مزرعة الحيوانات المصرية!

08:02 20 أبريل 2016
الكاتب :  

آن الأوان أن نخرج من عهد مزرعة الحيوانات!

بعد جمعة "الأرض هي العرض" يوم 15/ 4/ 2016م صار من الملائم أن نرتب لما بعد مزرعة الحيوانات المصرية: كيف سنبني مجتمعنا المصري الحر الذي يسع الناس جميعاً ويقوم على المشاركة والعدل والكرامة الإنسانية؟

في رواية جورج أورويل "مزرعة الحيوانات" (نشرت عام 1945م)، نطالع نظاماً يقوم على إرهاب الدولة والقمع السياسي من خلال جهاز الشرطة السرية والعلنية على عهد ستالين، تعرض الرواية فساد الثورة الشيوعية على أيادي قادتها، وتوضح كيف دمر الانحراف وعدم المبالاة والجهل والطمع وقصر النظر أي أمل في المستقبل والكرامة، بالإضافة إلى ذلك تكشف الرواية وقوع فظائع وحشية بسبب عدم تحقق انتقال سلس إلى حكومة الشعب، وعلى امتداد الرواية تسخر شخصياتها وأحداثها من الدوجماتية السياسية، والسلطوية وسذاجة البشر.

أورويل صاحب رواية "1984" الشهيرة أيضاً؛ (نشرت عام 1949م) يواصل فيها العزف على معطيات الاستبداد من ظلم وقهر ووحشية التي تناولها في المزرعة.. هل هناك فارق بين ما نعيشه ومزرعة الحيوانات؟ كلاً بالطبع، ربما كان الواقع عندنا أسوأ، فقد سمعنا مؤخراً من يقول: إنه نصح الرئيس مرسي – فرّج الله كربته – بأن الجيش يقف مع الشعب، وإذا رفض فإن الجيش ينحاز إلى الشعب! أي باختصار: الجيش هو صاحب الكلمة الأولى، وأصوات الناخبين لا قيمة لها عندما يرى الجنرالات أن الرئيس المنتخب غير مريح لهم! أي إننا لابد أن نعيش في مزرعة الحيوانات نسمع ونطيع لستالين وجهاز دعايته الكذوب الذي لا يتوقف عن الكذب، والحمير وحدها هي التي تنجو من الافتراس لأنها لا تتكلم ولا تبدي رأياً.

كانت "جمعة الأرض" استعادة لثورة يناير في صورة مبهرة، وإن كانت في حجم أقل من حجمها الأصلي، ولكنها تشي بما هو قادم - إن شاء الله تعالى - بعد أن بلغ التوحش مداه، وجرى نهر الدم كما لم يجر من قبل، وانتعش تلامذة مسيلمة لدرجة أن صاروا أكذب منه، وجعلوا الشعب المسكين يعيش "فنكوشاً" غير مسبوق، وإذا بالحقيقة اليومية على أرض الواقع تصدمه غلاء وبؤساً وقمعاً وقهراً وتغييباً وراء الأسوار واختفاء قسرياً، وعودة كتاب التقارير، واستشراء العنصرية الفاشية بصورة غير مسبوقة، وأضحى الشرفاء النبلاء هدف التصويب لكل أفاك أثيم.

لابد من النظر إلى المستقبل كي لا تسرق الثورة مرة أخرى؛ كما سرقت بعد اختطاف الرئيس الشرعي الذي حذرنا من سرقتها مراراً وأعلن أن ثمنها حياته، وانصرفنا إلى التلاوم والمشاحنات والإدانات المتبادلة، بينما هناك من يدفعون الثمن في أعماق السجون والمعتقلات والتخشيبات، لا يرون ضوء الشمس، وينكل بهم على الشاشات والصفحات صبيان مسيلمة، لقد كان انطلاق جموع المصريين على اختلاف انتماءاتهم في "جمعة الأرض" مثيراً لإعجاب العالم، وجاء بيان الإخوان المسلمين بعدها ليقدم موقفاً نبيلاً حين أشار إلى أن الإخوان يعملون بين جمهور المصريين ومن ورائه بحثاً عن الحرية والكرامة، وهو ما يوجب على بعض القوى التي استيقظت مؤخراً على كارثة مزرعة الحيوانات أن تكف عن إهانة الإخوان، بل أطالب هذه القوى أن تمتلك الشجاعة الأدبية للاعتذار عما اقترفته في حق التيار الإسلامي كله وفي القلب منه الإخوان؛ لأن المزرعة لا توفر أحداً حتى من انساقوا وراء انقلابها وغدرها، واستهانتها بإرادة الشعب المظلوم!

من الواجب أن يتفق جميع فرقاء الثورة على مجموعة من النقاط الأساسية، حتى لو لم يكن هناك قائد للثورة، وإن كان القائد موجوداً وصامداً وراء الأسوار المظلمة وهو الرئيس المنتخب – ثبته الله على الحق.

يجب استعادة قواتنا المسلحة إلى مهمتها المقدسة وهي حماية الأرض والعرض، وانتشالها من أوحال الحكم والسياسة وعدم توريطها في القتال ضد أي طرف من أطراف الشعب، وينبغي أن يكون جيش العبور هو المثل الأعلى الذي يحتذيه القادة حتى تعود السيادة الكاملة على أرض سيناء.

لقد حكم الجيش البلاد بطريقة مباشرة أو غير مباشرة أكثر من ستين عاماً، فكانت المآسي التي حلت بالشعب غير مسبوقة في التاريخ؛ هزائم مذلة، وضعف اقتصادي، وقمع وحشي، وأجيال من العبيد يحركها الخوف والرعب إلا من رحم الله من الصابرين على البلاء الذين يضحون بأعمارهم وأموالهم من أجل الوطن التعيس.

ثم إن التورم غير الحميد لأجهزة الأمن من خلال وزارة الداخلية وخاصة جهاز أمن الدولة ومن يسمون بأمناء الشرطة، يستوجب جراحة عاجلة، تقدِّم رجل أمن جديداً، يملك شهادة الحقوق والتدريب على حماية المواطن ومساعدته، وليس ترويعه وقهره وتعذيبه والاستهانة به والتعامل معه متهماً حتى تثبت براءته.

يترتب على ذلك أن يكون الأمر للقضاء في أي خلافات بين السلطة والشعب أو بين أطراف المجتمع وبعضها، وهو ما يحتم مراجعة الهيكل القضائي، وإلغاء ما يسمى بالزحف المقدس للمحظوظين، ويجب تعيين أوائل كليات الحقوق ولو كان بعضهم ابناً لأب متواضع وليس وضيعاً (لدينا سبع عشرة كلية يمكن أن تمد الجهاز القضائي سنوياً بما يزيد على مائتين من أفضل العناصر).

ولا شك أن ذلك كله لا يتحقق إلا من خلال اقتلاع جذور الفساد ومحاسبة المفسدين، وخاصة أولئك الذين عملوا لحساب التنظيمات السرية التي أنشأتها الدكتاتورية بدءاً من التنظيم الطليعي حتى أبناء مبارك إلى ما يسمى قيادات المستقبل وغيرهم، ويلحق بهؤلاء أبواق الزور وأقلام التضليل التي شجعت على القتل والفساد والاستبداد.

إن العدالة بين أبناء الشعب تقضي المساواة في الحقوق والواجبات والأجور ورفض الاستثناءات التي تتحول إلى حق دائم، فالتمييز بين فئات المجتمع يمثل عنصرية فاشية غير مقبولة دينياً واجتماعياً وسياسياً، مثلاً ماذا يعني أن يحال شخص إلى التقاعد في سن الستين، وآخر في سن السبعين؟ المساواة ضرورة إنسانية لنزع فتيل الاحتقان والغضب والصراع.

في كل الأحوال يجب أن يتفق الفرقاء أن يكون التصويت في انتخابات حرة نزيهة هو الطريق إلى قيادة الدولة وكراسي الوزارة وقيادة المؤسسات العلمية والإنتاجية والمحلية وفق قوانين عادلة، يلتزم بنتائجها جميع المعنيين، ويفصل القضاء فيما يظهر من خلافات وتظلمات، وينبغي أن تتراضخ المؤسسات جميعاً لإرادة الشعب!

ثم هناك دماء الناس التي سالت في الميادين والشوارع والبيوت والسجون والأقسام قبل سقوط مبارك وبعده، وتفرض على الثوار أن يعيدوا الحقوق إلى أصحابها حتى لا تستباح الدماء مرة أخرى.

يجب ألا نعيش في مزرعة الحيوانات مرة أخرى!

الله مولانا، اللهم فرّج كرْب المظلومين، اللهم عليك بالظالمين وأعوانهم!

عدد المشاهدات 1563

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top