مجلة المجتمع - حكايتي وتجربتي مع كورونا

آراء

د. جمال نصار

حكايتي وتجربتي مع كورونا

السبت، 19 ديسمبر 2020 02:57 عدد المشاهدات 3684

فيروس كورونا شديد وصعب، ولكنه في ذات الوقت سهل لمن سهّله الله عليه، فالأمر يحتاج استعانة بالله والأخذ بالأسباب، ولنتذكر قول المصطفى الكريم، صلى الله عليه وسلم: "نعمتان مغبون فيها كثير من الناس؛ الصحة والفراغ"، فكثير من الناس تضيع صحته بغير فائدة، وفراغه في غير منفعة، صحيح الجسم معافى في بدنه، وعنده فراغ ولكن لا يستعمل ذلك فيما ينفعه، وفيما يقربه من الله، وفيما ينفعه في الدنيا، فهذا مغبون في هاتين النعمتين.

وكما يقولون: "الصحة تاج على رؤوس الأصحاء"، لا يراها إلا المرضى، فمن فقد الصحة، فقد الراحة، وعاش مريضًا ومكتئبًا، وهناك من يملك المال الوفير، ولكن يفتقد إلى الصحة والعافية، فالمال دون صحة لا يفيد شيئًا، فالمستشفيات مكتظة بالمرضى، نسأل الله العفو والعافية.

وكان أحد التابعين يُسمى "ابن السماك" يحفر خندقًا في بيته، ويجلس فيه كل يوم، ويتذكر عذاب القبر وضمّته، ثم ينتفض، ويقول: ها أنت قد عُدت يا ابن السماك فانظر ماذا تفعل.

أسأل الله أن يقوينا على طاعته، ويأخذ بأيدينا إليه، وإنها لفرصة لكي نصحح المسار، ونحسّن علاقاتنا مع الله عز وجل، ومع الناس، وما ذلك على الله بعزير، ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب.

متى بدأت آثار كورونا

في الحقيقة حديثي في هذا الشأن من أجل أخذ العبرة والعظة، والاستفادة من خبرات الآخرين لعل فيها النفع للناس، وما توفيقي إلا بالله.

ففي يوم الجمعة الموافق 27 نوفمبر 2020م، بعد إنهاء محاضراتي مع الطلاب، واستقبالي لبعض طلاب الدراسات العليا، وبعض الزملاء، شعرت كأنني مصاب بنزلة برد، فلم آخذ الموضوع على محمل الجدّ، ولكن في اليوم التالي زادت المسألة، بارتفاع درجة الحرارة، ورعشة في الجسم، فأخذت مخفضاً للحرارة، وشربت العديد من السوائل الساخنة، وتكرر نفس الكلام في اليوم التالي، فأخبرت زوجتي بالتواصل مع أحد أصدقائي الأطباء ممن يعرف حالتي مسبقًا، حيث أعاني من مشكلات في الرئة مجهولة السبب، منذ فترة، فعلى الفور قال لها: لا بد أن يذهب فورًا للمستشفى لعمل اختبار كورونا.

وعلى الفور اتصلت زوجتي بالتاكسي، وقلنا: لا ننتظر الإسعاف؛ لأن المستشفى المتخصص في المسح يبعد عني حوالي 20 كم، وحينما ركبنا التاكسي سألنا: لماذا تذهبون إلى المستشفى في هذا الوقت، وكان ليلة الأحد، ويوم حظر تجوال، بعد 11 مساءً، فقلنا له: أشعر بالسخونة، فقال: لن أذهب معكم، وعلى الفور فتح نوافذ السيارة وطلب منّا النزول.

فقلت لزوجتي: نأخذ سيارتي الخاصة ونتوكل على الله، وبالفعل تحركنا بها، وكنت أخشى من المرور لأنه وقت حظر، واتصلت بزميل يعرف في مثل هذه الأمور، فقال: ليس هناك مشكلة، فحينما تذهبون إلى المستشفى يمكنكم أخذ ما يثبت أنكم كنت في المستشفى، وتسلمونها للمرور إذا سجلت عليكم مخالفة.

وحينما وصلنا المستشفى كان التوقيت بعد 12 مساءً، ولم يكن هناك زحام، وفي الحقيقة وجدت اهتماماً ونظافة فائقة، وأخذوا المسحة، وقالوا: بعد يومين ستصلك النتيجة على الموبايل.

وفي طريق العودة أوقفتنا لجنة مرور مرتين، وفي كل مرة حينما أقول لهم: كنت في المستشفى، يتعاملون معنا بكل أدب واحترام، ويشيرون إليّ بالاستمرار في السير والدعاء بالشفاء.

وقبيل ظهر اليوم التالي اتصل رقم أرضي على تليفوني، وردت الزوجة، وقالت: مبروك إيجابي وتبسّمت، ظننتها تقصد مفهوم المخالفة، فقلت لها: ماذا تقولين؟، قالت: ماذا أقول؟ الحمد لله.

وأرسلوا لنا من المستشفى بعدها بساعات علاجاً لكورونا، عبارة عن "كورس" مكثف لمدة 6 أيام، فانتظمت في تناوله، وبدأنا العزل في المنزل، والأمور تسير بين ارتفاع الحرارة أحيانًا، والرعشة أحيانًا أخرى، وتطور الأمر في يوم الخميس الموافق 3 ديسمبر 2020م، ووصل إلى الترجيع الرعشة مع ارتفاع درجة الحرارة.

في هذه الحالة اتصلنا بالإسعاف، وجاؤوا بعد نصف ساعة تقريبًا، وذهبت معهم إلى مستشفى "بيلك دوزو دولت هستانا سي"؛ أي مستشفى الدولة الحكومي.

في المستشفى مواقف لا تنسى!

حينما وصلت المستشفى على الفور سألوني: من أي شيء أشتكي، فأخذت أصف لهم بقدر استطاعتي، لأن اللغة لا تسعفني، وأتوا بمترجم، وشرحت لهم وضعي، وأخذوا مني عينة دم، وعملوا أشعة مقطعية على الصدر، ورسم قلب، وأجلسوني في غرفة الطوارئ مع آخرين لمدة ثلاث ساعات، وركّبوا لي محلولاً، وبعد ذلك قرروا حجزي في غرفة بالطابق الخامس.

أخذني الممرض على كرسي متحرك وذهب بي عبر الأسانسير، وأدخلني غرفة مجهزة ومرتبة ونظيفة، وكان يوجد فيها مريض آخر، فهي تسع لشخصين، وبها حمام.

وقاموا بقياس الحرارة، ونسبة الأوكسجين، وهذا الأمر يستمر ثلاث مرات يوميًا، مع توفير ثلاث وجبات طعام، وعلاج، عبارة عن حبوب، وأحيانًا محلول مضاد حيوي، وأخذ عينة دم من حين لآخر، مع إعطاء حقنة سيولة للدم يوميًا، مع عمل أشعة على الصدر أكثر من مرة.

المرافقون في الغرفة

أول نزيل رافقته في الغرفة، كان رجلًا طيبًا، ومصلياً، اسمه رجب، وأول ما رآني في اليوم التالي رحبّ بي وأعطاني بعض المكسرات، والمياه، فشكرته، وكان هادئ الطباع، وبعد يومين انصرف من الغرفة إلى بيته.

وفي اليوم التالي جاء نزيل آخر اسمه علي، ولكن كانت معه زوجته عائشة، وكانت كثيرة الكلام بصوت مرتفع في التليفون، فشعرت أنني أجلس في سنترال، فرجوتها أن تخفض الصوت، وكنت على تواصل مع زميل تركي، وطلبت منه النصيحة، فكتب لي رسالة باللغة التركية، وأخبرت العامل بها، وبلّغها لها.

ومن وقتها وهي تنظر إليّ نظرات مش ولا بد، والحمد لله بعد يومين انتقلا إلى غرفة أخرى، لأنها عانت أيضًا من المرض، أسأل الله أن يتم عليهما الشفاء.

وجاءني ضيف ثالث في الغرفة رجل كبير وحيي اسمه الحاج عيسى، يتسم بالوقار، ومواظب على الصلاة، ولا تسمع له إلا همساً، لازمته زوجته في اليوم التالي، وكانت غاية في الأخلاق والكرم، أتمنى له الشفاء العاجل.

نصائح مهمة

لا يغني حذر من قدر، فما كان لك سوف يأتيك، فقد كنتُ حريصًا، في الأخذ بالأسباب، والابتعاد عن التجمعات البشرية، بقدر المستطاع، وأقضي محاضراتي عبر برامج التعليم عن بُعد، ولكن قدر الله وما شاء فعل.

ومع هذا لا بد من أخذ الاحتياطات اللازمة، والسعي إليها، لأننا مأمورون بالأخذ بالأسباب (فَأَتْبَعَ سَبَباً) (الكهف: 85)، يقول د. يسري عقل، أستاذ الأمراض الصدرية في قصر العيني بالقاهرة: إن ملاحظاتي على الموجة الحالية من واقع شغلي شديدة الانتشار، شديدة العدوى، غالبًا تؤثر على كل أفراد البيت (حجم عائلي)، تؤثر على كل الأعمار، تتأثر الرئة في أحيان كثيرة منذ اليوم الأول حتى في الشباب، لديَّ أطفال من عمر 6 شهور، حالات الجهاز الهضمي بدأت تقل وازدادت حالات الرئة وهي الأخطر، الحالات متوسطة الشدة والشديدة آخذة في الزيادة، واضح أننا سنمر بشتاء شديد القسوة، ربنا يحفظ الجميع.

الماسك (الكمامة)، والتباعد، وغسيل الأيدي، والابتعاد عن الأماكن المغلقة قدر الإمكان، رسالة مهمة للجميع، الماء الساخن الذي تشربه مفيد لحلقك.

لكن فيروس كورونا هذا مخفي خلف الجيوب الأنفية للأنف لمدة 3 إلى 4 أيام، الماء الساخن الذي نشربه لا يصل إلى هناك، بعد 4 إلى 5 أيام، يصل هذا الفيروس المختبئ خلف الجيوب الأنفية إلى رئتيك، ثم تجد صعوبة في التنفس.

لهذا السبب من المهم جدًا تناول البخار الذي يصل إلى الجزء الخلفي من الجيوب الأنفية، عليك أن تقتل هذا الفيروس في الأنف بالبخار.

عند 50 درجة مئوية، يصبح هذا الفيروس معطلاً، أي مشلولًا، عند 60 درجة مئوية يصبح هذا الفيروس ضعيفًا جدًا بحيث يمكن لأي جهاز مناعة بشري محاربته، عند 70 درجة مئوية يموت هذا الفيروس تمامًا.

يجب على من يبقى في المنزل أن يأخذ البخار مرة واحدة في اليوم، إذا ذهبت إلى السوق لشراء الخضار، يأخذها مرتين في اليوم، يجب على أي شخص يلتقي ببعض الأشخاص، أو يذهب إلى المكتب أن يأخذ البخار 3 مرات في اليوم.

شكر واجب

الحمد لله ثم الحمد لله، اللهم لك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضا، ولك الحمد إلى منتهاه.

الحمد لله، خرجت يوم الخميس 17 ديسمبر 2020م من المستشفى، وما زلت أتعافى من آثار كورونا، فالحمد لله على كل حال، صاحب الفضل والمنّة على عباده، ولا تنسونا من دعواتكم الصالحة.

وأسأل الله أن يغفر ذنوبنا، ويغسل حوبتنا، ويشف مرضانا ومرضى المسلمين في كل مكان، ويرحم أمواتنا وأموات المسلمين يا رب العالمين.

وأتوجه بخالص الشكر والتقدير للفريق الطبي المتميز في مستشفى بيلك دوزو في إسطنبول على ما بذلوه من جهد معي، فجزاهم الله خير الجزاء، وتقبل جهادهم في هذه الظروف الصعبة.

فمنذ أن جاءني الإسعاف يوم الخميس 3 ديسمبر حتى خروجي في 17 ديسمبر 2020م، وجدت كل الرعاية المناسبة، فشكر الله لهم جميعًا.

ولا يسعني إلا أن أتوجه بخالص الشكر والامتنان، لكل من تواصل معي عبر الوسائل المختلفة، من أساتذتي، وزملائي في كلية العلوم الإسلامية، جامعة إسطنبول صباح الدين زعيم، وأصدقائي، وطلابي، وطالباتي، ومن أعرف، ومن لا أعرف، "فمن لا يشكر الناس لا يشكر الله"، وأعتذر لعدم الرد لصعوبة ذلك، في هذا الوقت، وأعلم أنكم جميعًا أصحاب فضل، فشكر الله لكم، وحفظكم ومن تحبون من كل سوء، وكتب لنا جميعًا العفو والعافية، والصحة الدائمة، والأجر والمثوبة.

وإن أنسى لا أنسى أهل بيتي، وأبنائي، وإخوتي، وعائلتي الكبيرة، وأقاربي، فلم يقصّروا لحظة في الاطمئنان عليّ، والدعم بالدعاء، فجزى الله الجميع خير الجزاء.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

 

________________________________

(*) أستاذ الفلسفة والأخلاق في جامعة إسطنبول صباح الدين زعيم التركية.

آخر تعديل على السبت, 26 ديسمبر 2020 16:35

مجتمع ميديا

  • عدد جديد لـ"المجتمع": القروض.. مصيدة للسيطرة على الدول

إقرأ المجتمع PDF

azs 2153