ولا يصلح الناس إلا عليها، فكأن الدين أقوى قاعدة في صلاح
الدنيا واستقامتها، وأجدى الأمور نفعا في انتظامها وسلامتها.
ولذلك، لم يخل
الله تعالى خلقه، مذ فطرهم عقلاء، من تكليف شرعي، واعتقاد ديني ينقادون لحكمه فلا
تختلف بهم الآراء، ويستسلمون لأمره فلا تتصرف بهم الأهواء.
وقد قال الله
تعالى: (أَيَحْسَبُ
الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى) (القيامة: 36)، وذلك لا يوجد منه إلا
عند كمال عقله، فثبت أن الدين من أقوى القواعد في صلاح الدنيا، وهو الفرد الأوحد
في صلاح الآخرة.
وما كان به صلاح
الدنيا والآخرة فحقيق بالعقل أن يكون به متمسكاً وعليه محافظاً، وقال بعض الحكماء:
الأدب أدبان: أدب شريعة وأدب سياسة، فأدب الشريعة ما أدى الفرض، وأدب السياسة ما
عمر الأرض.
القاعدة الثانية: سلطان قاهر:
تتألف من رهبته
الأهواء المختلفة، وتجتمع لهيبته القلوب المتفرقة، وتكف بسطوته الأيدي المتغالبة،
وتمتنع من خوفه النفوس العادية؛ لأن في طباع الناس من حب المغالبة على ما آثروه
والقهر لمن عاندوه، ما لا ينكفون عنه إلا بمانع قوي، ورادع ملي.
وهذه العلة
المانعة من الظلم لا تخلو من أحد أربعة أشياء: إما عقل زاجر، أو دين حاجر، أو
سلطان رادع، أو عجز صاد، فإذا تأملتها لم تجد خامساً يقترن بها ورهبة السلطان
أبلغها؛ لأن العقل والدين ربما كانا مضعوفين، أو بدواعي الهوى مغلوبين، فتكون رهبة
السلطان أشد زجراً وأقوى ردعاً.
فهذه آثار
السلطان في أحوال الدنيا وما ينتظم به أمورها، ثم لما في السلطان من حراسة الدين
والدنيا والذب عنهما ودفع الأهواء منه، وحراسة التبديل فيه، وزجر من شذ عنه
بارتداد، أو بغى فيه بعناد، أو سعى فيه بفساد، وهذه أمور إن لم تنحسم عن الدين
بسلطان قوي ورعاية وافية أسرع فيه تبديل ذوي الأهواء، وتحريف ذوي الآراء، فليس دين
زال سلطانه إلا بدلت أحكامه، وطمست أعلامه، قال عبدالله بن المعتز: الملك بالدين
يبقى، والدين بالملك يقوى.
القاعدة الثالثة: عدل شامل:
يدعو إلى
الألفة، ويبعث على الطاعة، وتعمر به البلاد، وتنمو به الأموال، ويكثر معه النسل،
ويأمن به السلطان، فقد قال المرزبان لعمر، حين رآه وقد نام متبذلاً: عدلت فأمنت
فنمت، وليس شيء أسرع في خراب الأرض ولا أفسد لضمائر الخلق من الجور؛ لأنه ليس يقف
على حد ولا ينتهي إلى غاية، ولكل جزء منه قسط من الفساد حتى يستكمل.
فإذا كان العدل
من إحدى قواعد الدنيا التي لا انتظام لها إلا به، ولا صلاح فيها إلا معه، وجب أن
نبدأ بعدل الإنسان في نفسه، ثم بعدله في غيره، فأما عدله في نفسه فيكون بحملها على
المصالح، وكفها عن القبائح، ثم بالوقوف في أحوالها على أعدل الأمرين من تجاوز أو
تقصير، فإن التجاوز فيها جور، والتقصير فيها ظلم، ومن ظلم نفسه فهو لغيره أظلم،
ومن جار عليها فهو على غيره أجور.
وأما عدله في
غيره فقد ينقسم حال الإنسان مع غيره على ثلاثة أقسام؛ الأول: عدل الإنسان فيمن
دونه كالسلطان في رعيته، والرئيس مع صحابته، والثاني: عدل الإنسان مع من فوقه،
كالرعية مع سلطانها، والصحابة مع رئيسها، والثالث: عدل الإنسان مع أكفائه.
القاعدة الرابعة: أمن عام:
تطمئن إليه
النفوس وتنتشر فيه الهمم، ويسكن إليه البريء، ويأنس به الضعيف، فليس لخائف راحة،
ولا لحاذر طمأنينة، وقد قال بعض الحكماء، الأمن أهنأ عيش، والعدل أقوى جيش؛ لأن
الخوف يقبض الناس عن مصالحهم، ويحجزهم عن تصرفهم، ويكفهم عن أسباب المواد التي بها
قوام أودهم وانتظام جملتهم؛ لأن الأمن من نتائج العدل، والجور من نتائج ما ليس
بعدل.
وقد يكون الجور
تارة بمقاصد الآدميين الخارجة عن العدل، وتارة يكون بأسباب حادثة من غير مقاصد
الآدميين فلا تكون خارجة عن حال العدل، فمن أجل ذلك لم يكن ما سبق من حال العدل
مقنعاً عن أن يكون الأمن في انتظام الدنيا قاعدة كالعدل، فإذا كان ذلك كذلك فالأمن
المطلق ما عم والخوف قد يتنوع تارة ويعم، فتنوعه بأن يكون تارة على النفس، وتارة
على الأهل، وتارة على المال.
وعمومه أن
يستوجب جميع الأحوال، ولكل واحد من أنواعه حظ من الوهن، ونصيب من الحزن، وقد يختلف
باختلاف أسبابه ويتفاضل بتباين جهاته، ويكون بحسب اختلاف الرغبة فيما خيف عليه، فمن
أجل ذلك لم يجز أن يتصف حال كل واحد من أنواعه بمقدار من الوهن ونصيب من الحزن، لا
سيما والخائف على الشيء مختص الهم به منصرف الفكر عن غيره، فهو يظن أن لا خوف له
إلا إياه، فيغفل عن قدر النعمة بالأمن فيما سواه، فصار كالمريض الذي هو بمرضه
متشاغل، وعما سواه غافل.
القاعدة الخامسة: خصب دار:
تتسع النفوس به
في الأحوال وتشترك فيه ذو الإكثار والإقلال، فيقل في الناس الحسد، وينتفي عنهم
تباغض العدم، وتتسع النفوس في التوسع، وتكثر المواساة والتواصل، وذلك من أقوى
الدواعي لصلاح الدنيا وانتظام أحوالها، ولأن الخصب يؤول إلى الغنى، والغنى يورث
الأمانة والسخاء.
وإذا كان الخصب
يحدث من أسباب الصلاح ما وصفت، كان الجدب يحدث من أسباب الفساد ما ضادها، وكما أن
صلاح الخصب عام، فكذلك فساد الجدب عام، وما عم به الصلاح إن وجد، وما عم به الفساد
إن فقد، فأحرى أن يكون من قواعد الصلاح ودواعي الاستقامة، والخصب يكون من وجهين:
خصب في المكاسب، وخصب في المواد، فأما خصب المكاسب فقد يتفرع من خصب المواد وهو من
نتائج الأمن المقترن بها، وأما خصب المواد فقد يتفرع عن أسباب إلهية وهو من نتائج
العدل المقترن بها.
القاعدة السادسة: أمل فسيح:
يبعث على اقتناء
ما يقصر العمر عن استيعابه ويبعث على اقتناء ما ليس يؤمل في دركه بحياة أربابه، ولولا
أن الثاني يرتفق بما أنشأه الأول حتى يصير به مستغنياً، لافتقر أهل كل عصر إلى
إنشاء ما يحتاجون إليه من منازل السكنى وأراضي الحرث، وفي ذلك من الإعواز وتعذر
الإمكان ما لا خفاء به.
فلذلك، ما أرفق
الله تعالى خلقه باتساع الآمال إلا حتى عمر به الدنيا فعمّ صلاحها وصارت تنتقل
بعمرانها إلى قرن بعد قرن، فيتم الثاني ما أبقاه الأول من عمارتها، ويرمم الثالث
ما أحدثه الثاني من شعثها لتكون أحوالها على الأعصار ملتئمة، وأمورها على ممر
الدهور منتظمة.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً