د. عامر البوسلامة

د. عامر البوسلامة

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
الإثنين, 07 أغسطس 2017 11:23

وسطية الإسلام أم الالتزام به

الوسطية خاصية من خصائص الإسلام، ومعلم من معالمه، وميزة راقية من مزاياه القيمة، بها كان الفرد المسلم الذي عرف الفضيلة بكل مناراتها، وبها نشأت الأسرة المحافظة المستقرة، وبها كان المجتمع المسلم الملتزم بقيم الرشاد، واستوعب كل شرائط النهوض المتحضر، وبها كانت الأمة التي أخرجت خير أمة، حيث شهودها الحضاري الذي ملأ جنبات الكون علماً وفضلاً وخيراً ونوراً، في ظلال خاصية وسطية الإسلام ظهرت أجيال المسلمين الأولى، التي تمثل خير القرون، وبقي الخير فيها وسيبقى.

الوسطية من المصطلحات التي كثر الخوض في معناها، ودخل فيها من المعاني الدخيلة، والفلسفات الغريبة، والتصورات البعيدة عن حقيقة ديننا، حيث شرق الناس وغربوا في توصيفها، والخوض في معانيها، خصوصاً أولئك الذين يصطادون في الماء العكر، ويريدون بالأمة الويل والثبور، وهم يعلمون - علم اليقين - أن عزَّنا ومجدنا، وكرامتنا وسؤددنا، يكمن في تمسُّكنا بهذا الدين، فهو الهوية التي تطبع حياتنا بكل معاني الخير والفضيلة، وتضفي على كل شيء فينا معالم النهوض، كيف لا ولب الأمر فيه قائمٌ على طاعة الله تعالى والبحث عن رضوانه؟ فإذا تحقق هذا لا شك ولا ريب سيكون عنوانَ مجد، وسبيل كرامة، وطريق حرية، ومنارة سؤدد.

وأعداء الأمة لا يريدون لها التمكين والنصر؛ لذا يعملون على إبعاد هذه الأمة عن هذا المنهج بكل ما أُوتوا من قوة؛ لأنه سبيل من سبل بقاء مصالحهم، واستمرار سيطرتهم على هذه الأمة.

ومن الأساليب التي يعتمدونها من أجل تحقيق هذا الغرض محاولةُ تشويه المفاهيم الإسلامية؛ حتى يحرفوا العربة عن مسارها الصحيح، وإن كان باسم الإسلام، وتحرير فهمه على الأصول التي ينبغي أن يفهم على ضوئها، هكذا زعموا، ولكن هيهات.

فهذا الدين باق، وأمة الإسلام – التي قد تمرض وقد تضعف – لا تموت، وباتت كلمة «المستقبل للإسلام»، و»المستقبل للأمة» من ثوابت الرؤية الحضارية الاجتماعية، فدوام الحال من المحال، والغد البسام قادم ينير دروب الرجاء في هذه الحياة.

الوسطية منهاج أصيل

وحصل أن اختلف علماؤنا الأفاضل، ومفكرونا الأكابر، في تحديد معنى الوسطية، وكان هذا سبيلاً من سبل الولوج إلى التحريف في المعنى من قِبَل أولئك المتربصين، الذين يريدون بالأمة الويل، والذين اعتادوا على لَيّ أعناق النصوص، وقراءتها بطريقة ظاهرُها فيه الثقافة والمعرفة، وباطنُها الويل والثبور.

ذلك أن هناك تياراً يريد أن يجعل مسألة “القراءة الثانية للنص” سبيلاً للهوى والتشهي، وطريقاً للطعن والتشوية والتحريف.

وزاد الطين بِلّة أن دخل على الخط الغلاة (المتطرفون) الذين أعطوا صورة عن المسألة، ملؤها الانغلاق والسوداوية، حيث التكفير غير المنضبط، والتفسيق بلا مبرر شرعي، والتبديع بلا دليل، والانكفاء على الذات من خلال مطويات لا تحمل معاني النشر، ومنشورات ليست قابلة للبقاء، فبرزت بمعنى شائه ومنفّر، لا يمت إلى الفهم الصحيح بصلة، ولا يعبر عن حقيقة المفاهيم الإسلامية، خالية من الشوائب التي علقت بها، من هنا أو هناك لسبب أو آخر، وبعضها مصنّع ومقصود، يهدف إلى صناعة هذه الصورة الذهنية المسيئة، وهذا ما جعل الأمر أكثر تعقيداً؛ حيث صار الصنف الأول يتخذهم مستنداً لكل ما يريد نقضه، ويعمل على حربه، في عالم العقائد والتصورات والسلوك.

فهناك من يفهم الوسطية على أنها التحلل من تكاليف الشريعة، والتنصل من أحكامها، والتمرد على قيمها؛ ومن ثَم التفلت منها.

ولا يريدون من الوسطية إلا هذا، وأي التزام صادق بالإسلام إنما هو “غلو وتطرف”، فمن قال: “آمنت بالله رباً وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً”؛ فليس وسطياً، وإن ظهر منه أي لون من ألوان التميز الإسلامي المتوازن التعايشي المندمج مع المجتمع وشُعب الحياة، قالوا عنه: إرهابي، وإن صلَّى الصلوات على وقتها فهذا من المتشددين، وإن ترك مائدة تدار عليها الخمر فهو من العصر الحجري، وإن كان ديدنه تحليلَ ما أحل الله وتحريم ما حرم فهذا لا يعيش عصره، ولا يفهم معنى التطور والحداثة، وإن رأوه متمسكاً بالسُّنة نبزوه بالألقاب الفظَّة الغليظة، أما إذا دعا إلى الالتزام بالإسلام عقيدة وشريعة فيا غارة الدين، ويا مصيبة الحياة!

فالويل كل الويل لمن كان ينطلق في رؤيته الفكرية من مرجعية إسلامية، فمن كان كذلك فهو ماضوي، وإن كان مشروعه السياسي متوافقاً مع مبادئ الإسلام فيوصَم بالأصولية، ويوصون بإقصائه، ومن ثَم فهو رجس من عمل “الإمبريالية!”، لا بد من القضاء عليه، والحذر منه، والعمل على توقيفه عند حده.

والمرأة إن تمسكت بدينها فتحجَّبت فهي متخلفة لا تستحق الحقوق، ولا يجوز أن تشارك في شُعب الحياة السياسية، والاجتماعية، والوظيفية التي تليق بها من كل الجوانب، ضمن الضوابط والقيود والحدود والأطر والمحددات الشرعية.

أما إذا لم تشارك في الحفلات الماجنة، والليالي الحمراء، والتجمعات الراقصة التي لا تُبقِي ولا تَذَر فهي معقدة، وتُشَن عليها الحملات، وتطلق بحقها الشائعات، وتحاك لها المؤامرات، ويا ويلها إن لم تَلِن وتخضع وتستسلم؛ لأنها ستلاقي - بعد ذلك - من العنت والضيق ما لا تحمد عقباه.. وهكذا، والتفصيل في هذا يطول.

وبالمختصر، قال قائلهم: الديمقراطية – وهو من عشاقها – التي تأتي بالإسلاميين لا أعرفها، وثورة تخرج من المساجد لا أصدق بها، وبرلمان يأتي بمحجبة لا أعترف به، وحكومة تُدخل فيها ملتحياً بالتأكيد أرفضها.. وهكذا.

الجنوح في تفسير الوسطية

وإن سألت أصحاب هذا الخلط: من هو الوسطي عندكم؟ لكان الجواب الواضح الصارخ:

الوسطي هو الذي يتمسك بقيم المعاصرة المجردة من الالتزام المسبق، ومفاهيم الفلسفة الحديثة التي لا ترتبط بالماضي، وترك الانغلاق، والانفتاح على التطور العقدي، والتعايش مع الحياة بكل ما فيها من لذة ومتعة وشهوة، والتفاعل مع مستجدات الحياة وتطوراتها، بكل ما تحمل من معاني الشهود، دون الرجوع إلى مصادر أخرى.

الوسطي ذلك الذي لا يتقيد بمنهج قديم، مهما كانت قدسية هذا المنهج، فيصبح قطعة من الماضي، ولا يدرك قيمة الحاضر.

الوسطي هو ذلك الذي ينظر إلى الدين نظرة احترام وتقدير، كما أنه يعترف بالقيم التاريخية لأي أمة من الأمم، دون أن يتعدى هذا الأمر هذه الصورة إلى غيرها من سبل العمل والتطبيق، فليس للماضي والقديم إلا الإكبار والاعتزاز، الذي يدفع نحو منظومة فكر جديدة، وصياغة سلوك حضاري يستمد حضوره من حضارات الآخرين، في عالم الإرث الإنساني العام الذي يؤدي إلى تشكيلة ثقافية، يعتقدها الناس كلهم.

الوسطي ذلك الذي لا يجمد على المألوف، ويتعامل مع النصوص بروحية القراءة الثانية، بعيداً عن قوالب القدامى وقواعدهم وقوانينهم، وضوابط الرواية والدراية، فإن هذه من المقعدات المحبطات، التي “تحجم” الباحث والمفكر، وتقتل روح الإبداع؛ لذا فالتحرر من هذه القوالب يدفع نحو فضاءات رحبة، تعطيك الفرصة لتجديد الفكر، والأخذ بأفكار الآخرين، والتعامل مع مناهجهم بلغة الانفتاح، بعيداً عن التعصب، أو حصر الحق عندك؛ ففي جعبة الأمم الأخرى، والحضارات المتعددة ما هو أحسن مما عندك، ويرفضون مقولة التمسك بالثوابت، والانفتاح على الآخرين بلغة “الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها”.

الوسطي هو ذلك الذي يعيش عصره بكل أبعاده، دون الانحياز إلى عقيدة مسبقة، أو فكرة بعينها، أو تمسك بقيمة تربى عليها، فكل شيء عنده قابل للأخذ والرد.

يقول الأستاذ فريد عبدالقادر في كتابه “الوسطية”: “وقد شاع كذلك عند كثير من الناس استعمال هذا الاصطلاح الرباني، استعمالاً فضفاضاً يلبس أي وضع أو عرف أو مسلك أرادوه، حتى أصبحت الوسطية في مفهومهم تعني التساهل والتنازل”.

الوسطية في الإسلام يمكن تعريفها بمقدمة ونتيجة:

أما المقدمة:

فقال تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً) (البقرة: 143).

قال العلماء: أي عدلاً خياراً.

فالوسطية تعني: العدل والخيرية في منهج الإسلام الحضاري الذي يقوم على التوازن، فهي خاصية الإسلام بالعدل؛ عدل على مستوى الفرد، والأسرة، والمجتمع، والدولة، والأمة، والإنسانية؛ إذ كل امرئ إذا ما انتظم في دين الله، والتزم بكتابه وسُنة نبيه صلى الله عليه وسلم كان متوازناً عدلاً، بعيداً عن الإفراط والتفريط، والغلو والتطرف، ينهج نهج التيسير والبشرى، والتبشير لا التنفير، والتسهيل لا التشديد، ويمضي على طريق العمل الصالح، والصراط المستقيم، وهذا التعريف بالنتيجة.

قال العلامة السعدي في تفسيره: «أي: عدلاً خياراً، وما عدا الوسط، فأطراف داخلة تحت الخطر، فجعل الله هذه الأمة وسطاً في كل أمور الدين».

 فالوسطية التزام بدين الله، من خلال فهم سليم وصحيح، ينتج كل خير وسؤدد وتوازن، وهي حالة حضارية قوامها الربانية وطاعة الله تعالى.

فالوسطية تمسك بالنص، بفهم سليم له.

وسطية حضارية، لا تؤمن بالعدوان ولا تريده، بل تخاصمه وتعاديه، لا تريد العدوان على النفس، ولا الأهل، ولا الجار، ولا الحاكم، ولا المحكوم، ولا المسلم، ولا غير المسلم، ولا البيئة، ولا الحيوان.. إلخ.

تعيش الواقع، وتلاحظ التطور، وتتفاعل مع المستجد، من خلال الأصول والثوابت، والذي لا يفقه واقعه لا يستحق أن يكون من صناع الحياة، ولا يمكن له أن يكون من مدرسة التجديد، ولا يوصف بصفة العلم؛ لأنه فقَدَ شرطاً من شروطه الأساسية.

وسطية تؤمن بإعطاء كل ذي حق حقَّه، وتشيع روح الأمن والأمان، والطمأنينة والاستقرار، والحرية والعدل، وقيم الحسن والجمال، بفقه مقاصدي راقٍ، ورقي يقدر حالات وأوضاع النواتج والمآلات، ويجيد ترتيب الأولويات، ويترك باب الاجتهاد مفتوحاً بضوابطه وأصوله لأهله، والمستكملين لشرائطه، والمالكين لأدواته، ولا يجعل الاجتهاد لمن هبّ ودبّ؛ حتى تتوازن الأمور، وينضبط السير، وينتفي الاضطراب.

وفي ختام هذه العجالة، يسأل بعض الشباب: هل هناك إسلام وسطي، وإسلام غير وسطي؟

الحقيقة الإسلام هو الإسلام، ولا أحب تجزئة معانيه بوصفه، حتى لا يظهر بمظهر وكأن الإسلام متعدد، فالإسلام واحد وله خصائص متعددة، فنقول: وسطية الإسلام، وأفضل ألا نقول: الإسلام الوسطي.

الثلاثاء, 11 أبريل 2017 09:50

العمل الإسلامي..وتزكية الأنفس

لم يكن عبثاً أن يكتب علماء الأمة سلفاً وخلفاً، هذا الكم الكبير، من الأسفار التي تُعنى بقضية تزكية الأنفس، وفقه القلوب، وعلم السلوك، والتحلي بالفضائل، والتخلي عن الرذائل، والاعتناء بمنظومة الأخلاق، التي يجب على المسلم أن يمتثلها في سلوكه، ويلتزم بها ظاهراً وباطناً.

بل كان هذا الأمر نابعاً من ضرورة شرعية، وحاجة واقعية، إنه معقد الأمل في الفلاح، وللمسلم خير زاد، وللداعية أعظم سلاح، ولأنه لا نجاة في الدنيا والآخرة إلا به.

لذا تجد الإمام ابن حزم كتب في هذا، ومثله الإمام ابن تيمية، وكذا الإمام ابن القيم في سفره النفيس «مدارج السالكين»، وهو كتاب موسوعي، في مجال التزكية، فريد في منهجه، عظيم في اختياراته، دقيق في توصيفاته، يمتاز بالتدقيق والتحقيق، والعناية بمنهج السلف الصالح، في هذا الميدان الخصب، والباب الرحب، وقد قام الأستاذ العزي باختصاره، والكتاب مطبوع متداول، ولعل كتاب الإمام الغزالي «إحياء علوم الدين» من أنفس الكتب التي اهتمت بهذا الجانب، وبغض النظر عن مادحيه وناقديه، فإنه يبقى علامة فارقة في عالم ما نذكر، وحتى يخرج الناس من دائرة الجدل في معادلة المدح والذم للكتاب، قامت جماعات من العلماء بأخذ زبدة ما في الكتاب من معاني الخير، ضمن نظرية تختلف من مدرسة إلى أخرى، إثباتاً لهذا المعنى الذي ندندن حوله.

فالإمام ابن الجوزي اختصره، وجاء من بعده الإمام ابن قدامة ليختصر المختصر، بكتاب نفيس يستحق أن يكون منهاجاً في الباب، وأن يعتمد كتاب درس في هذا الموضوع، وسمى كتابه «مختصر منهاج القاصدين»، وهو كتاب مطبوع متداول، ومن الجهود القيمة في استخلاص النافع المركز من «الإحياء» اختصار العلامة جمال الدين القاسمي، الموسوم بـ«سمير المؤمنين».

وهكذا من جيل إلى جيل، يُعتنى بالكتاب، حتى بالغ من بالغ بقوله: من لم يقرأ «الإحياء» فليس من الأحياء، إشارة إلى معنى أهمية تزكية الأنفس، في حياة المسلمين عامة، وطلاب العلم والدعاة والعاملين للإسلام خاصة، فممن نهض بخدمة الكتاب الشيخ سعيد حوى؛ حيث أخذ عصارة ما في الكتاب من خير، وما شعر بأنه يغطي هذا الجانب للعاملين للإسلام، وأضاف له بعض الإضافات، التي تضفي عليه صفة المعاصرة، جمعاً بينها وبين ما في كتب التراث من نوادر الكلم الطيب في هذا الباب، وسمى كتابه هذا «المستخلص في تزكية الأنفس».

أهمية التزكية في حياة الدعاة:

تزكية الأنفس لها أهمية بالغة في حياة المسلم عامة، والدعاة إلى الله تعالى، والعاملين للإسلام خاصة، ذلك أنها من سبل النجاة التي لا يمكن تحصيل الفلاح إلا بها، وتجعل المسلم على جادة الصواب، وتسوقه نحو سبل الفوز، وتبعده عن طرق الغواية، وترشده إلى ما فيه صلاحه، وتحذره من أسباب الضياع، فالذين يقولون ما لا يفعلون، هم من أهل النار، وأهل الأهواء هالكون، ومن فاتهم التحقق بمقام الإخلاص، لا يقبل منهم صغير ولا كبير من الأعمال، ومن في قلبه مرض، يكون على خطر عظيم، وهكذا، لذا كان من شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما لأجله بعث أن يزكي الأنفس، حتى تستقيم على منهاج الإيمان الحق.

قال تعالى: كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ {151}) (البقرة)، ثمَّ قال تعالى: (لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ {164) (آل عمران)، وقال عزَّ وجلَّ: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ {2}) (الجمعة).

وكان من ثمار تربية رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم أن وجد ذلك الجيل الرباني الفريد، جيل الصحابة الكرام – رضي الله تعالى عنهم جميعاً – الذين حازوا رتب التقدم في الخير، وارتقوا في مراتب البناء، حتى خلصت نفوسهم من حظوظ نفوسهم، بما لا مثيل له من جيل من أجيال الحياة، ويا له من جيل متكامل الجوانب، عظيم المعارف والمسالك، استطاع أن يغير وجه الدنيا، ويرسم ملامح تاريخ خالد، ويستشرف مستقبلاً زاهراً.

ومن خصائص هذا الجيل أنه يحمل إيماناً عميقاً، وعلماً واسعاً، وفهماً دقيقاً، وتربية ربانية، يعجز المرء في وصف حالها، فالمعاني الربانية التزكوية، ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها بحال، لأصحاب المشروع الإسلامي، والذين يتصدرون لخدمة هذا الدين.

كان عبدالله بن المبارك يقول: «من حمل القرآن ثمَّ مال بقلبه إلى الدنيا فقد اتخذ آيات الله هزواً، وإذا عصى حامل القرآن ربَّه ناداه القرآن في جوفه: والله ما لهذا حُمِلت، أين مواعظي وزواجري؟ وكل حرف مني يناديك ويقول: لا تعصِ ربَّك».

وكان الإمام أحمد بن حنبل إذا رأى طالب العلم لا يقوم من الليل يكف عن تعليمه، وقد بات عنده أب وعصمة ليلة من الليالي، فوضع له الإمام ماء للوضوء، ثمَّ جاءه قبل أن يؤذن للصبح فوجده نائماً، والماء بحاله فأيقظه.

وقال: لم جئت يا أبا عصمة؟ فقال: جئت أطلب الحديث.

قال: كيف تطلب الحديث وليس لك تهجد في الليل؟! اذهب من حيث جئت.

وكان الإمام الشافعي يقول: «ينبغي للعالم أن يكون له خبيئة من عمل صالح فيما بينه وبين الله تعالى، فإن كل ما ظهر للناس من علم أو عمل قليل النفع في الآخرة، وما رؤى أحدٌ في منامه فقال: غفر الله لي بعلمي إلا قليلٌ من الناس» (مقدمة المجموع للنووي).

جوانب النقص التي تحتاج إلى سد الخلل:

في غمرة الانهماك في العمل العام، والعمل السياسي، على وجه الخصوص، ينغمس – أحياناً – أبناء الدعوة والعمل الإسلامي في هذا الجانب انغماساً شديداً، ينسيهم الواجبات الأخرى التي عليهم أن يقوموا بها، وهنا يحدث نوع من الخلل، الذي يفقد أبناء الحركة خاصية التوازن التي تعتبر سمة أساسية من سمات المسلم الحق، والجماعة الراشدة، فلا عاد يلتفت لصلاة جماعة، وغاب ورده القرآني أو نقص، وربما كان النقص حاداً، ولسانه لم يعد يلهج بذكر الله، وقد تفوته قراءة المأثورات وأذكار الصباح والمساء، الهلال والهلالان.

بل – في بعض الحالات - يكون هناك ما هو أدهى وأمر، حيث تعشعش الأمراض التربوية القاتلة، في قلب هذا الداعية أو ذاك، وتظهر آثارها السيئة على جوارحه وسلوكه، فصارت تظهر عليه علائم الكذب، وأصبح كثير الغيبة، وربما نخر الحسد قلبه، فبات من الكائدين لإخوانه، ومن المكثرين للنجوى في الصف، أما النميمة فمن لوازم الغفلة، وأضحى تضخّم الذات عند هذا الأخ أو ذاك سمة بارزة، تظهر آثارها المرة على من حوله، من خلال نظرية «أنا أو الطوفان»، أو حب أن يمدح في عمل وما لم يعمل، تقوم الدنيا ولا تقعد إذا لم يدع لحفل أو لقاء، وهكذا.

عندما تغيب التربية الأصيلة، ويهمل فقه التزكية، تظهر نتوءات المرض، وتحيط بالدعوة الأخطار من كل حدب وصوب، ومن أبرز صور الظهور ذلك التساقط المريع على طريق الدعوة والعمل الإسلامي، الذي يعمل عمله في الفساد والتخريب، فهذا يسقط على أم رأسه، مع أول فتنة دنيوية تلوح له، وذاك ينتكس انتكاسة مريعة لمجرد أن يعرض عليه منصب من المناصب، وآخر باع دينه بدنياه، لأنه كان معروفاً عنه عرض «حب الظهور» الذي يقصم الظهور، ويقضم ملامح الخير، وذاك الذي صار بوق شر، لا همّ له إلا عداوة الحركة، والعمل الإسلامي المنظم، كما أن غياب الأخوة، وتحطم جسور الثقة، من أكبر عوامل التساقط، وحدوث الإرباك.   

والأصل  في فقه الدعوة أن نقوم بإعطاء كل ذي حق حقه، بحيث لا يطغى جانب على جانب، ولا يؤثر القيام بواجب على واجب آخر.

نسمع كثيراً عن «الحوكمة» وعن المحاسبة الإدارية، وعن المتابعة للعمل ضمن مقاييس الفعل الناجح، وهذا كلام جميل، ولكننا ننسى أحياناً محاسبة النفس وتزكيتها، ومتابعة السيرة والسلوك، والوقاية من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وهنا يكمن الخطر، ويكون الزلل. 

قال ابن القيم: فإن زكاة النفس وطهارتها موقوف على محاسبتها، فلا تزكو ولا تطهر ولا تصلح البتة إلا بمحاسبتها.. إلى أن قال: فبمحاسبتها يَطَّلِعُ على عيوبها ونقائصها؛ فيمكنه السعي في إصلاحها.

من هنا على الحركة الإسلامية أن تقوم بواجب العناية بجانب «تزكية الأنفس» من خلال منهج رائع، وربانيين يقومون على هذا الشأن، حتى يكون أبناء الحركة وجيلها الرباني المنشود، الذي ينادي بحق «الله غايتنا»، من الذين يعيشون معاني الذكر والشكر والإخلاص، والتفكر والصدق، والصفاء والنقاء، والأخوة، والزهد بمعناه الصحيح، والعيش في ظلال تذكر الموت والدار الآخرة، حتى يكون عندنا القائد الذي يعبد الله، لا الذي يعبد ذاته، والسياسي الرباني، الذي لا يغفل عن ذكر الله، والعامل في خدمة الحياة، بلا آفات لسان، والداعية الذي عاش معاني الأخوة، وفاحت طيب أخباره في تجليات معانيها، والحركي الذي لا يتطلع لجاه، ولا يبحث عن منصب، ولا يسيل لعابه من أجل لعاعات الدنيا ومفاتنها، وفي مثل هذه الأجواء الإيمانية، يتكون الجيل المنشود في النصر، وصناعة الحياة، على قيم الرشد، وتكون التربية الشاملة، أولوية في كل زمان ومكان، وهي المقدمة الصالحة لصلاح ما بعدها.

الأربعاء, 08 فبراير 2017 09:17

أحاديث الفتن والسياسة الشرعية

تمر الأمة - منذ فترة ليست قليلة - بمخاض عسير، وملاحم دامية، وأحداث جسام، وتداعيات لها أثرها الخطير، على واقعنا في كثير من شُعب الحياة، وما الأحداث في العراق، وكذا أحداث ما عرف اصطلاحاً بـ«الربيع العربي»، إلا صورة من صور هذه المأساة، ومثلها لو ذهبت لما وقع من قبل ذلك، للمسلمين في فلسطين، وما زال مستمراً، وما كان في حماة، وفي سجن تدمر، وفي مصر، وفي سجون الطغاة من أمثال «القذافي»، وفي الشيشان، وفي الفلبين، وفي البوسنة والهرسك، وبلاد البلقان عامة، وما كان من أحداث كبيرة في حرب الخليج الأولى والثانية، وما يحدث الآن في سورية والعراق واليمن وليبيا ومصر وبنجلاديش وأفريقيا الوسطى وبورما.

حقاً هذه الأحداث، يشيب لهولها الولدان، وتقشعر من فظائعها الأبدان، ويتحرك لكوارثها وجدان من لا وجدان له.. الخلاصة: إنها أحداث كبيرة، تجعل الحليم حيران.

وهذا بطبيعة الحال يدفع الناس أن يفكروا في المخرج من هذا الواقع الأليم، وأن يبحثوا عن سبل الخلاص من هذا الواقع المحزن، وهذا أمر مشروع، بل مطلوب من كل الجهات، وسائر الجوانب.

لكن الإشكالية التي تبرز بشكل واضح، وصورة ظاهرة، أن يقوم قسم من الأفاضل باللجوء إلى أحاديث الفتن، وآخر الزمان، لعلهم يجدون في هذه الأحاديث بغيتهم في حل ما، وهذا الأمر له وعليه، كما سنبين ذلك بعد قليل.

وتبقى المعضلة الكبرى في حصر الأمر بهذا النوع من الاشتغال، دون النظر إلى فقه العمل في سائر مراتبه، بما يغطي حاجة التحدي، تلبية لمستلزمات المرحلة للخروج من مأزق الخطر.

وكُتبت في هذا كتب، وسُطرت أسفار، ونُسجت مقالات، وعُقدت ندوات، وأُلقيت خطب، وصُرفت أموال، وكلنا يذكر أيام حرب الخليج الثانية، وكيف أن هذا التيار كان ناشطاً، وصار مؤثراً بشكل واضح، ومثيراً للجدل بصورة لافتة، ودخل هؤلاء في تحميل النصوص ما لا تحتمل، ودخلنا في دوامة لها أول وليس لها آخر، جراء نوع من الطرح في هذا الموضوع، خصوصاً في ميدان إسقاط النصوص على أشخاص أو وقائع أو أحداث، والذي يراجع أدبيات تلك المرحلة في هذا الشأن يجد العجب العجاب، مع جدل ومراء، وقيل وقال، وكثير منها دخل في عالم ما كان ينبغي أن يدخل فيه.

وهذا الأمر له مخاطره من الناحية السياسية، وكذا من الناحية الدينية؛ أما من الناحية الدينية؛ فهي إدخال النصوص الشرعية في إطار المحتمل، وهذا لا إشكال فيه، ولكن الإشكال يكمن في جزم هذا الفاضل أو ذاك العالم الجليل بأن معنى الحديث الذي في صحيح البخاري ومسلم – مثلاً – إنما المقصود فيه الرئيس الفلاني، أو الملك العلاني، أو السلطان الذي يذكره، أو الشخص الذي يعينه، فإذا مات، سيكون كذا وكذا، فيموت ذلك الذي أشار إليه فلا يتغير شيء، وتمضي الأيام بله السنون، والناس تراجع هذه الإسقاطات الكثيرة للنصوص الشرعية، فنرى ما لا تُحمد عقباه، وهذا يدخل الناس في دائرة غير محمودة، في مجال الدين والإيمان، وربما فتن بعضهم ودخل في عالم الإنكار لهذه النصوص، أو السخرية منها، وهذا خطر جسيم وخلل كبير.

ومن ناحية السياسة الشرعية؛ نحن مطالبون في الأخذ بعالم السبب، واستثمار الجهد البشري في عالم المواجهة، فنخطط ونرتب، ونعد ونجهز، وندرب ونتهيأ، ونعمل ونثابر، ونبذل الجهد، ونقرأ الماضي، ونفقه الواقع، ونستشرف المستقبل، ونجتهد ما استطعنا إعداداً للقوة.

مع عمق صلة بالله تعالى، وخشية له، وذكره، وعبادته وطاعته، تحلياً بالفضائل، وتخلياً عن الرذائل، فيصبح المسلم بين الجهد البشري والتوفيق الإلهي، وبهذا يتكامل الأمر، ويكون النصر من الله، ويتحقق النجاح على أيدي عباد الله الصالحين.

روى أحمد (12902)، والبخاري في «الأدب المفرد» (479)، وعبد بن حميد في «مسنده» (1216)، والبزار في «مسنده» (7408)، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَفِي يَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا تَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَغْرِسْهَا»، ولفظ أحمد: «إِنْ قَامَتْ عَلَى أَحَدِكُمُ الْقِيَامَةُ، وَفِي يَدِهِ فَسِيلَةٌ فَلْيَغْرِسْهَا» (صححه الألباني).

فإذا اختل هذا الميزان، نكون قد انحرفنا عن المنهج الرباني، الذي يجب ألا نفارقه، ففي مفارقتنا له تكون مشكلة، قد يصعب علاجها في واجب الوقت وفرض الساعة، وذلك بسبب تفويت الواجب والانزياح عنه إلى مربع آخر.

فلا نرى تعارضاً بين إيماننا بهذه النصوص الثابتة، وأنها حق لا مرية فيه، والعمل الدؤوب، والنشاط الذي لا ينقطع جهاداً في سبيل الله تعالى في كل دوائره ومربعاته، بلغة متوازنة، ضمن خريطة فهم سليم، وفقه محقق دقيق، يقودنا إلى منهج مستكمل الجوانب، بعيداً عن التصورات العوراء والبرامج الكسيحة.

من هنا نرى صفحات السيرة النبوية، وكذا نجد هذا في سيرة الخلفاء الراشدين، في تحقيق هذا التوازن الذي يمضي في عالم النجاح وفي دروب النصر.

مصيبة الجبرية والانتظار

وأكبر مصيبة تواجهنا في عوالم العمل هذا الاختلال في مكافأة المواجهة، بما هو مطلوب، فيقع الناس في لغة «الجبرية»، فنسلم ولا نفعل شيئاً، لأنه ليس لنا من الأمر شيء، ونحن كريشة في مهب الريح، وهذا خطأ فاحش.

أو أن نقع في أسار فقه «الانتظار» الذي يجعل المسلم ينتظر وقوع هذه الخوارق، ويترك كل واجب عليه في مساحات العمل، وتكون خلاصة القضية وإن بلسان الحال: لا داعي للحركة، ولا أهمية للعمل المطلوب، فالتغيير قادم بلغة أخرى، ولا ضرورة للإعداد؛ لأن القادم فوق جهد البشر، فستغلب كل هذه القوى، وتنكسر هذه الموجات العاتية، وتتحطم هذه الجيوش الغازية، وتذوب هذه المكائد العاوية، ومن ثم نقع في فخ التواكل الذي ما دخلت ثقافته على جزء من حياتنا إلا عطلته وفتكت به.

ولا أستبعد أن يكون هناك طرف ثالث، ينفخ في أيقونة هذا الموضوع، ويبذل الوقت والمال والإعلام ليشغل الناس بهذا الأمر، خصوصاً إذا خلطوا الصحيح بالضعيف بالموضوع، أو في الخرافة أو الروايات الإسرائيلية التي تجعل المسلم يلج باباً لا يرقى إلى مستوى التحدي.

ومعروف دور الفرق الضالة، وأثر الشخصيات البدعية في هذا الموضوع، حتى صار أمثال هؤلاء أذناباً للاستعمار، وأصبح زعيمهم يقول: أنا المهدي وبريطانيا سيفي؛ إمعاناً في التخلي عن وسائل المواجهة التي تزرع العزة في هذه الأمة.

قواعد كلية

لذا سوف أخلص إلى قواعد كلية، للتعامل مع هذه المسألة، بحيث نحقق لغة التوازن، فلا إفراط، ولا تفريط، وأهم هذه القواعد ما يأتي:

1- الإيمان الراسخ بكل ما ورد صحيحاً ثابتاً، عن نبينا ورسولنا صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، ولا يجوز إنكار شيء ثابت في هذا الموضوع.

2- علينا أن ندرس هذه الأحاديث، ونعلمها أجيالنا، ونتقرب إلى الله تعالى بحفظها وتعلم معانيها، وهي مدونة في أسفار السُّنة وكتب الحديث.

من هنا نرى فساد رأي منكريها، بحجة أنها أشاعت فقهاً تواكلياً، أو تحت أي ذريعة أخرى، وبوجيز العبارة نقول: ننكر الفهم التواكلي، ولا ننكر النصوص الثابتة.

3- نبذ كل حديث ضعيف أو موضوع أو قصص مخترعة تتعلق بمسألة الفتن، وأحداث آخر الزمان، ذلك لأنها من أمر الغيب الذي لا يعرف إلا بوحي من الله تعالى، وقد انقطع الوحي بانتقال نبينا صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين إلى الرفيق الأعلى.

4- يجب عدم التسرع في إسقاط هذه الأحاديث على وقائع وأشخاص، لما لهذا الاستعجال من آثار سيئة، ونواتج غير مرضية، وينبغي التحري في هذه المسألة بشكل دقيق، ذلك أن هذه الوقائع والبشارات والعلامات لما تقع ستكون ظاهرة جلية، لا يبطلها جور جائر، ولا يلغيها كيد كائد، ولا يوجدها متحمس لها، ومندفع في توليدها، وطالما نعلم يقيناً أنها من أمر الله تعالى فلم العجلة؟ ولم توليداتنا المندفعة، وغير المنضبطة؟! وفي المثل اليمني السائر: «كما ولد سميناه».

5- في السياسة الشرعية علينا أن نواجه كل حدث بما يستحقه في عالم المواجهة والإصلاح، ضمن ترتيب أولويات ورسم خطط، ووضع برامج، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وهنا يكون الفارق الواضح بين التوكل والتواكل، والله تعالى تعبدنا بالأخذ بالأسباب، من خلال كفاح لا يعرف الهدوء، وحركية تقاوم الفتور، ووعي يصنع الحبور، ونضال يطاول الجوزاء في قدرته وتفاعله.

 

هناك بشائر كثيرة تبرق في سماء حياتنا، ودلائل صريحة تؤكد أن المستقبل لهذه الأمة، وأن الأحداث تتسارع، مؤشرة على ميلاد جيل واسع، يُصنع على عين الله تعالى، مقدمته المثابرة، وديمومة العمل، مع تضحية وبذل لم يُعهد منذ عقود من الزمن.

نقول هذا، رغم الأحداث الخطرة التي تواجه الأمة، في أتون معركة تأكل الأخضر واليابس، وتعمل على سحق كل جميل عندنا، وتسعى لحرق الأبيض والأسود والأصفر، وتحاول التهام كل مظهر من مظاهر الخيرية في هذه الأمة، من هنا فإننا نقول، وهذا بات من بدهيات الوعي المعاصر: إن الأمة تتعرض لحرب استئصال، ولمعركة اجتثاث، ولسجال مصيري، ولمسح من خريطة الحياة، من خلال معارك طاحنة، ونزالات خطرة، وسنن تدافُع تبرُز لها صور مختلفة، وأشكال متنوعة، واعتداءات متعددة، مع تحالفات مقلقة، وتجليات مزعجة، وصور لعرض قادم، تجعل أبناء الأمة أمام محك دقيق، واختبار وثيق، وتضعهم أمام ابتلاءات، لا بد من مواجهتها بالجهد البشري، مستعينين بالتأييد الإلهي، فربنا بيده كل شيء، وهو على كل شيء قدير.

ولو استعرضنا بنظرة سريعة ما يحدث من تقسيمات هذا المشهد وإيقاعاته، ومراحل تساوقه وخطواته، لوجدنا العجب العجاب، انطلاقاً من مصر، وما يراد لهذا البلد الميمون، وما يُكاد له، مروراً بالقضية الفلسطينية، وما يحاك لها من مكائد، ووقوفاً على الذي يجري في ميانمار وأفريقيا الوسطى وبنجلاديش، وما في تلك البلاد من كوارث وطامات، وما يحدث في العراق، مع مصاب أليم من عام 2003م إلى يومنا هذا، استنزاف مالي وبشري، وتغيير ديمجرافي، وصور لا تنتهي من مشاهد المأساة في العراق، وفي العراق جوع، وهو بلد النفط والرافدين وملايين أشجار النخيل! حتى نركز كثيراً على سورية بلاد الشام، وما حل بها، وما يجري فيها، لنجد ملايين المشردين والنازحين والمهاجرين، وخسر الشعب السوري مئات الآلاف ممن نحسبهم شهداء، وهذا يترتب عليه عدد كبير من الأيتام والأرامل، أما الهدم والتخريب فحدّث ولا حرج، مع تغيير ديموجرافي، ومكائد سياسية خطرة، واستنزاف للمال والدم، والمشهد السوري بجملته، يحكي قصة كارثة، قل نظيرها، وندر شبيهها.

أنواع الجهاد

وهذا الواقع يستلزم حالة نهوض ونفرة في سبيل الله تعالى، حيث إني لم أرَ تجلياً لمفهوم شمول الجهاد، يظهر كما في أيامنا هذه، وتتجلى قيمه كما في واقعنا المعاصر اليوم، وهذا التنوع لمفهوم الجهاد، ضرورة شرعية، وحاجة واقعية، وهو تعبير أصيل يعبر عن ثقافتنا الإسلامية الرائدة، فالكلمة جهاد ولا ننسى جهاد القلم، وجهاد اللسان، وجهاد العلم والدعوة، والنشاط في العمل الإسلامي، في كل جوانب الحياة، فالإسلام نظام شامل ينتظم شؤون الحياة جميعاً، والسيف جهاد، والإعلام جهاد، وبالمال يكون الجهاد، والعمل السياسي جهاد، والتحرك الدبلوماسي الصادق جهاد، وبالوقفة يكون الجهاد وكذا بالموقف، وما أكثر مساحات الجهاد، ولكن أين العاملون؟

قال الله سبحانه وتعالى: (لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُـلاًّ وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنَى) (النساء:95).

وفي الحديث الصحيح: وعن أنس رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم» (رواه أحمد والنسائي وصححه الحاكم).

يقول ابن القيم رحمه الله: «وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ جِنْسَ الْجِهَادِ فَرْضُ عَيْنٍ إِمَّا بِالْقَلْبِ، وَإِمَّا بِاللِّسَانِ، وَإِمَّا بِالْمَالِ، وَإِمَّا بِالْيَدِ، فَعَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يُجَاهِدَ بِنَوْعٍ مِنْ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ».

حصر الجهاد بنوع من أنواعه:

فقصر الجهاد على الرصاصة والسيف هو لغة أهل الغلو، وجماعات الاستعجال غير المنضبط، وهذا الصنف يحاول تعطيل كل أنواع الجهاد، ويحقر من شأنها ويسخر من القائلين بها، ويتهمهم بالانبطاح، والانهزام والانكسار، وربما وصفهم بالجبناء والمتخاذلين، ويقول قائلهم: «لا جهاد إلا حيث ينطق الرصاص».

وجهاد السيف - على أهميته - له فقهه الدقيق، وأحكامه الوازنة، وتقديره الزماني والمكاني، وهذا يحتاج إلى فتوى أهل العلم من المحققين، وتقدير موقف من أصحاب الخبرة والرأي، وقادة العمل الميداني، فما يصلح في مكان ليس بالضرورة أن يكون صالحاً لكل مكان، فالأمر دقيق ويحتاج إلى نظر سديد، مع الإعداد له بكل لوازم المواجهة، وليس عملية طائشة تتحكم بها العواطف، وتقودها حالات الانفعال الارتجالي.

الجهاد في عصر العولمة:

ونحن اليوم في عصر العولمة، الزمن الذي صار فيه العالم كأنه قرية صغيرة، بفعل هذا الانفجار المعرفي، من وسائل الاتصالات، ووسائل المواصلات، وتكاثر أدوات التصنيع الإلكتروني والكهربائي، التي جاءت بكل مدهش، وأبهرت الناس بغرائب تصنيعها، وهذا كله جعلنا أمام مساحات عمل لم تكن متوافرة في زمن مضى، وهذا من ثم يرتب علينا أحكاماً جديدة، في مسائل التعامل مع قضايانا ومسائلنا الدعوية والسياسية، ويجعل الأمة أمام تحدّ جديد في الإفادة من هذه المساحات المهمة، التي من خلالها نحقق المراد الذي ربما يختصر علينا كثيراً من الأوقات، ويوفر لنا جملة لا يستهان بها من الأموال.

وأمام هذه الحقيقة العامة، فإنه يجب على كل مسلم أن يقوم بواجب الجهاد في سبيل الله تعالى، ولا يجوز القعود عن ذلك، ومن قصر في هذا يكون آثماً، من هنا لزم على القادر في مجال الإعلام أن يقوم بهذا من خلال خطة تعمل على إسناد قضايا الأمة وتناصرها، ورب تغطية إعلامية تفعل ما يعجز عنه صاروخ، والإعلام جيش جرار له أكبر الأثر في صناعة الأحداث والتأثير فيها.

كما أن الدأب الصحيح في مربعات العمل السياسي، والحراك السلمي، يكون جهاداً له أثره الكبير، في إحداث نواتج الخير التي هي ثمرة الجهاد.

والعمل الدعوي صارت مساحاته متنوعة، وأدوات عمله للوصول إلى الناس متوافرة ظاهرة، كما أن فيها جوانب التشويق، ومعالم الجذب، وعناصر التحبيب، ولكن نحتاج إلى من يتقن التعامل مع هذه الأدوات، بصورة صحيحة وعمل تخصصي وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

أما جهاد المال، الذي هو عصب الحياة، فإنه يحتاج منا إلى مجاهدة النفس حتى تتحرر من الشح، وتُزكى من البخل، من أجل استخدام المال في جوانب الخير، وما شرعت الزكاة إلا لسد حاجة الفقير والمسكين وابن السبيل وفي سبيل الله، وسد حاجات المحتاجين، والإنفاق في وجوه الخير من مشاريع الفضيلة من خلال فتوى محققة، ونظر شرعي، ولا يفوتنا أن في المال حقاً سوى الزكاة.

وهكذا في كل أنواع الجهاد يجب أن تكون نفس النظرة، وذات الفقه، وعين الفكر، حتى ينتظم الحياة جميعاً.

ملاحظات وتنبيهات:

1- لا يطلق وصف «مجاهد» إلا على من استحقه، ومن خصائص هذا الوصف أن يكون صاحبه مضحياً، ولما في قدرته باذلاً، فيجاهد بماله، ويجاهد بحركته، ويجاهد بدأبه وسهره، ومواصلته للعمل، ويجاهد بوقته، ويجاهد بمواهبه التي حباه الله بها.. أما الكسالى والنُوَّم، والمتقاعسون القاعدون، فلا يجوز منحهم هذا الوسام العظيم، من هنا استحق كبار الدعاة والعلماء مثل هذا الوصف، كقولنا عن الشيخ الندوي العلامة المجاهد، والعلامة المجاهد محمد الحامد، والإمام المجاهد حسن البنا، والمجاهد بديع الزمان سعيد النورسي، وربما بعض من يوصف بهذا حصل عليه، بسبب جهاده الدعوي، أو جهاده في قول الحق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

2- يجب التحذير من فقه أهل الغلو (التطرف) وفكرهم، فقد أربكوا الساحة، وخلطوا الأوراق، وحرفوا العربة عن طريقها الصحيح.

3- في خضم هذا العمل نحتاج إلى تحديد المسار، بشكل منضبط، حتى لا نقع في مربعات الخطأ، ومن أمثلة ذلك، الدخول في معارك جانبية، تؤدي إلى تشتيت الجهد، وتفريق الصف، وضياع البوصلة.

4- ألاحظ أن نوعاً من الثارات القديمة، أصبحت تطل بقرنها هنا وهناك، وهذا أمر لا نجني منه سوى العلقم، فالحذر الحذر.

5- من هنا، يكون جواب من يسأل: كيف أخدم إخواني المنكوبين في كل مكان، ومنها سورية عامة، وأهل حلب خاصة؟ نقول لهم: إسناد هؤلاء في محنتهم يمكن أن يكون: بالدعاء لهم، وبنشر قضيتهم على وسائل الإعلام المتاحة بين يديك، اكتب خاطرة، دوّن تغريدة، سطّر مقالة، تعاون بالمال فما أكثر المؤسسات العاملة، انصروا إخوانكم بالوقفات والمظاهرات في الأماكن التي تسمح بذلك، مارسوا الضغط السياسي بكل الطرق المشروعة، والوسائل السلمية، عيشوا قضيتهم في برامج عملكم واجعلوا ذلك جزءاً من جدول الحراك اليومي.

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top