"أنجيلا ميركل".. استعراض عسكري ضخم في وداع أقوى امرأة في العالم!

آراء

د. حلمي القاعود

"أنجيلا ميركل".. استعراض عسكري ضخم في وداع أقوى امرأة في العالم!

السبت، 08 يناير 2022 10:20 عدد المشاهدات 874

 

بعد 16 عاماً في منصب مستشارة ألمانيا (رئيسة الوزراء)، ودّع الجيش الاتحادي «أنجيلا ميركل»، من خلال عرض عسكري موسيقي كبير أقامه في 2/ 12/ 2021م، ووسط لحظات تغلب فيها العاطفة لم تتوان «ميركل» عن الدعوة للدفاع عن الديمقراطية والتصدي للكراهية والعنف والتضليل بين الألمان، ويعد هذا الحفل أعلى تكريم تمنحه القوات المسلحة الألمانية التي تحرس البلاد والحرية، وتخص به في المقام الأول رؤساء ألمانيا ومستشاريها ووزراء دفاعها، وكان قد أقيم آخر احتفال من هذا النوع أمام مبنى البرلمان بعد عودة الجيش من أفغانستان.

قالت «ميركل» عبر الاحتفال في برلين: إن صوت الاعتراض يجب أن يعلو في كل مكان يتم فيه إنكار الشواهد العلمية، ويتم فيه نشر نظريات المؤامرة والتحريض، وأضافت: ديمقراطيتنا تعيش أيضاً من خلال وضع حد لتسامحنا بوصفنا ديمقراطيين في كل مكان يتم فيه اعتبار الكراهية والعنف وسيلة مشروعة لتحقق مصالح ذاتية.

وقد أسهبت الصحف الألمانية والعالمية وقنوات التلفزة ووسائل الاتصال المختلفة في وصف الوداع الذي رافق انتهاء مرحلة المرأة القوية التي حققت لألمانيا أفضل الإنجازات، واستطاعت أن تفرض وجود ألمانيا على الاتحاد الأوروبي والعالم، وتواجه «دونالد ترمب»، رئيس أقوى دولة في العالم (السابق)، وتجعل لألمانيا شخصية معتبرة في أوروبا والغرب، حتى صارت رئيسة الاتحاد الأوروبي بالأمر الواقع. 

ودّعها الجيش الألماني وداعاً رائعاً بالمفهوم الألماني والأوروبي، وخرجت ضاحكة مبتسمة توصي المواطنين بخليفتها، وتمشي في الشارع والسوق آمنة مطمئنة تداعب البائعين والمواطنين، متمنية لبلادها أن تسير إلى الأمام دائماً، وتعلن أنها لن تترشح مستقبلاً لأي منصب، أو قل: لن تمارس السياسة العملية بعد أن أدت دورها، بما فيه من نجاحات وإخفاقات حاولت تصويبها وتصحيحها علناً دون أن تخفيها أو تتكتم عليها.

انظر إلى الجهة المقابلة في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، وتأمل صورة الحاكم، كيف يصل إلى الحكم، وكيف يغادره، وموقف الجيوش في هذه القارات -إلا من رحم الله تعالى- وقارنها بجيش ألمانيا القوي الذي عزف للرئيسة المغادرة ما طلبته من ألحان وموسيقى.

حتى النخاع

دعك من موقف «ميركل» من المسلمين ومن الإسلام، فهي صليبية حتى النخاع، كما نفهم من سيرتها وسيرة آبائها وأجدادها، وتحب دينها ولم تسلط عليه الأوباش والصعاليك، تحت دعاوى زائفة مثل حرية التعبير، وتجديد الخطاب الديني الصليبي، وضرورة فصل الدين عن الدولة.. الذي يعنينا أنها انتخبت لتخدم مواطنيها، ولا يخدمها مواطنوها ويصفقون لها ويرفعون صورها في الساحات والميادين والشوارع ويهتفون لها بالروح والدم، إن مرتبها معلن للكافة 18820 يورو في الشهر، أقل من مرتب الرئيس البروتوكولي الذي يقوم بمهام تمثيلية فقط وهو الرئيس الاتحادي «فرانك فالتر شتاينماير»، الذي يبلغ 20911 يورو شهرياً. (هل يعلم مسلم أو عربي مرتب حاكمه؟).

لقد جاءت مثل الحكام المنتخبين في الدول الحرة، لتتحاور مع شعبها وتتشاور حول أفضل السبل لحل المشكلات الصعبة، والسياسة الداخلية والخارجية، وتطبق أفضل نظم المساواة والعدالة بين المواطنين، ولم تأت لتأمرهم وتنهاهم وتقمعهم.

أخبرني بعض من أعرف وكان يقيم في ألمانيا لبعض الوقت، أنه كان يفاجأ بالسيدة «ميركل»، وهي أقوى شخصية في البلاد، تتحرك في السوبر ماركت وحدها، وتختار ما يلزم بيتها من خضراوات وفاكهة وخبز ومواد غذائية، وتضعها في العربة المخصصة للأغراض المنزلية وتدفعها حتى تصل إلى المحاسب الذي يتقاضى الثمن، ثم تعود بمشترياتها إلى بيتها مثل بقية المواطنين، وكان هناك جندي حراسة أو جنديان يقفان بعيداً لحمايتها والمحافظة على راحتها بعد عودتها من العمل، وذكر لي أن السيدة «ميركل» لم تغيّر شقتها التي كانت تعيش فيها قبل الوصول إلى المستشارية، وتحدثت في إحدى المناسبات فقالت: إنها تتشارك مع زوجها في أعمال البيت، وأن «يواقيم» (زوجها) يتابع الغسالة الآلية بعد أن تضع فيها الملابس.

لا ريب أن «ميركل» تعيدنا رغماً عنا إلى حكامنا العادلين على مدى العصور، وإن كانوا قلة، وتنكأ جراحنا التي لا تلتئم في ظل الاستبداد والقمع والتأله والانتقام الذي لا تفهم له سبباً، والعداوة الغريبة للإسلام والمسلمين، مع أن القوم مسلمون في شهادات الميلاد والأسماء وجوازات السفر، أين هم من «ميركل» التي خصصت مكاناً في شوارع العاصمة وغيرها من المدن الكبرى لسير المعاقين، والحيوانات الأليفة؟

من هي «ميركل»؟

ولدت «أنجيلا دوروتيا ميركل» في 17 يوليو 1954م، بمدينة هامبورج، وهي عالمة أبحاث سابقة، وتحمل شهادة دكتوراه في الفيزياء الكمية، وتجيد اللغات الألمانية والإنجليزية والروسية، دخلت السياسة في أعقاب ثورات عام 1989م بالمعسكر الشيوعي، وخدمت لفترة وجيزة نائبة للمتحدث باسم أول حكومة منتخبة ديمقراطياً في ألمانيا الشرقية برئاسة «لوثر دي مايتسيره»، في عام 1990م.

وبعد إعادة توحيد ألمانيا في عام 1990م، تم انتخاب ميركل في البوندستاغ (البرلمان) عن ولاية مكلن بورغ- فوربومرن، وأعيد انتخابها مرات منذ ذلك الحين، وعينت في منصب وزيرة المرأة والشباب بالحكومة الاتحادية تحت قيادة المستشار «هيلموت كول» عام 1991م، وبعدها أصبحت وزيرة البيئة في عام 1994م.

ثم بعد خسارة حزبها الانتخابات الاتحادية في عام 1998م، انتُخبت لمنصب الأمين العام لحزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي، قبل أن تُصبح أول زعيمة للحزب بعد عامين -في أعقاب فضيحة التبرعات التي أطاحت بفولفغانغ شويبله- واستمرت لمدة 18 سنة حتى عام 2018م.

ثم صارت في عام 2005م، عقب الانتخابات الاتحادية، مستشارة لألمانيا على رأس الائتلاف الكبير المكون من حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي، والحزب الشقيق البافاري، والاتحاد المسيحي الاجتماعي (CSU) والحزب الديمقراطي الاجتماعي (SPD)، وهي أول امرأة تتولى هذا المنصب.

وفي الانتخابات الاتحادية عام 2009م، حصل حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي على أكبر حصة من الأصوات، وأضحت ميركل قادرة على تشكيل حكومة ائتلافية بدعم من الحزب الديمقراطي الحر (FPD).

وفي الانتخابات الاتحادية عام 2013، فاز حزب ميركل بشكل ساحق بنسبة %41.5 من الأصوات وشكل الائتلاف الحكومي الثاني الكبير مع الحزب الاشتراكي الديمقراطي، بعد أن فقد الحزب الديمقراطي الحر كل تمثيله في البوندستاغ.

رأست في عام 2007م المجلس الأوروبي، وترأست مجموعة الثماني، وهي ثاني امرأة تشغل هذا المنصب، ومارست دوراً رئيساً في مفاوضات معاهدة لشبونة وإعلان برلين، وكان واحداً من أولوياتها تعزيز العلاقات الاقتصادية عبر الأطلسي، وعقد اتفاقات مع الدول التي توجد فيها مصلحة لألمانيا، كما أدت أيضاً دوراً حاسماً في إدارة الأزمة المالية على المستوى الأوروبي والدولي، وأشير إليها باسم «صاحبة القرار» في السياسة الداخلية، وإصلاح نظام الرعاية الصحية، والمشكلات المستقبلية المتعلقة بتطوير الطاقة وأزمة المهاجرين، وهي القضايا الرئيسة في فترة قيادتها.

في خضم أزمة اليورو، قامت مجلة «لا جيفيس» الإسبانية الساخرة عام 2011م بتركيب صورة لـ«ميركل» تظهرها شخصية متسلطة، إذ رغبت المجلة بهذه الصورة في تسليط الضوء على الشروط الصارمة التي بموجبها ستمنح «ميركل» مساعدات مالية لإسبانيا التي كانت تواجه أزمة خانقة في حينه.

في عام 1977م (سن 23)، تزوجت «أنجيلا كاسنر» طالب الفيزياء «أولريش ميركل»، ومنه أخذت اسم العائلة، انتهى الزواج بالطلاق عام 1982م.

أما زوجها الثاني الحالي أستاذ فيزياء «إلياكم يواقيم زاور»، فيعيش بعيداً عن أضواء الإعلام، اجتمعا لأول مرة عام 1981م، وتزوجا عام 1998م، ليس لديها أطفال، لكن زوجها «يواقيم» لديه ابنان بالغان من زواج سابق.

«ميركل» عضوة لوثرية في الكنيسة الإنجيلية في برلين وبراندنبورغ ولوساتيا العليا السيليزيا، وعضوة في الاتحاد البروتستانتي (على حدٍّ سواء الكالفينية واللوثرية) وهيئة الكنيسة تحت مظلة الكنيسة الإنجيلية في ألمانيا (EKD)، الـ«EKBO» هي كنيسة الاتحاد البروسي. 

سيدة محترمة

في تقرير لها، وصفتها شبكة «CNN» الأمريكية بأنها محترمة على نطاق واسع، وبعد عقدين من الزمان، تعززت مكانتها بصفتها سيدة دولة مسنّة، قادت أمتها خلال سلسلة من الأزمات التي يحتمل أن تكون مدمرة، كما ذكرت الشبكة أن «ميركل» سميت أقوى امرأة في العالم عدة مرات، ومارست أيضاً دوراً مهماً على الساحة الدولية، حيث ساعدت في إدارة الأزمة المالية العالمية، وأزمة اللاجئين، والحرب في أوكرانيا.

وقد أطلق عليها الإعلام عدداً من الألقاب، منها: السيدة الحديدية، لمواقفها الصارمة ومنهجها العلمي الجاف مقارنة بالعمل السياسي التقليدي، ويطلق عليها الألمان لقب «الأم» وفقاً لموقع «إندبندنت عربية»، كما صنّفتها مجلة «فوربس» الأمريكية «أقوى امرأة في العالم»؛ نظراً لبقائها في الحكم مدة طويلة ونجاحها الاقتصادي وصمود ألمانيا أمام الأزمة الاقتصادية العالمية، التي أصابت أغلب دول أوروبا بالركود، وكادت أن تودي بأخرى إلى الإفلاس، وأشاد بها الرئيس الأمريكي الحالي «جو بايدن»، ووصفها بأنها امرأة «تاريخية». 

ويذكر العالم موقفها الإنساني عندما فتحت حدود بلادها لجميع اللاجئين عندما اشتدت أزمة المهاجرين الهاربين من الحروب والمجاعة نحو أوروبا، ومقتل الآلاف منهم في البحر الأبيض المتوسط عام 2015م، لقد واجهت معارضة كبيرة في بلادها بعد دخول أكثر من مليون لاجئ ومهاجر إلى ألمانيا، وتراجعت شعبيتها في الانتخابات، لكنها تمسكت بموقفها من اللاجئين، وكان يتوقع أن تفوز بجائزة «نوبل» للسلام.

ونقلت شبكة «CNN» الأمريكية، عن «بولمان»، كاتب سيرة حياة ميركل، قوله: إن العالم سيفتقد بشدة القيادة الثابتة لـ«ميركل».

آخر تعديل على السبت, 08 يناير 2022 10:37

مجتمع ميديا

  • للكويت قصة مع القدس والقضية الفلسطينية.. شاهد تفاصيلها

إقرأ المجتمع PDF

azs 2153

ملفات تفاعلية

ملف تفاعلى للعدد 2162

ملف تفاعلى للعدد 2162

الأربعاء، 15 ديسمبر 2021 3402 ملفات تفاعلية

ملف تفاعلى للعدد 2160

ملف تفاعلى للعدد 2160

الأحد، 17 أكتوبر 2021 8042 ملفات تفاعلية

ملف تفاعلي - للعدد 2158

ملف تفاعلي - للعدد 2158

الأربعاء، 18 أغسطس 2021 9669 ملفات تفاعلية