حصاد السنين
النفيسي و«الإخوان»

11:13 10 ديسمبر 2019
الكاتب :   مبارك فهد الدويلة

نقلت وسائل التواصل الاجتماعي بعضاً مما ذكره د. عبدالله النفيسي في برنامج "الصندوق الأسود"، ولا شك في أن د. النفيسي يعتبر كنزاً من المعلومات؛ نتيجة اطلاعه الواسع وثقافته العالية وتجاربه العديدة، كما أنه متمكن من التحليل السياسي للأحداث، ويعتبر مفكراً ومنظّراً للجماعات الإسلامية المختلفة رغم ضعف التزامه التنظيمي مع بعضها، ولقد عاصرته ردحاً من الزمن، عندما كنا نمثل تيار الإخوان المسلمين في مجلس 1985م، وتشاركنا في عضوية اللجنة السياسية للجماعة آنذاك، ولقد أدار شباب الإخوان حملته الانتخابية في بيان ومشرف من الألف إلى الياء، وما زلت أذكر معاناة مدير حملته الانتخابية الأخ أحمد السبيعي معه بعد الانتخابات، وضجره من الالتزامات الاجتماعية التي تستوجبها العضوية، مما اضطره إلى اتخاذ قرار مبكر بعدم الترشح مرة أخرى لمجلس الأمة!

وأثناء عملنا معاً في اللجنة السياسية طُلب منا إجراء تحقيق داخلي، فاعترض د. عبدالله مع عدد من الإخوة آنذاك على طريقة التحقيق، وكان هذا سبباً في خروجهم بهدوء من الجماعة، فغادروا محملين بحبهم وإخلاصهم للتيار الذي احتضنهم سنوات طويلة، إلا د. النفيسي الذي بكل أسف انقلب على التيار وكتب ثلاثة مقالات في إحدى الصحف اليومية يطعن في الجماعة وفي قيادتها، وهي التي حملته على أكتافها إلى قاعة البرلمان!

بعد ذلك صمت طويلاً، ولعله بسبب الندم على ما فعل، ثم خرج بالأمس وسجل عدة حلقات كانت في معظمها جيدة المحتوى والعرض حسب ما وصل لي، لكنها لم تخلُ من انتقاد في غير محله للتيار، حيث ذكر أنه تيار مخترق من جهاز الأمن، وأن قيادته مجموعة بسطاء لا يدركون واقعهم السياسي!

وتحدث عن الاشتراك المالي والبيعة، ثم يقول: إنه لم يدفع اشتراكاً ولم يبايع! ونسي الدكتور، ولعله بسبب طول السنين، أن هذا التيار، الذي يديره بعض البسطاء، تمكن من فرض نفسه على الساحة السياسية منذ دخوله معترك العمل السياسي إلى اليوم، وأنه بهؤلاء البسطاء كان مشاركاً ومؤثراً في الحياة السياسية طوال السنوات الأربعين الماضية التي كان الدكتور فيها غائباً عن الساحة، هؤلاء البسطاء استطاعوا أن يقودوا تنظيمهم إلى بر الأمان، بعد أن عبروا به في بحر من المؤامرات والأقاويل والإشاعات، لقد دخلوا في مواجهة مع الجميع حتى مع بعض ذوي الصبغة الإسلامية، ومع هذا تمكنوا من الاستمرار بقوة وثبات، مما اضطرت معه الحكومة إلى إشراكهم في بعض الوزارات، فصار منهم نائب رئيس وزراء، وصار منهم وزراء ووصلوا إلى منصب نائب رئيس مجلس الأمة، ولعلنا نذكر محنتهم أثناء الغزو العراقي الغاشم، وكيف تصرفوا عندما اتخذت بعض التنظيمات المحسوبة على الإخوان المسلمين موقفاً مناهضاً للحق الكويتي فقدموا مصلحة الوطن على مصلحة الحزب، وغيروا جلدهم إكراماً لوطنهم، ولن ينكر دور «شيبان الإخوان» آنذاك إلا جاحد عندما تحركوا على الدول الإسلامية في آسيا لكسب دعمها للكويت في موقفها.. وكان لهم ذلك.

ولعلك يا دكتور تذكر دور قيادتهم في تقريب وجهات النظر بين المعارضة والشيخ سعد العبدالله، بعد أن كاد "مؤتمر جدة" أن ينفرط.

وأخيراً وليس آخراً، كيف تمكنت قيادتهم البسيطة في تجاوز محنة شيطنة التيار في الخليج بعد أن تمت شيطنته دولياً، كل هذه المواقف والسياسات الحذرة ويأتي من يقول إنها قيادة لا تعي واقعها السياسي؟! أما قول د. النفيسي: إن التيار مخترق من الأمن، فهذه قد تكون شهادة لمصلحة التيار بأنه لا يخفي شيئاً يرعب أو يهدد، مع تحفظنا على هذا الوصف؛ لأن التيار دقيق في تنظيمه بشهادة خصومه.

أمّا حديثه عن البيعة، فمع أنه يتكلم عن فترة قديمة لها ظروفها، إلا أن واقع الحركة اليوم يختلف تماماً، حيث لا توجد اليوم هذه البيعة، مع أن ما أسماه الدكتور «بيعة» في ذاك الوقت هو اتفاق بين التنظيم والعضو العامل يتعهد فيه العضو باحترام مبادئ التيار ومنهجه ويلتزم بأخلاق الإسلام وتعاليمه، وهذا النوع من الاتفاق موجود في معظم التيارات السياسية.

 

 

 _______________________________

يُنشر بالتزامن مع صحيفة "القبس" الكويتية.

  • عنوان تمهيدي: حصاد السنين
عدد المشاهدات 2047

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top