د. عامر البوسلامة

د. عامر البوسلامة

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
الخميس, 17 مايو 2018 10:53

رمضان.. وصناعة الوعي

 

لقد جاء نبينا صلى الله عليه وسلم برسالته السمحة بيضاء نقية، لا يخالطها دخن، ولا يعتورها قصور، كيف لا! وكلها وحي من الله جل وعلا.

وفي أثناء المسيرة المليئة بالخيرات، تظهر مشكلة المشكلات، في عدم الفهم السليم لقيم الإسلام وقواعده وقوانينه، لأسباب كثيرة ليس مجال بيانها في هذه المقالة.

وهنا كان دور العلماء أن يقوموا بواجب البيان، لهذين الأصلين، فقعّدوا القواعد، وضبطوا المسار، وراقبوا الأمر عن كثب واهتمام، وأبدعوا في صناعة خرائط الاجتهاد والاستنباط والاستنتاج، حتى يبقى الناس على طريق السلامة، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين.

من محطات هذا المسار في الفهم الصحيح، شهر رمضان، هذا الشهر المبارك، الذي اختاره الله ليكون معلم خير، ومنارة فضيلة، وعنوان استئناف للحياة على قيم الرشد؛ (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ) (البقرة: 185).

مشكلتنا في كثير من عقول المسلمين في فهم رمضان وفقهه ومقاصده، وما فيه من أحكام وحكم، وأسرار وفضائل، حتى صار هذا الشهر الكريم، عند عامة الناس، في بعض بلاد المسلمين، عبارة عن موسم للطعام والشراب، والتفنن في موائد رمضان، والابتكار لأنواع الحلويات، ونصب الزينات، والمبالغة في الإضاءات، مع الاهتمام بالمسلسلات الرديئات، والمتابعات للمسليات التي تجعل في الأمة جيلاً من الغافلين والغافلات، والسهرات المهلكات، وذلك بسبب غياب الوعي عن هذا الشهر المبارك، رغم أنه جاء ليصنع الوعي في كل مفردة من مفرداته، وفقرة من فقراته، على مفاهيم الربانية، الجامعة لمنافع الدنيا والاستمتاع الحلال بها، وعمارتها بمخططات الفعل الحضاري، مع التحقق بمعنى تحصيل رضوان الله، فيسعد المرء في الدنيا، ويكون من أهل النجاة يوم لقاء الله.

جاء هذا الشهر بفريضة الصيام، وهي كف عن شهوتي البطن والفرج، من طلوع الفجر إلى غياب الشمس، مع النية واستحضار الإخلاص لله تعالى (فالله غايتنا)، وفي هذا صحة للإنسان وعافية له، وشهد أطباء الدنيا على صدق هذه الحقيقة؛ فالصيام جنة، وفلاح وصلاح، وهو قوة لروح الإنسان، ودربة على تقوى الله، بمفهومها الشامل الذي يتسع لكل مفردات الحياة في السر والعلن، وفي المسجد والشارع، في مكان العمل وفي البيت ومع الأسرة والأولاد، مع الجيران ومع أبناء المجتمع، في السياسة والاقتصاد، في الجهاد والكفاح، في البحث عن الحرية ومقاومة الاستبداد، تقوى في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، في تقدير الموقف في كل قضية من قضايا الشأن العام، قربى لله، وطاعة له.

إذن الصيام عبادة ندرك –من خلال فهمها- منهج العبودية، التي هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، من الأقوال والأفعال؛ (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ {183}) (البقرة)، فالعبادة لله لا تقتصر على جانب –على أهمية هذا الجانب– دون آخر، كما هو التصور عند الذين يريدون تنحية الإسلام عن سلطان الدنيا، وفصله عن أنظمة الحياة؛ فالصوم -على مكانته العظمى– ليس كل شيء في عالم الفروض، فجاء رمضان ليؤكد هذه الحقيقة، وليقول لنا: إن الصوم جزء من منظومة متكاملة، لا يجوز أن نؤمن ببعضها ونكفر بالباقي؛ فكانت كل أنواع العبادات متضمنة بصورة أو بأخرى، في هذه المدرسة المباركة، مدرسة رمضان، وهذا من صناعة الوعي الطيب.

الوعي الأخوي التراحمي

هذا الصيام وما يلاقيه المرء جرَّاء الامتناع عن الطعام، والشعور بعضة الجوع، وقرصة العطش هو بدوره يصنع فينا وعياً، وهو ضرورة الإحساس بمشاعر الآخرين، فتعيش –عملياً– بما يعيشون، وتعاني مما يعانون، فيدفعك هذا نحو منهج «العدالة الاجتماعية»، ويزرع فيك روح ألا تكون لنفسك فقط، ولتكون إنساناً جماعياً، ولست أنانياً لا يعترف إلا بنفسه.

بل يدرك معنى الاهتمام بشأن المكلومين والمجروحين، والجوعى، والمظلومين والمقهورين، والذين يعانون ما يعانون من الويل والضيم، في الحارة والبلدة والدولة، وفي كل أصقاع الدنيا، إن شعر بهذا وأدى ما أدى، مما عليه من واجب أن يقوم به، هذا في حال الجوع، وكذا وقت الإفطار، لما تكون أطايب الطعام، في الفطور والعشاء والسحور، هنا يتذكر إخوة له جوعى لا يجدون هذا الذي بين يديه، بل ربما لا يعرفون طعمه، ولا يشمون رائحته، بل ربما كانوا في حصار، أو تحت براميل الموت، فيصنع لديه وعياً بضرورة الاهتمام بهؤلاء الإخوة، الذين نجدهم في فلسطين وسورية وآراكان واليمن، وبعض دول العالم.

يقول سيد قطب: “عندما نعيش لذواتنا ولشهواتنا تبدو لنا الحياة قصيرة، تافهة، ضئيلة، تبدأ من حيث بدأنا نعي، وتنتهي بانتهاء عمرنا المحدود، أما عندما نعيش لغيرنا (أي: عندما نعيش لفكرة) فإن الحياة تبدو طويلة عميقة، تبدأ من حيث بدأت الإنسانية، وتمتد بعد مفارقتنا لوجه هذه الأرض”.

معاني الارتقاء

ومما يعلمنا هذا الشهر من وعي هو أن الصيام، بمفهومه الشرعي الذي ذكرناه، لا بد أن يترك فينا معاني الارتقاء بالنفس، ويبني فينا الإرادة، التي تؤدي إلى ألا نقول إلا الحق، لا نخشى إلا الله، ولا تأخذنا في الله لومة لائم، ولا نشهد الزور، بكل معانيه، وبسائر تفاصيله، نقول الحق ولو على أنفسنا، نصدع بالحق بلا مواربة، ندوي بكلمة حق عند سلطان جائر، ولو كلفنا ذلك قطع أعناقنا، كل ذلك مع الحكمة البالغة، والدعوة بالتي هي أحسن، وإلا فإن الصائم ليس له من صومه إلا الجوع والعطش، وهنا تكون الكارثة، وتحصل المصيبة، وفي مثل هذا الوضع تأتي أهمية الوعي الذي يصنعه رمضان لنا.

وفي الحديث الصحيح، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه”.

كما يعلمنا رمضان معنى الخلق الحسن، وطبيعة التعامل مع الآخرين، والصبر على أذاهم، وتحقيق معنى “السلم المجتمعي”، فلا تكون هناك ردود فعل مسيئة، ومن باب أولى ألا تكون هناك هنات مسبقة.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: “قال الله عز وجل: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جنة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث يومئذ ولا يصخب (الخصام والصياح) فإن سابَّه أحدٌ أو قاتله، فليقل: إني امرؤ صائم، والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم (الرائحة) أطيب عند الله يوم القيامة من ريح المسك، وللصائم فرحتان يفرحهما، إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه” (رواه البخاري ومسلم واللفظ له).

جاء رمضان ليصنع فينا وعياً مميزاً، في أن رمضان شهر الصبر، والاحتمال لمشاق الحياة، بل شهر الجهاد، والبذل والفداء، فكثير من الغزوات والمعارك، كانت في هذا الشهر المبارك، وكثير من أبنية الخير تمت في هذا الشهر المبارك، عبر التاريخ الإسلامي في شهوده الحضاري، وفي هذه المحطة يحذرنا رمضان ألا يكون هذا الشهر شهر كسل ونوم ودعة وخمول، سهر بالليل على فارغات الأمور، ونوم بالنهار في أكثر ساعاته، وفي صورة كهذه تبرز حقيقة ما يجب أن يكون عليه المسلم في هذا الشهر الكريم، فلا تتوقف المصانع، ولا تعطل الوظائف، ولا تغلق أبواب العمل، بل تبقى مشرعة في كل محتويات ما فيها من أجر وثواب، مع صوم نهار، وقيام ليل، وصدقة ونفقة، وتفقد لأحوال الضعفاء والمحتاجين، مع قراءة قرآن، وحفظ ما تيسر، ومراجعة ما حفظ، مع مدارسة وفهم.

فرمضان شهر القرآن، وهو دستور المسلم، فيه كل خير، وجامع لكل المناهج والمباهج، وصانع الوعي فينا، فرمضان يحتم علينا العيش في ظلال القرآن وتدبر معانيه، فالقرآن ورمضان بينهما تلازم من جوانب متعددة، ولا شك أن هذا له حظه، في مناهج الفكر والعمل، ومن ركائزه صناعة وعي المسلم على مفاهيم الطمأنينة والاستقرار والنجاح والفلاح، كل ذلك في مواجهة تحديات الفلسفات التي أهلكت الحرث والنسل، وجعلت جزءاً من البشرية في حالة تيه وشرود.

تصحيح المسار

ومن صناعة الوعي في شهر رمضان أن هذا الشهر المبارك دورة تمر علينا كل سنة، فرض من الله في القرآن أنزله، وفي كل دورة سنوية تكون المراجعات، مضى عام، وعام قادم، فتسرد الحسابات، وتفتح الملفات، على مستوى الفرد والأسرة والجماعة والمؤسسة، فردياً وجماعياً، حتى نصحح المسار، ونضع أنفسنا أمام حقائق الأشياء كما هي، دون لف ولا دوران، فنقول: هنا أصبنا، وهناك أخطأنا، هنا أذنبنا، وهناك كنا موفقين بكذا وكذا، في هذه القضية لم يحالفنا الصواب، وفي المسألة الفلانية نجحنا نسبياً، وفي مكان آخر نسبة التوفيق مرتفعة.

وهكذا حتى نخرج بنتائج مهمة في هذا الباب، فإن كان خيراً حمدنا الله، وعلينا أن نزيده ونكثر منه، وإن كان غير ذلك صححنا، ورتبنا بيتنا من جديد، ونخطط لعام قادم، مليء بالحيوية والأداء الحسن الصالح، فإن وجدنا في صحيفتنا ذنوباً استغفرنا الله وتبنا إليه، وهكذا، ومن لم يفعل هذا يكون في وعيه نقص، وفي فهمه خلل، وفي تربيته ثغرات، يأتي رمضان معلماً لنا هذا، فيعلوا نصاب الوعي الحق، وهو المقدمة لكل نجاح.

وفي الختام، قد يقول قائل: هل تريدونها مثالية مفرطة حتى نحرم من المباحات، ونحبس أنفسنا عن طيبات الرزق؟

نقول: ومن قال هذا؟! بل نقول: هذا الشهر المبارك فيه من الفرحة والاستمتاع بالمباحات والأشياء الجائزات، من خلال فهم سليم، ووعي دقيق، وفي هذا يكون التوازن، وهو ما أردنا إثباته في هذه المقالة، ورحم الله القائل: “ينبغي أن يكون لنفوس المتقين استراحات ومباحات”.

الثلاثاء, 10 أبريل 2018 11:05

البعد الطائفي في القضية السورية

 الشعب السوري لا يعرف الطائفية، ولم يمارسها سلباً، رغم وجود الحالة المذهبية، والتعدد الديني منذ مئات السنين، والمجتمع السوري -عبر التاريخ- مجتمع متعايش، أبناؤه ارتضوا الحياة معاً، وفيه مسلمون وغير مسلمين، وهم متجاورون طابع بلاد سورية أنها بلاد سنية من باب الأكثرية، ودمشق عاصمة الحضارة الأموية، في بُعدها المعرفي الإسلامي، وتاريخها السياسي والثقافي، ولكن هذه الحقيقة صارت عامل مسؤولية، ترتب عليها أن يكون أبناء هذا البلد على عاتقهم أمانة الاستقرار المجتمعي، والأمان الحياتي، ولم تكن حقيقة الأكثرية وطابعها الأموي سبباً في نشوء نتوءات ما لا تحمد عقباه في هذا الشأن، من طائفية حارقة، أو عدوان على أقلية لأنها أقلية.

وكانت تجربة السياسي الوطني فارس الخوري، وتعاضده مع سائر أبناء الشعب السوري، ومنهم السباعي، والزرقا، والمبارك، والبيطار، والدواليبي، خير مثال على حقيقة هذا التعايش، وأوضح مثال على عدم وجود مشكلة في هذا المجال الذي ندندن حوله، وهذه التجربة بكل توسعاتها تحتاج إلى تأمل دقيق، وإعادة إنتاج للتجربة، رغم كل التخريب المنظم الذي جاء به نظام السوء والظلم والفجور والفتنة والضياع.

بداية إيقاظ الفتنة

جاء هذا النظام الفاجر المجرم، وتسلم زمام السلطة «حافظ الأسد» الذي ينتمي إلى الطائفة النصيرية (العلوية)؛ فهيج غبار نتن الطائفية، وحرك فحيح سمومها، ونسج خيوط ظلامها، ببرنامج عمل هدام، وخطة تخريبية، ما زال الشعب السوري إلى يومنا هذا يعاني من ويلاتها، وأخذ يحدث الشروخ داخل المجتمع السوري، ويثير الحساسيات، ويختلق الإشكالات، ويصطنع المشكلات، ويرسخ الفتن، فكان من منهجه أن اعتمد الطائفية طريقاً للسيطرة على مقاليد السلطة، وجعل مفاصل الدولة بيد الطائفيين، وفي المجالات المركزية كافة، وقدم كثيراً من أقربائه من أبناء الطائفة، ليكونوا نسيج الحكم، ويمثلوا القبضة الحديدية التي تمسك بزمام السلطة، وركز كثيراً على المنظومة العسكرية والأمنية والإعلامية والاقتصادية، ومع الأيام –وما زالت– تبرز أسماء فاجرة عاثت في السابق أيام جبروت رفعت الأسد، وما فعله بتدمر وحماة، وما كان منه في باقي المحافظات أيام السرايا التي كانت تدار من قبله، وما نزع الحجاب من على رؤوس المحجبات في شوارع دمشق عنا ببعيد. 

ومن تمام اللعبة أن ترك نظام الطائفية شكل الأمر وصورته لجماعات يحسبون على أسر أهل السُّنة، ورغم هذا وفي هذا الشكل لم يقدم إلا من كان موالياً له مائة في المائة، ومن لعب بذنبه، ولو من باب التمطي وأخذ فسحة اللعب، فلا يلومن إلا نفسه، والشواهد في هذا يطول ذكرها.

وكان نصيب الآخرين من أبناء الشعب السوري، وفي المقدمة منهم أبناء أهل السُّنة، التهميش والإقصاء، والفصل من الوظائف، والتسريح من الجيش، والسجون والإعدامات، والتهجير المباشر وغير المباشر، وسياسات التضييق على سائر أبناء الشعب السوري، شاهد السر والعلن، على طريقة العمل لهذا النظام.

وكنموذج على هذا، يذكر رائد الفضاء محمد فارس، أنه لما تولى إدارة المعهد الجوي لتدريب الطيارين، كان سبعون بالمائة من الطلاب المتدربين من الطائفة، وثلاثون بالمائة لباقي أبناء سورية، بمن فيهم أبناء الأكثرية السُّنية. 

وفتحت السجون أبوابها لكل حر شريف عمل على التصدي لجرائم طائفية هذا النظام، أو نبس ببنت شفة معارضاً للنظام الطائفي، ومن يمر على كتاب “القوقعة” ليقرأ تجربة رجل مسيحي دخل السجن، حيث سطر حقائق الطغيان وحكى قصة تكميم الأفواه، والتعذيب المنظم، وإذلال الناس، فمنهم من قضى تحت التعذيب، وبعضهم فقد بعض أعضائه، وتركت بصمات الأسى ندباتها على متفرقات جسده وأحاسيسه ومشاعره، وصنعت هذه الوقائع ذاكرة جديدة، تمثل مفصلاً من مفاصل الأيام في تاريخ سورية، وكثير من هؤلاء الأحرار علقوا على أعواد المشانق، في جو عام يشهد بطائفية نظام منتقم، يحمل في جعبة تاريخه حقداً ظلامياً، ونفسية سادية، تفوح روائح نتنها من دهاليز الضغينة المرة، فصار أصحابها، لا همّ لهم سوى إرواء نهمهم الشهوي بكل أبعاده، وسائر صوره، ومن اقترب من هذا السياج فليس له سوى الحرق.

نذر الثورة المباركة

وإمعاناً في إغراق البلد في الطائفية، عمل «حافظ الأسد» ونظامه الطائفي على بناء علاقة قوية مع نظام الملالي في طهران، لتنسج مرحلة سوداوية، تراكم بعضها فوق بعض، لتشكل حالة من الويل القادم، يعرفه الذين فهموا المشهد بدقة، وأخذ الوضع في سورية يتجه نحو الطائفية بلون مركز جديد، عمل على تمكين الطائفيين من الذين ينتمون إلى تشكيل الولي الفقيه، خصوصاً في الجانب الاقتصادي، والعمل على نشر «التشيع» في ربوع سورية، وظهرت نذر الخطر، وتعمق الجرح، ونادت كتائب الفطرة، أن لا بد من نهاية لهذا الفساد والإجرام والقتل ونهب الثروة والاستئثار بالسلطة، والطائفية التي تمارس من طرف هذا النظام الطغياني، على شعب لا يحب الطائفية ولا يريدها، أما وقد بلغ السيل الزبى فلا بد من الثورة.

قامت ثورة شعبنا (15/3/2011م) حيث مهدها الأول في درعا وشعبها الأصيل، وكان موقد شرارتها أطفال درعا الأباة، حتى عمت الثورة جل ربوع البلاد السورية، تطالب بالإصلاح في بداية الأمر، وكانت سلمية بامتياز، ولم يرفع فيها شعار واحد يشي بطائفية، ورغم هذا قوبلت بالحديد والنار، بلغة مليئة بالحقد الدفين، الذي صار يصب فوق رؤوس شعبنا حمماً، لكن من بركان زفرات  الطائفيين، وهنا يظهر محور الشر ودوره التخريبي، في تدمير البلد، وقتل البشر، وتشريدهم، نحو تغيير ديمجرافي ممنهج يخدم أجندات الولي الفقيه، الذي عاث في الأرض فساداً، فاستنفر كل طاقات نظامه، وبذل كل ما يملك، حضوراً في معركة ليس لها عنوان سوى حمى الطائفية، بداية من الشعارات الخطرة، التي وسمت حراكهم بوسم الفساد، حيث صاروا يصيحون “يا لثارات الحسين”، وسموا كتائب قتالهم الظالم بشارات “الفاطميون” و”الزينبيون” والسيدة فاطمة والسيدة زينب، وآل البيت منهم براء، وأهل سورية يحبون الآل والأصحاب، ولا يفرقون بينهم، ويقولون عنهم: رضي الله عنهم جميعاً.

وأول بوادر التدخل كانت بإدخال مليشيات تدعي حماية ضريح السيدة زينب، إن هي إلا ذريعة كاذبة، وحجة مكشوفة، فقبر السيدة زينب له مئات السنين بدمشق، ولم يعتد عليه أحد في يوم من الأيام، وأهل سورية يحبون السيدة، وما عرفنا هذا الهراء الذي صار يتهم به شعب سورية، إلا لما ظهر هذا النظام الطائفي، وتحالف مع أعوانه الضالين المضلين.

التدخل الطائفي

ثم لما شعر نظام إيران أن نظام سورية صار يترنح، وهو قاب قوسين أو أدنى من السقوط، بفعل ثورة الشعب، هنا رسم خطته، وأدخل كتائبه الطائفية، من كل حدب وصوب، بإشراف الحرس الثوري الإيراني، وقائده قاسم سليماني، الذي ظهر يتبختر على إثر سيطرة القوى الطائفية على حلب، بفعل دمار ممنهج من القوات الروسية الغازية.      

فكان “حزب الله” اللبناني وكذا العراقي، في مقدمة القوى الطائفية التي ارتكبت مجازر بحق أبناء الشعب السوري، وشارك في الإجرام المنظم والإرهاب العريض كتائب من الطائفيين، منها لواء أبي الفضل العباس، وعصائب أهل الحق، وحزب النجباء، وفيلق الوعد الصادق، وهم عبارة عن تجمع طائفي من بلدان مختلفة.

ومن مخاطر البعد الطائفي الذي يمارسه النظام، ومن سانده، من الطائفيين وغيرهم، تلك الجريمة التي تمارس على الأرض، ألا وهي قضية “التغيير الديمجرافي”، وذلك عن طريق ترحيل أبناء أهل السُّنة وتهجيرهم من ديارهم، وإحلال طائفيين مكانهم، أو التجهيز لذلك الإحلال، وارتكبت فظائع في هذا المجال، ومنها ذاك الذي حدث في داريا، وما قصة “الباصات الخضر” عن وسائل الإعلام عنا ببعيد، حيث كانت تنقل الناس من مكان إلى مكان، ومن بلد إلى بلد، وهذا يعكس صورة مؤلمة ومحزنة ومقلقة، كما حدث في حلب، ووادي بردى، والزبداني، ومضايا، وغيرها من المواقع الجغرافية، حتى صار رأس النظام يباهي بهذا، ليصف المجتمع السوري -بعد عملية التغيير الديمجرافي– بأنه أكثر تجانساً، وهذا أمر خطر، وشأن دبر بليل، ويحتاج إلى جهود من أجل مقاومة هذا التغيير الديمجرافي.

ويلزم لمقاومة هذا الخطر الداهم أن يتعاون السوريون فيما بينهم، وتشجيع أصحاب مشاريع مواجهة هذا التغيير، وكذا الوصول إلى منظمة التعاون الإسلامي، ونخص بالذكر منهم بعض الدول ذات الاهتمام في هذا الجانب، بحكم جملة من الاعتبارات، ومنها تركيا، كما أن فضح هذا المشروع على المستوى العالمي، ووضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته، من واجبات الوقت.

هذا البعد الطائفي المحزن، الذي يمارس من طرف واحد، على شعبنا، قابله أهلنا من أبناء الثورة بشعارات الوحدة السورية الوطنية، واتفقت كلمة معارضته –وهي من كل أطياف الشعب السوري-  في الوثائق المعلنة على نبذ الطائفية، وأنها ليست بسبيل مستقيم، وهم يؤكدون أن الشعب السوري ليس طائفياً، وإنما الطائفية نبتت في تكوينات النظام السوري، وغذيت من مصادر النظام الإيراني، وأذرعه هنا وهناك.

ويبقى السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: إلى متى يظل شعبنا يذبح -على مرأى ومسمع كل العالم- من هؤلاء الطائفيين الإرهابيين شذاذ الآفاق، الذين لا خلاق لهم؟

 في هذا المقال، لا نتكلم عن التأصيل الشرعي للحوار، فهذا له وقت آخر، ومساحة ثانية، وهو موضوع ذو شجون، ويستحق أن نقف على منهجه الحضاري الإسلامي؛ ثقافة وممارسة، وإن كان هناك نتف من الكلام عن هذا الشأن بحكم ارتباط جزء من مقتضيات البحث بهذا الموضوع، ولكنا نتكلم عن الواقع المعاصر لمسألة التدافع والتغلب، التي أرى أن البحث فيها يتناول من ثلاثة محاور:

1- الذين يقولون بنظرية «نهاية التاريخ»؛ وهؤلاء يرون أن الرأسمالية الغربية قد انتصرت، وارتفعت وتمكنت وتغلبت وتعالت وتطاولت، وملكت وجمعت وقسمت وضربت، وتفوقت على كل الحضارات الأخرى، المعروفة على وجه الأرض، بما ملكت من وسائل القوة، وأدوات التمكين الحيوي، والشهود الحضاري، والعلوم الحاكمة، وآليات السيطرة، وقواعد الغلبة، في مجالات الحياة كافة، عسكرياً واقتصادياً وسياسياً وإعلامياً وتكنولوجياً وغير ذلك، وهذه المكنة دليل هيمنة كبرى في عالم تحكمه صراعات متنوعة، وإذا كان ذلك كذلك، فلا بد لكل البشرية أن تخضع لهذا الانتصار، غصباً عنها، وتعترف بهزيمتها غير المعلنة أمامه، من خلال مسار سلوك، وبرامج خضوع عملي، وتترك المكابرة الفلسفية، وتعيش الواقع، وتعترف بسواكن النفس فيها من هذا الإقرار، بلا لف ولا دوران، وتمارس ذلك بصمت عملي بتفاصيله، يكون دعم هذا الاعتراف الضمني ظاهراً وباطناً، ولا بأس بتغليف هذا الموضوع الشائك بأغلفة مناسبة، بحيث يمر الأمر بسلام، ويسمى الحدث بغير اسمه، والوقائع تلون بألوان ثانية، بحيث يخفف من حدة الحرج، والعبرة في نهاية المطاف للمعاني وليس للأشكال والمظاهر.

2- ومن ثم يصبح العالم كله يمضي على وتيرة واحدة، يرى بعين واحدة، ويقف على ساق واحدة، ويفكر بعقل واحد، بلغة أحادية القطب، فهو السيد وهو المطاع، وهو الآمر الناهي، في أسياسيات الحياة، فلا خصوصية لأحد، ويسمح في الخصوصية في أطر لا يكون لها تأثير على المسار العام، ولا حدود لهذا المنهج، فلا فوارق، ولا مفاصلة ولو بالجانب الشعوري، بل هي هيمنة عليا لسلطان العولمة، الواجب الحضور في كل مفاصل الحياة.

ويساعد على الاستسلام لهذه الحقيقة كما زعموا؛ أن أصبح العالم كأنه قرية واحدة، بما تحقق له من انفجار معرفي، واكتشاف علمي، وتقدم تكنولوجي، خصوصاً في هذا الإنتاج المذهل لوسائل الاتصال، وأدوات المواصلات، والاكتشافات العملاقة، في المجال العسكري، ومنها السلاح النووي المخيف، والصواريخ عابرة القارات المرعبة، وتفاصيل هذا تطول في تجليات الأمر من خلال عنوان عام يصطلح عليه بـ»عصر العولمة»؛ بحيث يكون العالم، كل العالم، على نمط واحد، وبرأس مدبر أصل في القيادة، فتكون عندنا العولمة السياسية، وثانية إعلامية، ومثلها العسكرية، وأخرى ثقافية ودينية، وكذا العولمة الاقتصادية، وهذا كله المقصود منه المفاصل الأساسية التي تكون على مدار عجلة الحياة، أما الفتات الذي لا يسمن ولا يغني من جوع، فهذا لا يقيمون له وزناً، ولا يلقون له بالاً، ويأذنون للآخرين أن يلعبوا في مربعاته، بكل أنواع اللعب، وسائر صنوف المباريات، وشعاراته العامة حقوق الإنسان، والمرأة والطفل، والتعددية، والمجتمع المدني، برؤية ثقافية خاصة، وأجندات لها عمقها المعرفي في دواوين «الأدلجة».

3- وهذا الفكر مرفوض رفضاً قاطعاً، بهذا الشمول الذي يذكر، وهذه الخطط التي ترسم، وهذه الممارسات التي يمضي عليها أصحابها، لأنه استعمار بأبشع صوره، من خلال لغة الغابة، التي يأكل فيها القوي الضعيف، وبالذات عندما تفتح حلبات الصراع بين هذه المكونات الحياتية، التي ما إن قبلت بهذا المبدأ، فإنها توقع على نفسها بالفناء المحتم، والهلاك الأكيد، والقصة طويلة.

صدام الحضارات

4-   الذي ألف كتاب «نهاية التاريخ» هو «فوكوياما»، الذي أكد الفكرة الأولى، التي تفرض خيار نهاية التاريخ، وضرورة تعامل كل دول العالم ومكوناته بلغة المنهزمين أمام عملاق الدنيا النموذج الرأسمالي، ومن نواقض هذه النظرية أن قام أستاذ «فوكوياما» الفيلسوف «صومايل هنتنجتون» بمعارضته معارضة كاملة، وألف كتاب «صدام الحضارات» وخلاصته:

التاريخ لم ينتهِ، بل تتنامى الحضارات الصدامية، وتتشعب نتوءات التنافس برؤوس الأبعاد الحضارية الحادة، التي لا يمكن القضاء عليها بشكل نهائي، وصورة ذوبانية، ومن يتصور أن العالم صار لقمة سائغة وإلى الأبد -نتيجة هذه العوامل والوسائل- فقد أخطأ وأبعد النجعة، فالأمر بالتأكيد ليس بالحالة الوردية التي يصورها أصحاب المذهب الأول.

ويرى هذا المفكر أن سمة المرحلة القادمة، ذات عنوان واحد، يتمثل في صراع قادم له منهج لا يعرف التعايش، ولا نمط التسليم، هو «صدام الحضارات»، فهناك الحضارة الغربية والصينية واليابانية والهندية والبوذية، وركز كثيراً على الحضارة الإسلامية، ومن تصور أن هذه الحضارات نامت، استعداداً لها لتذوب في عالم النموذج الرأسمالي العولمي، تمهيداً لوضعها في قائمة الحضارات التي بادت، فإنه لا يعرف التاريخ، ولم يقرأ الحاضر بدقة، ولم يستشرف المستقبل بآلياته العلمية، وهنا يطيب لي أن أثبت ملاحظتين:

الأولى: فهو إن أراد وقوع ذلك من باب استشراف المستقبل، فهذا له، ولا يحجر على أحد فيما يتوقع ويفكر ويقرأ ويحلل.

الثانية: وإن أراد الدعوة إلى هذا الصراع وتأجيجه، فهذا فيه نظر، وتختلف الرؤى حوله، لأنه بصراحة لو وقع سيباد العالم.

5- وهناك اتجاه ثالث في الغرب ينادي بحوار الحضارات، يقابل هذا الاتجاه تلك الاتجاهات العولمية المحمومة، من تجار الحروب، وعشاق المادة والذهب، وأحباب كسر رؤوس الآخرين، ومثلهم وفريق منهم الذين يحبون لون الدم، ويسعدون بإراقته، على موائد الفعل التغلبي العنصري، ورائد اتجاه «حوار الحضارات» المفكر المعروف الذي اعتنق الإسلام «روجيه جارودي»، ويوافقه عليه بعض ساسة الغرب ومفكريه، وهذا الاتجاه يرى التواصل مع الحضارات التي ذكرت في القسم الثاني، وغيرها مما لم يذكر، من خلال علاقات دولية متوازنة، لبناء حالة تفاهم على أساس القواسم المشتركة، بغية تجاوز الصدام، وتحقيق العيش المشترك، من خلال منظومة قواعد تعتمدها جميع المكونات، من أهمها: تأكيد قيمة السيادة للأمم والشعوب، ومنها الأمة العربية والإسلامية واحترام الخصوصية، لكل قوم هويتهم، وتبادل المصالح بمصالح، ورفض نظرية المصالح بالمبادئ، والتعاون في الملفات المشتركة التي يتوافق عليها أصحاب هذه الأمم.

دور الإسلاميين

6- دور الإسلاميين وأثرهم في هذه المرحلة؛ حيث إن لهم أهمية استثنائية، في هذه الخريطة المتشابكة الخطوط، والمتعارضة المصالح، خصوصاً بعد بعض التطورات التي أنتجت ما يعرف بالحرب على الإرهاب، الذي اختلط فيه الحق بالباطل، والخطأ بالصواب، وخلطت الأوراق خلطاً يشي –فعلاً– بصراع حضارات أو ثقافات أو عقائد، حتى صار الإرهاب ينسب للإسلام، بل تطاول كثير من أصحاب الاتجاه الأول –بصورة أو بأخرى– على الإسلام ونبي الإسلام صلى الله عليه وسلم وعلى القرآن الكريم، يتبعه عدوان فج على التاريخ الإسلامي.

من هنا وأمام هذه الصورة، أرى أن الإسلاميين تترتب عليهم جملة من الواجبات التي ينبغي أن يقوموا بها، كما عليهم أن يتخذوا بعض الإجراءات التي تساهم في إثبات الحضور لهذه الأمة الباقية، ما بقيت الحياة، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، لا تبطل دورها عولمة، ولا تلغي وجودها نشوة انتصار هنا أو هناك، فالحياة قلب، والأيام دول، والعالم على مفترق طرق.

ومن هذه الملامح التي ينبغي أن يؤكدها:

أولاً: ضرورة استكمال الدور الحضاري الدعوي الذي يقوم به الإسلاميون، وترتيبه أكثر، وتعميق مفاهيمه، وبث أصول هذه الدعوة بتعريف الناس بالإسلام، الذي يفهمه أهله بمنهجية سليمة، وفكر قوامه الوسطية الحقة، وبتوازن وشمول، واليوم يوم البيان لتعاليم الإسلام وعقيدته وشريعته، وهذه الساعة ساعة التعريف بالمشاريع الإسلامية التي ينادي بها أصحابها، كل ذلك بالحكمة والموعظة الحسنة، التي عُرف بها الإسلاميون الغيورون.

ثانياً: الحذر من الاستدراج –أمام هذه الضغوط الظالمة– التي تظهر نتن روائحها، في كل أرجاء المعمورة، ومنها الاتهام بالإرهاب، بل نقابل ذلك بالصبر، وضبط النفس، وترسيخ قيم التوازن، ونبذ الغلو.

ثالثاً: ترسيخ منهج الحوار، ومد جسور التواصل الحضاري في هذا الموضوع، لكل الناس، وبالذات منهم من له أثر فاعل في عالم التأثير، كالمراكز البحثية، وصناع القرار، والساسة والأحزاب، ومنظمات المجتمع المدني، وأساتذة الجامعات، والكتَّاب والإعلاميين، إلى غير ذلك من ركائز الفعل، في حياة الأمم والدول والمجتمعات.

رابعاً: من الضروري أن نعيش واقعنا بصورة علمية، ونفقه أدوات الفعل المثمر، وآليات عمله، ومواضع التأثير فيه، ونتعامل مع هذه المعرفة، بلغة الإفادة منها، فمن لا يعش واقعه، لا يفقهه، ومن لا يفقه واقعه سيكون حتماً في ذيل القافلة، في عالم السبب والسنن.

خامساً: الأمة فيها خير كثير، وثروات طائلة، على الإسلاميين أن يقوموا بدور المفعل لطاقات الأمة -بالتعاون مع كل الجهات الخيرة- والعمل على إعدادها لدورها المرتقب؛ فردياً وجماعياً، شعبياً ورسمياً، لتأكيد ضرورة الثبات، وحتمية الحضور، مع إنتاج مصانع القدرة على التحدي، بكل شعبها.

الإثنين, 07 أغسطس 2017 11:23

وسطية الإسلام أم الالتزام به

الوسطية خاصية من خصائص الإسلام، ومعلم من معالمه، وميزة راقية من مزاياه القيمة، بها كان الفرد المسلم الذي عرف الفضيلة بكل مناراتها، وبها نشأت الأسرة المحافظة المستقرة، وبها كان المجتمع المسلم الملتزم بقيم الرشاد، واستوعب كل شرائط النهوض المتحضر، وبها كانت الأمة التي أخرجت خير أمة، حيث شهودها الحضاري الذي ملأ جنبات الكون علماً وفضلاً وخيراً ونوراً، في ظلال خاصية وسطية الإسلام ظهرت أجيال المسلمين الأولى، التي تمثل خير القرون، وبقي الخير فيها وسيبقى.

الوسطية من المصطلحات التي كثر الخوض في معناها، ودخل فيها من المعاني الدخيلة، والفلسفات الغريبة، والتصورات البعيدة عن حقيقة ديننا، حيث شرق الناس وغربوا في توصيفها، والخوض في معانيها، خصوصاً أولئك الذين يصطادون في الماء العكر، ويريدون بالأمة الويل والثبور، وهم يعلمون - علم اليقين - أن عزَّنا ومجدنا، وكرامتنا وسؤددنا، يكمن في تمسُّكنا بهذا الدين، فهو الهوية التي تطبع حياتنا بكل معاني الخير والفضيلة، وتضفي على كل شيء فينا معالم النهوض، كيف لا ولب الأمر فيه قائمٌ على طاعة الله تعالى والبحث عن رضوانه؟ فإذا تحقق هذا لا شك ولا ريب سيكون عنوانَ مجد، وسبيل كرامة، وطريق حرية، ومنارة سؤدد.

وأعداء الأمة لا يريدون لها التمكين والنصر؛ لذا يعملون على إبعاد هذه الأمة عن هذا المنهج بكل ما أُوتوا من قوة؛ لأنه سبيل من سبل بقاء مصالحهم، واستمرار سيطرتهم على هذه الأمة.

ومن الأساليب التي يعتمدونها من أجل تحقيق هذا الغرض محاولةُ تشويه المفاهيم الإسلامية؛ حتى يحرفوا العربة عن مسارها الصحيح، وإن كان باسم الإسلام، وتحرير فهمه على الأصول التي ينبغي أن يفهم على ضوئها، هكذا زعموا، ولكن هيهات.

فهذا الدين باق، وأمة الإسلام – التي قد تمرض وقد تضعف – لا تموت، وباتت كلمة «المستقبل للإسلام»، و»المستقبل للأمة» من ثوابت الرؤية الحضارية الاجتماعية، فدوام الحال من المحال، والغد البسام قادم ينير دروب الرجاء في هذه الحياة.

الوسطية منهاج أصيل

وحصل أن اختلف علماؤنا الأفاضل، ومفكرونا الأكابر، في تحديد معنى الوسطية، وكان هذا سبيلاً من سبل الولوج إلى التحريف في المعنى من قِبَل أولئك المتربصين، الذين يريدون بالأمة الويل، والذين اعتادوا على لَيّ أعناق النصوص، وقراءتها بطريقة ظاهرُها فيه الثقافة والمعرفة، وباطنُها الويل والثبور.

ذلك أن هناك تياراً يريد أن يجعل مسألة “القراءة الثانية للنص” سبيلاً للهوى والتشهي، وطريقاً للطعن والتشوية والتحريف.

وزاد الطين بِلّة أن دخل على الخط الغلاة (المتطرفون) الذين أعطوا صورة عن المسألة، ملؤها الانغلاق والسوداوية، حيث التكفير غير المنضبط، والتفسيق بلا مبرر شرعي، والتبديع بلا دليل، والانكفاء على الذات من خلال مطويات لا تحمل معاني النشر، ومنشورات ليست قابلة للبقاء، فبرزت بمعنى شائه ومنفّر، لا يمت إلى الفهم الصحيح بصلة، ولا يعبر عن حقيقة المفاهيم الإسلامية، خالية من الشوائب التي علقت بها، من هنا أو هناك لسبب أو آخر، وبعضها مصنّع ومقصود، يهدف إلى صناعة هذه الصورة الذهنية المسيئة، وهذا ما جعل الأمر أكثر تعقيداً؛ حيث صار الصنف الأول يتخذهم مستنداً لكل ما يريد نقضه، ويعمل على حربه، في عالم العقائد والتصورات والسلوك.

فهناك من يفهم الوسطية على أنها التحلل من تكاليف الشريعة، والتنصل من أحكامها، والتمرد على قيمها؛ ومن ثَم التفلت منها.

ولا يريدون من الوسطية إلا هذا، وأي التزام صادق بالإسلام إنما هو “غلو وتطرف”، فمن قال: “آمنت بالله رباً وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً”؛ فليس وسطياً، وإن ظهر منه أي لون من ألوان التميز الإسلامي المتوازن التعايشي المندمج مع المجتمع وشُعب الحياة، قالوا عنه: إرهابي، وإن صلَّى الصلوات على وقتها فهذا من المتشددين، وإن ترك مائدة تدار عليها الخمر فهو من العصر الحجري، وإن كان ديدنه تحليلَ ما أحل الله وتحريم ما حرم فهذا لا يعيش عصره، ولا يفهم معنى التطور والحداثة، وإن رأوه متمسكاً بالسُّنة نبزوه بالألقاب الفظَّة الغليظة، أما إذا دعا إلى الالتزام بالإسلام عقيدة وشريعة فيا غارة الدين، ويا مصيبة الحياة!

فالويل كل الويل لمن كان ينطلق في رؤيته الفكرية من مرجعية إسلامية، فمن كان كذلك فهو ماضوي، وإن كان مشروعه السياسي متوافقاً مع مبادئ الإسلام فيوصَم بالأصولية، ويوصون بإقصائه، ومن ثَم فهو رجس من عمل “الإمبريالية!”، لا بد من القضاء عليه، والحذر منه، والعمل على توقيفه عند حده.

والمرأة إن تمسكت بدينها فتحجَّبت فهي متخلفة لا تستحق الحقوق، ولا يجوز أن تشارك في شُعب الحياة السياسية، والاجتماعية، والوظيفية التي تليق بها من كل الجوانب، ضمن الضوابط والقيود والحدود والأطر والمحددات الشرعية.

أما إذا لم تشارك في الحفلات الماجنة، والليالي الحمراء، والتجمعات الراقصة التي لا تُبقِي ولا تَذَر فهي معقدة، وتُشَن عليها الحملات، وتطلق بحقها الشائعات، وتحاك لها المؤامرات، ويا ويلها إن لم تَلِن وتخضع وتستسلم؛ لأنها ستلاقي - بعد ذلك - من العنت والضيق ما لا تحمد عقباه.. وهكذا، والتفصيل في هذا يطول.

وبالمختصر، قال قائلهم: الديمقراطية – وهو من عشاقها – التي تأتي بالإسلاميين لا أعرفها، وثورة تخرج من المساجد لا أصدق بها، وبرلمان يأتي بمحجبة لا أعترف به، وحكومة تُدخل فيها ملتحياً بالتأكيد أرفضها.. وهكذا.

الجنوح في تفسير الوسطية

وإن سألت أصحاب هذا الخلط: من هو الوسطي عندكم؟ لكان الجواب الواضح الصارخ:

الوسطي هو الذي يتمسك بقيم المعاصرة المجردة من الالتزام المسبق، ومفاهيم الفلسفة الحديثة التي لا ترتبط بالماضي، وترك الانغلاق، والانفتاح على التطور العقدي، والتعايش مع الحياة بكل ما فيها من لذة ومتعة وشهوة، والتفاعل مع مستجدات الحياة وتطوراتها، بكل ما تحمل من معاني الشهود، دون الرجوع إلى مصادر أخرى.

الوسطي ذلك الذي لا يتقيد بمنهج قديم، مهما كانت قدسية هذا المنهج، فيصبح قطعة من الماضي، ولا يدرك قيمة الحاضر.

الوسطي هو ذلك الذي ينظر إلى الدين نظرة احترام وتقدير، كما أنه يعترف بالقيم التاريخية لأي أمة من الأمم، دون أن يتعدى هذا الأمر هذه الصورة إلى غيرها من سبل العمل والتطبيق، فليس للماضي والقديم إلا الإكبار والاعتزاز، الذي يدفع نحو منظومة فكر جديدة، وصياغة سلوك حضاري يستمد حضوره من حضارات الآخرين، في عالم الإرث الإنساني العام الذي يؤدي إلى تشكيلة ثقافية، يعتقدها الناس كلهم.

الوسطي ذلك الذي لا يجمد على المألوف، ويتعامل مع النصوص بروحية القراءة الثانية، بعيداً عن قوالب القدامى وقواعدهم وقوانينهم، وضوابط الرواية والدراية، فإن هذه من المقعدات المحبطات، التي “تحجم” الباحث والمفكر، وتقتل روح الإبداع؛ لذا فالتحرر من هذه القوالب يدفع نحو فضاءات رحبة، تعطيك الفرصة لتجديد الفكر، والأخذ بأفكار الآخرين، والتعامل مع مناهجهم بلغة الانفتاح، بعيداً عن التعصب، أو حصر الحق عندك؛ ففي جعبة الأمم الأخرى، والحضارات المتعددة ما هو أحسن مما عندك، ويرفضون مقولة التمسك بالثوابت، والانفتاح على الآخرين بلغة “الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها”.

الوسطي هو ذلك الذي يعيش عصره بكل أبعاده، دون الانحياز إلى عقيدة مسبقة، أو فكرة بعينها، أو تمسك بقيمة تربى عليها، فكل شيء عنده قابل للأخذ والرد.

يقول الأستاذ فريد عبدالقادر في كتابه “الوسطية”: “وقد شاع كذلك عند كثير من الناس استعمال هذا الاصطلاح الرباني، استعمالاً فضفاضاً يلبس أي وضع أو عرف أو مسلك أرادوه، حتى أصبحت الوسطية في مفهومهم تعني التساهل والتنازل”.

الوسطية في الإسلام يمكن تعريفها بمقدمة ونتيجة:

أما المقدمة:

فقال تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً) (البقرة: 143).

قال العلماء: أي عدلاً خياراً.

فالوسطية تعني: العدل والخيرية في منهج الإسلام الحضاري الذي يقوم على التوازن، فهي خاصية الإسلام بالعدل؛ عدل على مستوى الفرد، والأسرة، والمجتمع، والدولة، والأمة، والإنسانية؛ إذ كل امرئ إذا ما انتظم في دين الله، والتزم بكتابه وسُنة نبيه صلى الله عليه وسلم كان متوازناً عدلاً، بعيداً عن الإفراط والتفريط، والغلو والتطرف، ينهج نهج التيسير والبشرى، والتبشير لا التنفير، والتسهيل لا التشديد، ويمضي على طريق العمل الصالح، والصراط المستقيم، وهذا التعريف بالنتيجة.

قال العلامة السعدي في تفسيره: «أي: عدلاً خياراً، وما عدا الوسط، فأطراف داخلة تحت الخطر، فجعل الله هذه الأمة وسطاً في كل أمور الدين».

 فالوسطية التزام بدين الله، من خلال فهم سليم وصحيح، ينتج كل خير وسؤدد وتوازن، وهي حالة حضارية قوامها الربانية وطاعة الله تعالى.

فالوسطية تمسك بالنص، بفهم سليم له.

وسطية حضارية، لا تؤمن بالعدوان ولا تريده، بل تخاصمه وتعاديه، لا تريد العدوان على النفس، ولا الأهل، ولا الجار، ولا الحاكم، ولا المحكوم، ولا المسلم، ولا غير المسلم، ولا البيئة، ولا الحيوان.. إلخ.

تعيش الواقع، وتلاحظ التطور، وتتفاعل مع المستجد، من خلال الأصول والثوابت، والذي لا يفقه واقعه لا يستحق أن يكون من صناع الحياة، ولا يمكن له أن يكون من مدرسة التجديد، ولا يوصف بصفة العلم؛ لأنه فقَدَ شرطاً من شروطه الأساسية.

وسطية تؤمن بإعطاء كل ذي حق حقَّه، وتشيع روح الأمن والأمان، والطمأنينة والاستقرار، والحرية والعدل، وقيم الحسن والجمال، بفقه مقاصدي راقٍ، ورقي يقدر حالات وأوضاع النواتج والمآلات، ويجيد ترتيب الأولويات، ويترك باب الاجتهاد مفتوحاً بضوابطه وأصوله لأهله، والمستكملين لشرائطه، والمالكين لأدواته، ولا يجعل الاجتهاد لمن هبّ ودبّ؛ حتى تتوازن الأمور، وينضبط السير، وينتفي الاضطراب.

وفي ختام هذه العجالة، يسأل بعض الشباب: هل هناك إسلام وسطي، وإسلام غير وسطي؟

الحقيقة الإسلام هو الإسلام، ولا أحب تجزئة معانيه بوصفه، حتى لا يظهر بمظهر وكأن الإسلام متعدد، فالإسلام واحد وله خصائص متعددة، فنقول: وسطية الإسلام، وأفضل ألا نقول: الإسلام الوسطي.

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top