د. عامر البوسلامة

د. عامر البوسلامة

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
الأربعاء, 03 فبراير 2016 08:42

حماة.. يا أنشودة الربيع

على أبواب الحرية، التي بكل يد مضرجة تدق، أبطال نذروا حياتهم للحق، من الذين لم يسكتوا، ولم يكونوا شياطين خرس، كانت حماة، وكان ميلاد ربيع العرب المبكر، ومفتاح ثورة كرامة، كانت مشعل نور، يضيء للقادمين دروب الرجاء، وركائز بناء في عالم  متغير.

ما كتب لها البقاء، وتركت في صفحة الزمان حسرة خذلان، من خذلوا، من دول، ومؤسسات دولية، ومجتمع عالمي، وكثير من أبناء سورية، الذين ما قاموا بما يجب، وتحول ذلك الألم الباطن، إلى أنشودة تردد مع الزمان المتطاول، (عذراً حماة)، ولات ساعة مندم.

في وقت نسي بعض الناس فيه إنسانيتهم، تأتي ذكرى الألم والمأساة، ذكرى رائحة الدم، التي ما زالت تفوح في كل زاوية، وفي كل صفحة، وفي كل قلب حي، وفي كل ضمير يقظ، وفي كل مؤسسة نزيهة، وفي كل محفل يحترم نفسه، وفي كل كتاب يكتب تاريخ أمة في قرن، ذكرى الدمار والخراب والوحشية، ذكرى الطاغوت والإجرام وفقدان الرحمة، ذكرى الاستبداد والعدوان، وبنفس الوقت، تسطر الوقائع، ذكرى الجهات التي تكيل بعدة مكاييل، في السياسة والحقوق، وكأن الأمر نزهة، أو فيلماً سينمائياً، قضى هواة التفرج شهوة النظر عندهم، حتى نشفت شفاههم من بقيا بذور "قرشوها" في غفلة الزمان والمكان والسوق والحارة، بل والمسجد، وقاعة النظافة.

واسترخى الساديون على ألوان الكارثة، يجلسون على بساط الضياع، ويتكئون على فرش الشرود والتيه، وقد سرح خيالهم الفاسد، على أمواج أثير، من نسيج دم يتدفق، وصراخ يشق الأفق، ربما كان سببه قذيفة عمياء، أو قطع يد امرأة لتخليص الحلي الذي في يدها، أو ذبح ولد أمام أبيه أو أمه، أو العكس، والمظلوم يدعو على الظالمين المجرمين، وأنات أصوات من يتموا، تخترق عباب الوهم، لتصك آذاناً صماً، وتهز من فيه بقية من إيمان ووجدان، ورؤية تتفتق منها سحب مستقبل يشي بالخلاص، وآهات تزفر مرددة في أصداء من يسمع الصوت: قادمون، عائدون، وأنتم يا أعداء الإنسانية مهزومون، مندحرون، مهما طال الزمن، وانتشر المنون، وكأنها تتنبأ بثورة شعب شاملة، من خلال قراءة استشراف، نطقت بخطته الفطرة؛ (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ {227}‏) (الشعراء).

نساء تستغيث، أطفال تصرخ، شيوخ تجأر، وقد رسمت لوحة من نشيد حزين، فيه بحة من فيه بقية حياة، ليبقى على درب الصالحين، ومنوال المجاهدين، ودرب المناضلين، ولسان الحال: نحن لا نيأس، لنا الأجر على كل حال، ومهما كان المآل، فهذا دربنا، عليه نمضي، وفي نهايته تكون البشرى، إن صبرنا وثبتنا، ويخسر الخاسرون، الذين شدو رحال الانكسار، في بيداء الجريمة؛ (إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ {87}) (يوسف).

إنها ذكرى مأساة حماة عام 1982م، بما حصل فيها من قتل وجرائم، وتدمير وتخريب، فاق التصور، وأدهش الغيارى، واليوم صار المشهد في كل سورية، فهل يجدي النحيب، أم لا بد من برنامج مناصرة لهذا الشعب الجريح؟! فأين من يشعر بالواجب؟ ويقوم بما عليه؟! ووصل الأمر إلى الموت جوعاً، مع ملايين النازحين والمشردين، ومئات الألوف من اليتامى والأرامل والمعتقلين، براميل، وصواريخ، وأسلحة محرمة دولياً، الكيماوي واحد منها، أما الشهداء من الكبار والصغار، والذكور والإناث، فحدث ولا حرج، والإحصاءات في هذا المجال مرعبة، فهل من قائل: لبيك سورية، ليثبت هذا الشعب على أرضه، حتى ينتصر على جلاديه وظالميه ومحتليه؛ "ومن كان في حاجة أخيه؛ كان الله في حاجته".

الأحد, 24 يناير 2016 18:27

جوع وسجن وحصار

ونحن في موسم الجوع العظيم، الذي يقضي على جماعة من أبناء المسلمين، في عدة بقاع من هذه الأرض، نذكر منها غزة وبورما ودير الزور ومضايا والزبداني وعموم مناطق الغوطة، وديالى والمقدادية، جوع وحصار يندى له جبين الإنسانية، وفي زمن كثر فيه الكلام عن حقوق الإنسان، منظمات تعمل، ومؤسسات ينفق عليها الملايين، صراخ وعويل، ملفات وتحقيقات، إعلام يطبل، وأفلام تزمر، ونشرات وكتب، ولكن الثمرة، الجوع يزداد، ويحكم الحصار، ويكثر الموتى جوعاً، وينفرد الطاغوت بالبطولات، وهذا من أغرب غريب هذه الموازين المختلة، وتعدد المكاييل المنحلة، فلا نامت أعين الجبناء.

وفي حديث كهذا، لا يمكن أن ننسى، الحصار والجوع، لأهلنا الفلسطينيين في مخيم اليرموك، حيث فرض الحصار، وأطبق طوق الجريمة على أبناء فلسطين الأحرار، الذين أبوا أن يكونوا لعبة بيد الجلاد، على ضحيته، فضربوا أروع مثال بالوفاء لهذا الشعب السوري الغيور الأبي، فكانت ضريبة ذلك، أن فعل بهم ما فعل، وقضى جماعات منهم جوعاً، فإذا هي مدرسة شر متكررة، وانتبهوا جيداً، هذا ما يفعل بالشعب الفلسطيني البطل، على أيدي مدعي المقاومة والممانعة، والذين يتشدقون بفلسطين، وبحقوق الشعب الفلسطيني! يا جماعة كفى ضحكاً على الدقون، وكفوا عن هرائكم هذا، فقد سقطت ورقة التوت، وانكشف المستور للقاصي والداني.

ومدرسة الإجرام هذه، هي نفسها، التي حاصرت طرابلس الشام، في يوم من الأيام، لأنها أبت أن تذل، وطبقت عليها قانون الشيطان، في التجويع للتركيع، ولكنهم صبروا وثبتوا، رغم أنهم أكلوا القطط والكلاب، في بعض الأحيان، وكانت النهاية في فرج من الله تعالى.

ويسوقنا هذا إلى تذكر من قضى جوعاً بسجن تدمر سيئ الذكر، في ثمانينيات القرن الماضي، حيث أدخل إليه خيرة أبناء الشعب السوري، من الأحرار المثقفين، والنبلاء والعلماء، والصالحين من عباد الله، ليفعل بهذه المجموعات من الأبرار، ما لا يصدقه عقل، ولا يستوعبه ضمير إنسان، واقرأ إن شئت كتاب "تدمر شاهد ومشهود"، أو كتاب "القوقعة" لعل بعض الصورة تصل إليك.

وهذا يدفعنا نحو تحليل ظاهرة الجوع، ومعرفة أسبابها، ولما نبحث عن هذا الأمر في كتب السياسة والاجتماع والجغرافيا والتاريخ، يذكرون منها الجفاف والحروب، وبعد المسافات، وضعف الموارد، وغير ذلك، أما أن يكون الجوع لأسباب سياسية تتعلق بالاستبداد لم أرَ من يذكر هذا إلا في عصرنا الحاضر، أما أن يكون سبب الجوع سجون الطغاة، فهذا قل من يذكره، أما أن يكون الجوع بسبب التآمر على شعب، هذا غاب عن قاموس أهل البحوث والدراسات، وعودة إلى سجن تدمر، لتعرف حقيقة ما كان يجري، بصورة من صور مشاهده المؤلمة الكثيرة، وهذه واحدة منها، لم يكتفوا بالتعذيب ليل نهار، ولم يقتصروا على الحرب النفسية، ولم يحصروا عطاءهم على فتات الطعام الذي كانوا يقدمونه لهم، ولم يحصروا حسرة المسجونين المظلومين بأن أحداً لم يرهم، من قريب أو صديق، أب أو أم أو زوجة، أو... أو..، بل مرت فترة عليهم أن جاعوا حتى قضى قسم منهم جوعاً، سجن وجوع، وهنا تبرز ثنائيات فلسفة الجوع، حصار وجوع، سجن وجوع، دم وجوع، خوف وجوع، هم وجوع، موت وجوع، قصف وجوع، ظلام وجوع، رعب وجوع، قهر وجوع، هنيئاً لصناع السينما، صارت بين أيديهم مادة دسمة، لأحسن الأفلام، فنرجو ألا يشكوا بعد اليوم من أزمة النصوص.

وفي سجن تدمر يتحدثون عن سوء التغذية، فيا أسفاه على خبره، وما نتج عنه من أمراض وكوارث ومصائب، ليس مرض السل إلاً واحداً منها، غصة، ألم، حسرة، ضيق، تجتمع في النفس مع الصبر، وترديد الحوقلة والحسبلة، لنقول: في أي زمن نحن؟ وفي أي عالم نعيش؟ ألا لعنة الله على الظالمين؛ "دخلت امرأة النار في هرة حبستها، فلا هي أطعمتها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض".

الإثنين, 18 يناير 2016 08:02

الجوع.. بين الأمس واليوم!

منذ زمن بعيد لم نسمع عن جوع يحصد الأرواح، ويكدر الأيام الملاح، ويعبث بحياة الناس، فلا يبقى في محيط مأساة الجوع مرتاح، والجوع يدفع نحو عذابات النفس، خصوصاً لما يرى المرء ولده يتضور جوعاً بين يديه، وربما مات في حضنه، ولا يستطيع أن يفعل له شيئاً، وهذه من الكوارث المركبة التي يبتلى بها الإنسان، من هنا استعاذ نبينا - صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه - من الكفر والفقر، والجوع أشد أنواع الفقر، وهذا الاقتران في الاستعاذة بين الكفر والفقر، لما بينهما من لوازم فتنة، قد تؤدي واحدة إلى الأخرى.

كنا نسمع ونحن صغار من كبارنا عن سنة الجوع التي مرت بهم في مطلع القرن الماضي، فمروا بظروف قاسية ما بين عامي 1914 – 1918م وكانت فترة عصيبة، وشديدة الوطأة على حياة الناس، وسنة الجوع حصراً كانت عام 1916م، وكيف أن هذه السنة، قد حفرت في ذاكرة أيامهم معاني تنعكس على مقاطع من تحولات حياتهم، تؤرخ لمواليد تلك السنة، ويضرب بها المثل في جوانب متعددة من جوانب الحياة وتجاربها، كيف لا! والجوع في النهاية عظة وعبرة، وهذه السنة كأنها شبح مرعب يطاردهم في كل مناسباتهم، ويصنع حالة من الوعي الدائم الذي لا ينقطع بصورة مثل هذه المأساة المرة، لكن الجوع في تلك الأيام الخوالي جوع بلا حصار، والأرض فسيحة، والرحمة موجودة في الناس، على الفطرة، لذا لا ينسى أهل دير الزور وجيههم الاجتماعي السيد فرحان الفياض - رحمه الله - الذي كان نموذج الخير، الذي تمثل بكرمه ونجدته وجوده، وشعوره بواجبه - إذ أعطاه الله المال - تجاه إخوته الجوعى، وأقاربه المنكوبين، والناس المحيطين به، من الذين نزلت بهم نازلة الجوع، وهذا الرجل مثال في هذا الجانب، وقدوة على الطريق.

أما اليوم فجوع مع حصار مطبق، يلفه مشهد دم ورعب وخوف ورائحة موت، من كل زاوية من زوايا الحدث، وبكل أبعادها، وسائر تفاصيل الواقعة، فصار المشهد مركباً ومعقداً، وحسبنا الله ونعم الوكيل، ولا ندري كيف سيحكيها - من بقوا من المحاصرين أحياء - لأحفادهم وللأجيال القادمة؟ هل ستخط أحداث الجوع صورة متشابكة يعجزون عن رسمها؟ ربما، ولكن يبقى جزء من المشهد المختلف الأكثر صعوبة ودهشة، هو أنه ماذا قدم الناس- ونحن في عصر العولمة - لهؤلاء المعاصرين المحاصرين؟ هل جمعت الأموال؟ هل رفعت عرائض الاحتجاج؟ هل كانت هناك تغطية إعلامية مناسبة؟ هل سيرت قوافل الخير المادية والمعنوية، لكسر الحصار، وإنهاء حالة الجوع؟ الجواب محرج، وبالتأكيد أن قسماً من الناس سيقف حائراً في الإجابة عن هذه الأسئلة وغيرها، والتاريخ لا يرحم، وهو بعيد عن مقص رقيب الاستبداد.

لا بد من وسيلة غير صادمة لأبناء الأجيال القادمة، وأسلوب متميز، في العرض والتحليل، يستطيع المرء من خلاله تبليغ رسالة هذه المرحلة لهم، اللهم كن مع المحاصرين في الزبداني ومضايا والوعر ودير الزور وبورما والمقدادية وديالى، وكل بلد فيه محاصر وجائع ومظلوم.

أخرج الإمام مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يَا أَبَا ذَر، إِذَا طَبَخْتَ مَرَقَةً فَأَكْثِرْ مَاءَهَا وَتَعَاهَدْ جِيرَانَكَ»، وعند الطبراني والبزار - بإسنادٍ حسن - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَا آمَنَ بِي مَنْ بَاتَ شَبْعَان وَجَارُهُ جَائِعٌ إِلَى جَنْبِهِ وَهُوَ يَعْلَمُ بِهِ».

الثلاثاء, 05 يناير 2016 09:51

نظام إيران.. كيف؟ ومتى؟ ولماذا؟

لما قام نظام إيران، ظن بعض المسلمين أنهم على الخبير سقطوا، وعلى ناصر المستضعفين، والباحث عن حقوق المضطهدين، وقعوا.

وتوقع بعض الغيورين أن بظهور هذا النظام ستشرق الأرض بنور ربها، وتزين بحملها رسالة الخير، وتعاليم السماء، للإسلام والمسلمين، بل لقضايا الإنسانية العادلة عامة، بما رفعت من شعارات، ودوت صيحاتها بالنداءات، التي للظالمين مقلقات، تارة بخطب للشيخ كشك – يرحمه الله - تذاع، أو مقاطع لسيد قطب – يرحمه الله - من كتبه تتلى، أو أناشيد لأبناء الصحوة الإسلامية، يغرد أصحابها من إذاعات إيران.

والأمر طولاً وعرضاً، مشغول بهذا الحدث المهم، وهذا المولود الآسر، وهذا الشكل الذي تتوق له جماعات من المسلمين، الذي يمثل حالة الخلاص من ظلم الظلمة، وكبرياء الطغاة، وقمع الأحرار، وسجون المستبدين، ومناهج القهر، ومدارس الإرعاب، ومحافل الثبور.

لكن المفاجأة كانت صادمة، لهذا الصنف الذي ظن هذا الظن، وذهب هذا المذهب، وبالمقابل كانت فرصة استنمار لأولئك الباحثين الغيورين، الذين كانوا يرون أن شراً مستطيراً، وخطراً عظيماً، تحمله هذه الثورة! القادمة بثوب جديد، ولكن القديم مؤشر عليه، ودليل على سلوكه، في قادمات الأيام، والتاريخ يعيد نفسه، وخذوا من التاريخ عبرة.

قرؤوا التاريخ القديم بعمق، نظروا ببصيرة الباحث عن الحق، بوقائع الأيام وسياساتها والناتج عنها، في مجال الفكر والعلاقة والتخطيط، فخرجوا بهذه النتائج المحقة - في عالم النواتج والمآلات - وبوقت مبكر، فكان لهم سبق الوعي بالظاهرة، وحسن الإدراك لخطرها، واستشراف صحيح لما سيكون منها، ومن أعمالها وسياساتها، من ويل وشر، ومكائد ومصائب، ومؤامرات ودسائس.

 والذين تأخروا بوعي خطرها اصطفوا إلى جانب الآخرين من الصنف الأول، فصار وعي الخطر حالة شبه عامة، وما عادت الشعارات تنطلي على أحد، من الذين يعون القراءة الثانية، بروح الباحث المنصف، البعيد عن العواطف، أو الذي ينجر وراء دغدغات النفس، وتحريك مشاعر الملمس الحاني في واقع يتلهف لأي نوع من أنواع بعث الأمل في نفوس المقهورين.

ودارت عجلة الحياة، ومرت الأيام، وبدأ المخبوء ينكشف، في كل عام يمر، على هؤلاء المتسلطين على رقاب الشعب الإيراني، ويسومونه سوء العذاب، ويلحقون به أفدح الأضرار، وعلى كل المستويات، وفي المناحي كافة، ولعل على رأسها، وفي مقدمتها، تلك القطيعة الفظيعة التي تصنعها سياسة نظام إيران، بين إيران وسائر أبناء بلدان العالم الإسلامي، والتي لا أظن أنها يمكن أن تمحى من ذاكرة الشعوب، بسبب هذه السياسات الرعناء الحمقاء، بله العرجاء، بل الكسيحة، ولا أريد أن أبالغ فأصف الأمر بأكثر من هذا، رغم أنه يستحق، ما هو أعظم وأشنع، لكني سألتف - ضاغطاً على نفسي - حتى يتحقق المراد من هذه المقالة.

إن العدوان الصارخ الذي يمارسه نظام إيران، على قيم الأمة ومبادئها ورموزها وتاريخها، والتشجيع على هذا، وببجاحة غريبة، ووقاحة مدهشة، يمثل صورة من صور الفتنة التي ربما كانت محور السوء، في القضايا التي لحقت من ممارسات الخراب والدمار والعار والشنار، في كل أنحاء العالم الإسلامي، وسائر أماكن تواجد المسلمين، وكأن هذا النظام مكن من أجل أن يقوم بهذه المهمة، وليس له مهمة أخرى سواها، رغم رفعه لتلك الشعارات التي ما عادت تنطلي على أحد من المسلمين الواعين، فضلاً عن المفكرين والباحثين.

تحالف نظام إيران مع المجرم حافظ الأسد، من اليوم الأول لقيام نظامه المزعوم أيام الخميني، وكان هذا التحالف الباطني الشرير عنوان مرحلة مرّت على المسلمين في سورية - وهم يعانون ما يعانون من نظام حافظ - محملة بالإجرام الذي كان يلف المشهد السوري بكل أبعاده، وتفاصيله كافة وبما حملت في طياتها، من ملفات الويل والثبور، من قتل للأحرار، وتكميم للأفواه، وسجن وتعذيب للأخيار، من أبناء الشعب السوري، وما المشانق التي نصبت بسجن تدمر، لحفاظ كتاب الله تعالى، وللعلماء والمفكرين والسياسيين من كل الاتجاهات عن الناس ببعيد، حتى قضى ما يقارب العشرين ألفاً من صفوة أبناء سورية، ولم يسلم من هذا حر من أبناء هذا الوطن، واقرؤوا إن شئتم "القوقعة" لمسيحي، سجن في تلك الفترة، وروى ما شاهد، وما رأى، مما يشيب لهوله الولدان، وتقشعر منه الأبدان.

ونظام إيران يصطف مع المجرم حافظ الأسد، سفاح سورية، ومنظم خرابها، وما وقع في حماة عام 1982م من جريمة منكرة هزت العالم، وقتل قريباً من أربعين ألف إنسان، ودمرت المدينة على رؤوس ساكنيها، ونظام إيران كان يدعم مجرم العصر حافظ الأسد ويقف إلى جانبه، مصفقاً ومهنئاً أن قضى على هذا العدد الكبير من أبناء حماة البطلة الباسلة، التي أبت أن تقول للمجرم: نعم، أو أن تصفق لجرائمه.

إنها مرارة  في النفس انطبعت في ذهنية أبناء سورية، إنها كارثة تعيش في أعماق القلوب المجروحة المكلومة، تندد بجرائم المساندين الداعمين، قبل أن تعلق على أي أمر آخر، لأن العدو معروف ظاهر، أما هؤلاء الذين تستروا بستار آل البيت، وهم منهم براء واستطاعوا أن يخدعوا بعض أبناء الأمة من الذين كانوا يتطلعون إلى مجد غاب، وشمس صارت وراء القضبان، ولكن هيهات.. هيهات.. كباحث عن العسل من سم الأفاعي.

***

كلما نظرت إلى حدث فيه فتنة في عالمنا الإسلامي، أجد نظام التيه والشرود في إيران، قد دس أنفه، ووضع أصابعه في قلب هذه الفتنة، وذاك الحدث المروع، وتلك الحارقة المذهلة.

من الكويت وما صنع فيها، وما زال يكيد ويدبر ويخطط ويمكر، إلى البحرين، وكيف كان ينشب مخالبه في جسم محنتها، وما زال ينفخ في رماد فتنتها، إلى اليمن، وقد أهاج العماوة، وأدخل السلاح، وورط البلد بمصاب أليم، وها هو رئيس اليمن، وإلى يومنا هذا، يصيح بأعلى صوته، محذراً نظام إيران من مغبة عدوانه على البلد، وإشعال فتيل الأزمة تلو الأزمة فيه، لعله يرعوي ويكف عن شروره، ولكن عنكبوت الشر، في إيران، ما انفك يلازم المؤامرة، إثر المؤامرة، في بلد الإيمان والحكمة، وينسج خيوط المأساة، ولو مع شيوعي ممزق، أو فاجر مهترئ، والمهم أن تتحقق الفتنة، وتراق الدماء، ويحدث القلق، ويتحقق الاضطراب، وهذا ديدن هذه العصابة المتسلطة على الشعب الإيراني.

ثم ألتفت إلى الإمارات، فأرى الجزر أسيرة، وفي العراق ألم وويل وثبور، ونصر للشيطان، وعدوان على الأبرياء، وقتل على الهوية، وقضاء على العلماء والمفكرين، والوجهاء وقادة الرأي.

والمكرة الكبيرة، ما حدث في أفغانستان، وما سبب من تداعيات، ما زال ذلك البلد يعاني من ويلاتها وفتنها وشرورها.

أذهب شرقاً، وأسير غرباً، آخذ البلاد طولاً وعرضاً، والشكوى هي الشكوى، والمصاب هو المصاب، والأمة تشكو من ظلم نظام إيران وما حوى، من إحن وفتن وكوارث، والكل يقول: ما هذا البلاء الذي حل بالأمة؟ وأين كان هذا المستور الشرير، الذي ظهر لنا فجأة، على حين غفلة من أمة، ابتليت بوعيها زمناً، وبحضورها الحضاري فترة لا يستهان بها، لينسجوا فتنة في زوايا الظلمة؟ فيظهر "حزب الله" مصنوعاً على عينهم، برعاية سفاح العصر، حافظ الأسد، فيفعل ما يفعل، ويهدد من يهدد، من أهل لبنان وغيرهم، ويساند مع شيطانه الأكبر القابع في طهران.

نظام العصابة المتسلطة على رقاب الشعب السوري الذي دك المدن بصواريخ "سكود"، وببراميل المتفجرات، ويحرق البلد من طرفه إلى طرفه، شبيح في الضاحية، وآخر في قُم، وثالث في طهران، ورابع في النجف، وخامس في الجنوب، شبيحة بعضها من بعض، وإن اختلفت الأثواب، وتباينت الألوان، فالمعنى واحد، وكلهم إلى جبل رضوى ينتمي.

***

من هنا لا بد من جملة من الملاحظات، التي يجب أن تذكر، في هذا السياق، وبين يدي هذه الحقيقة:

- علينا أن ندرك هذا الخطر، ونستوعب هذا الشكل من المصاب، ونتعامل معه بوعي شديد، وخطة صاحية، وفهم مستنير، ومشروع هادف، يتسم بالواقعية، وينهج نهج قواعد العمل ومنظومته بصورها الصحيحة المنضبطة، بعيداً عن التهور، وتاركاً لغة العاطفة، ويعمل على وضع النقاط على الحروف، بعلم ومعرفة ودراسة، قبل أن يفوت الوقت، ولا ساعة مندم.

- تجنب الدخول في أنفاق ربما يكون الخروج منها عسراً، وهذا يحتاج إلى روية ودأب، وتخطيط وهدوء.

- توصيف طبيعة المشكلة، وأنها مع نظام آذى شعبه، قبل أي أحد آخر، والحذر من الإشعالات التي لها صفة أخرى، وربما تصب في صالح النظام، لأنها ستدخل الأمة في معركة تستهلك فيها، وبها تنهك قواها، وستأتي على الأول والآخر مما بقي منها.

- على الشعب الإيراني أن يعي هذه الحقيقة، ويفهم هذه المصيبة بكل أبعادها، وما ستجره عليهم وعلى غيرهم، من كوارث، وهذا بدوره يحتم على جميع المؤمنين بهذا الخطر، أن يعملوا على التواصل مع أبناء إيران، بكل شرائحهم - الدينية والسياسية والحزبية والثقافية والحقوقية والمجتمعية والرسمية - حتى يتعاونوا معهم في الوصول إلى حلول عملية، تنقذ الموقف، من نفقه المظلم الذي سيؤدي في نهاية المطاف إلى غرق السفينة، فلا بد من الأخذ على أيدي هؤلاء السفهاء الذين يسوقون الناس نحو الهاوية.

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top