مجلة المجتمع - أمراض مجتمع الاستهلاك الرمضاني

آراء

أ.د. زيد بن محمد الرماني

أمراض مجتمع الاستهلاك الرمضاني

السبت، 24 أبريل 2021 02:45 عدد المشاهدات 1931

 إن مجتمع الاستهلاك يفرز العزلة والفراغ ويحكم على حياة الإنسان بالعبثية والتفاهة، فإذا بالمرء فقير وسط خيراته المتراكمة، جائع وسط تخمته، يستحوذ عليه السأم رغم تنوع الملاهي وتجددها المستمر، ويفتك به القلق رغم كل الضمانات التي يقدمها المجتمع له في البلاد المتقدمة.

لذا، فإن وعينا بأغراض مجتمع الاستهلاك وأوّلياته، من شأنه أن يساعدنا على اتخاذ موقف نقدي منه، يقينا من الانجراف في تياره.

علماً بأنه ينبغي أن نتذكر أن الإنتاج المهووس الذي يفترضه المجتمع الاستهلاكي قد بدد، في بحر جيل واحد، نسبة مرتفعة جداً من ثروات: الفحم الحجري والنفط، متراكمة في أحشاء الأرض منذ ملايين السنين، وأفسد التربة ودمر الغابات وخفض موارد البحر، ولوث البيئة التي تستمد منها الإنسانية عناصر حياتها.

يقول كوستي بندلي في كتاب "الإيمان ومجتمع الاستهلاك": ينبغي أولاً التنبه إلى الخداع الأساسي الذي يشكل الدعامة المعنوية لمجتمع الاستهلاك، ألا وهو الإيحاء بأن الإنسان "يكون" بقدر ما يمتلك، أي أنه يحقق ملء وجوده عن طريق اقتناء أكبر عدد ممكن من الخيرات، مع أن البون شاسع بين الكينونة والامتلاك.

ثم إن المجتمع الاستهلاكي يتنكر لقيمة المشاركة بين الناس، ذلك أنه يشغلهم عن المشاركة فيما بينهم بالسعي اللاهث وراء أشياء يمتلكونها ويتنافسون في التسابق إليها، من هنا العزلة التي يتخبط فيها الناس وسط التجمعات السكنية الضخمة التي يعاني فيها المرء من "وحدة وسط الجمهور"، حسب عنوان كتاب شهير لأحد كبار محللي المجتمع المعاصر للعالم الاجتماعي الأمريكي دافيد ريسمان.

إن الفرد المتهالك على الكسب بغية زيادة قدرته على الاستهلاك، لا يجد الوقت اللازم كي يتصل فعلاً بالآخرين، كي يصغي إليهم، كي يشعر معهم، كي يتبادل وإياهم الكلام.

هذا ما قد ينطبق على العلاقات ضمن العائلة نفسها: فالزوج وزوجته قد يصبحان مرهقين بالعمل من أجل تأمين الرفاهية للعائلة إلى حد أنه لا يبقى لهما مجال ليعيشا حياة عائلية حقة، ليؤمّنا حداً أدنى من التفرغ أحدهما للآخر وكلاهما للأولاد، وإذا ما التقت العائلة عند المساء، فقد يكون الزوجان متعبين إلى حد أن الحوار –الذي كانت تتميز به السهرات العائلية سابقاً– يصبح مستحيلاً بينهما ومع أولادهما، وإذا بالعائلة كلها تجتمع حول التلفاز تستهلك معاً صوراً جاهزة تلهيها عن التعامل فيما بينها.

ومما يعطل المشاركة أيضاً، أن مجتمع الاستهلاك يعتبر الكسب قيمته الأساسية ومقياس قيمة الإنسان، فالإنسان فيه يقوم حسب قدرته على الاستهلاك وبالتالي حسب دخله، إنه بالتالي مجتمع مبني على المنافسة، يلهث فيه كل امرئ وراء حاجاته الذاتية والتفوق في مستواه المعيشي، متجاهلاً الآخر ومتنكراً له.

هكذا ينشئ مجتمع الاستهلاك غربة بين الإنسان وأخيه، تنتج شعوراً مضنياً بالفراغ والقلق، ولكن هذه الغربة عينها تثير العدوان كرد فعل على القلق.

فالمشاركة وحدها قادرة على لجم النزوة العدوانية في الإنسان، أما مجتمع الاستهلاك، المبني على التنكر للمشاركة واستبدالها بالسباق الفردي اللاهث وراء الأشياء والتنافس الشرس على الكسب والرفاهية والممتلكات، فلا عجب إذا كان حافزاً مستمراً لعدوان يهدد دوماً بالانفجار في ممارسات عنيفة، فردية كانت أو جماعية، ما أكثرها في عصرنا!

 

 

 

 

_____________________________________

(*) مستشار اقتصادي وأستاذ بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.

للتواصل: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

آخر تعديل على الأحد, 25 أبريل 2021 09:06

مجتمع ميديا

  • الصناعات العسكرية التركية.. تقدم ونمو

ملفات تفاعلية

ملف تفاعلي - للعدد 2158

ملف تفاعلي - للعدد 2158

الأربعاء، 18 أغسطس 2021 8265 ملفات تفاعلية

ملف تفاعلي - للعدد 2157

ملف تفاعلي - للعدد 2157

الإثنين، 12 يوليو 2021 9034 ملفات تفاعلية

ملف تفاعلى للعدد 2156

ملف تفاعلى للعدد 2156

الأحد، 13 يونيو 2021 18093 ملفات تفاعلية

إقرأ المجتمع PDF

azs 2153