د. عامر البوسلامة

د. عامر البوسلامة

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

الدعاية السوداء جزء خطير من أجزاء الحرب على الدول والمؤسسات والجماعات والأحزاب، وعلى الأفراد، وسائر المكونات، ولها آثارها ونواتجها السلبية المذهلة، على كل ما ذكرنا، إذ هذه الدعاية السوداء تعمل على الاغتيال المعنوي صاحب الآثار المدمرة، حيث يبقى المستهدفون على قيد الحياة (البيولوجية) ولكنهم في جوانب التأثير في الحياة والمجتمع موتى أو شبه موتى، وهذا هو الهدف المنشود في نهاية المطاف.

هذه الأجزاء التي ذكرتُ وغيرها من التجمعات البشرية، تقوم جهات منظمة بشكل دقيق، بل مؤسسات عملاقة، ومدعومة بالمال وكل وسائل الفعل، حتى تصنع صورة ذهنية مرعبة، منفرة، تحث على الكراهية، وتعمل على الإقصاء والتهميش، بحسب الزمان والمكان والشخص، وتحديد الهدف، لتفعل فعلتها المتوحشة.

وخطتهم بإيجاز تستند إلى محاربة الجهة المستهدفة، بتسليط برامج مخصوصة لمحاربتها، ويكون من آثار ذلك عليها أن ينفض الناس عنها، ويضربوا عنها صفحاً ويعزلوا داخلياً وخارجياً، وينزعوا ثقة الجماهير منها، وكذلك يفعلون مع الدول والمؤسسات الأخرى، ومن ثم تقع في إسار الفعل السالب، فتشتغل بضعف أو بقلة حيلة، أو نفرة الناس عنها، أو خوف البشر منها، أو العمل على إيقاعها في فخاخ، هي منها براء، لم تصنعها بل لم تعرف عنها شيئاً، فإذا كانت دولة ستخسر كثيراً من مواردها وتجاراتها وسياساتها وعلاقاتها، وإن كانت شركة أو مؤسسة فتضرب في عمق سمعتها التي هي رأس مالها، ومن البدهي والحالة هذه، أنها ستنكسر أيما انكسار، وإن كان حزباً –على سبيل المثال– فسوف يقع عليه كارثة الحصار والمقاطعة، والاتهامات المزرية، والتلفيقات المؤسفة، والرهاب غير الصحيح منها، وهكذا. 

إذن هناك عمليات شيطنة تقوم بها دول أو جماعات، أو جهات اختصاص، مما يسمى بجماعات الضغط، أو اللوبيات، والردهة، والرواقات، ومراكز السياسات الدولية، ومراكز البحوث، والنقابات، ومنظمات المجتمع المدني، ولا يمكن أن نغفل مقالب أجهزة المخابرات، ومن ورائهم دول، ومنظمات مشبوهة تعمل في السر والعلن، تقوم بهذه الأدوار، إنْ بالمال –وهو الغالب– وإنْ بتقديم مصالح لها تفيدها في منافع تعود عليها بالمصالح الكبيرة.

وهذه تنشط بمهام كبيرة –بعد تقديم أموال طائلة– لتقوم بهذه المسرحيات السوداء، وذلك لقلب الحقائق، وتزييف المعاني، والدجل على الناس، وأكثر ما يكون هذا في حال العداء السياسي، أو تكون طبيعة المعركة المصطنعة، سببها بث قيم مخالفة، أو مبادئ متباينة، مع العدو –حسب زعمهم– الذي يصبون جام غضبهم عليه، وعلى كل مؤسساته، وهي النوع الثاني الذي يوازي المصالح، وهو ما يعرف بالهدف الأيديولوجي.7-4-2.jpg

الإسلاميون وقائمة الاستهداف

والإسلاميون اليوم بناء على هذه الحقيقة المرة، يمارَس عليهم هذا النوع من الضغط، وهذه الصناعة المدروسة الخطرة، من أجل الاغتيال المعنوي، حيث مؤسسات تصنع المواد الخام، المترع بالإفك والكذب، واختلاق القصص، وتأليف الحكايات، وتلفيق الضلالات، وتعليب المزور من وثائق مدعاة، هذه المواد الخام المصنعة، تتلقفها معامل السياسة، فترسم لها برامج، وتضع لها خططاً، وتتلقاها مطابخ الإعلام الموجه، الذي يصنع للإسلاميين صورة مشوهة، قوامها شيطنتها لعزلها سياسياً، ونبذها مجتمعياً، وإقصائها عن مشهد الحياة بكل تفاصيله، والطعن بشرف أصحابها، ولصق تهم تتعلق بالأمانة، وكثيراً ما يعزفون على وتر الخيانة، حيث دلالتها القبيحة، في ذهن المستمع والمتلقي، وما لها من إسقاطات مرة، وإشارات محزنة، وفي كثير من الحالات تشن عليهم حملة اعتقالات، فتفتح السجون لهم أبوابها، وتكون ملاحم يندى لها الجبين، كل ذلك على إيقاع إفك مبين، صنعه خيال ظالم، «والظلم ظلمات».

والإسلاميون من أهل الوسطية والاعتدال، ممن نبذوا الغلو، ورفضوا التطرف، وساروا على مناهج الربانيين في الفكر والدعوة، ولهم مشاركات سياسية معروفة ومعلومة، في البرلمانات وفي الحكومات، ولهم حضورهم المجتمعي المتوازن، في كل مؤسسات المجتمع المدني، ولهم شخصياتهم الوطنية الوازنة، وجمعياتهم الرائدة، ويقومون بالدعوة إلى الله تعالى، بالحكمة والموعظة الحسنة، لهم حضورهم المفيد في كل ملفات الحياة، والجماهير تحبهم وتقترب منهم، والشباب يُقبلون عليهم، وهو ما تجلى بصورة واضحة بعد ثورات “الربيع العربي”.

هؤلاء الإسلاميون، في مقدمة من يُستهدفون وعلى رأس الإسلاميين جماعة الإخوان المسلمين، فترى هذه الهجمة الضروس التي لا تبقي ولا تذر، على الإسلاميين، عبر وسائل إعلام تبث سمومها عليهم، وتنسب لهم كل نقيصة، في الماضي والحاضر، وكذا في المستقبل، حتى صارت تنسب إليهم كل حادثة في الدنيا مشرقاً ومغرباً؛ حيث يصورونهم خطراً على كل شيء في هذه الحياة، وصاروا يصفونهم بأوصاف كريهة، وينعتونهم بنعوت قبيحة، ويحرضون عليهم القاصي والداني، والصغير والكبير، والشرق والغرب، وتُبذل جهود كبيرة، قوامها المال الكثير، من أجل إلحاق وصف الإرهاب بهم، أو نسبة بعض الشرور إليهم، فتُكتب أبحاث ودراسات خالية من المنهجية العلمية، ظاهرة في لَي أعناق النصوص، وفيها لغة الاجتزاء، على مبدأ “ولا تقربوا الصلاة”؛ فيُخرجون الحدث من سياقه، ومناقشته بعيداً عن ملابساته، وبصورة مؤسفة ومؤلمة وجارحة، حتى ليحار المرء، كيف يصل إنسان إلى هذا المستوى من بيع ضميره ووجدانه، ويخون شرف المهنة! وتراهم إما أصحاب مصالح، أو حتى أولئك الذين يكون دافعهم الحقد الأيديولوجي.

ليسوا معصومين

ويأتي السؤال هنا: هل كل ما يقال عن الإسلاميين بهذا الوصف الذي ذكرت، وأن الإسلاميين ليست عندهم هفوات ولا سقطات ولا زلات؟

بكل تأكيد، هناك أخطاء للإسلاميين؛ لأنهم ليسوا معصومين، وقاعدتهم “كلٌّ يؤخذ من كلامه ويرد عليه، إلا نبينا ورسولنا صلى الله عليه وسلم”، ولم يزعموا ذلك، كما أنهم لم يرفعوا شعار احتكار الحق، ولم يقولوا عن أنفسهم بأنهم جماعة المسلمين، بل قالوا: نحن جماعة من المسلمين.

المشكلة ليست هنا، إنما في الخروج عن الموضوعية في النقد بقصد وتعمد وسابق إصرار، حتى نسبوا لهم كل رذيلة، ولم يذكروا لهم أي فضيلة، وهنا تكون الطامة، وكلنا يعلم أن الحكم على الناس يجب أن يكون بعلم وعدل وإنصاف، حتى لو كانوا خصوماً أو أعداء؛ ﴿ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىۤ أَلاَّ تَعْدِلُواْ ٱعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (المائدة: 8).

من هنا أقول لإخواني من الإسلاميين العاملين في الحقل الإسلامي: انتبهوا! وكونوا حذرين، ودقيقين، فيما تقولون، أو تكتبون، أو عندما تتحركون، وفي تقدير مواقفكم، فأنتم مرصودون بدقة غير عادية، ويتابعون كل حركة لكم وسكنة، ولست مبالغاً إن قلت لكم: إنهم يحصون أنفاسكم، وينتظرون منكم أي زلة، ليكبروها، ويصنعوا منها قباباً من الظلم والظلام، ويصوغوا حولها من الهالات ما هو معروف لديكم.

نقول هذا، من باب الحذر والحيطة فقط، حتى نفوت الفرصة على هؤلاء المتربصين، وكذلك يدخل هذا في عالم الأخذ بالسبب، وعدم إعطائهم المبررات التي من خلالها يدفعون بها إلى مصانع السوء، لتمرير ما يهدفون إليه، كل ذلك ونحن على ثقة كاملة بأن الله يدافع عن الذين آمنوا، وأن المكر السيئ لا يحيق إلا بأهله، وإن الغلبة للحق وأهله، والزبد يذهب جفاء.

وكذلك على أبناء الحركة الإسلامية أن يعرفوا "فنون" مواجهة هذا المكر السيئ، وما طرائقه، ووسائله، وبرامجه، فالله تبارك وتعالى تعبدنا بالأخذ بأسباب العمل، وفي المجالات كافة، ولا يجوز أن نتواكل ونترك هؤلاء يشهرون بنا ويلصقون بنا كل النقائص والرزايا، ويحرضون على دمائنا وأموالنا، ومن ذلك علينا أن نواجه الخطة بالخطة، والبرنامج بالبرنامج، والوسيلة بالوسيلة، مع مواكبة لعلوم العصر وآلياته والأخذ بأحسنها، وإنه رغم انضباطنا بقانون القيم الإسلامية التي نختلف فيها مع الذين يواجهوننا في هذه المعركة الشرسة، لست بالخب ولا الخب يخدعني، والمؤمن كيس فطن. 

على مفكري الحركة أن يكتبوا تاريخها بيد أمينة، ويشرحوا مواقفها من أصحاب القرار فيها، وأن يدفعوا عنها بالتي هي أحسن، وعلى الجماعة أن تتواصل مع المراكز البحثية، وتبني علاقات مع كل الجهات المؤثرة التي تستطيع الوصول إليها.

وهنا أذكر بمنهج الجماعة الأصيل، الذي لا يستجيب للاستفزاز، ولا تأخذه ردود الأفعال، ويبقى على وسطيته المعهودة، واعتداله المعلوم، ومنظومة أخلاقه المباركة، رغم قسوة ما يقع عليهم، وكبير ما لحق بهم من ظلم، ويبقى معلم ما فعله المرشد الثاني نبراساً على طريق الدعوة "دعاة لا قضاة". 

ومن المعروف أن لقوى الشر التي تتربص بالإسلاميين وسائلهم في الاستدراج، حتى يقعوا في دوائر تختلط فيها الأوراق، فتضيع الحقيقة.

شاعت في السنوات القريبة الماضية قضية القراءة الثانية للنص، والتفسير العصري لهذه النصوص، وتبيينها على ضوء علوم العصر وتطوره المعرفي، وقال مروجو هذه القضية كلمات حق يراد بها باطل، وساقوا مقولات حق لبعض الأعلام أرادوا منها التذرع بها لباطلهم؛ فظهر فلان ليقول لنا باسم القراءة الجديدة للنص، بأن كل قيمكم وثوابتكم وإجماعات فقهكم ليست صحيحة، فهاجموا الحجاب، وأحلوا ما حرم الله، وأدخلونا في دوامات لها أول وليس لها آخر بهذه الحجج البائسة، والاستدلالات العابسة، التي انطلت على بعض شبابنا وراقت لهم، وصاروا يلوكونها بأسنان مكسرة.

وفي الحقيقة هي قضية قديمة حديثة:

1- قديمة من يوم ما ظهر أولئك الذين يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم أو تراقيهم، الغلو وصفهم، والشدة مدرستهم، والجفاء سيرتهم، والغلظة منهجهم، والعجلة أساس حراكهم، والحماسة غير المنضبطة طريقتهم، وكان من نتيجة ذلك أن ظهرت تلك العقائد الزائغة، والتفسيرات الشاذة، والتكفير للمسلم، بل كفروا أولياء الله من صحابة نبينا –رضي الله عنهم جميعاً– وقتلوا بعضهم، وحدثت كارثة إراقة دماء طاهرة، وسالت دماء زكية، وأدخلوا الأمة بشواغل ضيعت لهم ترتيب أولويات المشروع الإسلامي، وعرقلت سير العمل في مجالات الحياة كافة، والسبب فهمهم المغلوط للنصوص أو القراءة غير المنضبطة للنص.

2- وجاءت نتوءات الذين برزوا بلون آخر -مثل التفسير الباطني للنصوص- حتى سمعنا عجائب في هذا الميدان وغرائب، وما ظهور الفرق الضالة في فكرها وعقائدها سوى طيف من أطياف هذا الضلال، فصار الحديث عن الظاهر والباطن للقرآن، وكذا انتشار عقيدة الحلول، إذ يعتقدون بحلول الله –حاشا وكلا– في بشر، وكذلك القول بتناسخ الأرواح، وفسروا الصلاة بذكر بعض أسماء الأئمة، والحج هو الطواف بالقبر الفلاني.. وهكذا، كل ذلك تحللاً من تكاليف الشريعة، مع بث لعقيدة القول بالوحدة المطلقة، وغير ذلك مما يطول ذكره، حتى صار التفسير الباطني للنصوص من مذكورات الناس.

معنى القراءة الثانية للنصوص:

أولاً لا بد من معرفة أن المقصود بالنصوص هنا نصوص الكتاب والسُّنة، وليس غير ذلك مما يدخل في القراءات المتعددة، والتفسير الواسع لها، كالنصوص التاريخية أو الفلسفية أو الشعرية والأدبية، مما هو من صنع البشر ومن إنتاجهم المحض، ذلك أن الخطأ في هذا الميدان أو حتى العبث به –رغم رفضنا لأي نوع من أنواع العبث– يمكن أن يكون عدوانه محدوداً، ونتائجه السيئة محصورة، أما نصوص الكتاب وصحيح السُّنة فالأمر مختلف، إذ لها قواعدها وضوابطها وأصولها، والعبث في فهمها يؤدي إلى كوارث على كل المستويات.

المهم أن هذا التيار الذي ظهر في عصرنا الحاضر من مجموعات لا يعرف عنها التدين، أو الالتزام الإسلامي، أو التمسك بالشريعة، يريدون أن يقولوا في القرآن بهواهم، ويشرحوا السُّنة على أمزجتهم، ويبينوا العقائد كما يحلو لهم، وينشروا الفقه ويبينوه كما يروق لهم؛ فلا ثوابت، ولا قطعيات، بل ولا التزام باجتهادات.

ضوابط قراءة نصوص الكتاب والسُّنة:

أجمع من يُعتد به من العلماء سلفاً وخلفاً أن قراءة النصوص الشرعية، وهو لون من ألوان الاجتهاد، لا بد أن يكون من خلال قواعد وأصول؛ دفعاً للزلل، وتجنباً للخطأ، وسيراً لبرامج الأمان، على طريق السلامة؛ لذا وضع العلماء مجموعة من الشروط لهذا الأمر، حتى لا نخرج عن جادة الصواب، ونبقى ضمن مسار الرشد الذي أمرنا الله تعالى بالوصول له.

ومن هذه الشروط العلم باللغة العربية؛ فلا يمكن للمرء أن يقرأ نصوص القرآن والسُّنة وهو جاهل في اللغة العربية، فلا يعرف التمييز بين الاسم والفعل والحرف، ولا يدرك معاني البلاغة، وغير ذلك من علوم العربية ولو في الحد الأدنى من هذه العلوم، لأنها -كما وصفها العلماء- علوم آلة، فالقرآن الكريم كتاب نزل بلغة العرب، وهو معجز في فصاحته وبلاغته، والنبي صلى الله عليه وسلم أفصح من نطق بالضاد، كما دل على ذلك الاستقراء، فكيف يفهم هذان المصدران العظيمان بغير هذه اللغة، كمفردة من مفردات الشرط في الاستنباط من هذه النصوص، من هنا قال العلماء: لا ثقة بعلم من جهل اللغة.

يقول الشيخ حسن البنا –رحمه الله تعالى– في الأصل الثاني من الأصول العشرين: «والقرآن الكريم والسُّنة المطهرة مرجع كل مسلم في تعرف أحكام الإسلام، ويفهم القرآن طبقاً لقواعد اللغة العربية من غير تكلف ولا تعسف، ويرجع في فهم السُّنة المطهرة إلى رجال الحديث الثقات».

ووضع العلماء علم أصول الفقه، وسطروا بصحائف من نور علم مصطلح الحديث، وذكروا شروط الاجتهاد، واجتهدوا في هذا ما بين مضيق وموسع، لكنهم اتفقوا على الشروط من حيث الجملة، وما علم «علوم القرآن» الذي كتبت به نفائس الأسفار، وبينوا شروط المفسر لكتاب الله تعالى، عن الباحثين ببعيد.

من ثمار ذلك أن كان هذا التراث العظيم الذي أنتجته عقول علمائنا ومفكرينا، من الذكور والإناث عبر التاريخ، ومنها هذه التفاسير الكثيرة، وكذا شروح السُّنة، وكذلك المدارس الفقهية، وما أنتجت من دوحات علم يستظل بها المسلمون، وينهلون من معينها العظيم، لذا كان عندنا الأئمة أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، والليث، والسفيانان، والحسن، والبصري، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة، والدارمي، والموصلي، والطبري، وابن كثير.. وغير هؤلاء من كبار العلماء الذين شكلوا ثقافة أمتنا مما استنبطوه من الكتاب والسُّنة، من أهل التجديد والاجتهاد، فكانت مئات التفاسير، وانتشرت شروح السُّنة، ونشأت المدارس الفقهية، المذهبية والمقارنة، وغير ذلك مما نعجز عن ذكر جملته في هذه العجالة، فكانت رحمة الأمة في اختلاف الأئمة، وهو إرث نفاخر به، ونعتز به، والقاعدة عندنا في نهاية المطاف «كل يؤخذ من كلامه ويرد عليه إلا صاحب هذا القبر –صلى الله عليه وسلم- فلا معصوم بعده»، وكل أحد يخضع لهذه القوانين.

الهدف من ظهور هذه الأفكار:

1- في السابق كان الملحدون يهاجمون عقائد الإسلام جهاراً نهاراً، وتصدى لهم الغيورون من أهل العلم، وأفشلوهم وأوقفوهم عند حدهم، ولما رأوا ذلك تغيروا، أو تغير بعضهم، إلى أسلوب جديد، وهو إظهار إيمانهم بالنصوص، ثم يقولون: من حقنا أن نقرأها بطريقة ثانية، لذا ترى هجمتهم شرسة على التفاسير كلها، ويزعمون أننا نريد أن نفسر القرآن كما يظهر لنا! ويهاجمون السُّنة هجوماً شرساً، ومن ذلك الهجمة العجيبة على صحيح البخاري، فلم يبقوا ولم يذروا على هذا الذي هو أصح كتاب بعد كتاب الله تعالى، إذن هي حرب على قيم الإسلام وتعاليمه ومصادره ولكن باسمه!

2- تعويد الأجيال على نقد نصوص الوحي، وإشعارهم بأن نصوص الوحي مثلها مثل نصوص البشر، كلها قابلة للأخذ والرد والنقد، وهذا يكون مقدمة للعدوان على ثوابت الدين وأصوله القطعية، ومن ثم كسر هيبتها الإيمانية لدى الناس، حتى يقع الفأس في الرأس.

3- تحطيم مقولة «لا اجتهاد في مورد النص»، وتكسير مفهوم مصادر الشريعة والاعتماد عليها بطريقة العلماء على فهم السلف والخلف، ويلوكون مقولات ظاهرها الرحمة، وباطنها من قبلها العذاب.

4- الدعوة إلى التحلل من تكاليف الشريعة، بهذه التفاسير المعوجة، والأساليب الزائغة، وهذا الذي يهدفون إليه في نهاية المطاف.

وهنا نحب أن نؤكد جملة من المعاني:

1- نعم للاجتهاد، سواء الاجتهاد الترجيحي في المختلف فيه، أو الذي يقع في دائرة «النوازل» والمستجدات المعاصرة، ولكن من المؤهلين له، وهذا ليس من باب احتكار العلم، وليس من باب الكهنوت، كلا.. فالأمر غير ذلك، بل هو من باب ضبطه بضوابطه الصحيحة، ومن باب احترام الاختصاص، وهو مجال تنافسي، يتقدم فيه من هو أجدر بالمهمة.

2- كما نؤكد أن الاجتهاد في الوسائل، والإلمام بفقه الوقت، ومجريات الواقع، ومعرفة لوازم العصر في عالم النظم، وتطوير هذا ليستوعب في إطار الدعوة إلى الله، يعتبر من ضروريات العمل الإسلامي.

3- نريد الانضباط حسماً لمادة الفوضى، ونشجع على الإبداع بكل صوره وأشكاله وألوانه، فهو من سبل النجاح.

4- قد يقول قائل: نرى بعض هذه الأفكار يرددها «معمَّمون» أحياناً، وكذا نلاحظ بعض الذين يعتلون المنابر ينادون بهذه الأفكار ذاتها، أقول لهم: إن خيطاً ما يربط بين الطرفين، والأيام القادمات كفيلات بكشف كثير من المستور.

الثلاثاء, 04 ديسمبر 2018 12:26

الغِيبة.. وحركة الحياة

الغِيبة كبيرة عظيمة من كبائر الإثم والعدوان، وسيئة من سيئات الضلال والفساد، هي حالة من حالات الضياع، وصورة من صور الشرود، وطريق من طرق التيه، وباب من أبواب الارتكاس في حمأة الجاهلية، خانقة الفضيلة عند الناس، وتصنع الدخن والإلباس، ومدخل من مداخل التمزق، وعالم من عوالم الانحدار، وآفة تأكل الأخضر واليابس، لا تبقي ولا تذر، محبطة لأعمال البشر، قال الحسن البصري: "والله لَلغيبة أسرع في دين الرجل من الأكَلة في الجسد".

الغيبة مكسرة لأسوار الفضيلة، ومدمرة لحصون الحياء، ومزلق من مزالق الطغيان، ونافذة من نوافذ العدوان، ومسرب من مسارب البغي، ومرتسم من مرتسمات الشيطان، يعكس من خلالها إبليس غواية العدوان، فيحقد الإنسان على أخيه الإنسان، ويمد له حبال الغي، حتى يوقعه في شرك الرذيلة.

مرَّ عمرو بن العاص رضي الله عنه على بغل ميت، فقال لأصحابه: "لأن يأكلَ أحدكم من هذا البغل حتى يملأ بطنَه خيرٌ له من أن يأكل مِن لحم أخيه المسلم" (صحيح الترغيب والترهيب).

إنها الغيبة! مدمرة المجتمعات، وصانعة المبغضات، وجري وراء الشهوات، ومحركة للعداوات، ومبددة للطاقات، ومجمع من مجامع الغفلات، وسبيل من سبل الهلكات، تهوي بالمرء إلى أسفل الدركات، وأحط العاقبات، وأخس الدركات، وهي في مجال السير إلى الصلاح من العقبات، حيث توصلت إلى الطامات الكبيرات.

إنها الغيبة! عدو مبين، وشر مستطير، ونكد فظيع، وبعد عن مناهج الربانيين، وأحوال الصالحين، وسير المتقين، أصحابها عناكب الفتنة التي تنسج خيوطها في وسط المجتمعات، ما شاعت في أمة إلا جعلتها في الحضيض، ولا أدمن عليها امرؤ إلا تحول إلى شيطان رجيم، ولا انتشرت في جماعة أو حزب إلا حول نهاره إلى ليل، وسعادته إلى شقاوة، وحلاوته إلى مرارة.

أصحابها ظلاميون بكل دلالة المعنى؛ ظلمة قلب، ووجه وضمير، ظلمة عين أو لسان، أو جارحة، ظلمة سلوك، هم رسل الشر، وعناوين الفساد، ورموز الخراب، ولصوص الطاقة، حيث حلوا تفوح روائح المكر، وطعوم الكيد، وألوان الفتن، وصنوف الفساد، إنهم الخطر الكبير، والحذر منهم جدير.

تشدد الإسلام في تحريم الغيبة:

قال الله تعالى‏:‏‏ (‏وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ {12})‏ ‏‏(‏الحجرات‏‏‏)، يقول الأستاذ سيد قطب في ظلاله: "لا يغتب بعضكم بعضاً، ثم يعرض مشهداً تتأذى له أشد النفوس كثافة وأقل الأرواح حساسية، مشهد الأخ يأكل لحم أخيه ميتاً! ثم يبادر فيعلن عنهم أنهم كرهوا هذا الفعل المثير للاشمئزاز، وأنهم إذن كرهوا الاغتياب!".

ثم يعقب على كل ما نهاهم عنه في الآية من ظن وتجسس وغيبة باستجاشة شعور التقوى، والتلويح لمن اقترف من هذا شيئاً أن يبادر بالتوبة تطلعاً للرحمة: (وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ {12}).

ويسري هذا النص في حياة الجماعة المسلمة فيتحول إلى سياج حول كرامة الناس، وإلى أدب عميق في النفوس والقلوب، ويتشدد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم متمشياً مع الأسلوب القرآني العجيب في إثارة الاشمئزاز والفزع من شبح الغيبة البغيض.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏(‏وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً {36}) ‏‏(‏الإسراء‏‏‏)،‏ وقال تعالى‏:‏ ‏(‏مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ {18}) ‏‏‏(‏ق‏‏‏)‏‏.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ "أتدرون ما الغيبة‏؟‏"، قالوا‏:‏ الله ورسوله أعلم، قال‏:‏ ‏"‏ذكرك أخاك بما يكره‏"‏، قيل‏:‏ أفرأيت إن كان في أخي ما أقول‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏إن كان فيه ما تقول، فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته" ‏‏(‏رواه مسلم‏)‏‏.‏‏

وعن أبي موسى رضي الله عنه قال‏:‏ قلت‏:‏ يا رسول الله، أي المسلمين أفضل‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏من سلم المسلمون من لسانه ويده" (متفق عليه)‏‏‏‏.‏

وعن أبي هريرة رضي الله عنه، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ "إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يزل بها إلى النار أبعد مما بين المشرق والمغرب‏" ‏‏(متفق عليه‏).‏

وعن معاذ رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله‏:‏‏ "ألا أخبرك بملاك ذلك كله‏؟‏‏"‏، قلت‏:‏ بلى يا رسول الله، فأخذ بلسانه قال‏:‏ "‏كف عليك هذا‏"‏، قلت‏:‏ يا رسول الله، وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به‏؟‏ فقال‏:‏ "ثكلتك أمك‏!‏ وهل يُكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم‏؟‏‏"‏ ‏(رواه الترمذي، وقال‏:‏ حديث حسن صحيح)‏‏.‏

وعن أبي بكر رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في خطبته يوم النحر بمنى في حجة الوداع‏:‏ ‏"‏إن دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا هل بلغت" (‏متفق عليه)‏‏.‏

وعن عائشة رضي الله عنها‏:‏ قالت: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم: حسبك من صفية كذا وكذا‏ -قال بعض الرواة‏:‏ تعني قصيرة- فقال‏:‏ ‏"‏لقد قلت كلمة لو مُزجت بماء البحر لمزجته‏"‏، قالت‏:‏ وحكيت له إنساناً فقال‏:‏ "ما أحب أني حكيت إنساناً وإن لي كذا وكذا" (رواه أبو داود والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح).

وعن أنس رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ "لما عُرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نُحاس يخمشون وجوههم وصدورهم، فقلت‏:‏ من هؤلاء يا جبريل‏؟‏ قال‏:‏ هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس، ويقعون في أعراضهم‏" ‏(‏رواه أبو داود)‏.

والناس مع الأسف يستهينون بهذا المرض الفتاك، حتى أصبحت الغيبة فاكهة المجالس، وسلوان الغافلين، وتسلية المبطلين.

وكما أن الغيبة حرام، فكذا سماعها والرضا بها، ومشاركة أصحابها ولو بالسكوت، ونص العلماء على تحريم سماع الغيبة وأمر من سمع غيبة محرمة بردها والإنكار على قائلها، فإن عجز أو لم يقبل منه فارق ذلك المجلس إن أمكنه، كما نقل ذلك الإمام النووي وغيره من الأعلام، قال الله تعالى‏:‏ (وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ)‏ ‏(‏القصص‏:‏ 55‏)،‏ وقال تعالى‏:‏ ‏(‏ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ {3}) ‏(المؤمنون)، وقال تعالى‏:‏ (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ {68}‏) (الأنعام‏)‏‏.‏

وعن أبي الدرداء رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏من رد عن عِرض أخيه، رد الله عن وجهه النار يوم القيامة" (‏رواه الترمذي، وقال: حديث حسن).

‏وعن كعب بن مالك رضي الله عنه، بحديثه الطويل في قصة توبته، ‏قال‏:‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس في القوم بتبوك‏:‏ ‏"‏ما فعل كعب بن مالك‏؟"،‏ فقال رجل من بني سلمة‏:‏ يا رسول الله، حبسه برداه، والنظر في عطفيه، فقال معاذ بن جبل رضي الله عنه: بئس ما قلت! والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيراً، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"‏ (‏متفق عليه‏).‏

الخلاصة: الغيبة مصيبة على المرء وعلى المجتمع، وهي من الآفات الكبرى التي ابتلي بها كثير من أبناء جلدتنا، وهذه الأدلة التي سقناها جزء من أدلة النواهي عن هذا الخلق السيئ، ولو أردنا استقصاء ما ورد من أدلة وأقوال وتفصيلات وحديث شامل عنها، لكانت مجلداً، فاحذر، وانتبه، وتذكر، واعقل، واتق الله!

الأحد, 12 أغسطس 2018 10:04

الإسلاميون.. وفقه التقويم (1)

يُتهم الإسلاميون وكذا الحركة الإسلامية بأنهم لا يقومون بعمل التقويم، ولا يلتفتون لعلم المراجعات، وترى خصوم الإسلاميين يوجهون اللائمة للإسلاميين أنهم جامدون، لا يتطورون، متكلسون لا يسايرون جديد الحياة، تنظر إليهم من قريب ومن بعيد فتجدهم وكأنهم لا يعيشون عصرهم، بل كأنهم في عصر من العصور الغابرة، وعلة العلل –كذا زعم خصوم الإسلاميين- أنهم "ماضويون" يقدسون الماضي، ويجمدون على اجتهادات الماضي، ولا يعتبرون الخير إلا بمن مضى، وشعارهم "لم يبقِ المتقدم للمتأخر شيئاً"، خصوصاً إذا كان من جيل المؤسسين، الذين لهم رمزية في العلم والتجديد والاجتهاد، كما هو كذلك في التخطيط والتنظيم، فسحرهم ذلك الماضي، فراحوا يقفون على الأطلال، وينشدون على ذلك المجد لا يبرحونه، فتوقفوا عند محطات العالم الفلاني، أو المفكر الفلاني، أو المؤسس العلاني، أو العبقري فلان، والداهية علان.

من هنا ترى هؤلاء الخصوم يجعلون هذا الأمر من أعمدة الضياع الإسلامي، وبسببه ضاع كثير من فرص اللقاء الوطني، وغير ذلك من البلاوي والكوارث والطامات، لذا ينادون بالمراجعات وإعادة النظر وإجراء التقويم على أسس مبادئ العولمة، وما بعد الإسلاموية، وحداثة الفلسفة، وفلسفة ما وراء الأدلجة، ويتشدقون ويبالغون ويتطاولون، ويخلطون الحق بالباطل، والخير بالشر، والسم بالعسل، وغير ذلك من أنواع الخلط.

وفي البداية نقول: هذا النقد بعمومه ليس صحيحاً، بل هو مجاف للحقيقة، وبعيد عن دائرة الصواب، وظلم ظاهر، ووصف قائم على الجهل، أو الخصومة غير المنصفة، أو الاصطياد بالماء العكر، وفي بعض الأحيان وأنا أقرأ لهذا الصنف المتهم، فأمرّ على أفكارهم، وألتهم كلمات مقولاتهم، وأقول في نفسي: ما هذا الجهل؟ وعن أي حركة يتحدثون؟ وعن أي جماعة يذكرون هذه المعاني والمفردات؟ لأعود مؤكداً أن هذه الأحكام التي تطلق –بهذا التعميم– على كل الإسلاميين، إنما منشؤه الأساسي القناعة قبل البرهنة، مع تقليد تلقينيّ مريع.

خصوم الإسلاميين

إن الحركة الإسلامية، والإسلاميين عامة، قاموا بعمليات تقويم كثيرة، بين الفينة والأخرى، وبين عقد وعقد، وبين مرحلة وأخرى، ومن تجربة لتجربة ثانية، جزئياً أو شاملاً، وهذا أمر معروف ومعلوم، والأمثلة على هذا كثيرة، وكانت هناك في بعض البلدان مراجعات ضخمة، ولكن مشكلتنا مع القوم المثل السائر المعبر عن حالة العناد الأيديولوجي المبرمج "عنزة ولو طارت".

ونستطيع أن نقول: إن هدف خصوم الإسلاميين من نقد الإسلاميين، على أنهم معطلون للنقد في صفوفهم، ويحاربون الناقدين، ويكرهون الذين يؤشرون على الأخطاء، ولا يقومون بالتقويم المطلوب، ولا يعتنون بقانون المراجعات، إنما هدفهم التشهير، والنَّيل من الإسلاميين، وفي بعض الأحيان يريدونهم أن يتخلوا عن ثوابتهم، ويخرجوا من جلودهم، حتى يفقدوا خاصية تمايزهم، ولا أنكر أن بعض هؤلاء –رغم أنهم خصوم- يريدون للحركة الإسلامية أن تطور نفسها، وتواكب مستجدات الحياة، في الجانب السياسي والجانب المعرفي العام، كل ذلك من باب النصح، وهؤلاء قلة من كثرة، حتى لا يفهم كلامنا يضرب بعضه بعضاً.

وبالمقابل، وحتى نكون موضوعيين، هناك نوع محدود من الإسلاميين، الذين يعيشون حالة الجمود، وأعداء للتجديد، وثبتوا على متحركات، وحصروا أنفسهم في اجتهادات باتت قديمة؛ فيرفضون التغيير، ويعادون التقويم، ولا يؤمنون بالمراجعات، ويعتبرونها من النكسات، بل يرون ذلك من التغيير الذي يعبر عن حالة التساقط على طريق الدعوة، فيقولون، على سبيل المثال: فلان كان يرى كذا، وغيّر وبدّل، وصار يرى كذا، وكأنها جريمة من الجرائم العظمى، أو كأنه غير ثابتاً من ثوابت الدين، أو خرق ركناً من أركان العقيدة والإيمان، في حين أن القضية لا تعدو كونها مسألة اجتهادية، وهذا لا شك أمر غير مقبول، بل مخيف مرعب، لأن المطلوب غير هذا تماماً.

وتلقى هذا الصنف، ثم تغيب عنه عقداً أو عقدين، وتلقاه فإذا هو هو لم يتغير ولم يتبدل، بعض الناس يرى هذا صفة مدح، وأنا لا أرى هذا، والحالة الفردية من هذا النوع تدلل على حقيقة ما نذكر، تلاحظ مستوى الثقافة والمعرفة الحركية عند فلان من الناس، تتركه فترة طويلة ثم تعود إليه، فتجده كما تركته لم تغير الأيام وتطوراتها وأحداثها، وانفجاراتها المعرفية والثقافية منه شيئاً، ولم تضف له أي جديد، وبالمقابل ترى بعض الإخوة ثم تغيب عنهم زمناً، ثم تلقاهم، فإذا الواحد منهم قد توسعت مداركه، وازدادت ثقافته، وتطورت معارفه، وتحسن أداؤه، هذا مبدع في مجال السياسة، وذاك داعية متميز من طراز فريد، والأخ الفلاني يشار له بالبنان في الجانب العلاني وهكذا، فإذا بي أقف أمام مفاخر جديدة.

الحركة قبل عشرين سنة لا يمكن أن تبقى كما هي، فلا تتغير ولا تتبدل، ولو بعد خمسين سنة، وتكرر خططها، وتحبس نفسها في أدوات ذلك الزمن، تراها عتيقة الأفكار، قديمة الوسائل، بالية الأداء، هذا غير مقبول ولا يُعقل في عالم العمل الإسلامي، الحيوي المتجدد المستوعب للنوازل، والمواكب لتطورات الحياة، وكذا الإنسان وهو ابن عشرين عاماً، غيره ابن أربعين أو خمسين أو ستين، لأن قراءته كثرت، وثقافته توسعت، وعقله كبر، وذهنه توسع، واكتسب من الخبرات ما يصنع منه شيئاً جديداً، وصارت له تجربة يفيد منها في هذا الذي ندندن حوله، فإذا بقي كما هو، ولم يتغير فيه شيء، وهو كما تركته من عشرين أو ثلاثين سنة؛ إذن نحن أمام مشكلة كبيرة، تستحق التوقف والبحث والنظر.

ولعل أحد المفكرين الإسلاميين قصد هذا الصنف من الإسلاميين لما قال: "لم تعتد الجماعات على النقد الموضوعي لها؛ ولذا تسارع في تصنيف الممارس له وإدانته واتهامه دون الاستفادة من النظر في مادة النقد وفحواها".

تقديس الجماعات الإسلامية لقادتها أوقعها في سلسلة من الأخطاء الكارثية، أولها تنزيه القيادة من الخطأ، ثانيها زرع روح القطيع في الأفراد، هذا الكلام ينطبق على مجموعة قليلة من الإسلاميين، وظني أنه لم يقصد التعميم، فإن أراد التعميم –رغم حبي له واحترامي لقدرته التنظيرية– فإني أختلف معه كل الاختلاف، ولا أرى كلامه صواباً.

من هنا، فإن غايتي من هذه المقالة: تثبيت صحة فقه التقويم والمراجعات، وأنه فقه يتطابق مع شرع الله، ويتوافق تماماً مع مقررات الحركة الإسلامية.

أهمية فقه التقويم وإحداث المراجعات:

فقه المراجعات والتقويم له أهمية بالغة، وهو من الموضوعات الحساسة، ولها طبيعة استثنائية حين الإقدام عليه، وذلك لاعتبارات متعددة، وملابسات كثيرة، سنمر على ذكرها في ثنايا هذه المقالة.

التقويم والمراجعات دليل صحة، وليست عرَضاً لمرض، كما يتصور بعض الأحبة، بل ترك المراجعات هو الخطر، ونصبح كالمريض الذي لا يريد الذهاب إلى الطبيب خشية الصدمة من وجود مرض خطير، في حين أن قواعد الصحة المنصوح باتباعها هي المبادرة في الفحص لكشف المرض –إن وجد– مبكراً، حتى يسهل علاجه قبل أن يستفحل، وكذا هنا في المراجعات، نفعل هذا لنحل المشكلات قبل استفحالها، ونكتشف الاختلالات قبل انتشارها، ونسبر غور العوائق لمعرفتها قبل أن تنخر في جسمنا الطيب.

إعادة التقويم برهان على قوة الفرد والجماعة والمؤسسة، وليست علامة ضعف وخور، أو بمعنى آخر هي عنوان على استئناف مسار الرشد، لكن بروح جديدة، ودم جديد، وبرامج جديدة، مثله كمثل الصوم الذي بسببه تتخلص من الخلايا الميتة والهزيلة، وتستبدل بشي يملأ الجسم حيوية ونشاطاً، فتنطلق معافى صحيحاً قوياً، كل هذا يكون من خلال التخلص من خلايا الضعف والانكسار، وبناء خلايا تمنحك الفعل اللازم، في عالمك الحركي، وحركتك الإيجابية.

إن شجاعة التقويم والمراجعة، والاعتراف بالخطأ حال وقوعه؛ يمنحك المصداقية، ويعطيك قوة الإرادة، فلا تتردد، ولا تتلكأ، ولا تتلعثم، ولربك تعبّد.

التقويم بحث عن الأحسن والأجود والأروع والأفضل، والأكثر خيراً ونمواً وازدهاراً، وليس رجعة إلى الوراء للقعود والإحباط، والدخول في متاهات اللوم المقعد، الحالقة المهلكة، والجدل المر، والشحناء المضرة.

المراجعات علامة ثقة بالنفس، حيث تمتلئ نفس أصحاب المراجعات بمعاني الحضور، ومربعات الشهود، إثباتاً للذات، وإحداثاً للفارق بين الأمس واليوم، والبروز على ساحة العمل بلون جديد، وفعل قوي، وإنسان مسلم لا يعرف الملل، ولا تسيطر عليه علامات الكسل والملل والسآمة، ومن ثم قد دفع عنه شارات الترهل ومقاسم اليأس؛ والذين يخافون من التقويم والمراجعات يعيشون حالة الانكسار والهزيمة النفسية، ويكونون كهذا الذي يخاف من خياله!

التقويم والمراجعة ليست قضية جديدة، عندنا معاشر المسلمين، بل هي قديمة قدم أجيالنا، من أيام سلفنا الصالح، وماضينا المجيد، وتاريخنا التالد، فهذ سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه لما بويع بالخلافة بيعة السقيفة، تكلم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:

"أما بعد أيها الناس، فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي حتى أريح عليه حقه إن شاء الله، والقوي فيكم ضعيف حتى آخذ الحق منه إن شاء الله، لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل، ولا تشيع الفاحشة في قوم قط إلا عمهم الله بالبلاء، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم".

وهذا سيدنا الفاروق عمر رضي الله عنه، يضع ميزاناً قيماً، يجعله قانوناً في مسائل الحكم، بهذه الكلمات الوجيزات المكتنزة بالفهوم العزيزات، والقواعد الرائدات، والمعالم الواضحات، في هذا الذي ندندن حوله، ومنها أن التقويم والمراجعة ليس عيباً، بل هو من أعمال الراشدين، وسلوك المهديين، وسيرة المجددين، ومنهاج الصالحين.

ووضع اليد على الألم ليس عاراً، والمصيبة في التمادي في الخطأ فلا نصحح، ولا نقوم، ولا نتراجع عن الخطأ.

وروى الدارقطني عن عمر بن الخطاب: "لا يمنعك قضاءٌ بالأمس راجعت فيه نفسك وهديت فيه لرشدك أن ترجع فيه إلى الحق؛ فإن الحق قديم، والرجوع إلى الحق أولى من التمادي في الباطل".

وكتب عمر إلى معاوية رضي الله عنهما: "أما بعد: فالزم الحق ينزلك الحق منازل أهل الحق يوم لا يقضى إلا بالحق".

فعندما يظهر لك الحق، من خلال بحث وعلم، ومعرفة، وسبر وتقسيم، وتقويم سليم، فلا يجوز لك إلا أن تقبله، وتسير على منواله، ففيه الفلاح والنجاح، ففي بعض الأحيان تقدم للجماعة أو الحركة تقويمات ناصحة، من صديق أو قريب، فعليك أن تقلب فيها وجوه النظر، فإن كانت مفيدة فبها ونعمت، فاقبلها وامض على بركة الله، ولا تدفعنك عوامل العصبية أو الكبر ألا تقبل ذلك.

عمر بن عبدالعزيز قال: "ما من طينة أهون عليَّ فكاً وما من كتاب أيسر عليَّ رداً من كتاب قضيت به ثم أبصرت أن الحق بغيره فنسخته".

عمرو بن مهاجر قال: قال لي عمر بن عبدالعزيز: "إذا رأيتني قد مِلتُ عن الحق فضع يدك في تلابيبي، ثم هُزَّني، ثم قل لي: ماذا تصنع؟!".

قال الإمام أحمد: "كان أحسن أمر الشافعي عندي أنه كان إذا سمع الخبر لم يكن عنده قال به وترك قوله".

ذكر الآجرّي صفات العلماء، فذكر منها: "إن أفتى بمسألة فعلم أنه أخطأ لم يستنكف أن يرجع عنها، وإن قال قولاً فردَّه عليه غيره –ممن هو أعلم منه أو مثله أو دونه– فعلم أن القول كذلك رجع عن قوله وحمده على ذلك وجزاه خيراً".

 

كان من نتاج الجريمة الفظيعة، التي يرتكبها نظام القتل والدمار والتخريب والعدوان، ومن سانده وحالفه من قوى الشر الذين أصبحوا محتلين لسورية، وكذا من أيده ووقف إلى جانبه من أحلاس الرذيلة، بهذه المأساة المنكرة، بحق أبناء الشعب السوري.. أن شرد ملايين من أبناء هذا الشعب السوري الصابر المحتسب، يسمون أحياناً لاجئين، وبعضهم يسميهم مهاجرين، وآخرون يسمونهم نازحين.

لا أريد هنا أن أدخل في تفاصيل هذه المصطلحات وانطباقها على السوريين؛ لأني أريد أن أرسل رسائل، تهدف إلى توجيه المسار في طريقه الصحيح، خدمة لهذا الصنف من أبناء الشعب السوري، في محنته الكبيرة، ومصابه الجلل، وكارثته التي ليس لها مثيل، ولست في هذه المحاولة أبحث عن هياكل قانونية للتوصيف التصديقي، للوقوع من عدمه، فهذا له أهله والمختصون به.

ولكن المؤكد أن ملايين من البشر تركوا بلدانهم وقراهم ومناطقهم -نتيجة الجريمة التي ترتكب بحق شعب سورية- ورحلوا إلى أماكن أخرى في الداخل السوري، وفي دول الجوار، وغيرها من البلدان، مثل تركيا ولبنان وأردن ومصر والعراق، وغيرها من البلاد، وكذا في أوروبا، في بلدان متفرقة هنا وهناك.

أوضاع المشردين

وهؤلاء اللاجئون يعيشون أوضاعاً صعبة، في داخل سورية، وخارجها، تقتضي الالتفات إليهم، والتعاون من أجل الوصول إلى تلبية حاجاتهم، رغم الشكر الكبير لكل من ناصر وساند وآوى، ويسّر وهوّن ورحّب، وفتح صدره قبل يده وبيته، وفي المقدمة منهم تركيا.

ومما لا بد من ذكره، ولفت الأنظار إليه، أن النازحين داخل سورية يعانون معاناة كبرى، وأوضاعهم تدمي القلب، وتجرح الفؤاد، وتحزن صاحب الضمير.

والعناية بهؤلاء واجب شرعي -كما ذكر ذلك العلماء الأثبات- وضرورة إنسانية، وحاجة بشرية، ولا يجوز إهمالهم تحت أي عنوان، ومهما كانت الذرائع والمعاذير.

ومن مفردات ما يجب أن نقوم به تجاههم ما يأتي:

1- أن نؤويهم وننصرهم ونساندهم، فنكون ممن آووا ونصروا، فإذا قمنا بذلك، فلنا الأجر العظيم من الله رب العالمين، وهذا الأمر له أدواته ووسائله، وهناك مؤسسات وجمعيات تقوم بمثل هذا الأمر، ولكن تحتاج إلى من يدعمها، ويساندها، بمشروع الرغيف والبطانية، أو الخيام، أو المباني المؤقتة، أو آبار المياه، أو السلال الغذائية، أو غير ذلك مما يدخل في هذا الباب، وتكون الحاجة أعظم، في فصل الشتاء، حيث البرد القارس، والثلج الذي يغطي أحياناً قامة طفل ارتفاعاً، أما العواصف وأفعالها وآثارها، فحدّث ولا حرج.

2- أن نهيئ لهم أسباب العيش، في كل ما يلزمهم؛ “ومن كان في حاجة أخيه، كان الله في حاجته”، ومنها على سبيل المثال المأوى والطعام والكسوة.

3- الدواء للمريض أكثر أهمية من الطعام والشراب، فعلينا أن نهتم بهم طبياً، فنعالج مصابهم، ونقوم على شأن مريضهم، ولا ننس الجرحى، وما يحتاجون، ففي مصابهم، وما جرى لهم، ما يقطع نياط القلوب، وكم منهم من فقد طرفاً من أطرافه، أو ربما أكثر من طرف، كم منهم من أصبح معاقاً بسبب من أسباب الإعاقة، فتكون غاية مُنى أمثال هؤلاء كرسياً يتحرك عليه، أو طرفاً صناعياً يعينه على نائبته التي هو فيها.

4- والحياة ليست طعاماً وشراباً ونوماً فحسب، بل هناك ما هو أهم من هذا، ألا هو بناء الإنسان، بكل المفردات المطلوبة في هذا الشأن، ومنها العناية بتعليمهم، وإقامة الدورات التي تعمل على تنميتهم بشرياً، وفي المجالات كافة، وهنا نندب المؤسسات التي تعنى بالتنمية البشرية، أن تقوم بما يلزم لردم هذه الهوة وسد الخلل.

 5- كما أن التربية والدعوة يحتاجها المشردون، حاجة كبيرة، يحتاجون إلى العلماء والدعاة بينهم، وهذا يحتاج إلى مشروع، فالمعاهد الشرعية، والمحاضن العلمية التربوية، ركائز في هذا الميدان، ومن أدوات ذلك كذلك تأسيس مدارس لتعليم القرآن الكريم وتحفيظه للأجيال، وهذا يحتاج كذلك إلى مشروع، فأين من يشمر عن ساعد الجد، ويلج هذا الباب الخير، الذي يعتبر من أهم القربات إلى الله، وخير ما تنفق الأموال بشأنه “خيركم من تعلم القرآن وعلمه”.

6- ولا يفوتنا أن نذكر بأهمية تعليمهم من خلال إنشاء المدارس التي تقوم بهذا الواجب المهم، أو استيعابهم في المدراس المتاحة في البلد الذي هم فيه إذا كانوا خارج سورية، وفي الداخل السوري للقصة حكاية كبيرة ومهمة، تحتاج من يسندها، حتى تقف على أقدامها؛ فإن انقطاع أجيال من الناس عن التعليم يعتبر مشكلة كبيرة من المشكلات التي تواجه التجمعات البشرية، وهذا أيضاً له مختصوه، والعاملون له، ويبحثون عمن يمد يد العون للقيام بهذه المهمة النبيلة.

ونحث الجامعات التي تعطيهم المنح الدراسية، كي تمضي قافلة الحياة بلا توقف.

نداء من القلب

يا من يعيشون حياتهم الهنية الرخية الرضية –نسأل الله لكم جميعاً العافية والسلامة– تذكروا إخوانكم تحت القصف الهمجي، والبراميل العمياء المدمرة، تذكروهم عندما تأكلون وتشربون وتنامون، لا تنسوهم وأنتم بين أبنائكم تسعدون، زوروا إخوانكم اللاجئين، فالزيارة لها أهمية بالغة، واسوهم في مصابهم، كفكفوا دمعة مكسور، وامسحوا على رأس يتيم، وواسوهم بهدية، وتبرعوا لمشروع، يخفف عنهم، ويساعدهم حتى يقفوا على أقدامهم، ويكتب الله لهم الفرج والنصر على القوم المجرمين، وإنه لقريب بإذن الله تعالى.

ولا يفوتنا أن نقول لكل من قدم شيئاً لشعب سورية، ولو كسرة خبز، أو شق تمرة، أو شطر كلمة: جزاكم الله خيراً، وبارك الله فيكم، وفي أموالكم، وفي الحديث الصحيح: “ومن لا يشكر الناس، لا يشكر الله”؛ (وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ‏) (المائدة: 2).

وفي الحديث الصحيح: عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى». 

وفي الحديث الصحيح: عن سالم عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يُسلِمُهُ، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرَّج عن مسلم كربة، فرَّج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلماً سَتَره الله يوم القيامة».

وفي الحديث الصحيح: عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من نفَّس عن مسلم كربةً من كُرَب الدنيا نَفَّسَ الله عنه كربةً من كرب يوم القيامة، ومن يسَّر على معسر يسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر على مسلم ستر الله عليه في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه».

- وفي الحديث الصحيح: عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين وأشار بإصبعيه (يعني السبابة والوسطى)».

- وفي الحديث الصحيح: عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يَرحَم الله من لا يَرحمُ النَّاس».

- وفي الحديث الصحيح: عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المؤمن للمؤمن كالبُنيان يشد بعضه بعضاً ثم شبك بين أصابعه»، عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن، يكف عليه ضيعته ويحوطه من ورائه».

واجبات السوريين:

1- على كل السوريين أن يقوموا بواجب الشكر، لمن آوى ونصر، هذا الشعب السوري المظلوم؛ «ومن لا يشكر الناس لا يشكر الله».

2- وبالمقابل، نوصي أهل البلدان التي لجأ لها السوريون أن يعاملوا إخوانهم معاملة حسنة، فلربما كان رفع البلاء بسبب مناصرتهم، وتقديم العون لهم، وتنزل الرزق من الله بهؤلاء المكلومين المظلومين، فإياكم أن تضيقوا بهم ذرعاً، أو أن تتبرموا من وجودهم بينكم.

3- نؤكد إخوتنا السوريين أن يكونوا نموذجاً للأخلاق الطيبة، والخلال الحميدة، فلا يعبثوا ولا يخربوا ولا يفسدوا ولا يعملوا أي إساءة تمس أمن البلد، أو تخل بالمصلحة العامة.

4- ومن الأشياء التي نركز على المحافظة على أصولها ومعالمها –خصوصاً من لجأ إلى دول الغرب–مسألة الهوية، ديننا، أخلاقنا، قيمنا، نكون على صلة بكتاب الله القرآن الكريم، مع عميق تواصلنا مع سنة نبينا –صلى الله عليه وسلم– بفهم وسطي، وتصور سليم، مع تجنب الغلو والتطرف، والابتعاد عن الأفكار الجانحة الشاذة، والفتاوى الظلامية، ونهتم بأعرافنا الطيبة، وتقاليدنا الحسنة، ولغتنا الجميلة؛ فالمحافظة على اللغة العربية، من شعائر الإسلام، مع الحرص على تعلم لغة البلد الذي نحن فيه، فهي آلة العمل والفهم، ووسيلة الحماية؛ فاستيعاب اللغة ولوج في تفاصيل الحياة، وحماية من الكيد، واندماج في المجتمع بشكل إيجابي.

5- كما نؤكد إخواننا السوريين أن يضربوا المثل الحسن، في التعاون بينهم، وحب بعضهم والتآثر، وأن يكونوا سنداً للمحتاج، وعوناً للمصاب، وأن يكونوا قدوة في فعل الخير، رغم كل ما يحيط بكم، وقد رأينا من أمثلة الخير ما يرفع الرأس، والحمد لله.

6- نوصي إخواننا السوريين أن يحولوا هذه المحنة إلى فرصة، فينتقلوا من مد اليد، وسؤال الناس أعطوه أو منعوه، إلى ساحات العمل والبناء، إلى المصانع والمتاجر والمزارع والأسواق، إلى مساحات الرزق المفتوحة؛ فالسماء لا تمطر ذهباً ولا فضة، فلا يكونوا عالة على أحد، بل يشمروا عن ساعد الجد، فيجتهدوا، ويصنعوا الحياة باسمة، حيث يحل هذا الصنف من الناس، والشعب السوري يُضرب به المثل في الجد والاجتهاد، والنشاط والحيوية.. حقاً إن الشعب السوري شعب عملي، وهذا ما يثبته الواقع، فقد غطوا ساحات العمل بالعاملين، وفي بعض البلدان صار أصحاب البلد يغارون من نشاطهم وهمتهم وإبداعهم في أعمالهم.

7- ومن تحويل المحنة إلى فرصة: استثمار دراسة الأبناء والأجيال، وادفعوا بهم إلى محاضن العلم، إلى المدارس والمعاهد والجامعات؛ فالعلم نور، وبه تنير الحياة، وتتفتح دروب الرجاء، وتبنى به الأجيال، ومن خلالهم تتحول الحياة إلى مصباح منير، وبه من حولهم يستنير؛ «ومن سلك طريقاً يلتمس به علماً، سهل الله له به طريقاً إلى الجنة»، والجهل ظلام، وهو حالة مزرية، تحيط بالأجيال، فتهلكها وتدمرها وتقضي عليها بصورة أو بأخرى.

8- ولا بد من تذكر أن الصبر هو المدرسة التي تسري عن النفس، وتكون سلوة المؤمن، وزاداً على طريق المحنة، أما التذمر والتسخط والتلفظ بما يسخط الله فهو مصيبة، وكارثة مركبة.

الإثنين, 11 يونيو 2018 16:23

العيد.. وأثره في وحدة الأمة

 


ـ نحن بحاجة ماسة لتمثل دور الأمة الحضاري مع ملاحظة فقه الواقع واستيعاب تطورات الحياة

ـ بالأعياد دروس في إحياء الأمة ودورها لحمل مشروع يليق بمكانتها ويرتفع بأثرها

ـ في الفرحة بالعيد التي تعم الجميع معنى من معاني وحدة الأمة وكأنها تنادي على الدنيا بأننا هنا

ـ صلاة العيد طاعة لله وعبادة ومظهر جماعي لمعاني القوة التي تؤكد ضرورة اجتماع الأمة على الخير

ـ صدقة الفطر تعبير على أن الأمة جسد واحد وهذا مقصد من مقاصدها وحكمة من مشروعيتها

 

بقلم: د. عامر البو سلامة

إعادة مفهوم الأمة إلى منصة ثقافة المسلمين، وإدخال ذلك في برامج وعي الأمة، من الواجبات التي لا يجوز إهمالها، خصوصاً في هذا الوقت الذي تعاني فيه الأمة ما تعاني، من أزمات ونكبات، وتآمر وخذلان، رغم وجود علامات البشرى، وإشارات الأمل، وبوارق المجد القادم بعون الله تعالى.
مفهوم الأمة ودورها الحضاري له أهمية بالغة في عالم الشهود الحضاري التاريخي التالد، أي القابل للتكرار، فالحاضر بحاجة ماسة لتمثل هذه الحقيقة، مع ملاحظة فقه الواقع، واستيعاب تطورات الحياة، فالأمة بوعد الله تعالى لا تموت، وهذا أمر نسلم به قطعاً، لتواتر أدلة هذا المعنى، على هذه البدهية، ولكن الأمة قد تمرض، وربما أصابها الوهن، وفي بعض الأحيان يعتورها التأخر الذي يجعلها تتأخر في صفوف، ضروري أن تكون في غيرها.
الأمة التي جمعها الإسلام بحاجة إلى إعادة مفردات قوتها، حتى تترجم واقعاً عملياً، تنداح شجرة خيره، ليستظل بظلال مجده القاصي والداني، وما ذلك على الله بعزيز.
وتأتي مناسبات شتى للتذكير بهذا المعنى المهم، في عالم السياسة الشرعية، وانعكاس ذلك إيجاباً عليها وفي المناحي كافة، ومن هذه المناسبات شهر رمضان وما في بطن هذه المدرسة من معاني الأخوة الإسلامية، والشعور بقيمة وجود الأمة ما فيه، وكذا مناسبة الحج، وتلك المعاني العظيمة النبيلة التي يزرعها هذا الموسم العظيم في نفوس الأمة.
أما الأعياد، ففي مناسبتها دروس في إحياء الأمة ودورها في حمل مشروع يليق بمكانتها، ويرتفع بأثرها، ويرتقي بمنزلها، حتى تقوم بهذا الدور الراشد.
ومن مظاهر ذلك ومقاصده في العيد:
1- الفرح بالعيد، وهذه فرحة تعم الأرض حيث يوجد المسلمون، ففي العيد حيث يدخل الله عز وجل البهجة والسرور إلى قلب المسلم، فيفرح الصغير والكبير، والذكر والأنثى، فرحة مدهشة، ليس لها تفسير، إلا أن الله تعالى جعل ذلك نفحة من نفحاته، وبركة بثها الله في نفوس المسلمين، في هذه الأيام الفاضلة، وفي هذا من معاني وحدة الأمة في أفراحها، ما فيه من خير وفضل، وكأنها تنادي على الدنيا، بأمر حاضر، أننا هنا، ونفرح ونفرح، حتى لو أثخنتا الجراح هنا وهناك.
ومن مظاهر الفرح لبس الثياب الجميلة، والتزين بالمباح، فلكل مقام مقال، ولكل حال ما يناسبها، قال محمد بن إسماعيل الأمير في كتابه «سبل السلام»: «يندب لبس أحسن الثياب والتطيب بأجود الأطياب في يوم العيد لما أخرجه الحاكم من حديث الحسن السبط قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في العيدين أن نلبس أجود ما نجد، وأن نتطيب بأجود ما نجد».
2- الاستمتاع بما لذ وحل وطاب من الطعام والشراب، من غير سرف ولا مخيلة، وفي يوم العيدين وأيام التشريق الصيام حرام، وهذا من وسطية الإسلام، ونبذ الغلو، والتوازن في مسائل الحياة، وهو تأكيد على مبدأ العبودية لله تعالى، لسان حالنا يقول: يا رب، أمرتنا فصمنا، وأمرتنا فأفطرنا، سمعنا وأطعنا، غفرانك اللهم وتقبل منا! وهو بذات الوقت إعلان عن يسر الإسلام، ورفع الحرج، ومطابقته للفطرة في حاجتها للترويح عن النفس، والاستلذاذ بما أنعم الله علينا من طيبات الرزق من الطعام والشراب وما في حكمهما من الأمور، ولكل بلد تقاليده وموائده وعاداته.
3- وفي العيد يكبر الناس تلك التكبيرات المأثورة، التي تهز المشاعر، وتصنع في النفس معاني القوة، وتبني في الأمة معالم الوحدة، ففي مشارق الأرض ومغاربها كل مسلم يكبر، في المساجد والمصليات وساحات إقامة الصلاة، ويا له من منظر بديع، ومقصد رائد، كيف لا! وهو ذكر الله الذي تطمئن به القلوب، قال تعالى: (وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ {185}) (البقرة)، وقال تعالى في آيات الحج: (لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ {37}) (الحج).
روى ابن أبي شيبة بسنده عن الزهري، «أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كان يخرج يوم الفطر فيكبّر، حتى يأتي المصلى وحتى يقضي الصلاة، فإذا قضى الصلاة قطع التكبير». (مصنف ابن أبي شيبة (2/164)، وإسناده صحيح).
4- صلاة العيد؛ في الصحيحين من حديث ابن عباس، رضي الله عنهما: «أن رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، خرج يوم الفطر، فصلى ركعتين لم يصلِّ قبلهما ولا بعدهما»، صلاة العيد طاعة لله، وعبادة له، وهي مظهر جماعي، فيه من معاني القوة، التي تؤكد ضرورة اجتماع الأمة على الخير، ومعلوم أن العزة للكاثر، لكن مع النوع العامل العابد، القوي الأمين، ومثل هذه المناسبات تشير إلى هذه المقاصد، وتدفعنا لتحقيق هذه الأهداف، وكانوا أيام النبي، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، يؤمر كل المسلمين أن يشهدوا هذه الصلاة، حتى من هي حائض، ولكنها تعتزل المصلى، فلا صلاة عليها، والشاهد هنا تكثير سواد المسلمين، وهبة اللقاء الجامع، من الذكور والإناث، والصغار والكبار، الذي يصنع الشعور بمشاعر المسلمين، وإحياء شعائرهم، وهذا نموذج من النماذج، التي يقاس عليها غيرها في استنهاض الأمة من خلال عمل جماعي، قوامه الإيمان العميق، والهمة العالية، والتنظيم المثمر، والعمل المؤسسي الهادف المخطط له، فعن أم عطية، رضي الله عنها، قالت: «أمَرَنا –تعني النبي- عليه الصلاة والسلام أن نُخرج في العيدين العواتق، وذوات الخدور، وأمر الحيض أن يعتزلن مصلى المسلمين» (أخرجه البخاري ومسلم).
5- الدعاء للمسلمين والتذكير بهمومهم: وفي هذا اليوم المبارك، على كل مسلم أن يدعو لإخوانه المسلمين في كل مكان، بل يدعو للأحياء والأموات، إشعاراً بهذه الروحية العالية، بجسدية هذه الأمة وترابطها وتحابها وتعاطفها وتراحمها، كما على الخطباء في خطبة العيد أن يذكروا بقضايا الأمة، في كل بقعة من بقاع المعمورة، في فلسطين و»صفقة القرن» وحصار غزة، في سورية حيث القتل والدمار والخراب والسجون والبراميل المتفجرة، والتهجير والتشريد والتغيير الديمجرافي، في آراكان وما يجري فيها من سحق للمسلمين، وهكذا في كل قضايا الأمة، فهذا التذكير يحقق معنى وحدة الأمة، في الجانب الشعوري، ويدفعها لتقديم ما تستطيع في الجانب العملي، فمن لا يهتم بأمر المسلمين فليس منهم؛ أي ليس على طريقتهم ولا منهجهم، ولا سيرتهم.
6- صدقة الفطر؛ ويجب إخراجها قبل الخروج لصلاة العيد، قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجَر (3/367): «أُضِيفَت الصَّدَقَةُ للفِطْرِ؛ لِكَونِهَا تَجِبُ بِالفِطْرِ مِن رَمَضَانَ»، إنها واحدة من عناوين الخير، في دفع الأنا عن النفس، والتقوقع حول الذات، لينطلق من قيود ذلك إلى رحاب نفع الآخرين، ليعم الخير، بين أبناء المجتمع، فلا ينكسر فقير، ولا يهمل مسكين، ولا يترك يتيم، ولا تحرم أرملة، فالعيد يوم فرح وأكل وشرب وبهجة، فكان لا بد أن تعم كل الناس، ولا يستثنى من ذلك أحد، وهذا تعبير –في مفردة من المفردات- عن أن الأمة جسد واحد، فكانت صدقة الفطر، وهذا مقصد من مقاصدها، وحكمة من حكم مشروعيتها.
فِي الصَّحِيحَينِ مِن حَدِيثِ ابنِ عُمَرَ، رضي الله عنهما،: «أنَّ رَسُولَ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، فَرَضَ زَكَاةَ الفِطرِ صَاعاً مِن تَمرٍ، أوْ صَاعاً مِن شَعِيرٍ، عَلَى كُلِّ حُرٍّ، أو عَبدٍ ذَكَرٍ أو أُنثَى مِنَ المُسلِمِينَ»، وعَن ابنِ عَبَّاسٍ، رضي الله عنهما، قَالَ: «فَرَضَ رَسُولُ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، زَكَاةَ الفِطرِ طُهرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغوِ وَالرَّفَثِ، وَطُعمَةً لِلمَسَاكِينِ» (رواه أبو داوود وابن ماجة بسند حسن).
7- الاستمتاع بالمباحات، واستخدام الفنون الجميلة، وتجنب الفنون القبيحة؛ في ‏تهذيب سنن أبي داود لابن القيم، كتاب الصلاة، باب صلاة العيدين، عن أنَسٍ رضي الله عنه قال: «قَدِمَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم المَدِينَةَ وَلَهُمْ يَوْمَانِ يَلعَبُونَ فيهِمَا، فقال: مَا هَذَانِ الْيَوْمَانِ؟ قالُوا: كُنّا نَلْعَبُ فِيهِمَا في الْجَاهِليّةِ، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: إنّ الله قَدْ أبْدَلَكُم بِهِمَا خَيْراً مِنْهُمَا: يَوْمَ الأضْحَى، وَيَوْمَ الْفِطْرِ»، ‏ولقد ورد أن الحبش كانوا يلعبون بالدرق والحراب في المسجد يوم العيد، والنبي صلى اللّه عليه وسلم ينظر، وعائشة رَضِيَ الله عنه تنظر إليهم من ورائه وهو يسترها منهم حتى ملّت ورجعت، ودخل أبو بكر في بيت رسول اللّه، صلى اللّه عليه وسلم، على عائشة، رضي اللّه عنها، وعندها جاريتان من جواري الأنصار تغنيان؛ فقال أبو بكر: أبمزمور الشيطان في بيت رسول اللّه، صلى اللّه عليه وسلم؟ فقال: «دعهما يا أبا بكر، فإنه يوم عيد».
8- ولا ينسى المرء أرحامه وأقرباءه وجيرانه وإخوانه من زيارتهم، والتحبب إليهم، مع شيوع روح التسامح، ونشر لواء المحبة، ونبذ الفرقة، ولا يخفى عليكم كم لهذا الموضوع من أهمية، حول ما ندندن حوله، من حاجتنا للألفة والترابط.
9- قريب من ملياري مسلم في كل قارات العالم، يفرحون في هذا اليوم، ويسعدون به، ويظهرون ذلك، ويتمتعون بالحلال من الطيبات، ويلهون لهو ترفيه عن النفس، ويصلون ويذكرون الله تعالى ويكبرونه، وهذا وغيره، يذكرنا بقوة هذه الأمة من حيث عددها، ومواهب أهلها، وما تملك من ثروات ظاهرة وباطنة، فلولا تكاملت وتناسقت وتعاونت؛ لتغير وجه الأرض خيراً، وازّيّنت الدنيا، وأشرقت شمس الحياة، وحلت المشكلات، وانتشر الخير وعمّ، وهذا غيض من فيض، من الأمور التي تدلل على وحدة هذه الأمة، ووجوب تكاتفها وتعاضدها وتناصرها، فما أروع هذا الدين! وما أعظم تعاليمه! وما أجمل أحكامه! وما أحسن قوانينه! وما أطيب مناهجه! وما أفضل مفاهيمه! وما أدق قوانينه! وما أجود قواعده! وما أرقى حضارته، وما أقوم طرائقه.

الأحد, 20 مايو 2018 14:49

فلسفة الصيام في الإسلام

الصوم ليس جوعاً وعطشاً، على نظرية الجوعية، وليس فلسفة للوصول إلى خرق العادة، كما هو عند بعض الديانات الوضعية، ولا القصد منه تعذيب النفس، على من يقول ذلك من أهل بعض الفلسفات، ولا يمت إلى نظرية "اللذة في الألم" بأي صلة ولا بشعرة من رابط.

نعم هو امتناع عن الطعام والشراب والجماع، مع النية، من طلوع الفجر إلى مغيب الشمس، وله شروطه المنضبطة، وأركانه المعلومة، وسننه محصية مذكورة، وله مقاصده العظيمة، وأسراره الكبيرة، التي تعمل على بناء الفرد والأسرة والمجتمع والأمة، على قيم الرشد، وتعاليم السماء، ومنهج الفضيلة، الحكم الراقية، بعيداً عن كل مظاهر السرف، ومفاهيم التضييق، إنه الصوم.

قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ {183} أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ {184} شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ {185}) (البقرة).

فمن مقاصد الشرع في الصيام، وبيان أحكامه، نذكر ما يأتي:

1- الصوم عبادة لله، وطاعة له: فالصائم ينوي الصيام، ولا يريد بذلك إلا عبادة الله، فهذا المعنى، مقدمة لكل خير، وبذلك يستحق لقب "عابد" ذلك أن من فعل ذلك حصل على رضوان الله تعالى، ومن حصل على هذا، كان من سعداء الدارين. (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ {97}) (النحل).

إن المرء بطبيعته يبحث عن السعادة، وينشد مصادرها، ويبحث عن مواردها، فهي غاية كل إنسان، من هنا ألفت الكتب الكثيرة، في هذا الباب، ونشرت أبحاث وفيرة فيه، ومراكز الإرشاد النفسي، ملأت الدنيا ضجيجاً في هذا الشأن، والحق أن السعادة مجموعة في طاعة الله سبحانه وتعالى وطاعة رسوله – صلى الله عليه وسلم – ففيهما معالم السرور والحبور، وعلى ضوء سلوك مناهجهما تكون السعادة، وتتكون ركائز الخلاص المنشود.

فيا من يبحث عن السعادة، فإن مظانها، يكمن في ذكر الله وطاعته وعبادته "ألا بذكر الله تطمئن القلوب" فلا يمكن أن تجد سعيداً من البشر، وهو بعيد عن هذا المعنى. كما كان حال السلف كلهم يقول: نحن في نعمة لو علمها الملوك، لجالدونا عليها بالسيوف.

كما أن الشقاوة كلها مجموعة في معصية الله ورسوله، قال تعالي: (وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً {71}) (الأحزاب).

فالشقاء كله سببه، الإعراض عن منهج الله تعالى، والانغماس في المعاصي والارتكاس في حمأة الذنوب، فأثر الذنوب على الأمم والشعوب، معلوم ومعروف، في الماضي والحاضر، والحضارة المادية الصارخة – في بعض البلدان – تعاني من هذا أشد المعاناة، ولا نجاة لها –حتى تفيد من ماديتها– إلا أن توازن بين المادة والروح، والثروة والخلق، والدنيا والآخرة. ومما لا شك فيه أن الصوم، مفردة من المفردات المهمة التي تكون سبباً من أسباب السعادة، فكم يجد المرء من راحة في الضمير، وبهجة في النفس، وطمأنينة في الروح، وهو يؤدي هذه العبادة المباركة.

يأتي الصيام، بفقهه الصحيح، ليعيد الأمور إلى نصابها، وينسج للبشرية أعشاش أمانها، وكهوف استقرارها، كيف لا ؟! والله كتب علينا الصيام كما كتبه على الذين من قبلنا، فلا غنى للإنسانية عن هذا المطلب العظيم، إذ به يكتمل البناء، مع سائر شرائع الله تعالى الأخرى، مصنوعاً على عين الله تعالى، على أسس الإيمان وقيمه وركائزه وأركانه.

2- وهذا المعنى بدوره يعلمنا الإخلاص لله تعالى: ومن كان مخلصاً، فقد حاز الرتب، ونال الدرجات العالية، وفاز بمعية الله تعالى، فيصير منصوراً بالله، ومؤيداً به، فالإخلاص باب الولاية الأعظم للمسلم، ومقدمة ضرورية لكل بداية.

عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو إلى امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه" (رواه البخاري).

ومن كان ولياً لله تعالى، نال عز الدنيا، وفخر الآخرة.

أخرج الإمام البخاري في صحيحه: عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ اللَّهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ".

3- الجندية لله تعالى: اليوم نصوم بأمر الله تعالى، وفي يوم العيد نفطر التزاماً بما أمر الله تعالى، هذه الجندية هي التي بها يكون فلاحنا، وبمثل هذه الجندية، يكون النصر لنا، وتكتب لنا الغلبة على عدونا، فمن خصائص جند الله تعالى، أنهم يتلقون الأوامر لينفذوا، ويسمعون النواهي ليجتنبوا.

4- الصوم يدربنا على التواصل المجتمعي: حيث الشعور بمشاعر الآخرين، والصوم يصنع فينا الصفاء، ويدفعنا نحو الرحمة، فنتفقد الأرامل والأيتام، ونخص الأرحام بالعناية والرعاية والاهتمام.

5- الصوم يعلمنا جسدية الأمة: حيث التواد والتراحم، خصوصاً مع حصول الشكاية، وما أكثر جراح المسلمين هذه الأيام، ومن فطر صائماً فله مثل أجره.

6- فقه الصوم يرشدنا إلى الوسطية والاعتدال، ونبذ الغلو و (التطرف): رغم فرضية الصيام، لكن المسافر يباح له الفطر، ومن كان مريضاً فعدة من أيام أخر، والسحور بركة، وتعجيل الفطور سنة، ونهينا عن صوم الوصال، وصوم يوم العيد حرام، فلا إفراط ولا تفريط، والله يريد بنا اليسر، ولا يريد بنا العسر، وهكذا تتشكل الشخصية المسلمة المتوازنة.

7- التزكية والسلوك على قيم الربانية: الصوم مدرسة التقوى، فهي الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والاستعداد ليوم الرحيل، حيث الصفاء والنقاء، والتمسك بقيمة المراقبة لله، في الظاهر والباطن، والسر والعلن، والخلوة والجلوة. والصوم يعلمنا الصبر، وتحمل المشاق، ويبني فينا معاني المجاهدة، الصوم يلجم شهوات النفس، حتى تستقيم، على أخلاق النبل، ويعلمنا الصوم كيف نعالج مشكلة الجنوح، في عالم الشهوات، مع ضبطها وربطها، وفي المقدمة منها، شهوة البطن، وما في ذلك من مصائب وكوارث، وشهوة الفرج، وكيف أن استطالتها تؤدي إلى مصائب وكوارث. أما آفات اللسان، وما أدراك ما آفاته؟! يأتي الصوم ليربينا على معالم ضبط اللسان، فلا يصخب، ولا يشتم، ولا يسب، ويتجنب أخلاق الشوارع، ولا يقول كلاماً بذيئاً، ولا يشهد الزور، يداري ولا يداهن، ولا يدخل في عالم اللغو، وفحش القول، فإن سابه أحد، أو شاتمه، التزم أخلاق الربانيين، فيقول: إني صائم. وبهذا ينجو من الوقوع في حمأة مرذول السلوك.

8 - صوموا تصحوا: رمضان له فوائد صحية عظيمة، ويتضمن جملة من محامد التي يعود نفعها على صحة الإنسان، ولما لم أكن عالماً بالطب، فسأكون ناقلاً خلاصة ما ذكرته سمر هادي، عن فوائد الصوم الصحية، فيه غنية، تناسب المقام، حيث كتبت تقول: [فالصيام ممارسة صحية فعّالة، إن تم تطبيقها بالشكل الصحيح. فالصيام يساعد على التخلص من السموم خارج الجسم، ويقلل من نسبة السكريات في الدم، كما يعمل على خفض تخزين الدهون. وبالإضافة إلى ذلك، فيعزز الصيام العادات الغذائية الصحية، كما يعمل على تقوية جهاز المناعة. وإليك أهم فوائد الصيام الصحية:

  1. الصيام يعزز إزالة السموم.
  2. فيساعد ذلك على التخلص من السموم من خلال الكبد والكلى وباقي أعضاء الجسم المسؤولة عن التخلص من السموم.
  3. الصيام يعمل على راحة الجهاز الهضمي.
  4. الصيام يساعد على علاج الالتهابات.
  5. بعض الدراسات قد أكدت أن الصيام يساعد على شفاء بعض الأمراض من الالتهابات والحساسية كالتهاب المفاصل، والصدفية.
  6. الصيام يساعد على خفض مستويات السكر في الدم.
  7. الصيام يحفز خسارة الوزن.
  8. الصيام يحفز خسارة الوزن بسرعة.
  9. يعمل الصيام على منع تخزين الدهون في الجسم.
  10. الصيام يعزز العادات الغذائية الصحية:

فقد لوحظ أن الصيام يساعد على خفض الشهية تجاه تناول الأطعمة الجاهزة.

فبدلا من ذلك، يحفز الصيام الرغبة في تناول الأطعمة الصحية، وخاصة الماء والفواكه.

  1. الصيام يعزز الجهاز المناعي:

فعند اتباع نظام غذائي متوازن بين فترات الصيام، فيساعد ذلك على تعزيز الجهاز المناعي، إزالة سموم الجسم وخفض تخزين الدهون. وعند تناول الفواكه للإفطار، فهذا يساعد على تعزيز المحتوى الغذائي للجسم من الفيتامينات والمعادن. أيضا فيتامين A وE هي عناصر ممتازة لمضادات الأكسدة، وهي تساعد على تقوية جهاز المناعة أيضا.

هذا هو الصوم، فيا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر.

الخميس, 17 مايو 2018 10:53

رمضان.. وصناعة الوعي

 

لقد جاء نبينا صلى الله عليه وسلم برسالته السمحة بيضاء نقية، لا يخالطها دخن، ولا يعتورها قصور، كيف لا! وكلها وحي من الله جل وعلا.

وفي أثناء المسيرة المليئة بالخيرات، تظهر مشكلة المشكلات، في عدم الفهم السليم لقيم الإسلام وقواعده وقوانينه، لأسباب كثيرة ليس مجال بيانها في هذه المقالة.

وهنا كان دور العلماء أن يقوموا بواجب البيان، لهذين الأصلين، فقعّدوا القواعد، وضبطوا المسار، وراقبوا الأمر عن كثب واهتمام، وأبدعوا في صناعة خرائط الاجتهاد والاستنباط والاستنتاج، حتى يبقى الناس على طريق السلامة، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين.

من محطات هذا المسار في الفهم الصحيح، شهر رمضان، هذا الشهر المبارك، الذي اختاره الله ليكون معلم خير، ومنارة فضيلة، وعنوان استئناف للحياة على قيم الرشد؛ (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ) (البقرة: 185).

مشكلتنا في كثير من عقول المسلمين في فهم رمضان وفقهه ومقاصده، وما فيه من أحكام وحكم، وأسرار وفضائل، حتى صار هذا الشهر الكريم، عند عامة الناس، في بعض بلاد المسلمين، عبارة عن موسم للطعام والشراب، والتفنن في موائد رمضان، والابتكار لأنواع الحلويات، ونصب الزينات، والمبالغة في الإضاءات، مع الاهتمام بالمسلسلات الرديئات، والمتابعات للمسليات التي تجعل في الأمة جيلاً من الغافلين والغافلات، والسهرات المهلكات، وذلك بسبب غياب الوعي عن هذا الشهر المبارك، رغم أنه جاء ليصنع الوعي في كل مفردة من مفرداته، وفقرة من فقراته، على مفاهيم الربانية، الجامعة لمنافع الدنيا والاستمتاع الحلال بها، وعمارتها بمخططات الفعل الحضاري، مع التحقق بمعنى تحصيل رضوان الله، فيسعد المرء في الدنيا، ويكون من أهل النجاة يوم لقاء الله.

جاء هذا الشهر بفريضة الصيام، وهي كف عن شهوتي البطن والفرج، من طلوع الفجر إلى غياب الشمس، مع النية واستحضار الإخلاص لله تعالى (فالله غايتنا)، وفي هذا صحة للإنسان وعافية له، وشهد أطباء الدنيا على صدق هذه الحقيقة؛ فالصيام جنة، وفلاح وصلاح، وهو قوة لروح الإنسان، ودربة على تقوى الله، بمفهومها الشامل الذي يتسع لكل مفردات الحياة في السر والعلن، وفي المسجد والشارع، في مكان العمل وفي البيت ومع الأسرة والأولاد، مع الجيران ومع أبناء المجتمع، في السياسة والاقتصاد، في الجهاد والكفاح، في البحث عن الحرية ومقاومة الاستبداد، تقوى في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، في تقدير الموقف في كل قضية من قضايا الشأن العام، قربى لله، وطاعة له.

إذن الصيام عبادة ندرك –من خلال فهمها- منهج العبودية، التي هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، من الأقوال والأفعال؛ (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ {183}) (البقرة)، فالعبادة لله لا تقتصر على جانب –على أهمية هذا الجانب– دون آخر، كما هو التصور عند الذين يريدون تنحية الإسلام عن سلطان الدنيا، وفصله عن أنظمة الحياة؛ فالصوم -على مكانته العظمى– ليس كل شيء في عالم الفروض، فجاء رمضان ليؤكد هذه الحقيقة، وليقول لنا: إن الصوم جزء من منظومة متكاملة، لا يجوز أن نؤمن ببعضها ونكفر بالباقي؛ فكانت كل أنواع العبادات متضمنة بصورة أو بأخرى، في هذه المدرسة المباركة، مدرسة رمضان، وهذا من صناعة الوعي الطيب.

الوعي الأخوي التراحمي

هذا الصيام وما يلاقيه المرء جرَّاء الامتناع عن الطعام، والشعور بعضة الجوع، وقرصة العطش هو بدوره يصنع فينا وعياً، وهو ضرورة الإحساس بمشاعر الآخرين، فتعيش –عملياً– بما يعيشون، وتعاني مما يعانون، فيدفعك هذا نحو منهج «العدالة الاجتماعية»، ويزرع فيك روح ألا تكون لنفسك فقط، ولتكون إنساناً جماعياً، ولست أنانياً لا يعترف إلا بنفسه.

بل يدرك معنى الاهتمام بشأن المكلومين والمجروحين، والجوعى، والمظلومين والمقهورين، والذين يعانون ما يعانون من الويل والضيم، في الحارة والبلدة والدولة، وفي كل أصقاع الدنيا، إن شعر بهذا وأدى ما أدى، مما عليه من واجب أن يقوم به، هذا في حال الجوع، وكذا وقت الإفطار، لما تكون أطايب الطعام، في الفطور والعشاء والسحور، هنا يتذكر إخوة له جوعى لا يجدون هذا الذي بين يديه، بل ربما لا يعرفون طعمه، ولا يشمون رائحته، بل ربما كانوا في حصار، أو تحت براميل الموت، فيصنع لديه وعياً بضرورة الاهتمام بهؤلاء الإخوة، الذين نجدهم في فلسطين وسورية وآراكان واليمن، وبعض دول العالم.

يقول سيد قطب: “عندما نعيش لذواتنا ولشهواتنا تبدو لنا الحياة قصيرة، تافهة، ضئيلة، تبدأ من حيث بدأنا نعي، وتنتهي بانتهاء عمرنا المحدود، أما عندما نعيش لغيرنا (أي: عندما نعيش لفكرة) فإن الحياة تبدو طويلة عميقة، تبدأ من حيث بدأت الإنسانية، وتمتد بعد مفارقتنا لوجه هذه الأرض”.

معاني الارتقاء

ومما يعلمنا هذا الشهر من وعي هو أن الصيام، بمفهومه الشرعي الذي ذكرناه، لا بد أن يترك فينا معاني الارتقاء بالنفس، ويبني فينا الإرادة، التي تؤدي إلى ألا نقول إلا الحق، لا نخشى إلا الله، ولا تأخذنا في الله لومة لائم، ولا نشهد الزور، بكل معانيه، وبسائر تفاصيله، نقول الحق ولو على أنفسنا، نصدع بالحق بلا مواربة، ندوي بكلمة حق عند سلطان جائر، ولو كلفنا ذلك قطع أعناقنا، كل ذلك مع الحكمة البالغة، والدعوة بالتي هي أحسن، وإلا فإن الصائم ليس له من صومه إلا الجوع والعطش، وهنا تكون الكارثة، وتحصل المصيبة، وفي مثل هذا الوضع تأتي أهمية الوعي الذي يصنعه رمضان لنا.

وفي الحديث الصحيح، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه”.

كما يعلمنا رمضان معنى الخلق الحسن، وطبيعة التعامل مع الآخرين، والصبر على أذاهم، وتحقيق معنى “السلم المجتمعي”، فلا تكون هناك ردود فعل مسيئة، ومن باب أولى ألا تكون هناك هنات مسبقة.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: “قال الله عز وجل: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جنة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث يومئذ ولا يصخب (الخصام والصياح) فإن سابَّه أحدٌ أو قاتله، فليقل: إني امرؤ صائم، والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم (الرائحة) أطيب عند الله يوم القيامة من ريح المسك، وللصائم فرحتان يفرحهما، إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه” (رواه البخاري ومسلم واللفظ له).

جاء رمضان ليصنع فينا وعياً مميزاً، في أن رمضان شهر الصبر، والاحتمال لمشاق الحياة، بل شهر الجهاد، والبذل والفداء، فكثير من الغزوات والمعارك، كانت في هذا الشهر المبارك، وكثير من أبنية الخير تمت في هذا الشهر المبارك، عبر التاريخ الإسلامي في شهوده الحضاري، وفي هذه المحطة يحذرنا رمضان ألا يكون هذا الشهر شهر كسل ونوم ودعة وخمول، سهر بالليل على فارغات الأمور، ونوم بالنهار في أكثر ساعاته، وفي صورة كهذه تبرز حقيقة ما يجب أن يكون عليه المسلم في هذا الشهر الكريم، فلا تتوقف المصانع، ولا تعطل الوظائف، ولا تغلق أبواب العمل، بل تبقى مشرعة في كل محتويات ما فيها من أجر وثواب، مع صوم نهار، وقيام ليل، وصدقة ونفقة، وتفقد لأحوال الضعفاء والمحتاجين، مع قراءة قرآن، وحفظ ما تيسر، ومراجعة ما حفظ، مع مدارسة وفهم.

فرمضان شهر القرآن، وهو دستور المسلم، فيه كل خير، وجامع لكل المناهج والمباهج، وصانع الوعي فينا، فرمضان يحتم علينا العيش في ظلال القرآن وتدبر معانيه، فالقرآن ورمضان بينهما تلازم من جوانب متعددة، ولا شك أن هذا له حظه، في مناهج الفكر والعمل، ومن ركائزه صناعة وعي المسلم على مفاهيم الطمأنينة والاستقرار والنجاح والفلاح، كل ذلك في مواجهة تحديات الفلسفات التي أهلكت الحرث والنسل، وجعلت جزءاً من البشرية في حالة تيه وشرود.

تصحيح المسار

ومن صناعة الوعي في شهر رمضان أن هذا الشهر المبارك دورة تمر علينا كل سنة، فرض من الله في القرآن أنزله، وفي كل دورة سنوية تكون المراجعات، مضى عام، وعام قادم، فتسرد الحسابات، وتفتح الملفات، على مستوى الفرد والأسرة والجماعة والمؤسسة، فردياً وجماعياً، حتى نصحح المسار، ونضع أنفسنا أمام حقائق الأشياء كما هي، دون لف ولا دوران، فنقول: هنا أصبنا، وهناك أخطأنا، هنا أذنبنا، وهناك كنا موفقين بكذا وكذا، في هذه القضية لم يحالفنا الصواب، وفي المسألة الفلانية نجحنا نسبياً، وفي مكان آخر نسبة التوفيق مرتفعة.

وهكذا حتى نخرج بنتائج مهمة في هذا الباب، فإن كان خيراً حمدنا الله، وعلينا أن نزيده ونكثر منه، وإن كان غير ذلك صححنا، ورتبنا بيتنا من جديد، ونخطط لعام قادم، مليء بالحيوية والأداء الحسن الصالح، فإن وجدنا في صحيفتنا ذنوباً استغفرنا الله وتبنا إليه، وهكذا، ومن لم يفعل هذا يكون في وعيه نقص، وفي فهمه خلل، وفي تربيته ثغرات، يأتي رمضان معلماً لنا هذا، فيعلوا نصاب الوعي الحق، وهو المقدمة لكل نجاح.

وفي الختام، قد يقول قائل: هل تريدونها مثالية مفرطة حتى نحرم من المباحات، ونحبس أنفسنا عن طيبات الرزق؟

نقول: ومن قال هذا؟! بل نقول: هذا الشهر المبارك فيه من الفرحة والاستمتاع بالمباحات والأشياء الجائزات، من خلال فهم سليم، ووعي دقيق، وفي هذا يكون التوازن، وهو ما أردنا إثباته في هذه المقالة، ورحم الله القائل: “ينبغي أن يكون لنفوس المتقين استراحات ومباحات”.

الثلاثاء, 10 أبريل 2018 11:05

البعد الطائفي في القضية السورية

 الشعب السوري لا يعرف الطائفية، ولم يمارسها سلباً، رغم وجود الحالة المذهبية، والتعدد الديني منذ مئات السنين، والمجتمع السوري -عبر التاريخ- مجتمع متعايش، أبناؤه ارتضوا الحياة معاً، وفيه مسلمون وغير مسلمين، وهم متجاورون طابع بلاد سورية أنها بلاد سنية من باب الأكثرية، ودمشق عاصمة الحضارة الأموية، في بُعدها المعرفي الإسلامي، وتاريخها السياسي والثقافي، ولكن هذه الحقيقة صارت عامل مسؤولية، ترتب عليها أن يكون أبناء هذا البلد على عاتقهم أمانة الاستقرار المجتمعي، والأمان الحياتي، ولم تكن حقيقة الأكثرية وطابعها الأموي سبباً في نشوء نتوءات ما لا تحمد عقباه في هذا الشأن، من طائفية حارقة، أو عدوان على أقلية لأنها أقلية.

وكانت تجربة السياسي الوطني فارس الخوري، وتعاضده مع سائر أبناء الشعب السوري، ومنهم السباعي، والزرقا، والمبارك، والبيطار، والدواليبي، خير مثال على حقيقة هذا التعايش، وأوضح مثال على عدم وجود مشكلة في هذا المجال الذي ندندن حوله، وهذه التجربة بكل توسعاتها تحتاج إلى تأمل دقيق، وإعادة إنتاج للتجربة، رغم كل التخريب المنظم الذي جاء به نظام السوء والظلم والفجور والفتنة والضياع.

بداية إيقاظ الفتنة

جاء هذا النظام الفاجر المجرم، وتسلم زمام السلطة «حافظ الأسد» الذي ينتمي إلى الطائفة النصيرية (العلوية)؛ فهيج غبار نتن الطائفية، وحرك فحيح سمومها، ونسج خيوط ظلامها، ببرنامج عمل هدام، وخطة تخريبية، ما زال الشعب السوري إلى يومنا هذا يعاني من ويلاتها، وأخذ يحدث الشروخ داخل المجتمع السوري، ويثير الحساسيات، ويختلق الإشكالات، ويصطنع المشكلات، ويرسخ الفتن، فكان من منهجه أن اعتمد الطائفية طريقاً للسيطرة على مقاليد السلطة، وجعل مفاصل الدولة بيد الطائفيين، وفي المجالات المركزية كافة، وقدم كثيراً من أقربائه من أبناء الطائفة، ليكونوا نسيج الحكم، ويمثلوا القبضة الحديدية التي تمسك بزمام السلطة، وركز كثيراً على المنظومة العسكرية والأمنية والإعلامية والاقتصادية، ومع الأيام –وما زالت– تبرز أسماء فاجرة عاثت في السابق أيام جبروت رفعت الأسد، وما فعله بتدمر وحماة، وما كان منه في باقي المحافظات أيام السرايا التي كانت تدار من قبله، وما نزع الحجاب من على رؤوس المحجبات في شوارع دمشق عنا ببعيد. 

ومن تمام اللعبة أن ترك نظام الطائفية شكل الأمر وصورته لجماعات يحسبون على أسر أهل السُّنة، ورغم هذا وفي هذا الشكل لم يقدم إلا من كان موالياً له مائة في المائة، ومن لعب بذنبه، ولو من باب التمطي وأخذ فسحة اللعب، فلا يلومن إلا نفسه، والشواهد في هذا يطول ذكرها.

وكان نصيب الآخرين من أبناء الشعب السوري، وفي المقدمة منهم أبناء أهل السُّنة، التهميش والإقصاء، والفصل من الوظائف، والتسريح من الجيش، والسجون والإعدامات، والتهجير المباشر وغير المباشر، وسياسات التضييق على سائر أبناء الشعب السوري، شاهد السر والعلن، على طريقة العمل لهذا النظام.

وكنموذج على هذا، يذكر رائد الفضاء محمد فارس، أنه لما تولى إدارة المعهد الجوي لتدريب الطيارين، كان سبعون بالمائة من الطلاب المتدربين من الطائفة، وثلاثون بالمائة لباقي أبناء سورية، بمن فيهم أبناء الأكثرية السُّنية. 

وفتحت السجون أبوابها لكل حر شريف عمل على التصدي لجرائم طائفية هذا النظام، أو نبس ببنت شفة معارضاً للنظام الطائفي، ومن يمر على كتاب “القوقعة” ليقرأ تجربة رجل مسيحي دخل السجن، حيث سطر حقائق الطغيان وحكى قصة تكميم الأفواه، والتعذيب المنظم، وإذلال الناس، فمنهم من قضى تحت التعذيب، وبعضهم فقد بعض أعضائه، وتركت بصمات الأسى ندباتها على متفرقات جسده وأحاسيسه ومشاعره، وصنعت هذه الوقائع ذاكرة جديدة، تمثل مفصلاً من مفاصل الأيام في تاريخ سورية، وكثير من هؤلاء الأحرار علقوا على أعواد المشانق، في جو عام يشهد بطائفية نظام منتقم، يحمل في جعبة تاريخه حقداً ظلامياً، ونفسية سادية، تفوح روائح نتنها من دهاليز الضغينة المرة، فصار أصحابها، لا همّ لهم سوى إرواء نهمهم الشهوي بكل أبعاده، وسائر صوره، ومن اقترب من هذا السياج فليس له سوى الحرق.

نذر الثورة المباركة

وإمعاناً في إغراق البلد في الطائفية، عمل «حافظ الأسد» ونظامه الطائفي على بناء علاقة قوية مع نظام الملالي في طهران، لتنسج مرحلة سوداوية، تراكم بعضها فوق بعض، لتشكل حالة من الويل القادم، يعرفه الذين فهموا المشهد بدقة، وأخذ الوضع في سورية يتجه نحو الطائفية بلون مركز جديد، عمل على تمكين الطائفيين من الذين ينتمون إلى تشكيل الولي الفقيه، خصوصاً في الجانب الاقتصادي، والعمل على نشر «التشيع» في ربوع سورية، وظهرت نذر الخطر، وتعمق الجرح، ونادت كتائب الفطرة، أن لا بد من نهاية لهذا الفساد والإجرام والقتل ونهب الثروة والاستئثار بالسلطة، والطائفية التي تمارس من طرف هذا النظام الطغياني، على شعب لا يحب الطائفية ولا يريدها، أما وقد بلغ السيل الزبى فلا بد من الثورة.

قامت ثورة شعبنا (15/3/2011م) حيث مهدها الأول في درعا وشعبها الأصيل، وكان موقد شرارتها أطفال درعا الأباة، حتى عمت الثورة جل ربوع البلاد السورية، تطالب بالإصلاح في بداية الأمر، وكانت سلمية بامتياز، ولم يرفع فيها شعار واحد يشي بطائفية، ورغم هذا قوبلت بالحديد والنار، بلغة مليئة بالحقد الدفين، الذي صار يصب فوق رؤوس شعبنا حمماً، لكن من بركان زفرات  الطائفيين، وهنا يظهر محور الشر ودوره التخريبي، في تدمير البلد، وقتل البشر، وتشريدهم، نحو تغيير ديمجرافي ممنهج يخدم أجندات الولي الفقيه، الذي عاث في الأرض فساداً، فاستنفر كل طاقات نظامه، وبذل كل ما يملك، حضوراً في معركة ليس لها عنوان سوى حمى الطائفية، بداية من الشعارات الخطرة، التي وسمت حراكهم بوسم الفساد، حيث صاروا يصيحون “يا لثارات الحسين”، وسموا كتائب قتالهم الظالم بشارات “الفاطميون” و”الزينبيون” والسيدة فاطمة والسيدة زينب، وآل البيت منهم براء، وأهل سورية يحبون الآل والأصحاب، ولا يفرقون بينهم، ويقولون عنهم: رضي الله عنهم جميعاً.

وأول بوادر التدخل كانت بإدخال مليشيات تدعي حماية ضريح السيدة زينب، إن هي إلا ذريعة كاذبة، وحجة مكشوفة، فقبر السيدة زينب له مئات السنين بدمشق، ولم يعتد عليه أحد في يوم من الأيام، وأهل سورية يحبون السيدة، وما عرفنا هذا الهراء الذي صار يتهم به شعب سورية، إلا لما ظهر هذا النظام الطائفي، وتحالف مع أعوانه الضالين المضلين.

التدخل الطائفي

ثم لما شعر نظام إيران أن نظام سورية صار يترنح، وهو قاب قوسين أو أدنى من السقوط، بفعل ثورة الشعب، هنا رسم خطته، وأدخل كتائبه الطائفية، من كل حدب وصوب، بإشراف الحرس الثوري الإيراني، وقائده قاسم سليماني، الذي ظهر يتبختر على إثر سيطرة القوى الطائفية على حلب، بفعل دمار ممنهج من القوات الروسية الغازية.      

فكان “حزب الله” اللبناني وكذا العراقي، في مقدمة القوى الطائفية التي ارتكبت مجازر بحق أبناء الشعب السوري، وشارك في الإجرام المنظم والإرهاب العريض كتائب من الطائفيين، منها لواء أبي الفضل العباس، وعصائب أهل الحق، وحزب النجباء، وفيلق الوعد الصادق، وهم عبارة عن تجمع طائفي من بلدان مختلفة.

ومن مخاطر البعد الطائفي الذي يمارسه النظام، ومن سانده، من الطائفيين وغيرهم، تلك الجريمة التي تمارس على الأرض، ألا وهي قضية “التغيير الديمجرافي”، وذلك عن طريق ترحيل أبناء أهل السُّنة وتهجيرهم من ديارهم، وإحلال طائفيين مكانهم، أو التجهيز لذلك الإحلال، وارتكبت فظائع في هذا المجال، ومنها ذاك الذي حدث في داريا، وما قصة “الباصات الخضر” عن وسائل الإعلام عنا ببعيد، حيث كانت تنقل الناس من مكان إلى مكان، ومن بلد إلى بلد، وهذا يعكس صورة مؤلمة ومحزنة ومقلقة، كما حدث في حلب، ووادي بردى، والزبداني، ومضايا، وغيرها من المواقع الجغرافية، حتى صار رأس النظام يباهي بهذا، ليصف المجتمع السوري -بعد عملية التغيير الديمجرافي– بأنه أكثر تجانساً، وهذا أمر خطر، وشأن دبر بليل، ويحتاج إلى جهود من أجل مقاومة هذا التغيير الديمجرافي.

ويلزم لمقاومة هذا الخطر الداهم أن يتعاون السوريون فيما بينهم، وتشجيع أصحاب مشاريع مواجهة هذا التغيير، وكذا الوصول إلى منظمة التعاون الإسلامي، ونخص بالذكر منهم بعض الدول ذات الاهتمام في هذا الجانب، بحكم جملة من الاعتبارات، ومنها تركيا، كما أن فضح هذا المشروع على المستوى العالمي، ووضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته، من واجبات الوقت.

هذا البعد الطائفي المحزن، الذي يمارس من طرف واحد، على شعبنا، قابله أهلنا من أبناء الثورة بشعارات الوحدة السورية الوطنية، واتفقت كلمة معارضته –وهي من كل أطياف الشعب السوري-  في الوثائق المعلنة على نبذ الطائفية، وأنها ليست بسبيل مستقيم، وهم يؤكدون أن الشعب السوري ليس طائفياً، وإنما الطائفية نبتت في تكوينات النظام السوري، وغذيت من مصادر النظام الإيراني، وأذرعه هنا وهناك.

ويبقى السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: إلى متى يظل شعبنا يذبح -على مرأى ومسمع كل العالم- من هؤلاء الطائفيين الإرهابيين شذاذ الآفاق، الذين لا خلاق لهم؟

 في هذا المقال، لا نتكلم عن التأصيل الشرعي للحوار، فهذا له وقت آخر، ومساحة ثانية، وهو موضوع ذو شجون، ويستحق أن نقف على منهجه الحضاري الإسلامي؛ ثقافة وممارسة، وإن كان هناك نتف من الكلام عن هذا الشأن بحكم ارتباط جزء من مقتضيات البحث بهذا الموضوع، ولكنا نتكلم عن الواقع المعاصر لمسألة التدافع والتغلب، التي أرى أن البحث فيها يتناول من ثلاثة محاور:

1- الذين يقولون بنظرية «نهاية التاريخ»؛ وهؤلاء يرون أن الرأسمالية الغربية قد انتصرت، وارتفعت وتمكنت وتغلبت وتعالت وتطاولت، وملكت وجمعت وقسمت وضربت، وتفوقت على كل الحضارات الأخرى، المعروفة على وجه الأرض، بما ملكت من وسائل القوة، وأدوات التمكين الحيوي، والشهود الحضاري، والعلوم الحاكمة، وآليات السيطرة، وقواعد الغلبة، في مجالات الحياة كافة، عسكرياً واقتصادياً وسياسياً وإعلامياً وتكنولوجياً وغير ذلك، وهذه المكنة دليل هيمنة كبرى في عالم تحكمه صراعات متنوعة، وإذا كان ذلك كذلك، فلا بد لكل البشرية أن تخضع لهذا الانتصار، غصباً عنها، وتعترف بهزيمتها غير المعلنة أمامه، من خلال مسار سلوك، وبرامج خضوع عملي، وتترك المكابرة الفلسفية، وتعيش الواقع، وتعترف بسواكن النفس فيها من هذا الإقرار، بلا لف ولا دوران، وتمارس ذلك بصمت عملي بتفاصيله، يكون دعم هذا الاعتراف الضمني ظاهراً وباطناً، ولا بأس بتغليف هذا الموضوع الشائك بأغلفة مناسبة، بحيث يمر الأمر بسلام، ويسمى الحدث بغير اسمه، والوقائع تلون بألوان ثانية، بحيث يخفف من حدة الحرج، والعبرة في نهاية المطاف للمعاني وليس للأشكال والمظاهر.

2- ومن ثم يصبح العالم كله يمضي على وتيرة واحدة، يرى بعين واحدة، ويقف على ساق واحدة، ويفكر بعقل واحد، بلغة أحادية القطب، فهو السيد وهو المطاع، وهو الآمر الناهي، في أسياسيات الحياة، فلا خصوصية لأحد، ويسمح في الخصوصية في أطر لا يكون لها تأثير على المسار العام، ولا حدود لهذا المنهج، فلا فوارق، ولا مفاصلة ولو بالجانب الشعوري، بل هي هيمنة عليا لسلطان العولمة، الواجب الحضور في كل مفاصل الحياة.

ويساعد على الاستسلام لهذه الحقيقة كما زعموا؛ أن أصبح العالم كأنه قرية واحدة، بما تحقق له من انفجار معرفي، واكتشاف علمي، وتقدم تكنولوجي، خصوصاً في هذا الإنتاج المذهل لوسائل الاتصال، وأدوات المواصلات، والاكتشافات العملاقة، في المجال العسكري، ومنها السلاح النووي المخيف، والصواريخ عابرة القارات المرعبة، وتفاصيل هذا تطول في تجليات الأمر من خلال عنوان عام يصطلح عليه بـ»عصر العولمة»؛ بحيث يكون العالم، كل العالم، على نمط واحد، وبرأس مدبر أصل في القيادة، فتكون عندنا العولمة السياسية، وثانية إعلامية، ومثلها العسكرية، وأخرى ثقافية ودينية، وكذا العولمة الاقتصادية، وهذا كله المقصود منه المفاصل الأساسية التي تكون على مدار عجلة الحياة، أما الفتات الذي لا يسمن ولا يغني من جوع، فهذا لا يقيمون له وزناً، ولا يلقون له بالاً، ويأذنون للآخرين أن يلعبوا في مربعاته، بكل أنواع اللعب، وسائر صنوف المباريات، وشعاراته العامة حقوق الإنسان، والمرأة والطفل، والتعددية، والمجتمع المدني، برؤية ثقافية خاصة، وأجندات لها عمقها المعرفي في دواوين «الأدلجة».

3- وهذا الفكر مرفوض رفضاً قاطعاً، بهذا الشمول الذي يذكر، وهذه الخطط التي ترسم، وهذه الممارسات التي يمضي عليها أصحابها، لأنه استعمار بأبشع صوره، من خلال لغة الغابة، التي يأكل فيها القوي الضعيف، وبالذات عندما تفتح حلبات الصراع بين هذه المكونات الحياتية، التي ما إن قبلت بهذا المبدأ، فإنها توقع على نفسها بالفناء المحتم، والهلاك الأكيد، والقصة طويلة.

صدام الحضارات

4-   الذي ألف كتاب «نهاية التاريخ» هو «فوكوياما»، الذي أكد الفكرة الأولى، التي تفرض خيار نهاية التاريخ، وضرورة تعامل كل دول العالم ومكوناته بلغة المنهزمين أمام عملاق الدنيا النموذج الرأسمالي، ومن نواقض هذه النظرية أن قام أستاذ «فوكوياما» الفيلسوف «صومايل هنتنجتون» بمعارضته معارضة كاملة، وألف كتاب «صدام الحضارات» وخلاصته:

التاريخ لم ينتهِ، بل تتنامى الحضارات الصدامية، وتتشعب نتوءات التنافس برؤوس الأبعاد الحضارية الحادة، التي لا يمكن القضاء عليها بشكل نهائي، وصورة ذوبانية، ومن يتصور أن العالم صار لقمة سائغة وإلى الأبد -نتيجة هذه العوامل والوسائل- فقد أخطأ وأبعد النجعة، فالأمر بالتأكيد ليس بالحالة الوردية التي يصورها أصحاب المذهب الأول.

ويرى هذا المفكر أن سمة المرحلة القادمة، ذات عنوان واحد، يتمثل في صراع قادم له منهج لا يعرف التعايش، ولا نمط التسليم، هو «صدام الحضارات»، فهناك الحضارة الغربية والصينية واليابانية والهندية والبوذية، وركز كثيراً على الحضارة الإسلامية، ومن تصور أن هذه الحضارات نامت، استعداداً لها لتذوب في عالم النموذج الرأسمالي العولمي، تمهيداً لوضعها في قائمة الحضارات التي بادت، فإنه لا يعرف التاريخ، ولم يقرأ الحاضر بدقة، ولم يستشرف المستقبل بآلياته العلمية، وهنا يطيب لي أن أثبت ملاحظتين:

الأولى: فهو إن أراد وقوع ذلك من باب استشراف المستقبل، فهذا له، ولا يحجر على أحد فيما يتوقع ويفكر ويقرأ ويحلل.

الثانية: وإن أراد الدعوة إلى هذا الصراع وتأجيجه، فهذا فيه نظر، وتختلف الرؤى حوله، لأنه بصراحة لو وقع سيباد العالم.

5- وهناك اتجاه ثالث في الغرب ينادي بحوار الحضارات، يقابل هذا الاتجاه تلك الاتجاهات العولمية المحمومة، من تجار الحروب، وعشاق المادة والذهب، وأحباب كسر رؤوس الآخرين، ومثلهم وفريق منهم الذين يحبون لون الدم، ويسعدون بإراقته، على موائد الفعل التغلبي العنصري، ورائد اتجاه «حوار الحضارات» المفكر المعروف الذي اعتنق الإسلام «روجيه جارودي»، ويوافقه عليه بعض ساسة الغرب ومفكريه، وهذا الاتجاه يرى التواصل مع الحضارات التي ذكرت في القسم الثاني، وغيرها مما لم يذكر، من خلال علاقات دولية متوازنة، لبناء حالة تفاهم على أساس القواسم المشتركة، بغية تجاوز الصدام، وتحقيق العيش المشترك، من خلال منظومة قواعد تعتمدها جميع المكونات، من أهمها: تأكيد قيمة السيادة للأمم والشعوب، ومنها الأمة العربية والإسلامية واحترام الخصوصية، لكل قوم هويتهم، وتبادل المصالح بمصالح، ورفض نظرية المصالح بالمبادئ، والتعاون في الملفات المشتركة التي يتوافق عليها أصحاب هذه الأمم.

دور الإسلاميين

6- دور الإسلاميين وأثرهم في هذه المرحلة؛ حيث إن لهم أهمية استثنائية، في هذه الخريطة المتشابكة الخطوط، والمتعارضة المصالح، خصوصاً بعد بعض التطورات التي أنتجت ما يعرف بالحرب على الإرهاب، الذي اختلط فيه الحق بالباطل، والخطأ بالصواب، وخلطت الأوراق خلطاً يشي –فعلاً– بصراع حضارات أو ثقافات أو عقائد، حتى صار الإرهاب ينسب للإسلام، بل تطاول كثير من أصحاب الاتجاه الأول –بصورة أو بأخرى– على الإسلام ونبي الإسلام صلى الله عليه وسلم وعلى القرآن الكريم، يتبعه عدوان فج على التاريخ الإسلامي.

من هنا وأمام هذه الصورة، أرى أن الإسلاميين تترتب عليهم جملة من الواجبات التي ينبغي أن يقوموا بها، كما عليهم أن يتخذوا بعض الإجراءات التي تساهم في إثبات الحضور لهذه الأمة الباقية، ما بقيت الحياة، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، لا تبطل دورها عولمة، ولا تلغي وجودها نشوة انتصار هنا أو هناك، فالحياة قلب، والأيام دول، والعالم على مفترق طرق.

ومن هذه الملامح التي ينبغي أن يؤكدها:

أولاً: ضرورة استكمال الدور الحضاري الدعوي الذي يقوم به الإسلاميون، وترتيبه أكثر، وتعميق مفاهيمه، وبث أصول هذه الدعوة بتعريف الناس بالإسلام، الذي يفهمه أهله بمنهجية سليمة، وفكر قوامه الوسطية الحقة، وبتوازن وشمول، واليوم يوم البيان لتعاليم الإسلام وعقيدته وشريعته، وهذه الساعة ساعة التعريف بالمشاريع الإسلامية التي ينادي بها أصحابها، كل ذلك بالحكمة والموعظة الحسنة، التي عُرف بها الإسلاميون الغيورون.

ثانياً: الحذر من الاستدراج –أمام هذه الضغوط الظالمة– التي تظهر نتن روائحها، في كل أرجاء المعمورة، ومنها الاتهام بالإرهاب، بل نقابل ذلك بالصبر، وضبط النفس، وترسيخ قيم التوازن، ونبذ الغلو.

ثالثاً: ترسيخ منهج الحوار، ومد جسور التواصل الحضاري في هذا الموضوع، لكل الناس، وبالذات منهم من له أثر فاعل في عالم التأثير، كالمراكز البحثية، وصناع القرار، والساسة والأحزاب، ومنظمات المجتمع المدني، وأساتذة الجامعات، والكتَّاب والإعلاميين، إلى غير ذلك من ركائز الفعل، في حياة الأمم والدول والمجتمعات.

رابعاً: من الضروري أن نعيش واقعنا بصورة علمية، ونفقه أدوات الفعل المثمر، وآليات عمله، ومواضع التأثير فيه، ونتعامل مع هذه المعرفة، بلغة الإفادة منها، فمن لا يعش واقعه، لا يفقهه، ومن لا يفقه واقعه سيكون حتماً في ذيل القافلة، في عالم السبب والسنن.

خامساً: الأمة فيها خير كثير، وثروات طائلة، على الإسلاميين أن يقوموا بدور المفعل لطاقات الأمة -بالتعاون مع كل الجهات الخيرة- والعمل على إعدادها لدورها المرتقب؛ فردياً وجماعياً، شعبياً ورسمياً، لتأكيد ضرورة الثبات، وحتمية الحضور، مع إنتاج مصانع القدرة على التحدي، بكل شعبها.

الصفحة 1 من 9
  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top