مجلة المجتمع - الدولة المدنية.. من هو الإرهابي؟

آراء

د. حلمي القاعود

الدولة المدنية.. من هو الإرهابي؟

السبت، 06 فبراير 2021 02:48 عدد المشاهدات 3084

في مساء العشرين من يناير 2021م، تم تنصيب الرئيس السادس والأربعين للولايات المتحدة (جوزيف بايدن) في مراسم بدأت بقداس في الكنيسة القريبة من مبنى الكونجرس الأمريكي حضره الرئيس المنتخب، الذي انتقل إلى منصة التنصيب ليقسم على نسخة من الكتاب المقدس تقتنيها أسرته لأكثر من قرن من الزمان، كان يقسم عليه مذ بدأ حياته السياسية في عام 1973م (سيناتور، نائب رئيس، رئيس)، ثم حضر كاهن ليتلو آيات من الكتاب المقدس وأدعية وصلوات لثاني رئيس كاثوليكي في تاريخ الولايات المتحدة التي حكمها من قبل رؤساء بروتستانت، كان الرئيس الكاثوليكي الأول جون كيندي الذي تم اغتياله في حادثة معقدة.

خطر على المسيحية

كان الدين حاضرًا بقوة في مراسم التنصيب، ولم يكن الأمر قاصرًا على بايدن، بل كان حاضراً في تنصيب الرؤساء الأمريكيين السابقين، وكان عنصراً من العناصر التي ألح عليها الرئيس المنتهية ولايته دونالد ترمب في صراعه السياسي مع منافسه بايدن في أثناء الانتخابات، لقد اتهمه بأنه خطر على المسيحية، وحذر الأمريكيين من تساهله في أمر الدين، فضلاً عن حملته على الإسلام المسلمين ونظرته إلى الإسلام ووصفه بأنه ليس ديناً، وقد دأب ترمب كما يقول  أنتوني زورشر، مراسل أمريكا الشمالي في 9 فبراير 2017، على التحذير من المخاطر التي يشكلها ما يسميه "الإرهاب الإسلامي المتطرف"، وهو موقف ينظر إليه كثيرون على أنه انتقاد مباشر للرئيس باراك أوباما الذي رفض بإصرار استخدام هذا التعبير، وقد هاجم ترمب صراحة أوباما، وهيلاري كلينتون بوصفهما مؤسسي "تنظيم الدولة الإسلامية" (داعش)! في المقابل لم يقصر الآخر في الحديث عن الدين وأهميته.  

كل هذا الاهتمام بالدين من جانب الرئاسة الأمريكية لا يلفت نظر المثقفين الاستعماليين في بلادنا العربية، بل إنهم يستشيطون غضباً حين يستخدم رئيس أو حاكم عربي مسلم "البسملة" في أول خطابه أو كلامه، ويقيمون الدنيا ولا يقعدونها لأنه استخدم آية كريمة، وما أكثر الصخب والصياح الذي جرى حين كان الرئيس المنتخب محمد مرسي يذهب لصلاة الفجر، وزعموا بأكاذيبهم أنه يكلف الدولة أموالاً طائلة بسبب الحراسة، مع أنه كان يصرف الحراس أو يدعوهم إلى الصلاة معه.

المرجعية الإسلامية

المثقفون الاستعماليون الذين يصرون على شطب الإسلام من حياتنا ودستورنا، ويرون أن مادة المرجعية الإسلامية في الدستور مع مادة أخرى تثير تناقضاً مع الدولة المدنية، لا يلتفتون إلى الاهتمام الشديد بقضية الدين لدى قدوتهم الغربيين والأمريكان، وتناسوا أن ملكة بريطانيا هي الرئيس الأعلى للكنيسة البروتستانتية في لندن، وتعجب حين تعلم أنه مع وجود مادة المرجعية الإسلامية في الدساتير العربية فالإسلام لا وجود له في الأنظمة الحاكمة عملياً، فقد كان من يحكمون على مدى قرنين مضيا من الزمان لا يعطون الإسلام دوراً في تحقيق العدل والشورى والحرية والرحمة والتكافل والكرامة الإنسانية، بل حكموا وفقاً لما تمليه رؤوسهم أو ما يمليه الآخرون غير المسلمين، ولكن المثقفين الاستعماليين يصرون على استئصال الإسلام من كل شيء، حتى من الدساتير التي لا يعمل بها أحد!

معاناة وعلمانية

إن دول الغرب التي يهيم بها المثقفون الاستعماليون حباً وعشقاً، ويسمونها دولاً علمانية لا تتسامح مع الإسلام والمسلمين، ولا تجد من هؤلاء كلمة احتجاج ولو عابرة على عنصرية هذه الدول وتمييزها ضد بشر لا ذنب لهم إلا إيمانهم بالإسلام، لم نر مثقفاً استعمالياً واحداً يغضب من أجل معاناة المسلمين في الدول العلمانية أو الوثنية، بل نجد بعضهم يخلع عذار الحياء ويقف إلى جانب الدول العنصرية وإجرامها ويطالب بتأييدها في ممارساتها القمعية ضد المسلمين بدعوى مكافحة الإرهاب الإسلامي! وها هو أحدهم يقول في صحيفة يومية عربية كبرى يوم 10/ 1/ 2021م، بكل هدوء: "وعندما نرى اليوم أوروبا تحاول القضاء على ذلك الإرهاب المُتستِّر براية الإسلام البريء من تلك المزاعم الإرهابية، فإننا نقف مع تلك الدول حتى لا تلتهمها نيران التعصب ومخاطره التي يمكن أن تمتد شراراتها إلى العالم بأَسْره، ولذلك فمن أكثر الأمور أهمية أن نعض بنواجذنا على الصفة المدنية للدولة..".

تعاطف مع فرنسا

لقد افترض المثقف الاستعمالي الاستئصالي أن المسلمين في الغرب يمارسون إرهابًا يتستر بالدين، وهو ما يستدعي من وجهة نظره الوقوف إلى جانب القمع الغربي للمسلمين جميعًا حتى تنجو بلاد الغرب من نيران التعصب الإسلامي، ولا تصل إلى دول العالم أجمع! أرأيتم إنسانية المثقف الذي لم يتذكر لحظة أن دول الغرب الاستعماري وأمريكا دمرت بلداناً بأكملها مثل العراق وسورية وأفغانستان وليبيا، وضربتها بأحدث قنابلها وأسلحتها، وخلفت ملايين الضحايا والأرامل والأيتام، فضلاً عن الدمار المادي والنفسي للمسلمين في هذه البلاد والعالم الإسلامي! دون أن يهتز له جفن، ولكنه يواصل براهينه الزائفة لتأييد الغرب في قمعه للمسلمين بالقول: "عندما نقف اليوم مع فرنسا ونتعاطف معها ونؤيدها في حربها على الإرهاب الديني (يقصد الإسلامي!)، فإنما نفعل ذلك للسبب نفسه الذي تفعله فرنسا، وهو الحفاظ على الصفة المدنية للدولة".

ثم يواصل القول الزائف: "والحق أن فرنسا اليوم تقوم بمواجهة هذا الوحش (يقصد الإسلام) الذي أمنت له وسمحت له بالتضخم بين جوانبها، نتيجة إيمانها بمدنيتها من ناحيةٍ، وما ينبني على هذه الصفة المدنية من تسامحٍ، وقبول للاختلاف، ونبذٍ للتعصب بأي حالٍ من الأحوال، ولكن فرنسا فعلت ذلك مع فئات لم تكن تعرف معنى الدولة المدنية، ولا ترى وجودًا إلا لدولةٍ دينيةٍ(!).. وهو الأمر نفسه الذى حدث في إنجلترا التي فتحت أبوابها في السبعينيات للعناصر الإسلامية أو التي اتخذت الإسلام قناعًا تُخفِى وراءه مصالحها وأهدافها السياسية، ووصلت بها قوة حضورها في إنجلترا إلى حد إطلاق اسم لندنستان على العاصمة لندن في عام 1975م الذي كان ذروة المد الإسلامي السياسي في إنجلترا".

إغلاق مساجد وجمعيات

لقد تجاهل المثقف الاستعمالي مثلاً ما يقوله ماكرون عن اتهامه الكاذب للمسلمين بالانفصال، بينما المسلمون يعيشون في دولته المدنية مواطنين من الدرجة الثانية أو العاشرة وفقاً لبعض التقديرات الاجتماعية والسياسية، ونسي أن السيد ماكرون بدأ في عملية استئصال الإسلام بقرارته الذي أغلق فيها تسعة مساجد وثلاث جمعيات إسلامية على أرض فرنسا، عدا الجمعيات والروابط الإسلامية التي تنتظر الإغلاق، هل هذه دولة مدنية أو علمانية؟

لم يقل لنا المثقفون الاستعماليون رأيهم فيما جرى يوم 6/ 1/ 2021م، حين أوحى الرئيس السابق دونالد ترمب لأتباعه الإرهابيين باقتحام الكونجرس، والاعتداء على النواب والموظفين والعاملين، وقتل خمسة أشخاص وتخريب بعض المرافق، بدافع التعصب الديني القائم على الأصولية الإنجيلية أو المسيحية الصهيونية لمنع الرئيس المنتخب جو بايدن من أداء القسم لأنهم يرونه خطراً على المسيحية.

تهديدات بالقتل

أشار موقع "ميدل إيست آي" (14/ 1/ 2021م) إلى أن أحد المتهمين في اقتحام الكونجرس أوقفته شرطة العاصمة واشنطن بعد أن عثرت على شاحنته الصغيرة، وهي مزودة بقنابل ومتفجرات في أثناء الهجوم على مبنى "الكابيتول هيل"، كانت لديه مخططات إضافية تتعلق بالنائب الأمريكي المسلم، أندريه كارسن، الذي قال: "من المحزن أنني كرجل أسود ومسلم يقاتل من أجل المساواة، كنت في كثير من الأحيان هدفاً لتهديدات بالقتل من قبل الإرهابيين المحليين".

إن الإرهاب ليس إسلامياً لأن الإسلام لا يحض على العدوان ضد المسالمين، الإرهاب جذوره الصلبة في الغرب، وصنّاعه في أوروبا وأمريكا وروسيا، في الأخيرة على سبيل المثال ظهرت مليشيا «فاجنر»، وهي تقوم بأعمال خارجية لصالح النظام الروسي، كما هو الحال في ليبيا، وفي الولايات المتحدة الأمريكية ظهرت أخيراً عدة مليشيات مسلحة، من بينها مليشيا «براود بويز»، التي قامت بعملية اقتحام الكونجرس الأمريكي (6 يناير الماضي)، وكانت تخبئ كمية كبيرة من الأسلحة التي تم اكتشافها فيما بعد للقيام بعمليات عنف ممنهج يخدم أهداف «ترمب» في الاستمرار بالحكم، وهناك مليشيات أخرى مسلحة تنمو وتكبر، من بينها مليشيا أنتيفا وأخرى تابعة لحركة «حياة السود مهمة».

الله أكبر

والمفارقة أن الإرهابيين في الولايات المتحدة يتميزون بالانحطاط الخلقي ويرتكبون جرائمهم باسم الإسلام! فقد تلقى مكتب التحقيقات الفيدرالي معلومات حول شخص من المهاجمين للكونجرس يدعى كليفلاند جروفر ميريديث، بعث رسالة نصية كتب فيها "أفكر بالتوجه إلى بيلوسي (رئيسة مجلس النواب) في أثناء خطابها وإطلاق رصاصة على رأسها على الهواء مباشرة"، وفي رسالة أخرى كتب: "سأتجول في واشنطن العاصمة مع الناس وأصرخ: الله أكبر"!

ويشهد على عمق الحقد الصليبي ضد الإسلام والمسلمين معلق قال عن الإرهابيين المقتحمين: "لو كانوا مسلمين لتم اقتناصهم وإبادتهم!".

لقد وُجهت اتهامات صريحة لثلاثة عشر شخصاً من الإرهابيين أمام المحكمة الفيدرالية لهم علاقة بأحداث اقتحام الكونغرس، بحسب وثيقة صادرة عن وزارة العدل الأمريكية، كما تم إلقاء القبض على ما يقرب من 40 شخصاً وتوجيه الاتهامات لهم في المحكمة العليا بارتكاب جرائم من بينها: الدخول غير القانوني، وانتهاك حظر التجول، وجرائم متعلقة بأسلحة نارية.

ويواصل مكتب التحقيقات الفيدرالي حث الجمهور على الإبلاغ عن أي استخدام مشتبه به للأجهزة المتفجرة أو عن الأعمال العنيفة المرتبطة بأعمال الشغب الأخيرة، حيث يبحث عن الأفراد الذين قاموا بالتحريض على العنف أو الترويج له بأي شكل من الأشكال، هذا بعض من الإرهاب الأميركي الداخلي الذي يتوسل بالإسلام ليبعد الشبهة عن نفسه في بعض المراحل ويلصق التهمة بالمسلمين!

بقايا التحولات

إن المثقف الاستئصالي حين تغضبه مادة المرجعية الإسلامية في الدستور ويراها من بقايا التحولات التاريخية "منذ أن أسّسنا (من أنتم؟) دولةً مدنيةً حديثةً- كما يزعم- وقررنا عدم تديين الدولة(!) أو إعطاء سلطة استثنائية أو دينية لأية مؤسسةٍ من مؤسساتها بأية حالٍ من الأحوال، ولا نزال نطالب (يتحدث باسم من؟) باستبعاد النص على الدين الإسلامي في الدستور بوصفه دينًا للأغلبية؛ لأن الذي يربط بين الأقلية والأغلبية ليس هو الدين"، أي كراهية مقيتة للإسلام تحكم الكاتب الذي تتاح له مساحات واسعة في أكبر الصحف اليومية وأعرقها، دون أن يتاح سطر واحد على صفحاتها للرد عليه، وكشف تضليله وتدليسه وكذبه؟ لماذا نخجل من إسلامنا بل ندينه ونعده كهنوتاً يمنع قيام دولة مدنية، ثم نزعم أن ما يربط الناس في الوطن دستور لا يعبر عن الأكثرية؟

تختار حاكمها

إن الإسلام أول من وضع أساساً راسخاً لمدنية الدولة، وألحّ فقهاؤه ومشرعوه على أن الأمة هي التي تختار حاكمها الصالح، وتعزله إذا أساء الإدارة أو العمل أو السلوك، ولهم في ذلك تراث ضخم لا يوجد في أمة أخرى، وأثبت كثير من الباحثين أن الدولة الإسلامية ليست دولة دينية بالمعنى الكهنوتي، وهناك كتابات حديثة عديدة تثبت ذلك، وفي مقدمتها كتاب محمد ضياء الدين الريس عن النظرية السياسية في الإسلام، وكتابات محمد البهي عن العلمانية، وكتابات أبي زهرة، وكتابات أخرى عديدة، ولكن المثقف الاستعمالي الاستئصالي لا يقرأ، لأنه يريد أن يرضي من يخدمهم.

التوراة بيد

هلا حدثنا حضرة الكاتب عن الدولة الكهنوتية، ودولة الأحذية الثقيلة، ودولة الفرسان، ودولة الفاتيكان، ودولة الصهاينة التي ترفع التوراة بيد والسلاح بيد، ودول الطوائف في العوالم العربي وأفريقيا وآسيا؟

متى تتمعّر وجوه الاستعماليين الاستئصاليين خجلاً وهم يرون المسلمين يذبحون في دول اليسار مثل الصين، ودولة الوحشية العسكرية في ميانمار، ودولة الوحشية الهندوسية في الهند، ودول العنصرية الأوروبية مثل فرنسا والنمسا وبلجيكا والسويد والدنمارك، وكلها تدعي المدنية والعلمانية؟

ألا ساء ما يفعل المثقفون الاستعماليون الاستئصاليون!

حاشية:

أظهرت دراسة لمركز بيو تعود لعام 2014م، أن الدين راسخ في الولايات المتحدة، و70% من الأمريكيين يؤكدون أنهم مسيحيون، منهم 25% من البروتستانت الإنجيليين، و21% من الكاثوليك و22% "غير منتمين" لأي طائفة.

آخر تعديل على السبت, 06 فبراير 2021 15:44

mugramadan-2021

مجتمع ميديا

  • كيف مكّن دحوُ الأرض البشرَ من الصعود إلى الفضاء؟

إقرأ المجتمع PDF

azs 2153