المسلم بين تزكية نفسه وحظوظها

آراء

د.إبراهيم أحمد مهنا

المسلم بين تزكية نفسه وحظوظها

الأربعاء، 17 أغسطس 2022 06:50 عدد المشاهدات 5129

 

إن الرياء والعجب وحب الرياسة والمباهاة ظلمات بعضها فوق بعض تعمي صاحبها عن صراط الله المستقيم، والعاقل الموفق من نأى بنفسه عن السعي لتغذية حظوظها، مستشعراً فضل الله ورحمته بتزكيته عباده، قال تعالى: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً) (النور: 21)، والمسكين من ينجرف خلف هوى نفسه دون أن يشعر بالخطر، مع تزيين الشيطان لسوء مقصده، فيخفى عليه الفارق بين التصدي المسؤول للمهمات والملمات (اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ) دون أن ينسى (إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ) (يوسف: 55)، وبين من كان قصده "دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها"، ويدخل في هذا إشباع شهوة تصدر المجالس والمحافل حبا في الزعامة والرياسة.

وبقدر مراعاة حظ النفس في القول والعمل يكون ابتعادها عن التزكية والفلاح، واقترابها من التدسية والخيبة والخسار، وقد أقسم الله تعالى أحد عشر قسماً متوالياً على أن فلاح العبد منوط بتزكية نفسه، وخيبته منوطة بتدسيتها قال تعالى: (وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا {1} وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا {2} وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا {3} وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا {4} وَالسَّمَاء وَمَا بَنَاهَا {5} وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا {6} وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا {7} فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا {8} قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا {9} وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا) وبعد ذلك قال: (قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا) أي فاز ونجا من أصلحها وطهرها ونماها فبلغ كمالاتها، (وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا) (الشمس)؛ أي خسر من صغرها وحقرها حتى صارت دنيئة فبلغت غاية انحطاطها. وللتغلب على حظوظ النفس لابد من التشبث بالإخلاص فهو حقيقة الدين وجوهر دعوة المرسلين، قال تعالى: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) (البينة: 5)، فلا يغني قول أو عمل -وإن كان فيه بذل للجهد والوقت والمال والنفس- عن صاحبه شيئاً إن لم يكن قصده "إنما الأعمال بالنيات"، وتنفيذه "وإنما لكل امرئ ما نوى" خالصا لله تعالى (قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ {162} لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) (الأنعام).

وإن التزكية من مقاصد الشرع، وما شرعت أحكام الدين إلا لتزكية العباد كي يصلحوا لمجاورة رب العباد في جنات النعيم، والناظر لأركان الإسلام يجدها مؤكدة لهذا المقصد العظيم، فشهادة التوحيد أساس تزكية النفس، يعلن صاحبها تمام العبودية لله، مع تمام الاتباع لنبيه صلى الله عليه وسلم، فلا مكان لشرك أو رياء، والصلاة تزكية تنهى صاحبها عن الفحشاء والمنكر، قال الله تعالى: (اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ ۖ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ) (العنكبوت: 145)، وجعلها مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر، والصدقة تزكية، قال عز وجل: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا) (التوبة: 103)، والصوم تزكية، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه"(1)، والحج تزكية، قال تعالى: (فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ) (البقرة: 197).

وصور حظوظ النفس كثيرة متنوعة، ظاهرة وباطنة، لا ينفك عن دقيقها إلا الأتقياء الأنقياء، ونظراً لكثرتها فسنقصر الحديث حول أصولها، وهي ثلاثة:

الأول: حب المدح والثناء من الناس

لا شك أن الرغبة في نيل ثناء الناس وسماع مدحهم مما جبلت عليه النفوس، بيد أن هذه الرغبة قد تكون محمودة وقد تكون مذمومة، فإن كان فرحه بها واستبشاره فيها لكونها علامة على قبول الله لعمله ورضاه عنه فلا بأس به، وأما إن كان فرحه لاعتقاده أن مجرد مدحهم فضيلة مطلوبة، فيربط عمله بمدح الناس له فإن لم يثنوا عليه ترك العمل أو نقص فيه فهذا من المحظورات التي تحبط الأعمال، وإن على المسلم أن لا يكون نظره في عمله رأي الناس ونظرتهم، بل ما يرضي الله تعالى وحده، صح عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: "لا تكونوا إمعة، تقولون إن أحسن الناس أحسنا، وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطنوا أنفسكم، إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساؤوا فلا تظلموا"(2)، وما أحسن قول ابن القيم: "والوقوف عند مدح الناس وذمهم، علامة انقطاع القلب وخلوه من الله، وأنه لم تباشره روح محبته ومعرفته، ولم يذق حلاوة التعلق به والطمأنينة إليه"(3).

الثاني: عدم قبول النصح وكراهة الاعتراض

النصح باب خير وبركة فتحه الله لنستكمل نواقصنا من خلاله، والمقصد منه إرادة الخير للمنصوح له، عن تميم الداري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الدين النصيحة ثلاثاً، قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم"، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم من حق المسلم على المسلم "وإذا استنصحك فانصح له"(4)، وقد بايع جرير بن عبدالله رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم على "شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والسمع والطاعة، والنصح لكل مسلم"(5)، والنصوص في هذا الباب كثيرة. وإن من مظاهر إيثار حظ النفس عدم قبول النصيحة –بشروطها- خاصة إن كانت صادرة ممن يراه المنصوح أصغر منه سنا أو أقل علما، بل وحتى إن كانت صادرة من أقرانه وأمثاله، فيستكبر عن سماعها فضلا عن الأخذ بها، وتكون سببا في مقاطعة الناصح بل وتجريحه أحيانا، ولا يعلم المسكين أنه بذلك قد أخطأ مرتين، مرة عند ترفعه واستكباره ومخالفته هدي النبي صلى الله عليه وسلم، ومرة عند حرمان نفسه من سماع الخير الذي قد يجلب له مصلحة أو يدفع عنه مفسدة. وهذا الصنف من الناس لا يحب بل لا يقبل أن يعترض عليه أحد وإن كان ذا رأي سديد ومنطق سليم، لأنه يعتبر ذلك كشفا لنقصه واتهاما لشخصه، فيغرق المسكين في سوء ظنه، ويبدأ في نسج الأوهام لتصبح مع استمرار حَبْكِ الوهم حقيقة في عقله غير قابلة للطعن، فلا رأي إلا رأيه ولا منطق إلا أوهامه.

الثالث: الطمع فيما أيدي الناس من جاه أو مال (الحسد)

ما من شيء أفسد لدين المرء من الطمع فيما أيدي الناس من ملذات الدنيا وشهواتها من مال أو منصب أو جاه، وصدق من قال: العبد حرّ إن قنع.. والحر عبد ما طمع(6).

وقال ابن تيمية: "من كان متعلقا برئاسة أو ثروة ونحو ذلك من أهواء نفسه، إن حصل له رضي، وإن لم يحصل له سخط، فهذا عبد ما يهواه من ذلك، وهو رقيق له إذا لم يحصل، والعبودية في الحقيقة هي رقّ القلب وعبوديته، فما استرق القلبَ واستعبده فهو عبده"(7).

وأحسب أن أشد ما يصيب السالكين في الطريق –مهما علا كعبهم- هو حب الظهور والرياسة، وحب الرياسة لا يقتصر على الرياسة الدنيوية، بل أخطرها حب الرياسة الدينية، إن أخذت وكان هناك من هو أجدر بها وأليق، وينبغي التنبيه إلى أن التطلع للرياسة قد يكون مشروعا وقد يكون محظورا، فلو كان الدافع لطلبها القيام بالواجب وتحمل التبعة الثقيلة في وقت لا يسد الثغرة فيه من هو أفضل منه بذلا وعملا وقوة وأمانة، عندها يكون طلبها محمودا، وهذا كان حال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وقد قرر الفقهاء في باب تولي القضاء مجموعة مسائل منها:

- أنه لا ينبغي أن يقدم عليه من وثق بنفسه.

- ويكون أخذه لولاية القضاء بغير سؤال حسن، وبطلب فيه كراهة.

- إن تعين لولاية القضاء ولم يصلح غيره، وجب الطلب وإن خاف على نفسه الخيانة لكن يجب عليه ترك الخيانة.

- إن وجد من أصلح منه حرم الطلب.

- يحرم طلب القضاء لجاهل وطالب دنيا، ويحرم إذا كان فيه مباشر قد توافرت فيه أهلية القضاء والطالب يروم عزله ولو كان الطالب أهلا له.

- يحرم بذل المال لينصب قاضيا إلا إذا تعين عليه القضاء، أو إذا كان مستحبا له طلبه ليزيل جور غيره أو تقصيره.

- إن وجد من هو مثله جاز قبول تولية القضاء وكره الطلب.

- إن وجد من هو دونه وجب الطلب، ومحل الوجوب إذا ظن الإجابة، فإن تحقق أو غلب على ظنه عدمها لم يلزمه.

وأما إذا كان الدافع في طلب الرياسة رغبة جامحة في الزعامة، وأنفة من قبول التوجيه من غيره، واستئثاراً للسلطة وشهوة الأمر والنهي، فيا هلاك من طلبها وسعى إليها، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن حرص المرء على المال والشرف إفساد لدينه، كإفساد الذئب الجائع في الغنم أو أشد، فقال: "ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه"(8)، وقد وضع سفيان الثوري أصبعه على موضع الخلل حين قال: "ما رأيت زهدا في شيء أقل منه في الرئاسة، ترى الرجل يزهد في المطعم والمشرب والمال والثياب، فإن نوزع الرئاسة تحامى عليها وعادى"(9).

وفي الختام نتوجه إلى الله تعالى المنان، أن يمنّ علينا بشرف تزكية أنفسنا، وأن يستعملنا فيما يرضيه عنا لنكون لائقين بحبه ورضاه، منعمين بجواره في الفردوس الأعلى، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، والحمد لله رب العالمين.

 

 

 

 

 

 

 

____________________________

(1) رواه البخاري، ح1804.

(2) مشكاة المصابيح، تحقيق الألباني، ح5129.

(3) ابن القيم، مدارج السلكين، 2/8.

(4) رواه مسلم، ح55.

(5) رواه البخاري، ح2157.

(6) حكمة صحيحة نسبت إلى كثيرين فلا يعرف من الذي قالها ابتداء.

(7) ابن تيمية، العبودية، تحقيق محمد زينهم، ص41.

(8) رواه الترمذي، ح2376، وأحمد، ح15794.

(9) الذهبي، سير أعلام النبلاء 7/262.

(*) عضو المكتب التنفيذي في هيئة علماء فلسطين. 

آخر تعديل على الخميس, 18 أغسطس 2022 08:25

ابحث في أرشيف الأعداد

مجتمع ميديا

  • أسلم على يديه 11 مليوناً.. د. عبدالرحمن السميط من غرفة صغيرة على سطح منزله إلى مجاهل أفريقيا

إقرأ المجتمع PDF

iss2166 ads