د. عامر البوسلامة

د. عامر البوسلامة

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
الثلاثاء, 10 أبريل 2018 11:05

البعد الطائفي في القضية السورية

 الشعب السوري لا يعرف الطائفية، ولم يمارسها سلباً، رغم وجود الحالة المذهبية، والتعدد الديني منذ مئات السنين، والمجتمع السوري -عبر التاريخ- مجتمع متعايش، أبناؤه ارتضوا الحياة معاً، وفيه مسلمون وغير مسلمين، وهم متجاورون طابع بلاد سورية أنها بلاد سنية من باب الأكثرية، ودمشق عاصمة الحضارة الأموية، في بُعدها المعرفي الإسلامي، وتاريخها السياسي والثقافي، ولكن هذه الحقيقة صارت عامل مسؤولية، ترتب عليها أن يكون أبناء هذا البلد على عاتقهم أمانة الاستقرار المجتمعي، والأمان الحياتي، ولم تكن حقيقة الأكثرية وطابعها الأموي سبباً في نشوء نتوءات ما لا تحمد عقباه في هذا الشأن، من طائفية حارقة، أو عدوان على أقلية لأنها أقلية.

وكانت تجربة السياسي الوطني فارس الخوري، وتعاضده مع سائر أبناء الشعب السوري، ومنهم السباعي، والزرقا، والمبارك، والبيطار، والدواليبي، خير مثال على حقيقة هذا التعايش، وأوضح مثال على عدم وجود مشكلة في هذا المجال الذي ندندن حوله، وهذه التجربة بكل توسعاتها تحتاج إلى تأمل دقيق، وإعادة إنتاج للتجربة، رغم كل التخريب المنظم الذي جاء به نظام السوء والظلم والفجور والفتنة والضياع.

بداية إيقاظ الفتنة

جاء هذا النظام الفاجر المجرم، وتسلم زمام السلطة «حافظ الأسد» الذي ينتمي إلى الطائفة النصيرية (العلوية)؛ فهيج غبار نتن الطائفية، وحرك فحيح سمومها، ونسج خيوط ظلامها، ببرنامج عمل هدام، وخطة تخريبية، ما زال الشعب السوري إلى يومنا هذا يعاني من ويلاتها، وأخذ يحدث الشروخ داخل المجتمع السوري، ويثير الحساسيات، ويختلق الإشكالات، ويصطنع المشكلات، ويرسخ الفتن، فكان من منهجه أن اعتمد الطائفية طريقاً للسيطرة على مقاليد السلطة، وجعل مفاصل الدولة بيد الطائفيين، وفي المجالات المركزية كافة، وقدم كثيراً من أقربائه من أبناء الطائفة، ليكونوا نسيج الحكم، ويمثلوا القبضة الحديدية التي تمسك بزمام السلطة، وركز كثيراً على المنظومة العسكرية والأمنية والإعلامية والاقتصادية، ومع الأيام –وما زالت– تبرز أسماء فاجرة عاثت في السابق أيام جبروت رفعت الأسد، وما فعله بتدمر وحماة، وما كان منه في باقي المحافظات أيام السرايا التي كانت تدار من قبله، وما نزع الحجاب من على رؤوس المحجبات في شوارع دمشق عنا ببعيد. 

ومن تمام اللعبة أن ترك نظام الطائفية شكل الأمر وصورته لجماعات يحسبون على أسر أهل السُّنة، ورغم هذا وفي هذا الشكل لم يقدم إلا من كان موالياً له مائة في المائة، ومن لعب بذنبه، ولو من باب التمطي وأخذ فسحة اللعب، فلا يلومن إلا نفسه، والشواهد في هذا يطول ذكرها.

وكان نصيب الآخرين من أبناء الشعب السوري، وفي المقدمة منهم أبناء أهل السُّنة، التهميش والإقصاء، والفصل من الوظائف، والتسريح من الجيش، والسجون والإعدامات، والتهجير المباشر وغير المباشر، وسياسات التضييق على سائر أبناء الشعب السوري، شاهد السر والعلن، على طريقة العمل لهذا النظام.

وكنموذج على هذا، يذكر رائد الفضاء محمد فارس، أنه لما تولى إدارة المعهد الجوي لتدريب الطيارين، كان سبعون بالمائة من الطلاب المتدربين من الطائفة، وثلاثون بالمائة لباقي أبناء سورية، بمن فيهم أبناء الأكثرية السُّنية. 

وفتحت السجون أبوابها لكل حر شريف عمل على التصدي لجرائم طائفية هذا النظام، أو نبس ببنت شفة معارضاً للنظام الطائفي، ومن يمر على كتاب “القوقعة” ليقرأ تجربة رجل مسيحي دخل السجن، حيث سطر حقائق الطغيان وحكى قصة تكميم الأفواه، والتعذيب المنظم، وإذلال الناس، فمنهم من قضى تحت التعذيب، وبعضهم فقد بعض أعضائه، وتركت بصمات الأسى ندباتها على متفرقات جسده وأحاسيسه ومشاعره، وصنعت هذه الوقائع ذاكرة جديدة، تمثل مفصلاً من مفاصل الأيام في تاريخ سورية، وكثير من هؤلاء الأحرار علقوا على أعواد المشانق، في جو عام يشهد بطائفية نظام منتقم، يحمل في جعبة تاريخه حقداً ظلامياً، ونفسية سادية، تفوح روائح نتنها من دهاليز الضغينة المرة، فصار أصحابها، لا همّ لهم سوى إرواء نهمهم الشهوي بكل أبعاده، وسائر صوره، ومن اقترب من هذا السياج فليس له سوى الحرق.

نذر الثورة المباركة

وإمعاناً في إغراق البلد في الطائفية، عمل «حافظ الأسد» ونظامه الطائفي على بناء علاقة قوية مع نظام الملالي في طهران، لتنسج مرحلة سوداوية، تراكم بعضها فوق بعض، لتشكل حالة من الويل القادم، يعرفه الذين فهموا المشهد بدقة، وأخذ الوضع في سورية يتجه نحو الطائفية بلون مركز جديد، عمل على تمكين الطائفيين من الذين ينتمون إلى تشكيل الولي الفقيه، خصوصاً في الجانب الاقتصادي، والعمل على نشر «التشيع» في ربوع سورية، وظهرت نذر الخطر، وتعمق الجرح، ونادت كتائب الفطرة، أن لا بد من نهاية لهذا الفساد والإجرام والقتل ونهب الثروة والاستئثار بالسلطة، والطائفية التي تمارس من طرف هذا النظام الطغياني، على شعب لا يحب الطائفية ولا يريدها، أما وقد بلغ السيل الزبى فلا بد من الثورة.

قامت ثورة شعبنا (15/3/2011م) حيث مهدها الأول في درعا وشعبها الأصيل، وكان موقد شرارتها أطفال درعا الأباة، حتى عمت الثورة جل ربوع البلاد السورية، تطالب بالإصلاح في بداية الأمر، وكانت سلمية بامتياز، ولم يرفع فيها شعار واحد يشي بطائفية، ورغم هذا قوبلت بالحديد والنار، بلغة مليئة بالحقد الدفين، الذي صار يصب فوق رؤوس شعبنا حمماً، لكن من بركان زفرات  الطائفيين، وهنا يظهر محور الشر ودوره التخريبي، في تدمير البلد، وقتل البشر، وتشريدهم، نحو تغيير ديمجرافي ممنهج يخدم أجندات الولي الفقيه، الذي عاث في الأرض فساداً، فاستنفر كل طاقات نظامه، وبذل كل ما يملك، حضوراً في معركة ليس لها عنوان سوى حمى الطائفية، بداية من الشعارات الخطرة، التي وسمت حراكهم بوسم الفساد، حيث صاروا يصيحون “يا لثارات الحسين”، وسموا كتائب قتالهم الظالم بشارات “الفاطميون” و”الزينبيون” والسيدة فاطمة والسيدة زينب، وآل البيت منهم براء، وأهل سورية يحبون الآل والأصحاب، ولا يفرقون بينهم، ويقولون عنهم: رضي الله عنهم جميعاً.

وأول بوادر التدخل كانت بإدخال مليشيات تدعي حماية ضريح السيدة زينب، إن هي إلا ذريعة كاذبة، وحجة مكشوفة، فقبر السيدة زينب له مئات السنين بدمشق، ولم يعتد عليه أحد في يوم من الأيام، وأهل سورية يحبون السيدة، وما عرفنا هذا الهراء الذي صار يتهم به شعب سورية، إلا لما ظهر هذا النظام الطائفي، وتحالف مع أعوانه الضالين المضلين.

التدخل الطائفي

ثم لما شعر نظام إيران أن نظام سورية صار يترنح، وهو قاب قوسين أو أدنى من السقوط، بفعل ثورة الشعب، هنا رسم خطته، وأدخل كتائبه الطائفية، من كل حدب وصوب، بإشراف الحرس الثوري الإيراني، وقائده قاسم سليماني، الذي ظهر يتبختر على إثر سيطرة القوى الطائفية على حلب، بفعل دمار ممنهج من القوات الروسية الغازية.      

فكان “حزب الله” اللبناني وكذا العراقي، في مقدمة القوى الطائفية التي ارتكبت مجازر بحق أبناء الشعب السوري، وشارك في الإجرام المنظم والإرهاب العريض كتائب من الطائفيين، منها لواء أبي الفضل العباس، وعصائب أهل الحق، وحزب النجباء، وفيلق الوعد الصادق، وهم عبارة عن تجمع طائفي من بلدان مختلفة.

ومن مخاطر البعد الطائفي الذي يمارسه النظام، ومن سانده، من الطائفيين وغيرهم، تلك الجريمة التي تمارس على الأرض، ألا وهي قضية “التغيير الديمجرافي”، وذلك عن طريق ترحيل أبناء أهل السُّنة وتهجيرهم من ديارهم، وإحلال طائفيين مكانهم، أو التجهيز لذلك الإحلال، وارتكبت فظائع في هذا المجال، ومنها ذاك الذي حدث في داريا، وما قصة “الباصات الخضر” عن وسائل الإعلام عنا ببعيد، حيث كانت تنقل الناس من مكان إلى مكان، ومن بلد إلى بلد، وهذا يعكس صورة مؤلمة ومحزنة ومقلقة، كما حدث في حلب، ووادي بردى، والزبداني، ومضايا، وغيرها من المواقع الجغرافية، حتى صار رأس النظام يباهي بهذا، ليصف المجتمع السوري -بعد عملية التغيير الديمجرافي– بأنه أكثر تجانساً، وهذا أمر خطر، وشأن دبر بليل، ويحتاج إلى جهود من أجل مقاومة هذا التغيير الديمجرافي.

ويلزم لمقاومة هذا الخطر الداهم أن يتعاون السوريون فيما بينهم، وتشجيع أصحاب مشاريع مواجهة هذا التغيير، وكذا الوصول إلى منظمة التعاون الإسلامي، ونخص بالذكر منهم بعض الدول ذات الاهتمام في هذا الجانب، بحكم جملة من الاعتبارات، ومنها تركيا، كما أن فضح هذا المشروع على المستوى العالمي، ووضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته، من واجبات الوقت.

هذا البعد الطائفي المحزن، الذي يمارس من طرف واحد، على شعبنا، قابله أهلنا من أبناء الثورة بشعارات الوحدة السورية الوطنية، واتفقت كلمة معارضته –وهي من كل أطياف الشعب السوري-  في الوثائق المعلنة على نبذ الطائفية، وأنها ليست بسبيل مستقيم، وهم يؤكدون أن الشعب السوري ليس طائفياً، وإنما الطائفية نبتت في تكوينات النظام السوري، وغذيت من مصادر النظام الإيراني، وأذرعه هنا وهناك.

ويبقى السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: إلى متى يظل شعبنا يذبح -على مرأى ومسمع كل العالم- من هؤلاء الطائفيين الإرهابيين شذاذ الآفاق، الذين لا خلاق لهم؟

 في هذا المقال، لا نتكلم عن التأصيل الشرعي للحوار، فهذا له وقت آخر، ومساحة ثانية، وهو موضوع ذو شجون، ويستحق أن نقف على منهجه الحضاري الإسلامي؛ ثقافة وممارسة، وإن كان هناك نتف من الكلام عن هذا الشأن بحكم ارتباط جزء من مقتضيات البحث بهذا الموضوع، ولكنا نتكلم عن الواقع المعاصر لمسألة التدافع والتغلب، التي أرى أن البحث فيها يتناول من ثلاثة محاور:

1- الذين يقولون بنظرية «نهاية التاريخ»؛ وهؤلاء يرون أن الرأسمالية الغربية قد انتصرت، وارتفعت وتمكنت وتغلبت وتعالت وتطاولت، وملكت وجمعت وقسمت وضربت، وتفوقت على كل الحضارات الأخرى، المعروفة على وجه الأرض، بما ملكت من وسائل القوة، وأدوات التمكين الحيوي، والشهود الحضاري، والعلوم الحاكمة، وآليات السيطرة، وقواعد الغلبة، في مجالات الحياة كافة، عسكرياً واقتصادياً وسياسياً وإعلامياً وتكنولوجياً وغير ذلك، وهذه المكنة دليل هيمنة كبرى في عالم تحكمه صراعات متنوعة، وإذا كان ذلك كذلك، فلا بد لكل البشرية أن تخضع لهذا الانتصار، غصباً عنها، وتعترف بهزيمتها غير المعلنة أمامه، من خلال مسار سلوك، وبرامج خضوع عملي، وتترك المكابرة الفلسفية، وتعيش الواقع، وتعترف بسواكن النفس فيها من هذا الإقرار، بلا لف ولا دوران، وتمارس ذلك بصمت عملي بتفاصيله، يكون دعم هذا الاعتراف الضمني ظاهراً وباطناً، ولا بأس بتغليف هذا الموضوع الشائك بأغلفة مناسبة، بحيث يمر الأمر بسلام، ويسمى الحدث بغير اسمه، والوقائع تلون بألوان ثانية، بحيث يخفف من حدة الحرج، والعبرة في نهاية المطاف للمعاني وليس للأشكال والمظاهر.

2- ومن ثم يصبح العالم كله يمضي على وتيرة واحدة، يرى بعين واحدة، ويقف على ساق واحدة، ويفكر بعقل واحد، بلغة أحادية القطب، فهو السيد وهو المطاع، وهو الآمر الناهي، في أسياسيات الحياة، فلا خصوصية لأحد، ويسمح في الخصوصية في أطر لا يكون لها تأثير على المسار العام، ولا حدود لهذا المنهج، فلا فوارق، ولا مفاصلة ولو بالجانب الشعوري، بل هي هيمنة عليا لسلطان العولمة، الواجب الحضور في كل مفاصل الحياة.

ويساعد على الاستسلام لهذه الحقيقة كما زعموا؛ أن أصبح العالم كأنه قرية واحدة، بما تحقق له من انفجار معرفي، واكتشاف علمي، وتقدم تكنولوجي، خصوصاً في هذا الإنتاج المذهل لوسائل الاتصال، وأدوات المواصلات، والاكتشافات العملاقة، في المجال العسكري، ومنها السلاح النووي المخيف، والصواريخ عابرة القارات المرعبة، وتفاصيل هذا تطول في تجليات الأمر من خلال عنوان عام يصطلح عليه بـ»عصر العولمة»؛ بحيث يكون العالم، كل العالم، على نمط واحد، وبرأس مدبر أصل في القيادة، فتكون عندنا العولمة السياسية، وثانية إعلامية، ومثلها العسكرية، وأخرى ثقافية ودينية، وكذا العولمة الاقتصادية، وهذا كله المقصود منه المفاصل الأساسية التي تكون على مدار عجلة الحياة، أما الفتات الذي لا يسمن ولا يغني من جوع، فهذا لا يقيمون له وزناً، ولا يلقون له بالاً، ويأذنون للآخرين أن يلعبوا في مربعاته، بكل أنواع اللعب، وسائر صنوف المباريات، وشعاراته العامة حقوق الإنسان، والمرأة والطفل، والتعددية، والمجتمع المدني، برؤية ثقافية خاصة، وأجندات لها عمقها المعرفي في دواوين «الأدلجة».

3- وهذا الفكر مرفوض رفضاً قاطعاً، بهذا الشمول الذي يذكر، وهذه الخطط التي ترسم، وهذه الممارسات التي يمضي عليها أصحابها، لأنه استعمار بأبشع صوره، من خلال لغة الغابة، التي يأكل فيها القوي الضعيف، وبالذات عندما تفتح حلبات الصراع بين هذه المكونات الحياتية، التي ما إن قبلت بهذا المبدأ، فإنها توقع على نفسها بالفناء المحتم، والهلاك الأكيد، والقصة طويلة.

صدام الحضارات

4-   الذي ألف كتاب «نهاية التاريخ» هو «فوكوياما»، الذي أكد الفكرة الأولى، التي تفرض خيار نهاية التاريخ، وضرورة تعامل كل دول العالم ومكوناته بلغة المنهزمين أمام عملاق الدنيا النموذج الرأسمالي، ومن نواقض هذه النظرية أن قام أستاذ «فوكوياما» الفيلسوف «صومايل هنتنجتون» بمعارضته معارضة كاملة، وألف كتاب «صدام الحضارات» وخلاصته:

التاريخ لم ينتهِ، بل تتنامى الحضارات الصدامية، وتتشعب نتوءات التنافس برؤوس الأبعاد الحضارية الحادة، التي لا يمكن القضاء عليها بشكل نهائي، وصورة ذوبانية، ومن يتصور أن العالم صار لقمة سائغة وإلى الأبد -نتيجة هذه العوامل والوسائل- فقد أخطأ وأبعد النجعة، فالأمر بالتأكيد ليس بالحالة الوردية التي يصورها أصحاب المذهب الأول.

ويرى هذا المفكر أن سمة المرحلة القادمة، ذات عنوان واحد، يتمثل في صراع قادم له منهج لا يعرف التعايش، ولا نمط التسليم، هو «صدام الحضارات»، فهناك الحضارة الغربية والصينية واليابانية والهندية والبوذية، وركز كثيراً على الحضارة الإسلامية، ومن تصور أن هذه الحضارات نامت، استعداداً لها لتذوب في عالم النموذج الرأسمالي العولمي، تمهيداً لوضعها في قائمة الحضارات التي بادت، فإنه لا يعرف التاريخ، ولم يقرأ الحاضر بدقة، ولم يستشرف المستقبل بآلياته العلمية، وهنا يطيب لي أن أثبت ملاحظتين:

الأولى: فهو إن أراد وقوع ذلك من باب استشراف المستقبل، فهذا له، ولا يحجر على أحد فيما يتوقع ويفكر ويقرأ ويحلل.

الثانية: وإن أراد الدعوة إلى هذا الصراع وتأجيجه، فهذا فيه نظر، وتختلف الرؤى حوله، لأنه بصراحة لو وقع سيباد العالم.

5- وهناك اتجاه ثالث في الغرب ينادي بحوار الحضارات، يقابل هذا الاتجاه تلك الاتجاهات العولمية المحمومة، من تجار الحروب، وعشاق المادة والذهب، وأحباب كسر رؤوس الآخرين، ومثلهم وفريق منهم الذين يحبون لون الدم، ويسعدون بإراقته، على موائد الفعل التغلبي العنصري، ورائد اتجاه «حوار الحضارات» المفكر المعروف الذي اعتنق الإسلام «روجيه جارودي»، ويوافقه عليه بعض ساسة الغرب ومفكريه، وهذا الاتجاه يرى التواصل مع الحضارات التي ذكرت في القسم الثاني، وغيرها مما لم يذكر، من خلال علاقات دولية متوازنة، لبناء حالة تفاهم على أساس القواسم المشتركة، بغية تجاوز الصدام، وتحقيق العيش المشترك، من خلال منظومة قواعد تعتمدها جميع المكونات، من أهمها: تأكيد قيمة السيادة للأمم والشعوب، ومنها الأمة العربية والإسلامية واحترام الخصوصية، لكل قوم هويتهم، وتبادل المصالح بمصالح، ورفض نظرية المصالح بالمبادئ، والتعاون في الملفات المشتركة التي يتوافق عليها أصحاب هذه الأمم.

دور الإسلاميين

6- دور الإسلاميين وأثرهم في هذه المرحلة؛ حيث إن لهم أهمية استثنائية، في هذه الخريطة المتشابكة الخطوط، والمتعارضة المصالح، خصوصاً بعد بعض التطورات التي أنتجت ما يعرف بالحرب على الإرهاب، الذي اختلط فيه الحق بالباطل، والخطأ بالصواب، وخلطت الأوراق خلطاً يشي –فعلاً– بصراع حضارات أو ثقافات أو عقائد، حتى صار الإرهاب ينسب للإسلام، بل تطاول كثير من أصحاب الاتجاه الأول –بصورة أو بأخرى– على الإسلام ونبي الإسلام صلى الله عليه وسلم وعلى القرآن الكريم، يتبعه عدوان فج على التاريخ الإسلامي.

من هنا وأمام هذه الصورة، أرى أن الإسلاميين تترتب عليهم جملة من الواجبات التي ينبغي أن يقوموا بها، كما عليهم أن يتخذوا بعض الإجراءات التي تساهم في إثبات الحضور لهذه الأمة الباقية، ما بقيت الحياة، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، لا تبطل دورها عولمة، ولا تلغي وجودها نشوة انتصار هنا أو هناك، فالحياة قلب، والأيام دول، والعالم على مفترق طرق.

ومن هذه الملامح التي ينبغي أن يؤكدها:

أولاً: ضرورة استكمال الدور الحضاري الدعوي الذي يقوم به الإسلاميون، وترتيبه أكثر، وتعميق مفاهيمه، وبث أصول هذه الدعوة بتعريف الناس بالإسلام، الذي يفهمه أهله بمنهجية سليمة، وفكر قوامه الوسطية الحقة، وبتوازن وشمول، واليوم يوم البيان لتعاليم الإسلام وعقيدته وشريعته، وهذه الساعة ساعة التعريف بالمشاريع الإسلامية التي ينادي بها أصحابها، كل ذلك بالحكمة والموعظة الحسنة، التي عُرف بها الإسلاميون الغيورون.

ثانياً: الحذر من الاستدراج –أمام هذه الضغوط الظالمة– التي تظهر نتن روائحها، في كل أرجاء المعمورة، ومنها الاتهام بالإرهاب، بل نقابل ذلك بالصبر، وضبط النفس، وترسيخ قيم التوازن، ونبذ الغلو.

ثالثاً: ترسيخ منهج الحوار، ومد جسور التواصل الحضاري في هذا الموضوع، لكل الناس، وبالذات منهم من له أثر فاعل في عالم التأثير، كالمراكز البحثية، وصناع القرار، والساسة والأحزاب، ومنظمات المجتمع المدني، وأساتذة الجامعات، والكتَّاب والإعلاميين، إلى غير ذلك من ركائز الفعل، في حياة الأمم والدول والمجتمعات.

رابعاً: من الضروري أن نعيش واقعنا بصورة علمية، ونفقه أدوات الفعل المثمر، وآليات عمله، ومواضع التأثير فيه، ونتعامل مع هذه المعرفة، بلغة الإفادة منها، فمن لا يعش واقعه، لا يفقهه، ومن لا يفقه واقعه سيكون حتماً في ذيل القافلة، في عالم السبب والسنن.

خامساً: الأمة فيها خير كثير، وثروات طائلة، على الإسلاميين أن يقوموا بدور المفعل لطاقات الأمة -بالتعاون مع كل الجهات الخيرة- والعمل على إعدادها لدورها المرتقب؛ فردياً وجماعياً، شعبياً ورسمياً، لتأكيد ضرورة الثبات، وحتمية الحضور، مع إنتاج مصانع القدرة على التحدي، بكل شعبها.

الإثنين, 07 أغسطس 2017 11:23

وسطية الإسلام أم الالتزام به

الوسطية خاصية من خصائص الإسلام، ومعلم من معالمه، وميزة راقية من مزاياه القيمة، بها كان الفرد المسلم الذي عرف الفضيلة بكل مناراتها، وبها نشأت الأسرة المحافظة المستقرة، وبها كان المجتمع المسلم الملتزم بقيم الرشاد، واستوعب كل شرائط النهوض المتحضر، وبها كانت الأمة التي أخرجت خير أمة، حيث شهودها الحضاري الذي ملأ جنبات الكون علماً وفضلاً وخيراً ونوراً، في ظلال خاصية وسطية الإسلام ظهرت أجيال المسلمين الأولى، التي تمثل خير القرون، وبقي الخير فيها وسيبقى.

الوسطية من المصطلحات التي كثر الخوض في معناها، ودخل فيها من المعاني الدخيلة، والفلسفات الغريبة، والتصورات البعيدة عن حقيقة ديننا، حيث شرق الناس وغربوا في توصيفها، والخوض في معانيها، خصوصاً أولئك الذين يصطادون في الماء العكر، ويريدون بالأمة الويل والثبور، وهم يعلمون - علم اليقين - أن عزَّنا ومجدنا، وكرامتنا وسؤددنا، يكمن في تمسُّكنا بهذا الدين، فهو الهوية التي تطبع حياتنا بكل معاني الخير والفضيلة، وتضفي على كل شيء فينا معالم النهوض، كيف لا ولب الأمر فيه قائمٌ على طاعة الله تعالى والبحث عن رضوانه؟ فإذا تحقق هذا لا شك ولا ريب سيكون عنوانَ مجد، وسبيل كرامة، وطريق حرية، ومنارة سؤدد.

وأعداء الأمة لا يريدون لها التمكين والنصر؛ لذا يعملون على إبعاد هذه الأمة عن هذا المنهج بكل ما أُوتوا من قوة؛ لأنه سبيل من سبل بقاء مصالحهم، واستمرار سيطرتهم على هذه الأمة.

ومن الأساليب التي يعتمدونها من أجل تحقيق هذا الغرض محاولةُ تشويه المفاهيم الإسلامية؛ حتى يحرفوا العربة عن مسارها الصحيح، وإن كان باسم الإسلام، وتحرير فهمه على الأصول التي ينبغي أن يفهم على ضوئها، هكذا زعموا، ولكن هيهات.

فهذا الدين باق، وأمة الإسلام – التي قد تمرض وقد تضعف – لا تموت، وباتت كلمة «المستقبل للإسلام»، و»المستقبل للأمة» من ثوابت الرؤية الحضارية الاجتماعية، فدوام الحال من المحال، والغد البسام قادم ينير دروب الرجاء في هذه الحياة.

الوسطية منهاج أصيل

وحصل أن اختلف علماؤنا الأفاضل، ومفكرونا الأكابر، في تحديد معنى الوسطية، وكان هذا سبيلاً من سبل الولوج إلى التحريف في المعنى من قِبَل أولئك المتربصين، الذين يريدون بالأمة الويل، والذين اعتادوا على لَيّ أعناق النصوص، وقراءتها بطريقة ظاهرُها فيه الثقافة والمعرفة، وباطنُها الويل والثبور.

ذلك أن هناك تياراً يريد أن يجعل مسألة “القراءة الثانية للنص” سبيلاً للهوى والتشهي، وطريقاً للطعن والتشوية والتحريف.

وزاد الطين بِلّة أن دخل على الخط الغلاة (المتطرفون) الذين أعطوا صورة عن المسألة، ملؤها الانغلاق والسوداوية، حيث التكفير غير المنضبط، والتفسيق بلا مبرر شرعي، والتبديع بلا دليل، والانكفاء على الذات من خلال مطويات لا تحمل معاني النشر، ومنشورات ليست قابلة للبقاء، فبرزت بمعنى شائه ومنفّر، لا يمت إلى الفهم الصحيح بصلة، ولا يعبر عن حقيقة المفاهيم الإسلامية، خالية من الشوائب التي علقت بها، من هنا أو هناك لسبب أو آخر، وبعضها مصنّع ومقصود، يهدف إلى صناعة هذه الصورة الذهنية المسيئة، وهذا ما جعل الأمر أكثر تعقيداً؛ حيث صار الصنف الأول يتخذهم مستنداً لكل ما يريد نقضه، ويعمل على حربه، في عالم العقائد والتصورات والسلوك.

فهناك من يفهم الوسطية على أنها التحلل من تكاليف الشريعة، والتنصل من أحكامها، والتمرد على قيمها؛ ومن ثَم التفلت منها.

ولا يريدون من الوسطية إلا هذا، وأي التزام صادق بالإسلام إنما هو “غلو وتطرف”، فمن قال: “آمنت بالله رباً وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً”؛ فليس وسطياً، وإن ظهر منه أي لون من ألوان التميز الإسلامي المتوازن التعايشي المندمج مع المجتمع وشُعب الحياة، قالوا عنه: إرهابي، وإن صلَّى الصلوات على وقتها فهذا من المتشددين، وإن ترك مائدة تدار عليها الخمر فهو من العصر الحجري، وإن كان ديدنه تحليلَ ما أحل الله وتحريم ما حرم فهذا لا يعيش عصره، ولا يفهم معنى التطور والحداثة، وإن رأوه متمسكاً بالسُّنة نبزوه بالألقاب الفظَّة الغليظة، أما إذا دعا إلى الالتزام بالإسلام عقيدة وشريعة فيا غارة الدين، ويا مصيبة الحياة!

فالويل كل الويل لمن كان ينطلق في رؤيته الفكرية من مرجعية إسلامية، فمن كان كذلك فهو ماضوي، وإن كان مشروعه السياسي متوافقاً مع مبادئ الإسلام فيوصَم بالأصولية، ويوصون بإقصائه، ومن ثَم فهو رجس من عمل “الإمبريالية!”، لا بد من القضاء عليه، والحذر منه، والعمل على توقيفه عند حده.

والمرأة إن تمسكت بدينها فتحجَّبت فهي متخلفة لا تستحق الحقوق، ولا يجوز أن تشارك في شُعب الحياة السياسية، والاجتماعية، والوظيفية التي تليق بها من كل الجوانب، ضمن الضوابط والقيود والحدود والأطر والمحددات الشرعية.

أما إذا لم تشارك في الحفلات الماجنة، والليالي الحمراء، والتجمعات الراقصة التي لا تُبقِي ولا تَذَر فهي معقدة، وتُشَن عليها الحملات، وتطلق بحقها الشائعات، وتحاك لها المؤامرات، ويا ويلها إن لم تَلِن وتخضع وتستسلم؛ لأنها ستلاقي - بعد ذلك - من العنت والضيق ما لا تحمد عقباه.. وهكذا، والتفصيل في هذا يطول.

وبالمختصر، قال قائلهم: الديمقراطية – وهو من عشاقها – التي تأتي بالإسلاميين لا أعرفها، وثورة تخرج من المساجد لا أصدق بها، وبرلمان يأتي بمحجبة لا أعترف به، وحكومة تُدخل فيها ملتحياً بالتأكيد أرفضها.. وهكذا.

الجنوح في تفسير الوسطية

وإن سألت أصحاب هذا الخلط: من هو الوسطي عندكم؟ لكان الجواب الواضح الصارخ:

الوسطي هو الذي يتمسك بقيم المعاصرة المجردة من الالتزام المسبق، ومفاهيم الفلسفة الحديثة التي لا ترتبط بالماضي، وترك الانغلاق، والانفتاح على التطور العقدي، والتعايش مع الحياة بكل ما فيها من لذة ومتعة وشهوة، والتفاعل مع مستجدات الحياة وتطوراتها، بكل ما تحمل من معاني الشهود، دون الرجوع إلى مصادر أخرى.

الوسطي ذلك الذي لا يتقيد بمنهج قديم، مهما كانت قدسية هذا المنهج، فيصبح قطعة من الماضي، ولا يدرك قيمة الحاضر.

الوسطي هو ذلك الذي ينظر إلى الدين نظرة احترام وتقدير، كما أنه يعترف بالقيم التاريخية لأي أمة من الأمم، دون أن يتعدى هذا الأمر هذه الصورة إلى غيرها من سبل العمل والتطبيق، فليس للماضي والقديم إلا الإكبار والاعتزاز، الذي يدفع نحو منظومة فكر جديدة، وصياغة سلوك حضاري يستمد حضوره من حضارات الآخرين، في عالم الإرث الإنساني العام الذي يؤدي إلى تشكيلة ثقافية، يعتقدها الناس كلهم.

الوسطي ذلك الذي لا يجمد على المألوف، ويتعامل مع النصوص بروحية القراءة الثانية، بعيداً عن قوالب القدامى وقواعدهم وقوانينهم، وضوابط الرواية والدراية، فإن هذه من المقعدات المحبطات، التي “تحجم” الباحث والمفكر، وتقتل روح الإبداع؛ لذا فالتحرر من هذه القوالب يدفع نحو فضاءات رحبة، تعطيك الفرصة لتجديد الفكر، والأخذ بأفكار الآخرين، والتعامل مع مناهجهم بلغة الانفتاح، بعيداً عن التعصب، أو حصر الحق عندك؛ ففي جعبة الأمم الأخرى، والحضارات المتعددة ما هو أحسن مما عندك، ويرفضون مقولة التمسك بالثوابت، والانفتاح على الآخرين بلغة “الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها”.

الوسطي هو ذلك الذي يعيش عصره بكل أبعاده، دون الانحياز إلى عقيدة مسبقة، أو فكرة بعينها، أو تمسك بقيمة تربى عليها، فكل شيء عنده قابل للأخذ والرد.

يقول الأستاذ فريد عبدالقادر في كتابه “الوسطية”: “وقد شاع كذلك عند كثير من الناس استعمال هذا الاصطلاح الرباني، استعمالاً فضفاضاً يلبس أي وضع أو عرف أو مسلك أرادوه، حتى أصبحت الوسطية في مفهومهم تعني التساهل والتنازل”.

الوسطية في الإسلام يمكن تعريفها بمقدمة ونتيجة:

أما المقدمة:

فقال تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً) (البقرة: 143).

قال العلماء: أي عدلاً خياراً.

فالوسطية تعني: العدل والخيرية في منهج الإسلام الحضاري الذي يقوم على التوازن، فهي خاصية الإسلام بالعدل؛ عدل على مستوى الفرد، والأسرة، والمجتمع، والدولة، والأمة، والإنسانية؛ إذ كل امرئ إذا ما انتظم في دين الله، والتزم بكتابه وسُنة نبيه صلى الله عليه وسلم كان متوازناً عدلاً، بعيداً عن الإفراط والتفريط، والغلو والتطرف، ينهج نهج التيسير والبشرى، والتبشير لا التنفير، والتسهيل لا التشديد، ويمضي على طريق العمل الصالح، والصراط المستقيم، وهذا التعريف بالنتيجة.

قال العلامة السعدي في تفسيره: «أي: عدلاً خياراً، وما عدا الوسط، فأطراف داخلة تحت الخطر، فجعل الله هذه الأمة وسطاً في كل أمور الدين».

 فالوسطية التزام بدين الله، من خلال فهم سليم وصحيح، ينتج كل خير وسؤدد وتوازن، وهي حالة حضارية قوامها الربانية وطاعة الله تعالى.

فالوسطية تمسك بالنص، بفهم سليم له.

وسطية حضارية، لا تؤمن بالعدوان ولا تريده، بل تخاصمه وتعاديه، لا تريد العدوان على النفس، ولا الأهل، ولا الجار، ولا الحاكم، ولا المحكوم، ولا المسلم، ولا غير المسلم، ولا البيئة، ولا الحيوان.. إلخ.

تعيش الواقع، وتلاحظ التطور، وتتفاعل مع المستجد، من خلال الأصول والثوابت، والذي لا يفقه واقعه لا يستحق أن يكون من صناع الحياة، ولا يمكن له أن يكون من مدرسة التجديد، ولا يوصف بصفة العلم؛ لأنه فقَدَ شرطاً من شروطه الأساسية.

وسطية تؤمن بإعطاء كل ذي حق حقَّه، وتشيع روح الأمن والأمان، والطمأنينة والاستقرار، والحرية والعدل، وقيم الحسن والجمال، بفقه مقاصدي راقٍ، ورقي يقدر حالات وأوضاع النواتج والمآلات، ويجيد ترتيب الأولويات، ويترك باب الاجتهاد مفتوحاً بضوابطه وأصوله لأهله، والمستكملين لشرائطه، والمالكين لأدواته، ولا يجعل الاجتهاد لمن هبّ ودبّ؛ حتى تتوازن الأمور، وينضبط السير، وينتفي الاضطراب.

وفي ختام هذه العجالة، يسأل بعض الشباب: هل هناك إسلام وسطي، وإسلام غير وسطي؟

الحقيقة الإسلام هو الإسلام، ولا أحب تجزئة معانيه بوصفه، حتى لا يظهر بمظهر وكأن الإسلام متعدد، فالإسلام واحد وله خصائص متعددة، فنقول: وسطية الإسلام، وأفضل ألا نقول: الإسلام الوسطي.

الثلاثاء, 11 أبريل 2017 09:50

العمل الإسلامي..وتزكية الأنفس

لم يكن عبثاً أن يكتب علماء الأمة سلفاً وخلفاً، هذا الكم الكبير، من الأسفار التي تُعنى بقضية تزكية الأنفس، وفقه القلوب، وعلم السلوك، والتحلي بالفضائل، والتخلي عن الرذائل، والاعتناء بمنظومة الأخلاق، التي يجب على المسلم أن يمتثلها في سلوكه، ويلتزم بها ظاهراً وباطناً.

بل كان هذا الأمر نابعاً من ضرورة شرعية، وحاجة واقعية، إنه معقد الأمل في الفلاح، وللمسلم خير زاد، وللداعية أعظم سلاح، ولأنه لا نجاة في الدنيا والآخرة إلا به.

لذا تجد الإمام ابن حزم كتب في هذا، ومثله الإمام ابن تيمية، وكذا الإمام ابن القيم في سفره النفيس «مدارج السالكين»، وهو كتاب موسوعي، في مجال التزكية، فريد في منهجه، عظيم في اختياراته، دقيق في توصيفاته، يمتاز بالتدقيق والتحقيق، والعناية بمنهج السلف الصالح، في هذا الميدان الخصب، والباب الرحب، وقد قام الأستاذ العزي باختصاره، والكتاب مطبوع متداول، ولعل كتاب الإمام الغزالي «إحياء علوم الدين» من أنفس الكتب التي اهتمت بهذا الجانب، وبغض النظر عن مادحيه وناقديه، فإنه يبقى علامة فارقة في عالم ما نذكر، وحتى يخرج الناس من دائرة الجدل في معادلة المدح والذم للكتاب، قامت جماعات من العلماء بأخذ زبدة ما في الكتاب من معاني الخير، ضمن نظرية تختلف من مدرسة إلى أخرى، إثباتاً لهذا المعنى الذي ندندن حوله.

فالإمام ابن الجوزي اختصره، وجاء من بعده الإمام ابن قدامة ليختصر المختصر، بكتاب نفيس يستحق أن يكون منهاجاً في الباب، وأن يعتمد كتاب درس في هذا الموضوع، وسمى كتابه «مختصر منهاج القاصدين»، وهو كتاب مطبوع متداول، ومن الجهود القيمة في استخلاص النافع المركز من «الإحياء» اختصار العلامة جمال الدين القاسمي، الموسوم بـ«سمير المؤمنين».

وهكذا من جيل إلى جيل، يُعتنى بالكتاب، حتى بالغ من بالغ بقوله: من لم يقرأ «الإحياء» فليس من الأحياء، إشارة إلى معنى أهمية تزكية الأنفس، في حياة المسلمين عامة، وطلاب العلم والدعاة والعاملين للإسلام خاصة، فممن نهض بخدمة الكتاب الشيخ سعيد حوى؛ حيث أخذ عصارة ما في الكتاب من خير، وما شعر بأنه يغطي هذا الجانب للعاملين للإسلام، وأضاف له بعض الإضافات، التي تضفي عليه صفة المعاصرة، جمعاً بينها وبين ما في كتب التراث من نوادر الكلم الطيب في هذا الباب، وسمى كتابه هذا «المستخلص في تزكية الأنفس».

أهمية التزكية في حياة الدعاة:

تزكية الأنفس لها أهمية بالغة في حياة المسلم عامة، والدعاة إلى الله تعالى، والعاملين للإسلام خاصة، ذلك أنها من سبل النجاة التي لا يمكن تحصيل الفلاح إلا بها، وتجعل المسلم على جادة الصواب، وتسوقه نحو سبل الفوز، وتبعده عن طرق الغواية، وترشده إلى ما فيه صلاحه، وتحذره من أسباب الضياع، فالذين يقولون ما لا يفعلون، هم من أهل النار، وأهل الأهواء هالكون، ومن فاتهم التحقق بمقام الإخلاص، لا يقبل منهم صغير ولا كبير من الأعمال، ومن في قلبه مرض، يكون على خطر عظيم، وهكذا، لذا كان من شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما لأجله بعث أن يزكي الأنفس، حتى تستقيم على منهاج الإيمان الحق.

قال تعالى: كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ {151}) (البقرة)، ثمَّ قال تعالى: (لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ {164) (آل عمران)، وقال عزَّ وجلَّ: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ {2}) (الجمعة).

وكان من ثمار تربية رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم أن وجد ذلك الجيل الرباني الفريد، جيل الصحابة الكرام – رضي الله تعالى عنهم جميعاً – الذين حازوا رتب التقدم في الخير، وارتقوا في مراتب البناء، حتى خلصت نفوسهم من حظوظ نفوسهم، بما لا مثيل له من جيل من أجيال الحياة، ويا له من جيل متكامل الجوانب، عظيم المعارف والمسالك، استطاع أن يغير وجه الدنيا، ويرسم ملامح تاريخ خالد، ويستشرف مستقبلاً زاهراً.

ومن خصائص هذا الجيل أنه يحمل إيماناً عميقاً، وعلماً واسعاً، وفهماً دقيقاً، وتربية ربانية، يعجز المرء في وصف حالها، فالمعاني الربانية التزكوية، ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها بحال، لأصحاب المشروع الإسلامي، والذين يتصدرون لخدمة هذا الدين.

كان عبدالله بن المبارك يقول: «من حمل القرآن ثمَّ مال بقلبه إلى الدنيا فقد اتخذ آيات الله هزواً، وإذا عصى حامل القرآن ربَّه ناداه القرآن في جوفه: والله ما لهذا حُمِلت، أين مواعظي وزواجري؟ وكل حرف مني يناديك ويقول: لا تعصِ ربَّك».

وكان الإمام أحمد بن حنبل إذا رأى طالب العلم لا يقوم من الليل يكف عن تعليمه، وقد بات عنده أب وعصمة ليلة من الليالي، فوضع له الإمام ماء للوضوء، ثمَّ جاءه قبل أن يؤذن للصبح فوجده نائماً، والماء بحاله فأيقظه.

وقال: لم جئت يا أبا عصمة؟ فقال: جئت أطلب الحديث.

قال: كيف تطلب الحديث وليس لك تهجد في الليل؟! اذهب من حيث جئت.

وكان الإمام الشافعي يقول: «ينبغي للعالم أن يكون له خبيئة من عمل صالح فيما بينه وبين الله تعالى، فإن كل ما ظهر للناس من علم أو عمل قليل النفع في الآخرة، وما رؤى أحدٌ في منامه فقال: غفر الله لي بعلمي إلا قليلٌ من الناس» (مقدمة المجموع للنووي).

جوانب النقص التي تحتاج إلى سد الخلل:

في غمرة الانهماك في العمل العام، والعمل السياسي، على وجه الخصوص، ينغمس – أحياناً – أبناء الدعوة والعمل الإسلامي في هذا الجانب انغماساً شديداً، ينسيهم الواجبات الأخرى التي عليهم أن يقوموا بها، وهنا يحدث نوع من الخلل، الذي يفقد أبناء الحركة خاصية التوازن التي تعتبر سمة أساسية من سمات المسلم الحق، والجماعة الراشدة، فلا عاد يلتفت لصلاة جماعة، وغاب ورده القرآني أو نقص، وربما كان النقص حاداً، ولسانه لم يعد يلهج بذكر الله، وقد تفوته قراءة المأثورات وأذكار الصباح والمساء، الهلال والهلالان.

بل – في بعض الحالات - يكون هناك ما هو أدهى وأمر، حيث تعشعش الأمراض التربوية القاتلة، في قلب هذا الداعية أو ذاك، وتظهر آثارها السيئة على جوارحه وسلوكه، فصارت تظهر عليه علائم الكذب، وأصبح كثير الغيبة، وربما نخر الحسد قلبه، فبات من الكائدين لإخوانه، ومن المكثرين للنجوى في الصف، أما النميمة فمن لوازم الغفلة، وأضحى تضخّم الذات عند هذا الأخ أو ذاك سمة بارزة، تظهر آثارها المرة على من حوله، من خلال نظرية «أنا أو الطوفان»، أو حب أن يمدح في عمل وما لم يعمل، تقوم الدنيا ولا تقعد إذا لم يدع لحفل أو لقاء، وهكذا.

عندما تغيب التربية الأصيلة، ويهمل فقه التزكية، تظهر نتوءات المرض، وتحيط بالدعوة الأخطار من كل حدب وصوب، ومن أبرز صور الظهور ذلك التساقط المريع على طريق الدعوة والعمل الإسلامي، الذي يعمل عمله في الفساد والتخريب، فهذا يسقط على أم رأسه، مع أول فتنة دنيوية تلوح له، وذاك ينتكس انتكاسة مريعة لمجرد أن يعرض عليه منصب من المناصب، وآخر باع دينه بدنياه، لأنه كان معروفاً عنه عرض «حب الظهور» الذي يقصم الظهور، ويقضم ملامح الخير، وذاك الذي صار بوق شر، لا همّ له إلا عداوة الحركة، والعمل الإسلامي المنظم، كما أن غياب الأخوة، وتحطم جسور الثقة، من أكبر عوامل التساقط، وحدوث الإرباك.   

والأصل  في فقه الدعوة أن نقوم بإعطاء كل ذي حق حقه، بحيث لا يطغى جانب على جانب، ولا يؤثر القيام بواجب على واجب آخر.

نسمع كثيراً عن «الحوكمة» وعن المحاسبة الإدارية، وعن المتابعة للعمل ضمن مقاييس الفعل الناجح، وهذا كلام جميل، ولكننا ننسى أحياناً محاسبة النفس وتزكيتها، ومتابعة السيرة والسلوك، والوقاية من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وهنا يكمن الخطر، ويكون الزلل. 

قال ابن القيم: فإن زكاة النفس وطهارتها موقوف على محاسبتها، فلا تزكو ولا تطهر ولا تصلح البتة إلا بمحاسبتها.. إلى أن قال: فبمحاسبتها يَطَّلِعُ على عيوبها ونقائصها؛ فيمكنه السعي في إصلاحها.

من هنا على الحركة الإسلامية أن تقوم بواجب العناية بجانب «تزكية الأنفس» من خلال منهج رائع، وربانيين يقومون على هذا الشأن، حتى يكون أبناء الحركة وجيلها الرباني المنشود، الذي ينادي بحق «الله غايتنا»، من الذين يعيشون معاني الذكر والشكر والإخلاص، والتفكر والصدق، والصفاء والنقاء، والأخوة، والزهد بمعناه الصحيح، والعيش في ظلال تذكر الموت والدار الآخرة، حتى يكون عندنا القائد الذي يعبد الله، لا الذي يعبد ذاته، والسياسي الرباني، الذي لا يغفل عن ذكر الله، والعامل في خدمة الحياة، بلا آفات لسان، والداعية الذي عاش معاني الأخوة، وفاحت طيب أخباره في تجليات معانيها، والحركي الذي لا يتطلع لجاه، ولا يبحث عن منصب، ولا يسيل لعابه من أجل لعاعات الدنيا ومفاتنها، وفي مثل هذه الأجواء الإيمانية، يتكون الجيل المنشود في النصر، وصناعة الحياة، على قيم الرشد، وتكون التربية الشاملة، أولوية في كل زمان ومكان، وهي المقدمة الصالحة لصلاح ما بعدها.

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top