د. عامر البوسلامة

د. عامر البوسلامة

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
الأربعاء, 08 فبراير 2017 09:17

أحاديث الفتن والسياسة الشرعية

تمر الأمة - منذ فترة ليست قليلة - بمخاض عسير، وملاحم دامية، وأحداث جسام، وتداعيات لها أثرها الخطير، على واقعنا في كثير من شُعب الحياة، وما الأحداث في العراق، وكذا أحداث ما عرف اصطلاحاً بـ«الربيع العربي»، إلا صورة من صور هذه المأساة، ومثلها لو ذهبت لما وقع من قبل ذلك، للمسلمين في فلسطين، وما زال مستمراً، وما كان في حماة، وفي سجن تدمر، وفي مصر، وفي سجون الطغاة من أمثال «القذافي»، وفي الشيشان، وفي الفلبين، وفي البوسنة والهرسك، وبلاد البلقان عامة، وما كان من أحداث كبيرة في حرب الخليج الأولى والثانية، وما يحدث الآن في سورية والعراق واليمن وليبيا ومصر وبنجلاديش وأفريقيا الوسطى وبورما.

حقاً هذه الأحداث، يشيب لهولها الولدان، وتقشعر من فظائعها الأبدان، ويتحرك لكوارثها وجدان من لا وجدان له.. الخلاصة: إنها أحداث كبيرة، تجعل الحليم حيران.

وهذا بطبيعة الحال يدفع الناس أن يفكروا في المخرج من هذا الواقع الأليم، وأن يبحثوا عن سبل الخلاص من هذا الواقع المحزن، وهذا أمر مشروع، بل مطلوب من كل الجهات، وسائر الجوانب.

لكن الإشكالية التي تبرز بشكل واضح، وصورة ظاهرة، أن يقوم قسم من الأفاضل باللجوء إلى أحاديث الفتن، وآخر الزمان، لعلهم يجدون في هذه الأحاديث بغيتهم في حل ما، وهذا الأمر له وعليه، كما سنبين ذلك بعد قليل.

وتبقى المعضلة الكبرى في حصر الأمر بهذا النوع من الاشتغال، دون النظر إلى فقه العمل في سائر مراتبه، بما يغطي حاجة التحدي، تلبية لمستلزمات المرحلة للخروج من مأزق الخطر.

وكُتبت في هذا كتب، وسُطرت أسفار، ونُسجت مقالات، وعُقدت ندوات، وأُلقيت خطب، وصُرفت أموال، وكلنا يذكر أيام حرب الخليج الثانية، وكيف أن هذا التيار كان ناشطاً، وصار مؤثراً بشكل واضح، ومثيراً للجدل بصورة لافتة، ودخل هؤلاء في تحميل النصوص ما لا تحتمل، ودخلنا في دوامة لها أول وليس لها آخر، جراء نوع من الطرح في هذا الموضوع، خصوصاً في ميدان إسقاط النصوص على أشخاص أو وقائع أو أحداث، والذي يراجع أدبيات تلك المرحلة في هذا الشأن يجد العجب العجاب، مع جدل ومراء، وقيل وقال، وكثير منها دخل في عالم ما كان ينبغي أن يدخل فيه.

وهذا الأمر له مخاطره من الناحية السياسية، وكذا من الناحية الدينية؛ أما من الناحية الدينية؛ فهي إدخال النصوص الشرعية في إطار المحتمل، وهذا لا إشكال فيه، ولكن الإشكال يكمن في جزم هذا الفاضل أو ذاك العالم الجليل بأن معنى الحديث الذي في صحيح البخاري ومسلم – مثلاً – إنما المقصود فيه الرئيس الفلاني، أو الملك العلاني، أو السلطان الذي يذكره، أو الشخص الذي يعينه، فإذا مات، سيكون كذا وكذا، فيموت ذلك الذي أشار إليه فلا يتغير شيء، وتمضي الأيام بله السنون، والناس تراجع هذه الإسقاطات الكثيرة للنصوص الشرعية، فنرى ما لا تُحمد عقباه، وهذا يدخل الناس في دائرة غير محمودة، في مجال الدين والإيمان، وربما فتن بعضهم ودخل في عالم الإنكار لهذه النصوص، أو السخرية منها، وهذا خطر جسيم وخلل كبير.

ومن ناحية السياسة الشرعية؛ نحن مطالبون في الأخذ بعالم السبب، واستثمار الجهد البشري في عالم المواجهة، فنخطط ونرتب، ونعد ونجهز، وندرب ونتهيأ، ونعمل ونثابر، ونبذل الجهد، ونقرأ الماضي، ونفقه الواقع، ونستشرف المستقبل، ونجتهد ما استطعنا إعداداً للقوة.

مع عمق صلة بالله تعالى، وخشية له، وذكره، وعبادته وطاعته، تحلياً بالفضائل، وتخلياً عن الرذائل، فيصبح المسلم بين الجهد البشري والتوفيق الإلهي، وبهذا يتكامل الأمر، ويكون النصر من الله، ويتحقق النجاح على أيدي عباد الله الصالحين.

روى أحمد (12902)، والبخاري في «الأدب المفرد» (479)، وعبد بن حميد في «مسنده» (1216)، والبزار في «مسنده» (7408)، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَفِي يَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا تَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَغْرِسْهَا»، ولفظ أحمد: «إِنْ قَامَتْ عَلَى أَحَدِكُمُ الْقِيَامَةُ، وَفِي يَدِهِ فَسِيلَةٌ فَلْيَغْرِسْهَا» (صححه الألباني).

فإذا اختل هذا الميزان، نكون قد انحرفنا عن المنهج الرباني، الذي يجب ألا نفارقه، ففي مفارقتنا له تكون مشكلة، قد يصعب علاجها في واجب الوقت وفرض الساعة، وذلك بسبب تفويت الواجب والانزياح عنه إلى مربع آخر.

فلا نرى تعارضاً بين إيماننا بهذه النصوص الثابتة، وأنها حق لا مرية فيه، والعمل الدؤوب، والنشاط الذي لا ينقطع جهاداً في سبيل الله تعالى في كل دوائره ومربعاته، بلغة متوازنة، ضمن خريطة فهم سليم، وفقه محقق دقيق، يقودنا إلى منهج مستكمل الجوانب، بعيداً عن التصورات العوراء والبرامج الكسيحة.

من هنا نرى صفحات السيرة النبوية، وكذا نجد هذا في سيرة الخلفاء الراشدين، في تحقيق هذا التوازن الذي يمضي في عالم النجاح وفي دروب النصر.

مصيبة الجبرية والانتظار

وأكبر مصيبة تواجهنا في عوالم العمل هذا الاختلال في مكافأة المواجهة، بما هو مطلوب، فيقع الناس في لغة «الجبرية»، فنسلم ولا نفعل شيئاً، لأنه ليس لنا من الأمر شيء، ونحن كريشة في مهب الريح، وهذا خطأ فاحش.

أو أن نقع في أسار فقه «الانتظار» الذي يجعل المسلم ينتظر وقوع هذه الخوارق، ويترك كل واجب عليه في مساحات العمل، وتكون خلاصة القضية وإن بلسان الحال: لا داعي للحركة، ولا أهمية للعمل المطلوب، فالتغيير قادم بلغة أخرى، ولا ضرورة للإعداد؛ لأن القادم فوق جهد البشر، فستغلب كل هذه القوى، وتنكسر هذه الموجات العاتية، وتتحطم هذه الجيوش الغازية، وتذوب هذه المكائد العاوية، ومن ثم نقع في فخ التواكل الذي ما دخلت ثقافته على جزء من حياتنا إلا عطلته وفتكت به.

ولا أستبعد أن يكون هناك طرف ثالث، ينفخ في أيقونة هذا الموضوع، ويبذل الوقت والمال والإعلام ليشغل الناس بهذا الأمر، خصوصاً إذا خلطوا الصحيح بالضعيف بالموضوع، أو في الخرافة أو الروايات الإسرائيلية التي تجعل المسلم يلج باباً لا يرقى إلى مستوى التحدي.

ومعروف دور الفرق الضالة، وأثر الشخصيات البدعية في هذا الموضوع، حتى صار أمثال هؤلاء أذناباً للاستعمار، وأصبح زعيمهم يقول: أنا المهدي وبريطانيا سيفي؛ إمعاناً في التخلي عن وسائل المواجهة التي تزرع العزة في هذه الأمة.

قواعد كلية

لذا سوف أخلص إلى قواعد كلية، للتعامل مع هذه المسألة، بحيث نحقق لغة التوازن، فلا إفراط، ولا تفريط، وأهم هذه القواعد ما يأتي:

1- الإيمان الراسخ بكل ما ورد صحيحاً ثابتاً، عن نبينا ورسولنا صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، ولا يجوز إنكار شيء ثابت في هذا الموضوع.

2- علينا أن ندرس هذه الأحاديث، ونعلمها أجيالنا، ونتقرب إلى الله تعالى بحفظها وتعلم معانيها، وهي مدونة في أسفار السُّنة وكتب الحديث.

من هنا نرى فساد رأي منكريها، بحجة أنها أشاعت فقهاً تواكلياً، أو تحت أي ذريعة أخرى، وبوجيز العبارة نقول: ننكر الفهم التواكلي، ولا ننكر النصوص الثابتة.

3- نبذ كل حديث ضعيف أو موضوع أو قصص مخترعة تتعلق بمسألة الفتن، وأحداث آخر الزمان، ذلك لأنها من أمر الغيب الذي لا يعرف إلا بوحي من الله تعالى، وقد انقطع الوحي بانتقال نبينا صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين إلى الرفيق الأعلى.

4- يجب عدم التسرع في إسقاط هذه الأحاديث على وقائع وأشخاص، لما لهذا الاستعجال من آثار سيئة، ونواتج غير مرضية، وينبغي التحري في هذه المسألة بشكل دقيق، ذلك أن هذه الوقائع والبشارات والعلامات لما تقع ستكون ظاهرة جلية، لا يبطلها جور جائر، ولا يلغيها كيد كائد، ولا يوجدها متحمس لها، ومندفع في توليدها، وطالما نعلم يقيناً أنها من أمر الله تعالى فلم العجلة؟ ولم توليداتنا المندفعة، وغير المنضبطة؟! وفي المثل اليمني السائر: «كما ولد سميناه».

5- في السياسة الشرعية علينا أن نواجه كل حدث بما يستحقه في عالم المواجهة والإصلاح، ضمن ترتيب أولويات ورسم خطط، ووضع برامج، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وهنا يكون الفارق الواضح بين التوكل والتواكل، والله تعالى تعبدنا بالأخذ بالأسباب، من خلال كفاح لا يعرف الهدوء، وحركية تقاوم الفتور، ووعي يصنع الحبور، ونضال يطاول الجوزاء في قدرته وتفاعله.

 

هناك بشائر كثيرة تبرق في سماء حياتنا، ودلائل صريحة تؤكد أن المستقبل لهذه الأمة، وأن الأحداث تتسارع، مؤشرة على ميلاد جيل واسع، يُصنع على عين الله تعالى، مقدمته المثابرة، وديمومة العمل، مع تضحية وبذل لم يُعهد منذ عقود من الزمن.

نقول هذا، رغم الأحداث الخطرة التي تواجه الأمة، في أتون معركة تأكل الأخضر واليابس، وتعمل على سحق كل جميل عندنا، وتسعى لحرق الأبيض والأسود والأصفر، وتحاول التهام كل مظهر من مظاهر الخيرية في هذه الأمة، من هنا فإننا نقول، وهذا بات من بدهيات الوعي المعاصر: إن الأمة تتعرض لحرب استئصال، ولمعركة اجتثاث، ولسجال مصيري، ولمسح من خريطة الحياة، من خلال معارك طاحنة، ونزالات خطرة، وسنن تدافُع تبرُز لها صور مختلفة، وأشكال متنوعة، واعتداءات متعددة، مع تحالفات مقلقة، وتجليات مزعجة، وصور لعرض قادم، تجعل أبناء الأمة أمام محك دقيق، واختبار وثيق، وتضعهم أمام ابتلاءات، لا بد من مواجهتها بالجهد البشري، مستعينين بالتأييد الإلهي، فربنا بيده كل شيء، وهو على كل شيء قدير.

ولو استعرضنا بنظرة سريعة ما يحدث من تقسيمات هذا المشهد وإيقاعاته، ومراحل تساوقه وخطواته، لوجدنا العجب العجاب، انطلاقاً من مصر، وما يراد لهذا البلد الميمون، وما يُكاد له، مروراً بالقضية الفلسطينية، وما يحاك لها من مكائد، ووقوفاً على الذي يجري في ميانمار وأفريقيا الوسطى وبنجلاديش، وما في تلك البلاد من كوارث وطامات، وما يحدث في العراق، مع مصاب أليم من عام 2003م إلى يومنا هذا، استنزاف مالي وبشري، وتغيير ديمجرافي، وصور لا تنتهي من مشاهد المأساة في العراق، وفي العراق جوع، وهو بلد النفط والرافدين وملايين أشجار النخيل! حتى نركز كثيراً على سورية بلاد الشام، وما حل بها، وما يجري فيها، لنجد ملايين المشردين والنازحين والمهاجرين، وخسر الشعب السوري مئات الآلاف ممن نحسبهم شهداء، وهذا يترتب عليه عدد كبير من الأيتام والأرامل، أما الهدم والتخريب فحدّث ولا حرج، مع تغيير ديموجرافي، ومكائد سياسية خطرة، واستنزاف للمال والدم، والمشهد السوري بجملته، يحكي قصة كارثة، قل نظيرها، وندر شبيهها.

أنواع الجهاد

وهذا الواقع يستلزم حالة نهوض ونفرة في سبيل الله تعالى، حيث إني لم أرَ تجلياً لمفهوم شمول الجهاد، يظهر كما في أيامنا هذه، وتتجلى قيمه كما في واقعنا المعاصر اليوم، وهذا التنوع لمفهوم الجهاد، ضرورة شرعية، وحاجة واقعية، وهو تعبير أصيل يعبر عن ثقافتنا الإسلامية الرائدة، فالكلمة جهاد ولا ننسى جهاد القلم، وجهاد اللسان، وجهاد العلم والدعوة، والنشاط في العمل الإسلامي، في كل جوانب الحياة، فالإسلام نظام شامل ينتظم شؤون الحياة جميعاً، والسيف جهاد، والإعلام جهاد، وبالمال يكون الجهاد، والعمل السياسي جهاد، والتحرك الدبلوماسي الصادق جهاد، وبالوقفة يكون الجهاد وكذا بالموقف، وما أكثر مساحات الجهاد، ولكن أين العاملون؟

قال الله سبحانه وتعالى: (لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُـلاًّ وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنَى) (النساء:95).

وفي الحديث الصحيح: وعن أنس رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم» (رواه أحمد والنسائي وصححه الحاكم).

يقول ابن القيم رحمه الله: «وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ جِنْسَ الْجِهَادِ فَرْضُ عَيْنٍ إِمَّا بِالْقَلْبِ، وَإِمَّا بِاللِّسَانِ، وَإِمَّا بِالْمَالِ، وَإِمَّا بِالْيَدِ، فَعَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يُجَاهِدَ بِنَوْعٍ مِنْ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ».

حصر الجهاد بنوع من أنواعه:

فقصر الجهاد على الرصاصة والسيف هو لغة أهل الغلو، وجماعات الاستعجال غير المنضبط، وهذا الصنف يحاول تعطيل كل أنواع الجهاد، ويحقر من شأنها ويسخر من القائلين بها، ويتهمهم بالانبطاح، والانهزام والانكسار، وربما وصفهم بالجبناء والمتخاذلين، ويقول قائلهم: «لا جهاد إلا حيث ينطق الرصاص».

وجهاد السيف - على أهميته - له فقهه الدقيق، وأحكامه الوازنة، وتقديره الزماني والمكاني، وهذا يحتاج إلى فتوى أهل العلم من المحققين، وتقدير موقف من أصحاب الخبرة والرأي، وقادة العمل الميداني، فما يصلح في مكان ليس بالضرورة أن يكون صالحاً لكل مكان، فالأمر دقيق ويحتاج إلى نظر سديد، مع الإعداد له بكل لوازم المواجهة، وليس عملية طائشة تتحكم بها العواطف، وتقودها حالات الانفعال الارتجالي.

الجهاد في عصر العولمة:

ونحن اليوم في عصر العولمة، الزمن الذي صار فيه العالم كأنه قرية صغيرة، بفعل هذا الانفجار المعرفي، من وسائل الاتصالات، ووسائل المواصلات، وتكاثر أدوات التصنيع الإلكتروني والكهربائي، التي جاءت بكل مدهش، وأبهرت الناس بغرائب تصنيعها، وهذا كله جعلنا أمام مساحات عمل لم تكن متوافرة في زمن مضى، وهذا من ثم يرتب علينا أحكاماً جديدة، في مسائل التعامل مع قضايانا ومسائلنا الدعوية والسياسية، ويجعل الأمة أمام تحدّ جديد في الإفادة من هذه المساحات المهمة، التي من خلالها نحقق المراد الذي ربما يختصر علينا كثيراً من الأوقات، ويوفر لنا جملة لا يستهان بها من الأموال.

وأمام هذه الحقيقة العامة، فإنه يجب على كل مسلم أن يقوم بواجب الجهاد في سبيل الله تعالى، ولا يجوز القعود عن ذلك، ومن قصر في هذا يكون آثماً، من هنا لزم على القادر في مجال الإعلام أن يقوم بهذا من خلال خطة تعمل على إسناد قضايا الأمة وتناصرها، ورب تغطية إعلامية تفعل ما يعجز عنه صاروخ، والإعلام جيش جرار له أكبر الأثر في صناعة الأحداث والتأثير فيها.

كما أن الدأب الصحيح في مربعات العمل السياسي، والحراك السلمي، يكون جهاداً له أثره الكبير، في إحداث نواتج الخير التي هي ثمرة الجهاد.

والعمل الدعوي صارت مساحاته متنوعة، وأدوات عمله للوصول إلى الناس متوافرة ظاهرة، كما أن فيها جوانب التشويق، ومعالم الجذب، وعناصر التحبيب، ولكن نحتاج إلى من يتقن التعامل مع هذه الأدوات، بصورة صحيحة وعمل تخصصي وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

أما جهاد المال، الذي هو عصب الحياة، فإنه يحتاج منا إلى مجاهدة النفس حتى تتحرر من الشح، وتُزكى من البخل، من أجل استخدام المال في جوانب الخير، وما شرعت الزكاة إلا لسد حاجة الفقير والمسكين وابن السبيل وفي سبيل الله، وسد حاجات المحتاجين، والإنفاق في وجوه الخير من مشاريع الفضيلة من خلال فتوى محققة، ونظر شرعي، ولا يفوتنا أن في المال حقاً سوى الزكاة.

وهكذا في كل أنواع الجهاد يجب أن تكون نفس النظرة، وذات الفقه، وعين الفكر، حتى ينتظم الحياة جميعاً.

ملاحظات وتنبيهات:

1- لا يطلق وصف «مجاهد» إلا على من استحقه، ومن خصائص هذا الوصف أن يكون صاحبه مضحياً، ولما في قدرته باذلاً، فيجاهد بماله، ويجاهد بحركته، ويجاهد بدأبه وسهره، ومواصلته للعمل، ويجاهد بوقته، ويجاهد بمواهبه التي حباه الله بها.. أما الكسالى والنُوَّم، والمتقاعسون القاعدون، فلا يجوز منحهم هذا الوسام العظيم، من هنا استحق كبار الدعاة والعلماء مثل هذا الوصف، كقولنا عن الشيخ الندوي العلامة المجاهد، والعلامة المجاهد محمد الحامد، والإمام المجاهد حسن البنا، والمجاهد بديع الزمان سعيد النورسي، وربما بعض من يوصف بهذا حصل عليه، بسبب جهاده الدعوي، أو جهاده في قول الحق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

2- يجب التحذير من فقه أهل الغلو (التطرف) وفكرهم، فقد أربكوا الساحة، وخلطوا الأوراق، وحرفوا العربة عن طريقها الصحيح.

3- في خضم هذا العمل نحتاج إلى تحديد المسار، بشكل منضبط، حتى لا نقع في مربعات الخطأ، ومن أمثلة ذلك، الدخول في معارك جانبية، تؤدي إلى تشتيت الجهد، وتفريق الصف، وضياع البوصلة.

4- ألاحظ أن نوعاً من الثارات القديمة، أصبحت تطل بقرنها هنا وهناك، وهذا أمر لا نجني منه سوى العلقم، فالحذر الحذر.

5- من هنا، يكون جواب من يسأل: كيف أخدم إخواني المنكوبين في كل مكان، ومنها سورية عامة، وأهل حلب خاصة؟ نقول لهم: إسناد هؤلاء في محنتهم يمكن أن يكون: بالدعاء لهم، وبنشر قضيتهم على وسائل الإعلام المتاحة بين يديك، اكتب خاطرة، دوّن تغريدة، سطّر مقالة، تعاون بالمال فما أكثر المؤسسات العاملة، انصروا إخوانكم بالوقفات والمظاهرات في الأماكن التي تسمح بذلك، مارسوا الضغط السياسي بكل الطرق المشروعة، والوسائل السلمية، عيشوا قضيتهم في برامج عملكم واجعلوا ذلك جزءاً من جدول الحراك اليومي.

الإثنين, 19 سبتمبر 2016 14:41

سامحينا يا أختاه

في هذه الأيام العصيبات، والحوادث الخطرات، والوقائع الفاصلات، وما فيها من مفارقات، وما يكتنفها من تفصيلات، وما يحاصرها من ملمات، وما يحيط بها من تعقيدات، تبرز قضية الأخوات الأسيرات، في سجون الطغاة، من الأمور البارزات، والقضايا المحزنات، والمسائل المؤلمات، وأعتبرها من أكبر الملمات، وأكثر المزعجات، وأفظع الكارثات، وتصيبنا نتيجة هذا أبشع الحسرات، كيف لا وهن في قبضة من لا يرقب في مؤمن إلاً ولا ذمة، في أقبية معتقلات، لو لم يكن فيها من ألم إلاً هذه الأقبية لكفى ألماً! كيف وهن يعذبن ليل نهار، بكل أنواع الأذى، وصنوف التنكيل، المادية والمعنوية، بيد من يحسبون على الأمة، وعلى الوطن والوطنية؟!

وفي ذكرى ذكراهن، أرسل هذه الرسالة، لعلها تؤدي بعض ما ينبغي أن يقام به، وهو أقل الواجب، فأقول لهن:

أنتن رمز الصمود، وعنوان التحدي، وبارقة الأمل، وبقعة الضوء العالية، يا حرائر الخير، ويا صانعات المجد، صبركن علامة فارقة في عالم الجهاد، واحتسابكن هذا الذي يقع عليكن في سبيل الله، من أجل إقرار قيم الحق والعدل والكرامة والحرية، والدفاع عن حقوق الإنسان، على منهج الإسلام.

جهادكن هذا صفحة من نور، في سجلات الفضيلة، وتراجم الشرف، ودواوين العفاف، وأسفار الخلود، نعم أعلم أنهم شتموك بأقذع الألفاظ، وأسوأ الكلمات، ونالوا من لحمك وعظمك، بسياطهم العمياء المجرمة، وعصيهم الخشنة، وأدواتهم الشيطانية، وأدري أن سياط ألسنتهم الحداد، التي قد سلقوك بها، أشد عليك من سياط الضلال، التي أكلت من لحمك ودمك، لأنها تأكل من أعصابك ونفسيتك، لكنك أنت تبقين الأرقى والأكرم، يا رمز الطهر، ومادة العفاف، وقمة الفضيلة، وأنا متأكد أنه لم ينالوا من إرادتك، ولم يفتُّوا عزمك المتين.

شامخة بقوتك

يا أخواتي، أنتن ذكرى السيدات سمية وعائشة ونسيبة والخنساء وغيرهن – رضي الله عنهن - ذكرى سلف هذه الأمة من الصديقات والصالحات، وكيف أنكن امتداد لذلك الجيل، وتلك المرحلة المباركة، فالطريق هو نفس ذلك الطريق، والمنهج ذات المنهج، والفارق الوسائل والأدوات، وبنفس الوقت فإن الظلم الواقع عليكن لعنة على السجان، وسبة على الطاغية، وفضيحة للعالم الذي يزعم التحضر، وكشف لزيف مدعي حقوق الإنسان، هؤلاء الذين صمتوا على ما يجري، وخرسوا أمام ما يحدث، وجعلوا في أذن عجينة الكيل بعدة مكاييل، وفي الأذن الثانية طينة سدوا بها منافذ الولوج إلى قيم الإنسانية، ومعاني الرحمة.

يا أختاه أنت شامخة بقوتك التي تناطح الجوزاء، وأنت تواجهين القهر، وتتحدين الجبروت، وتبصقين في وجه صناع الجريمة، وتركلين بقدم الثبات زارعي الرعب، وناشري الخوف، ومثيري الفزع في النفوس.

تحية لك، وأنت تعانين، إذ لم يرحموا أنوثتك، ولم يقدروا أنك مربية الأجيال، وواحدة من بناة الحياة، على قوانين الرشد، وقواعد ديمومة الدنيا، بأشعة العطاء والبذل، حيث لا يوجد في الفانية نظير لك في هذا.

لم نقم بالواجب علينا فعذراً، نقول هذا والألم يعصر قلوبنا، ويفطر أكبادنا، أيتها الأخت الحانية، والأم الرؤوم، والبنت الحبيبة، والزوجة الصالحة، والخالة الحنون، والعمة الفاضلة، والكنة المباركة، والجارة العفيفة، والمدرسة التي يفوح عطر خيرها في كل بيت وصل فيض علمها فيه، والطبيبة التي كانت مضرب المثل بأمانتها وخدمتها، وسهرها على راحة الآخرين.

حتى قال عنك من قال: إنك شمعة تحترق من أجل أن تضيء للآخرين، دروب الرجاء، بل أقول لك: أنت أكبر من هذا الوصف، لأنك لا تحترقين، بل أنت الشمعة التي تشع على من حولها دون أن يؤكل منها شيء، أما لو سئلت كيف هذا؟ أقول: هو حكمة ربانية، صنعت منك هذه الثنائية، وأنت تحت أقدامك الجنة.

سامحينا، وأنت في محبسك، بين يدي جلاد، لا أستطيع أن أصف وحشيته، وعاجز عن تحليل نمط شخصيته، وغير قادر على الشرح الذي يفسر حقيقة إجرامه، وفظاعة ساديته، فلا يرحم صغيراً، ولا يوقر كبيراً، ولا يعرف لأهل الشرف مكانتهم، ولا لذوي المنزلة منزلتهم، بل هو عين الخسة، وعنوان السفه.

سامحينا وأنت تتنفسين رائحة الدم، وتستنشقين هواء الضيم، وتتزينين بعطر المحنة، وترتشفين عناء الليل والنهار، وتتدثرين بغطاء البلاء، وتعانين من حرقة الفراق، والحنين إلى الأبناء، ولا تعلمين بأن كثيراً منهم صار تحت التراب، وقضى تحت أنقاض البراميل العمياء، ولكن بنفس الوقت أبشرك، بأن من بقي من أبنائك الأخيار، على العهد، كما تتمنين، لم يقيلوا ولم يستقيلوا، وهم في ميادين الكفاح، كبار، رغم حداثة أسنانهم، بهم نباهي، وعليهم – بعون الله – نراهن، هم الجيل الذي يصنع على عين الله، وسيملأ الدنيا نوراً وبركة وحضارة وعلماً.

قامة رفيعة وسط الأقزام

سامحينا، أيتها الكبيرة، التي اعتادت ألا تأكل حتى يأكل كل من حولها، ولا تشبع حتى تطمأن أن كل من يحيط بها قد شبع، سامحينا يا من لا تنام إلا عندما ينام الصغير والكبير، وها أنت كسرة الخبز النظيفة، صارت حسرة عليك، وأصبحت كأس الشاي أمنية أن تصل إليك.

نعم فقدنا صوتك الرخيم، وشدوك الذي ينام الأطفال على أنغامه، ويستمتع به من يسمعون، وربما وصل هذا إلى بيوت الجيران، في حاراتنا الضيقة.. حقك علينا كبير، وواجبك عظيم.. سامحينا إن خذلناك، فلم ننصرك بما نستطيع.

سامحينا إذ كدنا ننساك، وأنت بين يدي وحوش البشر.. أستغفر الله! لقد أسأت للوحوش، سامحينا أيتها القامة الرفيعة، في زمن الأقزام، وفي وقت الرويبضة، وفي عالم التراجع، وأيام الانكسار.

سامحينا إن شغلتنا أموالنا ونساؤنا وأولادنا عنك؛ فأنت الماعون الواسع الذي يستوعبنا جميعاً، سامحينا، إن لم نعش مشاعرك، ونتلمس همك، وفاتَنا "كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد، بالسهر والحمى".

الأيام دول

سامحينا، فقد انتفش الباطل وعربد، وأزبد وأرغد، ربما لأنه لم يجد من يقلم أظفاره، ويقص أجنحته الصناعية، لأننا في أيام الصمت المطبق، والخذلان المريع.

سامحينا أيتها الأمل الباسم، الذي ينادي على جبال المجد، بأن المستقبل لأبنائك البررة، وأحفادك الأخيار، وتلامذتك النجباء، وذراريك الفضلاء، وأرى بسمتك - رغم شحوب الوجه، وقلة البريق، ومظاهر الإعياء - إشعاعاً يبشر بغد باسم، وحرية بيضاء، ويوم بلا سجون أحرار، ونهار بلا طغاة، وليل بلا جلاد، وفجر بلا نكد زواره، من مثيري الشغب، وناشري الفزع؛ (وبشر الصابرين).

أما سجانوك، وجلادوك، ومعذبوك، فإلى قمامة الإجرام، في مزابل العفن، وسباطة النتن، حيث لا يوجد لهم مكان إلا هناك، تلعنهم الأجيال، وهم سبة الزمن (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون).

أيتها الحرة في محبسك، لا تحزني، وكفكفي دمعتك، ولا تندبي حظك، أقول هذا، وأنا أدري أنك أكبر من ذلك، ولكنها الذكرى، فأنت رفيعة القدر، عالية الهمة، واسعة الصبر، كثيرة الفضل.

يا أختاه، الأيام دول، والأحداث قلب، وبقاء الحال من المحال، سنراك قريباً، حيث المكان الذي يليق بكرامتك، ورفعة شأنك، وسمو منزلتك، وعلو مقامك (فلا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين).

ورغم هذا نُصرُّ على أن تسامحينا؛ لأن قلبك لا يسمح إلا بهذا.. فسامحينا.

في كثير من الأحيان يحدث خلط كبير، بين مفهومي المداراة والمداهنة، فلا يميز بعض الناس بينهما، ولا يقبلون إثبات أي فروق بينهما، فالمداراة هي المداهنة، والمداهنة هي المداراة، فهما وجهان لعملة واحدة، وكلاهما – برأي هؤلاء – مصيبة على دين المرء، وسبب من أسباب تأخر العمل الإسلامي، في بعض البلدان؛ لأن بعض الدعاة، وقادة العمل الإسلامي، في ذلك البلد يمارسون التفريق بين المصطلحين، من خلال تصرفاتهم وأعمالهم، وكتاباتهم وأقوالهم، وهذا خطر، ونجني نتيجة ذلك، ما نجني من مصائب وويلات وكوارث.. هذا طبعاً رأي هذا الفريق من الناس.

ويريد هذا الفريق الذي يرى أن اللفظين مترادفان، وكل لفظ أخبث من الآخر، مبررين ذلك بضرورة صراحة المؤمن، وهذا أمر واجب، وبعدم تلونه، وهذا من لازمات صدق المسلم، وأن يكون ظاهره كباطنه، وهذا حق لا مرية فيه، ولا نقاش حول أصل فكرته، ويصل الأمر ببعضهم أن يتبنى قاعدة أن يقال للأعور: «أنت أعور» في عينه، كما يقول العامة من الناس.

كما أن المؤمن شجاع، لا يخشى في الله لومة لائم، فلِمَ المداراة؟ ولم نفلسف الأمور فلسفة غير صحيحة، تبريراً لعجزنا، والتماساً لضعفنا وخورنا وجبننا؟ هكذا يرى هذا الفريق من الناس.

فهل هذا الموقف صحيح؟ وهل تؤيده الأدلة الشرعية، والاستشهادات النقلية؟ وكيف تنظر البراهين العقلية، والحجاج المنطقية، لهذه المسألة؟ كيف كانت سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم في هذه المسألة؟ وبماذا أرشدنا؟ وعلى أي شيء دلنا؟

وقبل البدء في مناقشة القضية، لا بد من إثبات حقيقة، لا يجوز التهاون فيها، ولا التعاطي معها بسلبية، وهي أن الفقه الصحيح ليس من مصادره الحماسة المجردة، ولا من أصوله الأخذ بالعواطف الجياشة، ونزوات «الفتوة» و «الزكرتية»، والانفعالات النفسية العابرة، لا يجوز أن تكون معياراً توزن به الأشياء. بل لا بد من نظر شرعي دقيق بعيداً عن كل ما ذكرنا، سواء وافق ما أراه أو خالفه، وفي الحديث الصحيح: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به».

بل أعتبر أن من مصائبنا، في بعض شعب العمل الإسلامي، لدى شريحة قليلة من الإخوة، تحكيم العواطف على حساب الفقه الصحيح، وجعل العاطفة ميزاناً توزن به الأمور والمسائل، وهذا كلف الحركة الإسلامية كثيراً من التبعات، التي لا تريدها ولم تخطط لها، وحملها نصيباً لا يستهان به من المصائب، وأنزل بها بعض الكوارث.

نحترم شجاعة الشجعان، ونقدر لذوي الحماسة حماستهم، ونتفهم غيرة هذا الأخ أو ذاك، ولكن لا يجوز أن نجاريه فيما يريد، ولا نحابيه بسبب ما ذكرنا.

وكثيراً ما يحسم الأمر لدى هذا الصنف من الإخوة، بقانون صارم «الساكت عن الحق شيطان أخرس»، في حين أن هذه المسألة تحكمها فهوم كثيرة، وفقه واسع، يلخصه الفقهاء بقولهم - في أحكام السكوت - أنه تجري عليه الأحكام الخمسة، فيكون السكوت في بعض الحالات حراماً، وفي بعضها واجباً، وفي قسم منها مكروهاً، وفي بعض صوره مستحباً، وفي حالات يكون مباحاً، وهكذا.. والأمر الواسع لا بد فيه من النظر من كل زواياه، وسائر صوره، وشموله للحدث كافة، مع قاعدة العمل بفقه النواتج والمآلات، لأنها تعمل على وضع مؤشر للنجاح من عدمه، كما لا يجوز حصر المسألة في وجه من وجوهها المعتبرة.

الفرق بين المداراة والمداهنة

ويمكن أن نحدد الموضوع من خلال المفردات التالية:

1- المداهنة: هي الرضا بالباطل، وتملق أهله، والثناء على أصحابه، أو تحسين فسادهم وضلالهم وتزيينه للناس، أو السكوت عن مواجهة الجريمة، بكل أنواعها، وسائر تفاصيلها، ومنها الجريمة السياسية، أو ما يتعلق بحقوق الناس، لدنيا يصيبها الإنسان، أو كسب دنيوي، يبحث عنه، فتكون علاقة على حساب القيم، وكسباً مادياً ولو أدى هذا إلى الاعتراف بالباطل، ومصانعة للجريمة، وهذا لا يجوز قطعاً من الناحية الشرعية، وهنا يجب على المرء المسلم أن يكون قوالاً للحق، آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، ولو كلفه ذلك أن ينفصل رأسه عن جسده، وهذا لا يتنافى مع الحكمة ولين القول؛ لأن هذا الأمر تحكمه قاعدة: «أن تعبر عن تمام المعنى، مع كمال الأدب وفقهه في هذه الساعة، من ساعات العبادة لله تعالى».

2- المداراة: قال العلماء: هي ملاينة الناس ومعاشرتهم بالحسنى من غير ثلم في الدين، في أي جهة من الجهات، والإغضاء عن مخالفاتهم في بعض الأحيان، والمداراة هي درء الشر المُفسد بالقول اللين وترك الغلظة أو الإعراض عنه إذا خيف أشد منه أو مقدار ما يساويه، ولكن ليُعلم أن المداراة وردت في الإقبال وفي الكشر والتبسم، فأما الثناء - أي على الفاسق - بما ليس فيه فهو كذب صراح، ولا يجوز إلا لضرورة أو إكراه يُباح الكذب بمثله، بل لا يجوز الثناء ولا التصديق ولا تحريك الرأس في معرض التقرير، على كل كلام باطل، فإن فعل ذلك فهو مُداهن، بل ينبغي أن يُنكر، فإن لم يقدر فيسكت بلسانه وينكر بقلبه، وقد أنشأ البخاري رحمه الله في صحيحه باباً بعنوان «باب المداراة مع الناس»، وجاء عن حميد بن هلال قال: أدركتُ الناس يَعُدُّون المداراة صدقة تُخرج فيما بينهم.

وعن الحسن قال: التودد إلى الناس نصف العقل.

وقال حنبل: إنه سمع أبا عبدالله – أي: أحمد بن حنبل - يقول: والناس يحتاجون إلى مداراة ورفق، وأمر بمعروف بلا غلظة.. فالصبر على خشن ما بدر من الناس مداراة، وتحمل ما يكون منهم من سوء الفعال مداراة، والتجاوز عن بعض هفواتهم مداراة، والداعية إلى الله تعالى، وهو يعافس الحياة، ويخالط أصناف الناس، والناس أجناس، وفي وعاء نفوسهم، وفي خلايا سلوكياتهم، ما يدهش الألباب، ويحير العقول، ومنهم الأقرباء، والجيران، وزملاء العمل، يحتاجون إلى خلق المداراة، وهنا يكون الفيصل في هذا الشأن الدقيق والمهم والحساس، وهذا لا يجيده إلا من منحه الله أخلاق الربانيين؛ «المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم»، نريد المسلم الذي يعيش في كنف الحياة، ويخالط المجتمع بما فيه، ويجتهد في بذل الوسع للوصول إلى الناس بأخلاقه ونصحه وربانيته وقدوته، لا الذي ينكفئ وينزوي، ويعيش على هامش الحياة، وهذا ما يريده أعداء الله من شياطين الإنس والجن.

سهل على المرء أن تفلت أعصابه، وأن يخرج عن طوره، فيشرق ويغرب، ويلعن المجتمع، ويسب العصاة، ويقوم ولا يقعد، ويتحرك ولا يسكن، ورب حالة غضب، وخروج عن مألوف السلوك الحسن، تعمل عملها السيئ في جسم الحياة، وتكون لها آثارها السلبية على مدى لا يستهان به.

ولكن الذي يضبط أعصابه، ويعض على جرحه، ولا يستسلم لعواطفه المجردة، هو المكيث الذي يرجى خيره، وهو الذي يكون شوكة في حلق أعداء هذه الدعوة؛ «ليس الشديد بالصرعة، ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب»، نحن بحاجة إلى هذا الصنف الرائد القائد، اليقظ الفطن، صاحب الغيرة الإيمانية، والأعصاب الحديدية، فبمثل هؤلاء تثمر الدعوة، وتؤتي ثمارها، وعلى الداعية أن يتعامل مع الآخرين بلغة الشفقة عليهم، والرحمة بهم، وحب مساعدتهم في أن يخرجوا عن إطار ما هم فيه من بلاء، إلى فسحة طاعة الله، ودخول النعمة التي لو عرفها الملوك لجالدوا عليها أصحابها بالسيوف، فكن منقذاً، ولا تكن محبطاً، وكن مبشراً، ولا تكن منفراً.

3- الفرق بين المداراة والمداهنة: قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: وظن بعضهم أن المداراة هي المداهنة فغَلِطَ؛ لأن المداراة مندوبٌ إليها، والمداهنةَ محرَّمة، والفرق أن المداهنة من الدهان وهو الذي يظهر على الشيء ويستر باطنه، وفسرها العلماء بأنها: معاشرة الفاسق وإظهار الرضا بما هو فيه من غير إنكار عليه، والمداراة: هي الرفق بالجاهل في التعليم، وبالفاسق في النهي عن فعله، وتركُ الإغلاظِ عليه حيث لا يُظهِر ما هو فيه، والإنكار عليه بلطف القول والفعل، ولا سيما إذا احتيج إلى تألفه ونحو ذلك. (فتح الباري، 10/ 528).

هذا الخلط بين المداراة والمداهنة، وجعلهما في رتبة واحدة، أوقعنا في كثير من المشكلات، وفوت علينا جملة من القضايا النافعات، وسلط علينا مجموعة من المفردات المهلكات.

وبصراحة شاعت في أوساطنا لغة المدح والثناء، لمن كان جافاً غليظاً حتى مع إخوانه، فضلاً عن الناس، وأبناء المجتمع، على أنه شجاع، وصريح، وقوال للحق، والذي في قلبه على لسانه.. إلخ، أما الأخ الذي يداري إخوانه وأبناء مجتمعه، على ضوء فقه ما ذكرنا، فهذا «مطبطب»، لا يواجه، سلبي.. إلخ، وهذا والله خطأ كبير؛ «وما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه»، والحكم الفصل هو منهج التفرقة بين المداراة والمداهنة، وهو الفقه الصحيح.

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top