د. عامر البوسلامة

د. عامر البوسلامة

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
الخميس, 14 أبريل 2016 07:41

"شكراً تركيا".. كيف؟ ولماذا؟

تركيا بلد نهضوي، صنع منظومة عمل حضاري، أساسها قيمة العدل الذي هو جماع كل خير، وأساس كل فضيلة، وعلى قاعدة الحرية المسؤولة، التي يكون عمادها إنسانية الإنسان، واحترام حقوقه وإرادته وهويته، حتى كانت التجربة التركية التي محورها ما ذكرنا.

وقد قطع البلد شوطاً لا يستهان به في هذا الشأن، وصار محل تقدير واحترام كثير من المراقبين، الذين درسوا التجربة، بأبعادها الحاضرة، ونتائجها المستقبلية، ومآلاتها القادمة.

من هذا المنطلق العام، تشكلت مفردات العمل النهضوي، الذي يرسخ هذه المفاهيم بصورة عمل، وقطعت التجربة التركية شوطاً كبيراً في هذا الاتجاه، ففي ظل العدل والحرية المسؤولة، تكون مقاطع الإنتاج رفيعة المستوى، وعلى الصعد كافة، ويذكر هنا تخصيصاً جانب التنمية الشاملة الذي قفزت فيه تركيا قفزات مذهلة.

ومن لازم معاني تحقيق العدل في الحياة، ألا تنكفئ تركيا على ذاتها، ولا تلتفت إلا إلى نفسها، فيكون الخلل، بل ينبغي أن تكرس هذا المعنى بلغة عامة، وسياسة متكاملة، وهنا يكون محك المصداقية، فلا يصح أن يلتفت المرء إلى نفسه، وعلى الدنيا السلام، فهذه أنانية سياسية نأت تركيا بنفسها عنها، ورأت أن قيمة العدل والحرية إذا لم تكن شاملة؛ فهو خلل بنذر بخلل، ولذا مما تعيب تركيا على آخرين في إطار المنظمات والمؤسسات والدول المحلية والدولية، أنها تكيل بعدة مكاييل، ولا تنظر إلى الناس على أنهم عينان في وجه، وهذه إحدى إشكاليات التركيبة السياسية العامة في دنيا اليوم، وهذه القضية مصدر من مصادر التشوه الحاصل في كثير من تقسيمات الأحداث التي تقع على وجه هذه البسيطة.

من هذا المبدأ الأصيل تعاطت تركيا مع أحداث العالم، لذا كان موقفها من فلسطين والقدس ونصرة أهلها، وكانت تلك المواقف المشرفة من وقفات الخير، وما أسطول الحرية، وتلك الوقفة العظيمة في دافوس، إلى كثير من تفاصيل التأييد، إلا صورة من هذه الصور، وهكذا عندما نتنقل إلى مواقع أخرى وبلدان ثانية، لنجد الموقف القوي في مصر واليمن والعراق وبورما والصومال، وكثير من بقاع الأرض، فهذا منهج عمل، له كثير من مجالات المساندة في ثنايا عمله.

ومن هذه البلاد التي وقفت تركيا موقفاً رائداً، سورية وثورة شعب سورية، وأستميح القارئ الكريم، بالتركيز على هذا الجانب، من باب التخصص، لأني على اطلاع على تفاصيله.

والقضية خلاصتها أن نظام الجريمة والبغي في سورية، الذي قابل الشعب السوري (والثورة ثورة شعب) بالحديد والنار، والقتل البشع، والحرق والتخريب والتهديم، حتى صارت رائحة الدم في كل مكان، ولون القهر في كل زاوية، والشعب السوري الذي خرج سلمياً يطالب بالإصلاح والتغيير، لأنه ملَّ الظلم، وما عاد يطيق صبراً على الويل الذي حلَّ به، والكوارث التي أصابته عبر عقود طويلة من حكم هذا النظام الفاسد المجرم، وكان الأولى بالنظام أن يستجيب لمطالب الشعب، ويعمل على الإصلاح والتغيير، لكن هذا النظام الذي ألف الجريمة، واعتاد على تكميم الأفواه، والسجون والمشانق للأحرار، وركيزته منظومة مخابراتية هي أداته في التعامل مع مخالفيه، بل حتى والناصحين له، فذاق الشعب السوري خلال هذه العقود كل ألوان الضيم، وأنواع الطغيان، وأشكال الدكتاتورية.

هنا رأت تركيا أن تتدخل في هذا الشأن للإصلاح ولملمة الأمر، على قيمة يتفق عليها، فتواصل مع النظام في سورية، وحاوره، وقدم له النصائح والمقترحات لعله يفيد منها، أو أن يكون عاقلاً في معالجة المشكلة، ولكن من شب على شيء شاب عليه.

فأغلق نظام الفساد في سورية أذنيه، وأغلق كل منافذ التعديل والتغيير، ولما زاد ظلم النظام وبطشه، هنا أدرك الشعب السوري الذي طوى صفحة المطالبة بالإصلاح، أنه لا بد من المطالبة بإسقاط النظام، لأن نظاماً كهذا لا ينفع معه إلا البتر والاستئصال، والسكوت عنه لا يزيده إلا شراً وبطشاً.

هنا تماهت تركيا مع مطالب الشعب السوري المظلوم المقهور، وساندت حراكه، وفتحت له أبوابها، واستقبلت اللاجئين، وكانت مستشفيات تركيا مفتوحة أمام أفواج الجرحى والمرضى القادمين من سورية، مع تسهيل في المعاملات، وتعاون في مركب نظام الإقامات، وفتحت أبواب المدارس والجامعات لأبناء الشعب السوري، ونشر ثقافة التعاون مع الشعب السوري المظلوم، والتعامل معهم على أنهم إخوة وجيران، وضيوف في بلدهم، حتى تأسست منظمات سورية، وجمعيات ومدراس وجامعات، فصاروا جزءاً من تركيبة المجتمع التركي، وهم يقومون بشأن السوريين، سواء في المدن التركية، أو المخيمات، أو الداخل السوري، وكانت تركيا منفذاً مهماً لأبناء الشعب السوري، بل هي الرئة التي يتنفسون منها، فنشطت مؤسسات المجمع المدني التركية، وتعاونت الجمعيات الإغاثية في توصيل المساعدات للبلد المنكوب سورية، إضافة للمواقف السياسية المساندة، وكل هذا كلف تركيا كثيراً من المعاناة التي لم تجعل تركيا تندم على موقفها؛ لأنها مواقف تنبع من رؤية صلبة، وتفكير إستراتيجي، يقوم على نصرة المظلومين، وفتح أبواب تركيا للمضطهدين.

من هنا، نقول وبأعلى صوت الصدق، ومن أعماق القلب: "شكراً تركيا"؛ لأن من لا يشكر الناس لا يشكر الله، ولأن من طبع الوفي أن يشعر تجاه من أسدى له معروفاً، بالعرفان والفضل، ويقول له: جزاك الله خيراً، ونقول لتركيا رئيساً وحكومة وشعباً ومنظمات وجمعيات وأحزاباً: جزاكم الله خيراً، وجعل ذلك في صحائف أعمالكم، ووقاكم من كل سوء ومكروه.

ومن صور الشكر لتركيا:

1- زرع ذلك الشكر في ثقافة أبنائنا لمزيد من الترابط، ولتوثيق العلاقات بين الشعبين والبلدين، على قاعدة التواصل المشترك الذي يجمع بيننا، ديناً وتاريخاً وجواراً وقربى، وتطوير ذلك إلى الاشتغال على أسس الترتيب لملتقى الهم المشترك، والتعاون الإستراتيجي.

2- على الأمة كل الأمة أن تقف إلى جانب تركيا في كل قضاياها، وخصوصاً منها تلك التي كانت بسبب مواقفها المشرفة من قضايانا المعروفة، ونشجع شعوبنا وحكامنا على مد اليد الإيجابية لتركيا، فهي بُعد إستراتيجي لا يجوز التفريط به.

3- التركيز على جعل تركيا موئلاً للزيارة والسياحة، وبشكل خاص للتراث الإسلامي العريق في هذا البلد التالد، من المساجد إلى العمارة الإسلامية إلى تراث الأدوات إلى منتجات الثقافة والمخطوطات إلى تاريخ العثمانيين، والقائمة تطول.

4- العمل على حث شعوبنا وبلداننا على استقبال المنتجات التركية، ففي هذا خدمة كبيرة لتركيا ونفع لبلداننا.

(وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ {2}‏) (المائدة).

 

(*) الأمين العام لهيئة سورية تناديكم - باحث وأكاديمي

بقلم: د. عامر البوسلامة

 

حث الإسلام على المطالبة بالحقوق والإصرار عليها وعدم التفريط فيها، حتى لو كان مقابل ذلك روح الإنسان، فجعل من مات دون عرضه وماله شهيداً، وهذا ما أدركه السوريون جيداً في ثورتهم؛ فبعد مرور خمسة أعوام على ثورة الشعب السوري، ودخولها في عامها السادس، نلاحظ أن أعظم ميزة لهذه الثورة هذا الصمود المذهل، وهذا التحدي الكبير، وهذا الصبر اللافت؛ فلو أردنا لها عنواناً عريضاً، نقول بلا تردد: إنها ثورة الصمود؛ لأنها واجهت عدواناً مباشراً، وآخر غير مباشر، يفل الحديد، ويدك الجبال، ويهد الصخور، لكنها صمدت، كما قوبل العدوان، بخذلان واضح، ومؤامرة كونية، ورغم هذا صمدت.

قامت الثورة سلمية، تطالب بالحرية والعدل والكرامة، ولما كان نظام البطش والإرهاب والإجرام في سورية لا يفهم سوى لغة واحدة في التعامل مع مخالفيه - وهي لغة القمع والقتل وإرهاب السلطة - لم يكن منه إلا أن سلط شبيحته وجلاوزته وأجهزته الباطشة القامعة، على أبناء هذا الشعب الثائر، فارتكب مجازر وحشية، وما الكيماوي إلا مفردة من مفردات الفظائع، التي ارتكبها هؤلاء المجرمون، في ذلك البلد الميمون واجه الشعب القتل والإجرام بصبر وتحدٍّ، وصمد أمام آلة إرهاب النظام صموداً عجباً، رغم جسامة الخطب، وفاتورة الموقف الباهظة.

ثورة فوق التصنيف

ظن النظام إن هي إلا أيام، ثم يقضي على هذه الثورة، فهذا خياره، وليس في أجندته أي خيار آخر، فصار يتخبط في توصيف هذه الثورة، وينعت أصحابها بنعوت مضحكة، وشر البلية ما يضحك؛ تارة يقول عنهم: مندسون، وأخرى عملاء، وثالثة سلفية، ورابعة إخوان، وخامسة وسادسة.. ولكن الوقائع أكدت أن هذه الثورة الشعبية العارمة فوق التصنيف، وأكبر من أن يستأصلها هذا النظام - كما زعم - بين عشية وضحاها، وإن الذين خرجوا ثائرين مستعدون للتضحية بالغالي والرخيص، حتى يتحقق ما من أجله خرجوا، فتكسر النظام على صخرة صمود هذا الشعب الميمون.

ولما رأى نظام «الولي الفقيه» صاحب المشروع الخطر، والمخطط والهدام، حليف نظام سورية الإستراتيجي، يتهاوى أمام صلابة ثورة الشعب، تدخل حتى ينقذ النظام من السقوط، لأنه يشعر أنه بسقوط نظام البغي في سورية سينقصم ظهره، وينكسر العمود الفقري لمشروعه الطائفي، ولو لم يتدخلوا لسقط النظام خلال فترة وجيزة، وفعلاً دخل نظام الجريمة في إيران المعركة بكل لوازمها، وزج بإمكاناته كافة، وحرك أذرعه السيئة في كل مكان، من أمثال «حزب الله» اللبناني، وقائده مجرم الحرب نصر الله، وكتائب طائفية قدمت من العراق، ومن بعض البلدان الأخرى، من الموالين لنظام الولي الفقيه لمساندة النظام، وارتكاب أبشع الجرائم بحق أبناء الشعب السوري في القصير والقلمون، وغيرها من البلدات السورية.

من هنا نعرف حجم الجريمة التي ارتكبها نظام إيران، بحق أبناء الشعب السوري وثورته المباركة؛ مما حفر في ذاكرة السوريين حقيقة هذه المأساة بكل مفرداتها، لتكون ثقافة أجيال قادمة في عالم المصاب الأليم.

لكن نظام إيران وأذرعه الإجرامية لم يكن الطريق أمامها سهلاً، ولا طريقاً مفروشاً بالورود، أو معبَّداً بالرياحين، وكانوا يظنون كذلك، حتى تبجح حسن نصر الله مراراً وتكراراً بقواته «الباسلة»! وبأنها سوف تسحق التكفيريين، وستصنع عجائب النصر! وكانت المفاجأة لهم أن وجدوا أبطالاً صدموا بثبات الثوار وصبرهم، وجهادهم ورباطهم، وقوتهم وتضحيتهم، وصارت قوافل توابيت قتلى الغزاة الظالمين المعتدين تترا إلى الضاحية الجنوبية، فوجاً إثر فوج، والنوح في كل بيت، فخاب فألهم، واندحروا خائبين، وانهزموا شر هزيمة، بعد أعوام من القتال الذي لا يبقي ولا يذر، رغم أنهم سخرت لهم جميعاً أموال دولة نظام إيران، ومما يجبى من خمس المرجعيات الظلامية.

همجية الدب الروسي

وعجز النظام وحلفاؤه الطائفيون أن يقضوا على الثورة ويستأصلوها، كما زعموا، بعد ذلك عقدوا معاهدة فاجرة مع نظام روسيا؛ من أجل أن ينقذ الموقف؛ لأن النظام الروسي تحت يده دولة عظمى، وترسانة أسلحة، لا تبقي ولا تذر، وهو ثاني أكبر قوة في العالم، ومن الدول الخمس دائمة العضوية، هنا لجأ رأس النظام، ومن معه من ناسجي خيوط عناكب الفتنة، إلى أسلوب الخيانة العظمى، وطريقة الغدر الأكبر، باستقدام الروس؛ حتى يحققوا لهم ما يصبون إليه، وصارت آلة الطائفيين تنشر خرافاتها عن فضل الروس، أنصار الحسين وآل البيت، وحملة راية رفع المظلومية.

وجاء الدب الروسي بهمجيته المعهودة، وقسوته المعروفة، ونفسيته السادية المعلومة، وأدواته الفتاكة، ووسائله الحديثة، وصاروا يصبون جام غضبهم على أبناء الشعب السوري من المدنيين، وعلى كتائب الجيش الحر، وكتائب الثوار من الذين خرجوا يبحثون عن الحرية والعدل والكرامة، بينما «داعش» الذي جاء بحجته، لم ينله منه شيء، بل ظهر التنسيق بينهم وبينه، كما وضح الترتيب الدقيق بينهم وبين النظام.

إن الروس قتلوا كثيراً، وهذا واضح، خصوصاً من الأطفال والنساء والشيوخ، وهناك أسر بكامل أفرادها ذهبوا ضحية قصفهم الظالم، والروس استطاعوا أن يدمروا كثيراً من منازل المواطنين، وفعلاً عملوا على تخريب ما بقي من بنية تحتية، وهذا أمر مرصود وموثق، ونتيجة قصفهم الهمجي رحل مئات الألوف عن بلدانهم، وصاروا نازحين على الحدود التركية، كل هذا حصل، ولكن هل استطاع الروس - رغم جرائمهم الفظيعة - أن يسقطوا الثورة، أو أن يقضوا عليها؟ سؤال غاية في الأهمية.

والجواب عنه واضح لمن يرقب المشهد عن كثب، هو أن الثورة مستمرة، والصمود شعارهم، والاستعداد للتضحية دثارهم، فهم صامدون حتى يتحقق النصر، وتقوم دولة العدل والحرية والكرامة في سورية.

دورنا المنتظر

إن صمود هذا الشعب وتضحيته ثمنه باهظ، والشعب السوري ينتظر من العرب والمسلمين وأحرار العالم أن يقفوا إلى جانبه، في مشروعه الحضاري، الذي يطالبون به، وينادون بمبادئه، ومما يريدونه:

- ألا ينسى كل مسلم على وجه الأرض الدعاء لأبناء الشعب السوري وثورته المباركة؛ حتى يتحقق النصر على المعتدين، ويقيموا دولتهم المنشودة، التي عنوانها العدل الذي هو جماع الحسنات، وأقترح عليكم هذا الورد اليومي، ترددونه صباح مساء: «اللهم انصر شعب سورية على القوم الظالمين المعتدين يا منتقم يا جبار، اللهم انصر من نصر شعب سورية، وارفع عنه الويل والضيم، يا رب أيد ثورة هذا الشعب بجند من جندك يا كريم، اللهم ارفع البلاء عن شعب سورية، اللهم ارحم شهداءهم، واشف جرحاهم، وآوِ مهاجريهم ونازحيهم ولاجئيهم ومشرديهم، وأطلق سراح أسراهم، برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم كن مع الأرامل واليتامى والضعفاء، يا من بيده كل شيء، وهو على كل شيء قدير».

- قف مع هذا الشعب الصامد، ولو بشطر كلمة، تناصرهم بها، فرب كلمة لا تلقي لها بالاً تكون سبباً في خير كثير، اكتب مقالة، أو تغريدة، أو قصيدة، أو غير ذلك من جهاد الكلمة.

- الجمعيات والمؤسسات التي تعمل من أجل هذا الشعب الصابر المصابر المرابط، كثيرة - بفضل الله تعالى - فتعاونوا معهم في المجالات كافة؛ فالأمر لا يقتصر على المأوى والطعام والشراب - رغم أهمية هذا الجانب - ولكن دعم مشاريع التنمية والتعليم والدعوة من المشاريع المهمة.

- الإعلام جيش جرار مهم، فلا بد من تخصيص مساحات واسعة لقضية هذا الشعب تتناسب مع حجم المشروع، وعظم الكارثة، ولا يصح أن تغيب القضية السورية عن الإعلام ساعة من ليل أو نهار.

- كونوا سفراء خير أينما كنتم وحيث حللتم لهذا الشعب المنكوب، وهذه الثورة المباركة، تذبون عنه كيد الكائدين، وشائعات المغرضين، وتشويه المشوهين، وطعن الطاعنين، وتلفيق الملفقين، فالأعداء كثر، وغفلة الصالحين مشكلة كبيرة، فالتحديات لا يستهان بها، والعقبات تحتاج إلى تعاون كي نتجاوزها، ولسان أبناء سورية يردد: «إنا صامدون».

وأنتم يا أبناء شعب سورية، اعلموا أن الأيام حبالى بتحديات جسام، وعقبات كبار، تكون مخاضاً لميلاد مبارك، بعون الله تعالى، وهذا يرتب عليكم جملة من الواجبات، ويلزمكم بمجموعة من المهمات، منها أن وحِّدوا صفوفكم، واجمعوا كلمتكم، ورتبوا أولوياتكم، أعمِلوا قواعد الشورى، واتركوا الفردية والأنانية، وخططوا بشكل علمي، واحذروا الارتجال، وردود الأفعال، وضعوا المرء المناسب في المكان المناسب، وابتعدوا عن المحسوبية والشللية والمحاباة، وخذوا بالأسباب في كل أبوابها، وعليكم بطاعة الله تعالى، واجتنبوا معصيته، وعماد النجاح بناء المشروع بلغة العمل الجماعي.

الأربعاء, 03 فبراير 2016 08:42

حماة.. يا أنشودة الربيع

على أبواب الحرية، التي بكل يد مضرجة تدق، أبطال نذروا حياتهم للحق، من الذين لم يسكتوا، ولم يكونوا شياطين خرس، كانت حماة، وكان ميلاد ربيع العرب المبكر، ومفتاح ثورة كرامة، كانت مشعل نور، يضيء للقادمين دروب الرجاء، وركائز بناء في عالم  متغير.

ما كتب لها البقاء، وتركت في صفحة الزمان حسرة خذلان، من خذلوا، من دول، ومؤسسات دولية، ومجتمع عالمي، وكثير من أبناء سورية، الذين ما قاموا بما يجب، وتحول ذلك الألم الباطن، إلى أنشودة تردد مع الزمان المتطاول، (عذراً حماة)، ولات ساعة مندم.

في وقت نسي بعض الناس فيه إنسانيتهم، تأتي ذكرى الألم والمأساة، ذكرى رائحة الدم، التي ما زالت تفوح في كل زاوية، وفي كل صفحة، وفي كل قلب حي، وفي كل ضمير يقظ، وفي كل مؤسسة نزيهة، وفي كل محفل يحترم نفسه، وفي كل كتاب يكتب تاريخ أمة في قرن، ذكرى الدمار والخراب والوحشية، ذكرى الطاغوت والإجرام وفقدان الرحمة، ذكرى الاستبداد والعدوان، وبنفس الوقت، تسطر الوقائع، ذكرى الجهات التي تكيل بعدة مكاييل، في السياسة والحقوق، وكأن الأمر نزهة، أو فيلماً سينمائياً، قضى هواة التفرج شهوة النظر عندهم، حتى نشفت شفاههم من بقيا بذور "قرشوها" في غفلة الزمان والمكان والسوق والحارة، بل والمسجد، وقاعة النظافة.

واسترخى الساديون على ألوان الكارثة، يجلسون على بساط الضياع، ويتكئون على فرش الشرود والتيه، وقد سرح خيالهم الفاسد، على أمواج أثير، من نسيج دم يتدفق، وصراخ يشق الأفق، ربما كان سببه قذيفة عمياء، أو قطع يد امرأة لتخليص الحلي الذي في يدها، أو ذبح ولد أمام أبيه أو أمه، أو العكس، والمظلوم يدعو على الظالمين المجرمين، وأنات أصوات من يتموا، تخترق عباب الوهم، لتصك آذاناً صماً، وتهز من فيه بقية من إيمان ووجدان، ورؤية تتفتق منها سحب مستقبل يشي بالخلاص، وآهات تزفر مرددة في أصداء من يسمع الصوت: قادمون، عائدون، وأنتم يا أعداء الإنسانية مهزومون، مندحرون، مهما طال الزمن، وانتشر المنون، وكأنها تتنبأ بثورة شعب شاملة، من خلال قراءة استشراف، نطقت بخطته الفطرة؛ (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ {227}‏) (الشعراء).

نساء تستغيث، أطفال تصرخ، شيوخ تجأر، وقد رسمت لوحة من نشيد حزين، فيه بحة من فيه بقية حياة، ليبقى على درب الصالحين، ومنوال المجاهدين، ودرب المناضلين، ولسان الحال: نحن لا نيأس، لنا الأجر على كل حال، ومهما كان المآل، فهذا دربنا، عليه نمضي، وفي نهايته تكون البشرى، إن صبرنا وثبتنا، ويخسر الخاسرون، الذين شدو رحال الانكسار، في بيداء الجريمة؛ (إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ {87}) (يوسف).

إنها ذكرى مأساة حماة عام 1982م، بما حصل فيها من قتل وجرائم، وتدمير وتخريب، فاق التصور، وأدهش الغيارى، واليوم صار المشهد في كل سورية، فهل يجدي النحيب، أم لا بد من برنامج مناصرة لهذا الشعب الجريح؟! فأين من يشعر بالواجب؟ ويقوم بما عليه؟! ووصل الأمر إلى الموت جوعاً، مع ملايين النازحين والمشردين، ومئات الألوف من اليتامى والأرامل والمعتقلين، براميل، وصواريخ، وأسلحة محرمة دولياً، الكيماوي واحد منها، أما الشهداء من الكبار والصغار، والذكور والإناث، فحدث ولا حرج، والإحصاءات في هذا المجال مرعبة، فهل من قائل: لبيك سورية، ليثبت هذا الشعب على أرضه، حتى ينتصر على جلاديه وظالميه ومحتليه؛ "ومن كان في حاجة أخيه؛ كان الله في حاجته".

الأحد, 24 يناير 2016 18:27

جوع وسجن وحصار

ونحن في موسم الجوع العظيم، الذي يقضي على جماعة من أبناء المسلمين، في عدة بقاع من هذه الأرض، نذكر منها غزة وبورما ودير الزور ومضايا والزبداني وعموم مناطق الغوطة، وديالى والمقدادية، جوع وحصار يندى له جبين الإنسانية، وفي زمن كثر فيه الكلام عن حقوق الإنسان، منظمات تعمل، ومؤسسات ينفق عليها الملايين، صراخ وعويل، ملفات وتحقيقات، إعلام يطبل، وأفلام تزمر، ونشرات وكتب، ولكن الثمرة، الجوع يزداد، ويحكم الحصار، ويكثر الموتى جوعاً، وينفرد الطاغوت بالبطولات، وهذا من أغرب غريب هذه الموازين المختلة، وتعدد المكاييل المنحلة، فلا نامت أعين الجبناء.

وفي حديث كهذا، لا يمكن أن ننسى، الحصار والجوع، لأهلنا الفلسطينيين في مخيم اليرموك، حيث فرض الحصار، وأطبق طوق الجريمة على أبناء فلسطين الأحرار، الذين أبوا أن يكونوا لعبة بيد الجلاد، على ضحيته، فضربوا أروع مثال بالوفاء لهذا الشعب السوري الغيور الأبي، فكانت ضريبة ذلك، أن فعل بهم ما فعل، وقضى جماعات منهم جوعاً، فإذا هي مدرسة شر متكررة، وانتبهوا جيداً، هذا ما يفعل بالشعب الفلسطيني البطل، على أيدي مدعي المقاومة والممانعة، والذين يتشدقون بفلسطين، وبحقوق الشعب الفلسطيني! يا جماعة كفى ضحكاً على الدقون، وكفوا عن هرائكم هذا، فقد سقطت ورقة التوت، وانكشف المستور للقاصي والداني.

ومدرسة الإجرام هذه، هي نفسها، التي حاصرت طرابلس الشام، في يوم من الأيام، لأنها أبت أن تذل، وطبقت عليها قانون الشيطان، في التجويع للتركيع، ولكنهم صبروا وثبتوا، رغم أنهم أكلوا القطط والكلاب، في بعض الأحيان، وكانت النهاية في فرج من الله تعالى.

ويسوقنا هذا إلى تذكر من قضى جوعاً بسجن تدمر سيئ الذكر، في ثمانينيات القرن الماضي، حيث أدخل إليه خيرة أبناء الشعب السوري، من الأحرار المثقفين، والنبلاء والعلماء، والصالحين من عباد الله، ليفعل بهذه المجموعات من الأبرار، ما لا يصدقه عقل، ولا يستوعبه ضمير إنسان، واقرأ إن شئت كتاب "تدمر شاهد ومشهود"، أو كتاب "القوقعة" لعل بعض الصورة تصل إليك.

وهذا يدفعنا نحو تحليل ظاهرة الجوع، ومعرفة أسبابها، ولما نبحث عن هذا الأمر في كتب السياسة والاجتماع والجغرافيا والتاريخ، يذكرون منها الجفاف والحروب، وبعد المسافات، وضعف الموارد، وغير ذلك، أما أن يكون الجوع لأسباب سياسية تتعلق بالاستبداد لم أرَ من يذكر هذا إلا في عصرنا الحاضر، أما أن يكون سبب الجوع سجون الطغاة، فهذا قل من يذكره، أما أن يكون الجوع بسبب التآمر على شعب، هذا غاب عن قاموس أهل البحوث والدراسات، وعودة إلى سجن تدمر، لتعرف حقيقة ما كان يجري، بصورة من صور مشاهده المؤلمة الكثيرة، وهذه واحدة منها، لم يكتفوا بالتعذيب ليل نهار، ولم يقتصروا على الحرب النفسية، ولم يحصروا عطاءهم على فتات الطعام الذي كانوا يقدمونه لهم، ولم يحصروا حسرة المسجونين المظلومين بأن أحداً لم يرهم، من قريب أو صديق، أب أو أم أو زوجة، أو... أو..، بل مرت فترة عليهم أن جاعوا حتى قضى قسم منهم جوعاً، سجن وجوع، وهنا تبرز ثنائيات فلسفة الجوع، حصار وجوع، سجن وجوع، دم وجوع، خوف وجوع، هم وجوع، موت وجوع، قصف وجوع، ظلام وجوع، رعب وجوع، قهر وجوع، هنيئاً لصناع السينما، صارت بين أيديهم مادة دسمة، لأحسن الأفلام، فنرجو ألا يشكوا بعد اليوم من أزمة النصوص.

وفي سجن تدمر يتحدثون عن سوء التغذية، فيا أسفاه على خبره، وما نتج عنه من أمراض وكوارث ومصائب، ليس مرض السل إلاً واحداً منها، غصة، ألم، حسرة، ضيق، تجتمع في النفس مع الصبر، وترديد الحوقلة والحسبلة، لنقول: في أي زمن نحن؟ وفي أي عالم نعيش؟ ألا لعنة الله على الظالمين؛ "دخلت امرأة النار في هرة حبستها، فلا هي أطعمتها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض".

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top