إصلاح النفس وتغذيتها بكل خير

المجتمع

09 يناير 2019

90

إصلاح النفس وتغذيتها بكل خير

إن الإصلاح النفسي الدعامة الأولى لتغلب الخير في الحياة، فإذا لم تصلح النفوس أظلمت الآفاق، وسادت الفتن حاضر الناس ومستقبلهم، يقول تعالى: (إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ {11}) (الرعد)، ويقول سبحانه معللاً هلاك الأمم الفاسدة: (كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَفَرُواْ بِآيَاتِ اللّهِ فَأَخَذَهُمُ اللّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ {52}‏ ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ {53}) (الأنفال)، ويوضح الحق سبحانه الصلة الوثيقة بين صفاء النفس وصفاء العيش، وبين جمال الخلق وجمال الحياة؛ (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ) (الأعراف: 96).

تحدثنا في العدد الماضي عن أن سر تفوق الشيخ محمد الغزالي على كثير من نظرائه؛ هو خطواته الطليقة نحو المعرفة الإنسانية المعاصرة، فيفيد منها، ويتعرف على أبعادها، ويواجه ما يستجد من تصورات وآراء تبدو براقة ومدهشة، ولكنها من الداخل خاوية وفارغة، ويتصدى لها بالمنطق ويتسلح لمواجهتها بالثقافة.. وفي هذا العدد، نتحدث عن منهج التربية الإسلامية في دراسة النفوس، والقلوب، وتغذية النفس بالخير داخلياً حتى يفيض خارجياً.

لقد أوغلت التربية الإسلامية الأولى في دراسة النفوس وأحوالها، والقلوب وأطوارها بهدف جعل السعادة العظمى تنبع من داخل الإنسان لا من خارجه، ومغرية المرء أن يرتقي في آفاق نفسه وحدها كواكب اليُمن والإقبال والرضوان.

في شؤون الدنيا والدين لا ترى إلا “النفس” مادة للعمل ومجالاً للتجربة.

حكى “ديل كارنيجي” قصة شاب أنهكته العلة، فرحل عن وطنه يطلب الصحة في السياحة، كان أبوه يعلم حقيقة مرضه، وأن سقامه جاء من توعك مزاجه وغلبة أوهامه، فكتب إليه في غربته هذه الرسالة:

“ولدي، إنك الآن على بعد ألف وخمسمائة ميل من بيتك، ومع أنك لست تحس فارقاً بين الحالين هنا وهناك، أليس كذلك؟ بلى! لأنك أخذت عبر هذه المسافة الشاسعة الشيء الوحيد الذي هو مصدر كل ما تعانيه، ذلك هو نفسك، لا آفة البتة بجسمك أو عقلك، ولا شيء من التجارب التي واجهتها قد تردى بك إلى هذه الهاوية السحيقة من الشقاء، وإنما الذي تردى بك هو العوج الذهني الذي واجهت به تجاربك، وكما يفكر المرء يكون، فمتى أدركت ذلك يا بني، فعد إلى بيتك وأهلك، لأنك يومئذ تكون قد شفيت”.

قال الشاب: “هاجني هذا الخطاب، وبلغ بي الغضب حداً قررت معه ألا أعود إلى بيتي وأهلي، وفي تلك الليلة وبينا كنت أذرع أحد الشوارع، وجدت كنيسة في طريقي تقام فيها الصلاة، ولما لم تكن لي وجهة معينة، فقد دلفت إليها لأستمع إلى الموعظة الدينية التي تلقى، كان عنوان العظة “هذا الذي يقهر نفسه، أعظم من ذلك الذي يفتح مدينة”. Untitled-2019.jpg

وكأنما كان جلوسي في معبد من معابد الله، وإنصاتي إلى الأفكار التي تضمنها خطاب أبي تقال بصيغة أخرى؛ ممحاة مسحت الاضطراب الذي يطغى على عقلي، ووسعني في تلك اللحظة أن أفكر تفكيراً متزناً في حياتي، وهالني إذ ذاك أن أرى نفسي على حقيقتها، نعم.. لقد رأيتني أريد أن أغير الدنيا وما عليها، في حين أن الشيء الوحيد الذي كان في أشد الحاجة إلى التغيّر هو تفكيري واتجاه ذهني.. هو نفسي”.

ويشير الشيخ الغزالي إلى أنه كتب في مؤلفه “خلق المسلم” ما كتبه “كارنيجي”، ونوه بالحقيقة الكبيرة: “الإسلام كسائر رسالات السماء يعتمد في إصلاحه العام على تهذيب النفس الإنسانية قبل كل شيء، فهو يكرس جهوداً ضخمة للتغلغل في أعماقها، وغرس تعاليمه في جوهرها حتى يستحيل جزءاً منها”.

قد تتحدث رسالات السماء عن المجتمع وأوضاعه، والحكم وأنواعه، وتقدم أدوية لما يعرو هذه النواحي من علل.

ومع ذلك فالشرائع لا تخرج عن طبيعتها في اتخاذ النفس الصالحة؛ البرنامج المفضل لكل إصلاح، والخلق القوي هو الضمان الخالد لكل حضارة، ولا يعني ذلك تقليلاً من شأن بناة المجتمع والدولة. (راجع: جدد حياتك، ص 107-109).

تغذية النفس بالخير

إن الشيخ الغزالي حريص على تغذية النفس المسلمة بكل خير يأتي من أي مكان وفقاً للأثر: «اطلبوا العلم ولو في الصين»، و»الحكمة ضالة المؤمن..»، ويذكر أن مشاعر التعصب لجنس من الأجناس بوصفه مسلماً ماتت في دمه، وهذا لا يعني بحال أن التحمس للعروبة وأدبها قد مات أيضاً في نفسه، فهو يعلم أن السياسة الدولية في ضميرها الملوّث تتمنى ذلك، وتسخّر أتباعها وأذنابها في بلاد الشرق من أجل ذلك؛ حيث اصطنعوا لوناً من الأدب الصحفي التافه الفقير كل الفقر من المعاني الحية.

وفي مناسبات عديدة، يحرص الشيخ الغزالي على الإعلان عن تمسكه بقيم الإسلام في بناء النفس والمجتمع، وإن كان يبحث عن الحكمة في كل مكان، ويقارنها بما يملكه التصور الإسلامي من ثروات وإمكانات قيمية تفوق ما لدى الآخرين.

خذ مثلاً إجابته عن سؤال يقول: “لماذا كان الحل الإسلامي لمشكلاتنا هو الأفضل والأمثل والأنجع؟”.

يردّ الشيخ الغزالي بإجابة طويلة، منها:

“اليوم نريد أن ننفض تراب الهزيمة عنا، وأن نستأنف مسيرتنا كما كنا، أعني كما كان سلفنا الأوائل الكبار، لا بد لذلك عناصر معينة لا يصنعها إلا الإسلام.

نريد زرّاعاً وصناعاً وتجاراً ينمون اقتصاد أمتهم كما ينمون ثرواتهم، ويدركون أن غنى الأمة يجعلها قادرة على صون شرفها، وحفظ حقوقها، وأن الجهاد المالي صنو الجهاد النفسي.

نريد أناسا يحافظون على المال العام، ويشعرون بحق الله فيه، وأن الأخذ منه دون وجه حق غلول؛ (وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ {161}) (آل عمران).

ثم مَن مِن أهل الملل والنحل ترك دينه؟ لقد أقبل اليهود في موكب تظله صحائف التوراة والتلمود، ويتقدمه صخب من مزامير آل داود، ورأى الناس بين القطبين الشمالي والجنوبي هذا الولاء الديني العاصف فما أنكروا له صيحة، مع أنها صيحات جزارين، وديست مدننا وقرانا فما رثي لنا أحد!

فهل كل ولاء مقبول إلا الولاء للإسلام؟ وهل كل حل حسن إلا الحل الإسلامي؟

والواقع أن العوائق دون تحكيم الإسلام خلقية لا علمية، وأن الحل الإسلامي يعرفه أهل الذكر.. والحل الإسلامي لا يؤخذ من أفواه الجهال والكذبة» (محمد الغزالي، مائة سؤال عن الإسلام،ج3، تقديم: محمد عمارة، مجلة الأزهر، القاهرة، 1439هـ/ 2017م، ص6 وما بعدها).

رحم الله الشيخ الغزالي، فقد أراد للمسلمين أن يجددوا حياتهم، ويبعثوها قوية مهدية من خلال دينهم ولغة القرآن الكريم والإفادة من تجارب الآخرين، والسير قدماً للمشاركة في الحضارة الإنسانية بتقديم النموذج الأرقى والأفضل والأمثل.

 

______________

(*) أستاذ الأدب والنقد.
الرابط المختصر :

كلمات دلالية

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة