القشتاليون في دمشق!

08:30 02 مايو 2016
الكاتب :  

يا أهل الشام وغيرهم..

التاريخ يقدم لنا الموعظة والاعتبار لمن يتعظ ويعتبر، وهو درس مفيد لمن يريد الإفادة وتجاوز العثرات، ويوفر على نفسه المزيد من العناء والآلام.

كانت الأندلس درّة العالم الغربي في زمنها، وكانت مفخرة الإنسانية في المعرفة والعلم والأدب والعمارة والزراعة والحدائق والبساتين والصناعة والحرف والتجارة، وكان الأوروبيون يحجون إليها للتزود بالمعرفة والخبرة والثقافة والكتب.. وكان أهلها المسلمون وغيرهم ينعمون بالرخاء والأمن والبهجة، ولكنهم لم يصونوا النعمة، وغرتهم الدنيا، واختلفوا وتمزقوا شيعاً، وعادوا إلى جاهليتهم القبلية الأولى تعصبا وأنانية وطائفية ما بين قيسية ويمانية وعربية وبربرية، وفسد الحكام والولاة، وركنوا إلى الدعة والاسترخاء، وخالفوا الدين والأعراف، وغرقوا في مستنقعات المتع الحسية والخمر، فغابوا عن الدنيا وغابت عنهم الدنيا، وبكوا مثل النساء ملكاً لم يحافظوا عليه مثل الرجال!

كان الصليبيون في قشتالة بقيادة فريدناند وإيزابيلا يسنّون أسلحتهم، ويبعثون عيونهم، ويدربون مقاتليهم، ويشترون الذمم، ويدفعون بسخاء لمن يخون ويبيع، حتى وصلوا إلى غرناطة آخر معاقل المسلمين، فسلمها أبو محمد الصغير، وأخذ بعض ممتلكاته وترك الأندلس كلها باكياً، وتنصر وزيره الذي كان يفاوض على تسليمها، وتنصر آخرون، بل التحق بعضهم بالجيش الصليبي القشتالي ليحارب بقايا المسلمين ويشارك الصليبيين في التطهير الديني.. إلى آخر ما يعرفه قراء التاريخ!

التاريخ يعيد نفسه بطريقة ما في دمشق، بعد أن أعادها في بغداد، لاحظ أن العاصمتين كانت من عواصم العالم الأول، أي كانت كل منهما عاصمة أكبر دولة في العالم على زمنها، دمشق الأموية كانت عاصمة الدنيا، وبغداد العباسية عاصمة العالم، وكان الروم والفرس يطمحون إلى التقرب منهما، والتعلم منهما، ويذكر الصليبيون أن دمشق الأموية هي التي تجرأت على القسطنطينية ومهدت لمحمد الفاتح كي يفتحها، كما يذكرون أن بغداد هي التي علمتهم كيف يستحمون، وكانت خالية من الأميين والأميات، وكانت الدنيا تحت قدميها!

بوش الابن دمرها بعد التتار، وأعلن بصريح العبارة أنه يخوض حرباً صليبية، ومازال خليفته يعيث فيها فساداً وطائفية وعرقية وسفكاً للدماء والبترول والأخلاق والتراث والأحلام!

أما أوباما وبوتين وبقية الرهط الصليبي فقد قرروا تدمير دمشق وتفريغها من أهلها عن طريق الوكلاء والمرتزقة في طهران والنجف وبيروت والبراميل المتفجرة، وأعلن بابا الأرثوذكس في موسكو أن عدوان بوتين مهمة مقدسة، أي صليبية!

بالوكالة يحقق الصليبيون أهدافهم الدموية في بغداد ودمشق وطرابلس الغرب والقاهرة وصنعاء والخرطوم والرياض وتونس الخضراء والجزائر وباماكو وإسلام آباد وداكا وأنقرة.. ولهم في البلاد الإسلامية وكلاء معتمدون رسميون وشعبيون سمتهم الأساسية كراهية الإسلام والمسلمين، ولا بأس أن يقوموا بدور المصلح الرشيد، والحكم الذي يتوسط، والداعي إلى قيم الحق والعدل وحقوق الإنسان وبقية القيم الإنسانية الجميلة، ثم ينتفضون من أجل حرية التعبير في إسطنبول، ويقيمون الدنيا ولا يقعدونها لأن صحفياً شيوعياً سافلاً سب الرئيس أردوغان وأهانه وشرشحه، ونسب إليه تهماً ظالمة وباطلة فلجأ المظلوم إلى القضاء الذي عاقب الصحفي الشيوعي السافل!

ولكنهم لا ينتفضون ولا يثورون ولا يغضبون حين يقتل وكيلهم في دمشق أكثر من 400 ألف سوري بريء، ويصيب أكثر من مليون، ويهجر أكثر من نصف الشعب السوري، عقاب الصحفي الشيوعي السافل في إسطنبول أهم من نجدة الشعب السوري الذي يتعرض للإبادة على يد الوكيل الطائفي النصيري في دمشق!

ظن بعض الطيبين أنه يمكن للصليبيين أن يكونوا منصفين ويقفوا مع الحق، وباستطاعتهم أن يساعدوهم بالسلاح والعتاد ليستردوا حريتهم وكرامتهم، ولكن الصليبيين اشترطوا أولاً أن يساعدوا المعارضة المعتدلة أي التي تنبذ الإسلام وقيمه وأخلاقه، وقاموا بعملية فرز بين المعتدل والمتطرف والمتشدد، فتبين لهم أن كل السوريين يريدون الحرية والاستقلال والإسلام فعدوهم في القائمة السوداء إلا قليلاً من اليساريين والليبراليين، ولذا لم يحصلوا على مساعدات ولا سلاح، وقالوا لهم: لا حل إلا بالسياسة، ولكن وكيلهم ما زال يرمي براميله المتفجرة على الأطفال والنساء والرجال والأسواق الشعبية والمدارس المتبقية بين الخرائب!

تتابع الوسطاء من أجل الحل السياسي: كوفي عنان، الأخضر الإبراهيمي، دي ميستورا، وكل منهم يقضي فترة وساطته التي يعلم سلفاً أنها لعبة لتضييع الوقت، والحالمون من المعتدلين يظنون أنه يمكن أن يحققوا حلمهم في الحرية والمستقبل الطيب، ولكنهم لا يجدون أياً منهما!

وكان هناك أمل أن يقوم بعض العرب بالمساعدة العسكرية التي تقاوم قصف البراميل المتفجرة على الأقل، ولكن الأمل تبدد، لأن الكفيل الصليبي يرفض تزويد المقاومة المعتدلة بالصواريخ الحرارية التي تجعل طائرات البراميل تقلل طلعاتها.

المقاومة السورية الباسلة تستجيب لرغبة العالم الصليبي، في خطابها ولغتها وسلوكها، ولكنه لا يستجيب لأمانيها ورغباتها في الحياة الحرة الكريمة المستقرة، فالعالم الصليبي حريص على الانتقام الوحشي الذي عبر عنه قائد صليبي في الحرب العالمية حين ركل قبر صلاح الدين الأيوبي قائلاً: ها قد عدنا يا صلاح الدين!

العالم الصليبي يحمي قاعدته الاستدمارية اليهودية في فلسطين المحتلة، ومن أجلها وأجل البترول وأشياء أخرى يبيع السوريين والعراقيين والعرب جميعاً، وللأسف فكثير منا يصدقه ويقتنع بكلامه المخادع منذ قرنين من الزمان.

لا حل يا أهل الشام إلا بالوحدة وشراء السلاح!

وفروا نفقات الفنادق واستجداء الغرب الصليبي وأتباعه اللئام، وتوحدوا في الميدان على خطوط مشتركة، ودافعوا عن أنفسكم بكل ما تملكون ضد البراميل المتفجرة وضد القواعد الروسية والإيرانية والميليشيات الصفوية، وثقوا أن وحدتكم في الميدان سترد على الخائن النصيري بشار الجعفري الذي يشترط أن يكون مفاوضوه غير إرهابيين، وأن يكونوا على مقاسه ويؤمنوا بالوكيل النصيري الحصري في دمشق لليهود الغزاة والسادة الصليبيين، وحدتكم في الميدان ستنزع غطرسة الجعفري وصلافته وعنجهيته، وتعيده إلى الصواب، وتجعله يقر بحق الشعب السوري وليس النصيري في الحياة والكرامة والأمل، وستحمي دمشق من مصير غرناطة، وترد القشتاليين على أعقابهم خاسئين وخاسرين.

الله مولانا، اللهم فرج كرب المظلومين، اللهم عليك بالظالمين وأعوانهم!  

عدد المشاهدات 1887

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top