محمد سالم الراشد

محمد سالم الراشد

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
الأربعاء, 08 يناير 2020 16:05

مقتل سليماني تموضع جديد

منذ مقتل سليماني، الجمعة 3 يناير 2020م، في عملية نوعية لوحدات من الجيش الأمريكي والتحليلات لا تتوقف عن صدام وشيك بين إيران والولايات المتحدة، ولمن يتعمق في معرفة طبيعة السياسة الأمريكية والإيرانية في المنطقة منذ عقود، فإنها في الحقيقة قائمة على التفاهم لا الصراع.

فإيران بالأساس تقع في الفراغ الإستراتيجي بين النفوذ الأمريكي ونفوذ الدول الكبرى المنافسة للولايات المتحدة كروسيا والصين، وعلى هذا الأساس، فإن الولايات المتحدة لم ولن تفرط بإيران باعتبار إيران جزءاً من الكتلة الإقليمية التي لها دور في ترتيبات مصالح الولايات المتحدة في جغرافية السياسة لهذه المنطقة.

ولذا، فإن طبيعة التعامل بينهما منذ اعتلاء الخميني للسلطة وتيار ولاية الفقيه في إيران قائمة على التفاهمات السياسية والمصلحية وكانت هي الأساس في الصراع، ويتبقى كل العمليات وأدوات الصراع ما بين الولايات المتحدة وإيران هو من أجل تحسين القدرات التفاوضية، وتحقيق أكبر المكاسب أو تقليل الخسائر من الطرفين، وهدفها أن تكسب إيران محيطاً حيوياً في الجغرافيا السياسية للمنطقة العربية، وتحافظ الولايات المتحدة على نفوذها، وأن تكون إيران تحت السيطرة وتشذيب قدراتها لتحقيق المصالح المشتركة.

خذ كل المسارات التصادمية بين إيران وأمريكا منذ احتلال السفارة الأمريكية بطهران، في 4 نوفمبر 1979، إلى مقتل سليماني (يناير 2020)، كلها عملية ضغط وتفاوضات مستمرة ومحاولات كسب المصالح والتفاهمات على الدور الحيوي لإيران في المنطقة كدولة لديها القدرة على رعاية مصالح أي دولة عظمى بديلاً عن أي قوة إقليمية أخرى في محتوى ديمغرافي سُني يملك تاريخياً العداء ضد المصالح الأمريكية وضد "إسرائيل".

منذ قيام الثورة الإسلامية إلى اليوم لم نشهد مقتل إسرائيلي واحد داخل "إسرائيل" من إيران، لدى إيران سجل نظيف من قتل الأمريكيين بشكل مباشر، العمليات التي شنت على الأمريكيين من أطراف ذات طبيعة ولائية لإيران هي منضبطة وموجهة لتحقيق هدف التفاوض السياسي والإستراتيجي بين الطرفين.

المكاسب التي حققتها الولايات المتحدة من قتل سليماني تتمثل في قدرتها على تغيير رموز التفاوض الإيراني عندما يحدث خلاف على الإستراتيجية علماً بأن قاسم سليماني كان القائد الأعلى الذي ينسق ويتفاوض مع الأمريكيين في المنطقة ميدانياً، وبذلك أكدت الولايات المتحدة هيبتها كدولة بيدها قرار التغيير والسيطرة، وحققت لترمب نصراً انتخابياً ووضعاً مريحاً للانتخابات القادمة بتقديم أكبر رأسين مصنفين كإرهابيين من الدرجة الأولى في الولايات المتحدة (البغدادي، وسليماني)، ووضع الديمقراطيين في الولايات المتحدة في حالة حرج وفوضى سياسية في كيفية التعامل مع رد الفعل من قرار ترمب.

كما أن الولايات المتحدة أرضت حلفاءها العرب بأنها اتخذت إجراءً لمعاقبة إيران على أعمالها العدائية في الخليج، وجعلت تلك الدول تلتحف بشكل كبير وبخوف أكبر تحت عباءة الحماية الأمريكية.

أما المكاسب الإيرانية، فقد تحققت منذ الثورة الإيرانية، الأولى حيث لم يخرج الشعب الإيراني متضامناً مع المرشد وقيادته الحالية إلا بمشهد التضامن الشعبي لجنازة سليماني؛ إذ وُحِّدت إيران شعبياً وحكومياً وقيادة تجاه التهديد الأمريكي، وبالرغم من آثار الحصار الكارثي والوضع الاقتصادي المنهار، فإن ملايين من الشعب الإيراني تضامنت مع القيادة الإيرانية، وكأنها رسالة اعتذار للقيادة الإيرانية بأننا نقف معكم رغم كل الحصار والظروف.

أما في العراق، فإن قرار إنهاء التعاون العسكري المفتوح للقوات الأجنبية وخصوصاً الأمريكية قد اتخذ، وإن كان في الحقيقة هو إعادة تموضع تكتيكي، وهو نصر مادي ومعنوي لإيران في العراق، بالإضافة إلى إضعاف الحراك السياسي الشبابي الشعبي في العراق ولبنان ضد إيران مما يؤدي إلى إعادة تنظيم إيران لنفسها شعبياً وسياسياً وإستراتيجياً في الجغرافيا العربية.

إن المفاوضات التي تمت في سويسرا برعاية قطرية بين إيران والولايات المتحدة خلال الأيام الماضية ظاهرها الفشل وحقيقتها اقتسام النفوذ والمواقع في الجغرافيا العربية، وتحقيق المصالح للطرفين الأمريكي والإيراني على حساب بقايا النظام السياسي العربي وآمال الحراك العربي الشعبي، لكنها لعبة السياسة في العقد الجديد 2020 مرحلة جديدة بمتغيرات جديدة ستبدأ معها مجموعة من التحولات وننتظر حدوثها على أساس هذا الصراع.

إنها لعبة السياسة الدولية التي تضبط الدولة الإقليمية تحت نفوذ السيطرة الدولة، وهو ما بين سيطرة وانفلات والقدرة على ضبط المسار في اتجاه المصالح.

لقد استفرغت التفاهمات السابقة بين الولايات المتحدة وإيران أغراضها في العقود الأربعة الماضية إلى إنهاء الحالة العربية السُّنية إلى وضع ضعيف ومنهك، يلتحف تحت إيران والولايات المتحدة، مع إنهاء الطاقات الشبابية والجهادية السُّنية المتطرفة منها والمعتدل (بما فيها حركة "حماس"؛ إذ إنها أصبحت تحت الضبط الإيراني والخشية أن تتحول إلى مليشيا إيرانية في المستقبل) التي كانت تواجه "إسرائيل" ومقاومة المستعمر، كما أنها أضعفت الحراك السياسي المعتدل وقهرت مسارات الثورات العربية.

إن إيران ضمنت محيطها الحيوي وموقعها التفاوضي في أي إجراءات وترتيبات سياسية قادمة.

لكن ستظل السياسة الإيرانية والأمريكية في المنطقة تعاني من أكبر مشكلتين إستراتيجيتين:

الأولى: أنهما يديران مصالحهما في ديمغرافية وجغرافية ليست لصالحهما على المدى البعيد.

الثانية: التناقضات في مستوى المشروعين الإيراني والأمريكي الإسرائيلي في المنطقة.

وهو ما يجعل الكتل الحية في هذه المجتمعات أن تستفيد منها لتبني رؤية تغيير إستراتيجية في المستقبل إذا توافرت العوامل المناسبة للتغيير.

الخميس, 26 ديسمبر 2019 15:55

المدرسة الصامتة

توفي، يوم الثلاثاء 24 ديسمبر 2019م، أخي في الله الداعية الصابر المحتسب الأستاذ وليد المير، رحمه الله ورفع درجته في عليين.

لقد كان في أيام مرضه صابراً محتسباً بالرغم من الآلام الشديدة المبرحة التي ألمّت به، إلا أنه ظل ثابتاً مؤمناً برحمة الله.

كان الأخ وليد المير، رحمه الله، منذ تأسيس جمعية الإصلاح الاجتماعي في الكويت عام 1963م، ورفيق دربه الأستاذ خالد القطان، شابين في رحاب دعوة الإصلاح المباركة، لم يفرقهما إلا الموت الحق، وأسأل الله أن يطيل في عمر الأخ الكبير خالد القطان، ويحسن عمله وخاتمته، فإن هذين الرجلين مباركان في عملهما ودورهما في مجال الدعوة وتربية الشباب والأجيال.

وللأخ وليد المير، رحمه الله، التأثير الكبير في فُتُوَّة الدعوة؛ وذلك بنقله لفنون المدرسة الكشفية ومهاراتها ورجولتها إلى شباب الدعوة، وقد أنتجت تلك المدرسة شباباً رجالاً تخشنوا من نعومة الحياة المرفهة التي طالت المجتمع الكويتي.

أسس مع ثلة من إخوانه مركز الشباب لجمعية الإصلاح الاجتماعي في منتصف السبعينيات ليأوي إليه شباب الدعوة المباركة، وكانت جهوده في الدعوة والتربية جادة ومعتبرة، أثمرت جيلاً تسلم مراكز الخدمة والتأثير في المجتمع الكويتي.

كما كان لعضويته في مجلس إدارة جمعية الإصلاح الاجتماعي لسنين عديدة دور في تطوير عملها المؤسسي، وتدبير شؤون التنظيم الإداري والمالي فيها، وكانت بصماته واضحة في تأسيس "لجنة العالم الإسلامي" في مجال البر والإحسان والعمل الخيري في عام 1983م، التي نمت بذورها لتصبح جمعية الرحمة العالمية في يومنا هذا.

ولقد صاحبته سنين عديدة في أغلب هذه المجالات؛ فرأيته عن قرب رجلاً عاملاً صامتاً محتسباً، ولكن منذ تحرير الكويت عام 1991م كان سندي وعضدي في مجلة "المجتمع"؛ حيث أدار شؤونها المالية والإدارية إلى حين تقاعده ومرضه.

كل ذلك العمل في كفة، ولكن الأكثر تأثيراً هو عمله الصامت والهادئ، ووجهه الباسم الضاحك، وقدرته على حل المشكلات وتبسيطها، وفتح آفاق الطموح والتفاؤل في كل المواقف التي عاصرته فيها؛ حيث انتصب أستاذاً وقدوة لنا جميعاً، محبوباً بين جميع إخوانه لدماثة خلقه وتواضعه وسعيه الدؤوب لوحدة الكلمة والصف، وستفتقد الدعوة برحيله رجلاً كبيراً من رجالها.

إن كل ذلك النشاط والعمل المتواصل منذ عام 1963 إلى عام 2019م ما يقارب 56 عاماً قضاها رجل الدعوة بصمت وهدوء دون إعلان ولا إعلام ولا ضجيج، ودون دعوى الأسبقية في العمل والمزاحمة في القيادة وتكلف التصدر لمواقع المسؤولية، ولكنها كانت أيام عمل تتجسد فيها الأخلاق والمسؤولية والتضحية والوفاء، فكانت أعماله تضعه تاجاً على رؤوس الدعاة دون تكلف.

إن الأخ وليد المير، رحمه الله، يمثل نموذجاً قلَّ مثيله في عالم الدعاة، فعزاؤنا لزوجته وأولاده وأهله وأحبائه، وإنا لفراقك يا أبا خالد لمحزونون.

نهنئ سمو رئيس مجلس الوزراء تقلده منصبه وثقة أمير البلاد به، وستكون كلمة أمير البلاد له بأن "ثوبك نظيف؛ فحارب الفساد، وحارب المفسدين" هي بمثابة رؤية لمرحلة جديدة لمواجهة الفساد، وهي العلامة البارزة التي سيسعى لها سمو رئيس مجلس الوزراء، وكلنا ثقة بذلك.

وأنوه إلى أنه في 30 أكتوبر 2018م، سطرت مقالاً نشرته في هذه الزاوية حول "الإصلاح الوطني في الكويت"، واقترحت جهوداً تُبذل من أجل مسارات نحو الإصلاح الوطني، منها:

أولاً: إن عفواً خاصاً يتكرم به أمير البلاد على أبنائه الذين صدرت بحقهم أحكام خاصة؛ بلا شك سيكون الأساس الذي تنطلق منه باقي الجهود لمسار تفاهم وطني وشعبي، وستكون تلك المبادرة السامية اللبنة الأولى في إعادة ترتيب أولويات العمل الوطني القادمة.

ثانياً: أن يقوم مجلس الأمة -برئيسه وأعضائه- بواجباتهم المنشودة في ترتيب أولويات التفاهم مع الحكومة لإصدار القوانين المهمة التي تساند عملية التفاهم السياسي بين الحكومة ونواب الشعب؛ على أساس نجاح مهمة الحكومة وإنجاز المشاريع، في مقابل خدمة الشعب الكويتي، وتنمية المجتمع، وتطوير أداء الحكومة، والالتزام بالقانون ومحاربة الفساد الإداري.

ثالثاً: دعم مسار استقلال القضاء وإصدار القوانين التي تؤكد هذا الاتجاه.

رابعاً: إعادة النظر في مسارات التضييق القانوني لمساحات الحريات، وتنظيم حالة التعبير في المجتمع، وإعادة وضعها في مساقها المنسجم مع الدستور الكويتي.

خامساً: أن يقوم مجلس الأمة بدراسة نتائج عشر سنوات من تنفيذ القوانين الانتخابية، وفرز الإيجابيات وطرح السلبيات، والخروج برأي موحد مع الحكومة؛ لتطوير حالة انتخابية ناجحة تعبر عن المرحلة الجديدة من الإصلاح والتفاهم الوطني.

سادساً: إن إقرار قانون ينظم العمل السياسي ويؤسس للانتساب للمشاركة الشعبية الحقيقية على أساس من الوعي والانضباط القانوني سيساهم بشكل مباشر في تنظيم عمل القوى السياسية المختلفة، بما فيها قوى المعارضة، ويضعها تحت مسؤولياتها القانونية، ويجسد حالة الرقابة القانونية، والاختيار الشعبي لقيادات هذه التيارات السياسية، ولفرز نواب يمثلون الشعب على قدر من الوعي والنضوج والمسؤولية.

وقد تتبعت واطلعت على الكثير من الآراء المنشورة في الصحافة المحلية حول الرؤى والنصائح التي تناقش التوجهات لتشكيل وزارة سمو رئيس الوزراء الشيخ صباح الخالد؛ فوجدت أغلبها يصب في نفس الاقتراحات والمسارات التي اقترحتها منذ عام.

فهي تشكل انسجاماً وتفاهماً لكل محبي الكويت، فاستقرار الكويت والحفاظ على أمنها الوطني أولوية قصوى لا يقتصر على الوسائل الدفاعية العسكرية، وإنما منهج يحافظ على التماسك الاجتماعي والوطني للشعب والدولة معاً، ولكن ضمن رؤية للإصلاح، وهو بالضبط ما نريده من سمو رئيس مجلس الوزراء أن تكون له رؤية جديدة تميز بين عهدين.

إن الرؤية الوطنية للحكومة الجادة ستجعل المسار السياسي والعلاقة بين الدولة والشعب يسير على وضوح كامل في تحقيق الأهداف السابقة التي اقترحناها.

لكن من أهم التحديات التي ستواجه الرئيس هي مراكز القوى التي تحتضن الفساد السياسي والمالي والاجتماعي، مما يقتضي الحاجة إلى دعم شعبي مساند، وهذا يؤكد من جديد أن توافر السياسة الرشيدة والقوية غير كاف مع عدم توافر الأدوات المساندة لتنفيذها، وهذا يعني عدة أمور:

- نهج جديد في اختيار الوزراء القادرين على تنفيذ رؤية سمو رئيس الوزراء في مواجهة الفساد.

- سياسة رشيدة في قيادة مجلس وزراء متناسق ومتفاهم ومتكامل ويعبر عن الرؤية السياسية لسموه.

- دعم شعبي من خلال ممثلي الأمة الذين أثبت التاريخ السياسي لهم أنهم واجهوا الفساد ونهج المكاسب المصلحية الخاصة.

- إطفاء الملفات الداخلية الساخنة، وخصوصاً ما يتعلق بطبيعة العلاقة مع المعارضة وبعض أعضائها الذين طالتهم أحكام السجن بسبب مواقفهم السياسية.

إن التفاؤل يستنهض بنا بعد تولي الشيخ صباح الخالد الصباح هذه المسؤولية الثقيلة لنظافة ثوبه وجديته وكفاءته، وأنه قادر -بإذن الله تعالى- أن يخطو بالحكومة إلى وضع أفضل في ظل أوضاع داخلية وخارجية صعبة.

الثلاثاء, 30 أكتوبر 2018 14:03

الإصلاح الوطني في الكويت

منذ عام 2008م، وبدءاً من تحركات المعارضة الكويتية في مسارات الحراك السياسي، في مواجهة الحالة الحكومية وإدارتها للملفات السياسية، ومع بدء دور الانعقاد العادي الثالث من الفصل التشريعي الـ15 لمجلس الأمة في 30 أكتوبر 2018م، فإن الكويت قد مرت خلال هذه الفترة بأحداث جسام، عصفت باستقرار المجتمع والدولة، والعلاقة بين السلطة ومختلف الأطراف السياسية، وانتهت إلى حالة من الجمود، تخللها تردٍّ سياسي وإعلامي وحقوقي، وانتهت بحسم تلك الجولة السياسية لتصبح الملفات السياسية المحلية بيد الحكومة، وتراجع دور المعارضة السياسية مع تضييق لحالة الحريات الإعلامية، واتساع نطاق الجزاءات القضائية في مجال الخلاف السياسي، كل ذلك أدى إلى اضمحلال حالة الوفاق والسلام الوطني الاجتماعي.

ونتيجة لهذه الأحداث منذ عشر سنين من الصدام السياسي والاجتماعي، فقد قُسّمَ المجتمع إلى كتل متنافرة لم يعهدها المجتمع الكويتي منذ عقود طويلة، وتتسم هذه الفترة أيضاً بأنْ صاحبتها متغيرات خارجية ضاغطة على الأمن الوطني والاجتماعي مؤثرة على وجود الدولة؛ منها تحديات حقيقية على المستوى السياسي والإستراتيجي والأمني.

وكانت حكمة أمير البلاد هي صمام الأمان في إدارة هذه التحديات وإدارة الملفات الإقليمية والدولية المحيطة بالكويت، والمؤثرة على الأمن الوطني، والاستقرار الاجتماعي والسياسي، واستقر الوضع السياسي إلى حالة من الترقب والأمل والطموح، في أن تتم معالجة مخلفات العقد الماضي من الزمن إلى معادلة استقرار وطني، تعتمد مسارات سياسية ودستورية تكون منسجمة مع طبيعة روح الدستور، ومتناسبة مع انفتاح المجتمع الكويتي، وأن تتجه معادلة التوازن بين السلطة والمجتمع نحو مسارات الاستقرار والتنمية.

لقد نادت أصوات عاقلة وحكيمة في أكثر من وقت للعمل على التوافق والإصلاح الوطني؛ وذلك لمزيد من السلام الاجتماعي وتماسك المجتمع الكويتي ووحدته.

وانطلاقاً من أن عقداً قد مضى -بما فيه من إخفاقات وتراجعات- فإنه يتوجب على العاملين في مجال النشاط الوطني التفاهم والتوافق ما بين الدولة والمجتمع، كمرحلة جديدة تعيد للكويت حالتها التي تميزت بها عبر تاريخها السياسي والاجتماعي، وهذه خطوط نقترحها لتضاف إلى الجهود والنداءات المبذولة في مسار الإصلاح الوطني:

أولاً: إن عفواً خاصاً يتكرم به أمير البلاد على أبنائه الذين صدرت بحقهم أحكام خاصة؛ بلا شك سيكون الأساس الذي تنطلق منه باقي الجهود لمسار تفاهم وطني وشعبي، وستكون تلك المبادرة السامية اللبنة الأولى في إعادة ترتيب أولويات العمل الوطني القادمة.

ثانياً: أن يقوم مجلس الأمة -برئيسه وأعضائه- بواجباتهم المنشودة في ترتيب أولويات التفاهم مع الحكومة لإصدار القوانين المهمة التي تساند عملية التفاهم السياسي بين الحكومة ونواب الشعب؛ على أساس نجاح مهمة الحكومة وإنجاز المشاريع، في مقابل خدمة الشعب الكويتي، وتنمية المجتمع، وتطوير أداء الحكومة، والالتزام بالقانون ومحاربة الفساد الإداري.

ثالثاً: دعم مسار استقلال القضاء وإصدار القوانين التي تؤكد هذا الاتجاه.

رابعاً: إعادة النظر في مسارات التضييق القانوني لمساحات الحريات، وتنظيم حالة التعبير في المجتمع، وإعادة وضعها في مساقها المنسجم مع الدستور الكويتي.

خامساً: أن يقوم مجلس الأمة بدراسة نتائج عشر سنوات من تنفيذ القوانين الانتخابية، وفرز الإيجابيات وطرح السلبيات، والخروج برأي موحد مع الحكومة؛ لتطوير حالة انتخابية ناجحة تعبر عن المرحلة الجديدة من الإصلاح والتفاهم الوطني.

سادساً: إن إقرار قانون ينظم العمل السياسي ويؤسس للانتساب للمشاركة الشعبية الحقيقية على أساس من الوعي والانضباط القانوني سيساهم بشكل مباشر في تنظيم عمل القوى السياسية المختلفة، بما فيها قوى المعارضة، ويضعها تحت مسؤولياتها القانونية، ويجسد حالة الرقابة القانونية، والاختيار الشعبي لقيادات هذه التيارات السياسية، ولفرز نواب يمثلون الشعب على قدر من الوعي والنضوج والمسؤولية.

إن استقرار الكويت والحفاظ على أمنها الوطني أولوية قصوى، في مرحلة زمنية تموج بالأخطار والتحديات من حولنا، وإن إدارة الحوار الوطني والتفاهم السياسي بين الحكومة والتيارات الوطنية لمهمة تاريخية، يجب أن تبدأ ولا تتأخر تحت رعاية سامية حكيمة.

التحليلات والتفسيرات التي صدرت من أفراد وجهات عديدة حول أحداث البصرة متحيزة بشكل كبير إلى اتجاه واحد من التحليل الإستراتيجي، وتمكين هذا التحليل من التوصل إلى أن إيران وحلفاءها محركو هذه الأحداث؛ وذلك من أجل مواجهة إجراءات الولايات المتحدة الأخيرة ضد إيران بإيقاف الإنتاج النفطي لبعض دول المنطقة.

وباعتقادي أن الكثير من هذه التحليلات تنقصها الدقة التحليلية، والمعلومات المؤكدة، وهذا يؤدي إلى تحليل غير منطقي، ومن ثم تقدير موقف خاطئ، يضلل أصحاب القرار السياسي في الداخل العراقي أو دول الجوار.

وما لم تفصح جهة معينة عن مسؤوليتها عن تحريك الأحداث أو ظهور دلائل على تدخلات إيرانية أو أمريكية أو حزبية؛ فإن اتهام جهة ما يصبح عرضاً غير لائق بالتحليلات الإستراتيجية.

لذا يجب التطلع للتأكد مما يلي:

- أن هذه التحركات عفوية ومطالب مقبولة حقيقية، سارت بها مجموعات غير منظمة، ثم تحولت إلى نقطة التقاء مشتركة في الأهداف، وهو الضغط على صناع القرار في بغداد لاتخاذ حلول للمشكلات الآنية والسريعة لحياة المواطن، كالكهرباء والماء والنقل والأسعار.. وغيرها، بالإضافة إلى جور الشركات النفطية التي اقتصرت في التعيينات على الأجانب دون أهل البصرة وشبابها؛ مما يعني أن مطالب هذا التحرك هي مطالب شعبية وليست حزبية أو سائرة في سيناريوهات إقليمية ودولية.

- أن كلاً من إيران والولايات المتحدة لديهما مصالح وبينهما صراعات وتحديات داخل العراق، وهذا لا يمنع كلا الطرفين من دفع سيناريو حركة الاحتجاجات؛ للحصول على مكاسب لصالحهما، ولكن الدخول إلى سيناريو الحشد على الحدود الكويتية والسعودية كغطاء لمواجهة الاحتجاجات من أجل صراع دولي وإقليمي يجب دراسته بعناية ودقة، حتى لا يتخذ صاحب القرار إجراءات غير سليمة للتكيف مع الأحداث، وهذا لا يعني عدم اتخاذ الاحتياطات والحذر، ولكن من المهم عدم تصعيد الإجراءات غير الضرورية فتحدث أزمة داخلية في الكويت ودول الجوار، تعرض الأمن الوطني والتماسك الاجتماعي ومستوى الحالة السياسية لحالة من الاضطراب، والنزوع نحو إجراءات يستغلها البعض لرفع الكلف الاقتصادية والمالية والاجتماعية على الدولة والمجتمع.

- كما أن الحراك الاجتماعي في البصرة غير "مُسيَّس" لكن لا يستبعد أن تستغله أطراف محلية لحسم صراعات في تشكيل الحكومة العراقية الجديدة، أو لصنع حكومة طوارئ مؤقتة لتجاوز أزمة سياسية أو مالية أو استحقاقات غير قادرة عليها الحكومة العراقية أو الأحزاب الأخرى، وعليه؛ فإن أطرافاً عدة في العراق تود استغلال مثل تلك الاحتجاجات لحسم الصراعات، ولتتقدم في المفاوضات لتشكيل الحكومة أو إعادة تشكيل ملفات داخلية داخل العراق.

وللعلم، فإن محطة التكرير في منطقة بيجي تم تدميرها من قبل تنظيم "داعش" في العراق منذ فترة الصراع السابق، وتعهدت إيران بتزويد المحطة بالبنزين المكرر من محطات إيرانية، ونتيجة للإجراءات الدولية والإقليمية الأخيرة، فإن إيران توقفت عن تزويد محطة بيجي بالنفط المكرر؛ مما أدى إلى توقف الكهرباء في المناطق الحيوية وفي البصرة، وإذا أضفنا فشل الحكومة العراقية في إلزام الشركات الأجنبية بتعيين العراقيين في المشروعات التي تديرها في جنوب العراق والبصرة، فإن ذلك أدى إلى حالة من الحراك الشعبي للمطالبة بحقوق واحتياجات طبيعية للعراقيين في البصرة وما حولها، فهي مشكلة إدارة لسياسات الدولة العراقية.

وعليه؛ فالمطلوب ما يلي:

1- من المهم للكويت ولأي دولة جوار للجنوب العراقي تشكيل فريق أزمة متخصص للتعامل مع هذا الحدث، ومدى انعكاساته على الأمن الوطني والعلاقة مع العراق ضمن هذا الحدث.

2- إجراء التحليل الإستراتيجي المنطقي لمثل هذه الاحتجاجات، ووضعها في سياقها الطبيعي والحقيقي لاتخاذ تقدير موقف صحيح وسليم.

3- اتخاذ الاحتياطات والاحترازات اللازمة لاحتمالات تطور الأحداث.

4- التواصل مع الدولة المركزية في العراق للتعرف على تطورات الحدث والتعاون في استقرار الوضع.

5- إجراء الاتصالات اللازمة مع دول الخليج لتفهم الوضع الجديد والتشاور فيه.

6- عدم التسرع في إصدار أي بيانات أو تصريحات تتعلق بأزمة داخلية في العراق ما لم تمس أمننا الوطني.

السبت, 31 مارس 2018 13:10

المهمة لم تنتهِ بعد!

إن النداءات المتكررة لـ"علمنة" العمل الحركي الإسلامي بعيداً عن السياسة جزء متناسق مع "علمنة" الدين التي يبذل النظام الفكري الغربي جهداً كبيراً في تأسيسه بين المثقفين والساسة وحتى رجال الدين وقادة العمل الإسلامي.

كما أن عزل الأحرار والمخلصين وحاملي الفكرة الإسلامية عن جهاد العمل الوطني الجاد في الإصلاح والتغيير السياسي هدف ترمي له الكثير من القوى المحلية والدولية للسيطرة على مسار المصالح فيما بينها.

إن إعطاء الحق لكل إنسان أياً كان انتماؤه الفكري أو السياسي أو الاجتماعي حق ممارسة السياسة وتأسيس الأحزاب والعمل من خلالها إلا الإسلام السياسي، فعليهم بسبب فشلهم في مرحلة ما أو لموقف سياسي خاطئ أن يتركوا السياسة.

المشكلة ليست في فشل فصائل من العاملين الإسلاميين في ميدان السياسة، المشكلة أن النظام السياسي العربي من جميع جهاته قد حكم منذ ما يقارب 100 عام وهو يفشل فشلاً ذريعاً في نهضة سياسية أو تنموية حقيقية، ومع ذلك لا ينصح بعض الكتَّاب هذا النظام بأن يرحل وينشغل حتى بالتجارة ويترك السياسة!

لقد كتبت عدة مقالات ناصحة أو منتقده أو متطرفة عن الأخطاء الإستراتيجية التي أخطأها ويُخطئها النظام السياسي العربي في منطقتنا، لكن لم يخلص إلى النتيجة أن يترك هذا النظام عن ممارسة لعبة إدارة السياسة الإستراتيجية في المنطقة.

إذن، أين المشكلة؟!

المشكلة ليست بممارسة السياسة.

إذ لا يعقل أن يطلب من حركات إسلامية منتشرة في العمق الاجتماعي وممتدة في جغرافيا المنطقة العربية والإسلامية أن تترك السياسة، تكمن المشكلة في أن الطبقات القيادية أياً كان انتماؤها أو إن كانت في السلطة أو خارجها لا تنتهج نهج الممارسة السياسية الصحيحة والمطلوبة في عالم السياسة المحلية والإقليمية والدولية، ولا تولي أو تفرز وفق الكفاءة المقتدرة على إدارة عمل سياسي يقود الدولة بشكل صحيح، وهذا يقودنا إلى دراسة النتائج لا تشريح المواقف، فنتائج الحرب العراقية الإيرانية مثلاً في الثمانينيات التي وقف ضدها بعض الجماعات الإسلامية أدت إلى إضعاف العراق وغزو الكويت من قبل صدام، وتم خلالها بناء القواعد والاتفاقيات الأمنية مع الولايات المتحدة، في حين أن كل القوى ودول المنطقة كانت تؤيد الحرب التي عارضتها هذه الجماعات.

النتيجة أن موقفها كان صحيحاً، والمنطقة دخلت في مأزق الصدام الحتمي نحو تمزيق العرب وجغرافيتهم.

أما في حرب الخليج الثانية، فلنكن عادلين ومنصفين أن غالبية الإخوان وقفوا ضد غزو صدام للكويت، ومهما كان هناك دعم من إعلام الطرفين لتضخيم موقف على آخر، فالإخوان لا يملكون أكثر من البيانات ومهرجانات الشجب التي مارستها كل الأحزاب العربية الأخرى.

وكان اعتراض الإخوان المعترضين على الاستعانة بالقوات الأمريكية كان اقتراحهم أن تكون قوة عربية لحل الأزمة.

لكن لنعود للنتائج، وإن كنا ننظر في هذه الوقائع بالطبع من زوايا تقدير مختلفة؛ إذ إننا ننظر إلى أهمية تحرير الكويت لأن الكويت كانت ولا تزال بقعة إستراتيجية مهمة، بل ومهمة للنشاط الإسلامي في العالم العربي والإسلامي؛ لذا وجب تحريرها، ماذا كانت النتيجة؟

بالطبع، تحرير الكويت أدى لتحطيم العراق عسكرياً وبسط الولايات المتحدة نفوذها بشكل كامل على المنطقة ميدانياً وخضوع الحالة السياسية لمنطق القوة الأمريكية، ووضع دول المنطقة تبعاً للمجهود الحربي للولايات المتحدة وحلفائها.

وأما الحرب الثالثة التي أيضاً عارضها الإخوان التي شكل الأمريكيون والدول العربية فيها حلفاً كان نتيجته إسقاط العراق نهائياً تحت تفاهم النفوذ الإيراني الأمريكي وإشعال المنطقة بحروب المليشيات المتطرفة الطائفية السُّنية والشيعية، وكشف الدرع الأمنية الإستراتيجية حول منطقة دول الخليج للنفوذ الإيراني، والتحامه مع النظام السوري ممتداً للبحر الأبيض المتوسط في قلب بيروت، إذن ماذا بقي للعرب؟ وهل كان الإخوان يفهمون السياسة والإستراتيجيا أكثر ممن بيده السلطة والسياسة؟!

وعندما قامت الثورات العربية في مناطق الظلم والطغيان في بعض بلدان جغرافية العرب، ودعمها الإخوان، ووجهت بثورات مضادة مدعومة من النظام السياسي العربي، فهل نتائج هذه المواجهة التي أديرت بتوافق مع النظام الدولي بطريقة ما، هل كانت من صالح استقرار المنطقة وشعوبها؟ وأين العقل السياسي من غير الإخوان؟ ألم تتمزق المنطقة وتتأسس فيها كتلة نظام عربي يعمل بشكل غير مفهوم لسيطرة إيران و"إسرائيل" على المنطقة؟

وهل منطق إزاحة الإخوان عن السياسة يستدعي كل هذه الكلف السياسية والاقتصادية والبشرية والتغيير الديمجرافي كله من أجل إزاحة الإخوان عن ممارسة السياسة؟

إن هذا يجعل المثقف الواعي أن يعيد دراسة تقدير الموقف بشكل صحيح معتمداً على النتائج لا على المواقف.

وأتفق مع بعض الإخوة الأعزاء على أن السياسة مجال احتراف لا هواية، وأن من يريد ممارسة السياسة عليه أن يكون محترفاً ويؤسس احترافه على كفاءة واقتدار عملي، وألا تترك هذه البضاعة لكل أحد، وعلى جماعات الإسلام التي تُمارس السياسة أن تحترفها بشكل صحيح وناضج ولا تتركه لقادة لا يستوعبون الواقع.

لقد فشل الإخوان في إدارة الدولة في مصر بعد الثورة، وهذه نتيجة حقيقية لا تُنكر، لا بسبب الفكر السياسي للإخوان، وإنما بسبب العجز القيادي والجمود التنظيمي، ويجب أن يترك الفاشلون العمل للكفاءات المقتدرة في العمل السياسي، ولكن لا يمكن أن يتم التجاوز على أكبر جماعة إسلامية في التاريخ الحديث ويطلب منها أن تنزوي في المساجد والجمعيات الخيرية لأنها فشلت في مرحلة زمنية، إذ إننا عرفنا من كتاب الله هزيمة المسلمين في "أُحد"، ولكن لم يترك المسلمون الجهاد لأنهم هزموا في معركة، وإنما التوبة وتصحيح الأخطاء واجب.

والأمر الآخر، وهو هل نجح الإخوان في مهمتهم كما عبر عنها بعض الكتَّاب المخلصين لهم؟

أعتقد أنهم نجحوا جزئياً، وتبقى أن يُكملوا مهمتهم، لكن ليس وحدهم، فأصل المهمة أساسها مواجهة المشروع الغربي الذي دخل المنطقة منذ إصلاحات وغزو نابليون لمصر الذي هدفه تغيير هوية المنطقة من إسلامية لتصبح تحت سيطرة الفكر الغربي تشريعياً وسياسياً واجتماعياً ليسهل السيطرة على مواردها وإمكاناتها وتعجز عن استقلالها وسيادتها ونهضتها وتكون وعاءً استهلاكياً لكل منتجات الغرب، ولذا فإن المواجهة كانت جهادية في بدايتها، وبعد إخمادها تحولت إلى إعداد فكري وتربوي، ومنها تأسس العمل السياسي.

في حين أن النخب التي أسسها الغرب فكرياً أنتجت جيلاً سياسياً يُؤْمِن بالعلمانية الغربية، وينسجم ويتكيف مع مطالبه؛ ولذلك تم تسليمها إدارة الحياة والسياسة، والناتج هو تخلف وتمدد للطغيان، وتبعية متواصلة، ومع امتداد الزمن وضعف النظام السياسي أصبح اختراق الثقافة والمجتمع العربي في هويته ليصبح اليوم خامة جاهزة للتغريب الكامل، كما حدث في المجتمعات الأخرى عندما خضعت بكامل هويتها للنظام الثقافي الغربي، ومثال على ذلك اليابان، فقد حدثني أحد الإخوة المفكرين والناشط في ميدان تحليل الهوية والمجتمع، أن سرطان الثدي بين النساء في اليابان قد انتشر بعد الحرب العالمية الثانية بشكل كبير، وعند دراسة نتائج التحليلات الطبية تبين أن 80‎%‎ منها بسبب تغير ثقافة الأكل اليومي من الغذاء الياباني إلى الغذاء الغربي الذي غزا الهوية الاستهلاكية للمجتمع الياباني.

إن المجتمعات العربية تواجه هجمة على هويتها وصلت إلى محاولة تمكين الإلحاد والهجوم على ثوابت الدين والقرآن والسُّنة وتغيير واقع المرأة بتغريبها وإطلاق تيار الشهوات والاستهلاك وفق أفق الثقافة الغربية، ولا توجد حماية لمجتمعاتنا من نظام سياسي عربي، بل إن إدارة تغيير الهوية يتم بإدارة نظام سياسي عربي تابع، لذا فالمهمة لم تنتهِ، فمن سيقوم إذن بمهمة الإصلاح في ميدان الفكر والسياسة والمجتمع؟ لا بد من كتل حية في المجتمعات العربية والإسلامية، ولذا فمهمة الجماعات الإسلامية لم تنتهِ، ويجب أن تُمارس دورها في كل المجالات، ولكن عليها أن تتعظ من أخطائها، وأن تبادر إلى تصحيح مناهجها وأساليبها وقياداتها.

لكن من يعيد كل العرب؛ جماعات ودول، إلى وعي السياسة وفهم الإستراتيجيا ومنهج العمل بالسنن؟

المنشد المعروف مشاري العرادة يرحمه الله، وجعل صوته مثقالاً لميزانه يوم القيامة.. فكم أسعد الملايين بنشيده العذب! وكم أثار دوافع العمل والهمة لدى الشباب! وكم فتح آمال مَنْ أنهكهم تعب المعاناة وقيدتهم إسارات النفس!

وكم دعت له ملايين الأمهات بسبب شحذ الهمم لنصرة المظلوم، وارتاعت من صوته قلوب المنافقين الجدد الذين نشروا رذيلة الغناء الفاسد!

فأسأل الله أن يثقل ميزانه، بقدر ما وصل من صوته آفاق العالم بلا حدود، واستمر هذا الصوت بالحداء الصادق إلى يوم القيامة.

 

أدت نتائج الاستجواب البرلماني الذي قدمه النائبان عبدالكريم الكندري، ورياض العدساني، لوزير الدولة لشؤون مجلس الوزراء وزير الإعلام بالوكالة، الشيخ محمد عبدالله المبارك الصباح، إلى حالة من الذهول السياسي لسببين؛ أن حالة الحكومة وتشكيلها الحالي كانت غير متماسكة وتدعو إلى الشفقة، والسبب الآخر هو التسارع في تأييد طرح الثقة حتى من نواب يعتبرون سنداً للحكومة الكويتية.

لقد وصلت الإدارة الحكومية في إدارة البلد إلى مستوى من الإفراط في الترهل والتسويف وتفشي الفساد الإداري والمالي وعدم حل الأزمات من الجذور، وها هي الإدارة الحكومية تعيش أسوأ مراحلها، إذ فقدت العمل الجماعي والرؤية المشتركة والقدرة على إدارة الأزمات وحل المشكلات المعقدة، بالرغم من أن الوقت كان لصالح الحكومة، حيث أدت التفاهمات التي تمت بين نواب المعارضة والحكومة إلى فترة هدوء تمكِّن الحكومة من القيام بدورها المفترض أن تقوم به، ولكن نظراً لتعقيدات إدارة القرار السياسي الحكومي أصبحت الحكومة عاجزة عن تلبية الخطاب الصريح لأمير البلاد في مواجهة التحديات والأخطار التي تحيط بالكويت، وخصوصاً بعد الأزمة الخليجية التي باتت تهدد تماسك الدول الخليجية وبالطبع تهدد الكويت بشكل مباشر.
إن نتائج الشهور الماضية من عمل الحكومة ليؤكد أهمية رحيل هذه الحكومة وإعادة صياغة حكومة جديدة قائمة على تفاهمات مع نواب الأمة في مرحلة تاريخية.
إن تكوين الحكومة القادمة هو تحدٍّ جديد أمام السلطة والمجلس لإدارة الأزمات المتراكمة منذ عام 2012م إلى اليوم، وخصوصاً مع تزايد التحديات الأمنية والخارجية على البلاد.
ولتمكين حكومة قادرة على إدارة البلاد، فإن تشكيلها من أغلبية برلمانية وتطعيمها بوزراء "تكنوقراط" سيكون بداية لحل قائم على التفاهمات الشعبية والحكومية، ولإعطاء رئاسة الحكومة سنداً من السلطة والشعب ممثلاً في المجلس، وتكون تلك التفاهمات قائمة على التوافقات اللازمة لحل المشكلات المعلقة فيما يتعلق بقضايا التجنيس والقيود الأمنية والقضايا المرفوعة على شباب ورجالات الحراك السياسي، وتأسيس توافق حول أهم الملفات والأزمات، منها الملف الأمني والاقتصادي والرياضي.
ولنجاح مثل هذا الاختيار السياسي، فإنه يتوجب على الأطراف جميعاً الاتفاق على ما يلي:
- كيفية اختيار النواب الممثلين للشعب في الحكومة والوزراء "التكنوقراط" بشكل قائم على الكفاءة والقدرة.
- منهج إدارة الحكومة الجديدة في حل الأزمات وإدارة الملفات.
- القضايا الرئيسة التي يجب أن تكون من أولويات برنامج الحكومة الجديدة.
- الملفات المأزومة والاتفاق على إنهائها في مدة زمنية يتفق عليها.
إن نجاح نواب البلد والحكومة في إيجاد حكومة برلمانية و"تكنوقراط" سيكون أولى مراحل حل الأزمات العالقة في البلاد، بالإضافة إلى منهج جديد حكومي لإدارة البلاد بما يحقق اتجاهاً وطنياً لتنفيذ توجهات الخطاب السامي الذي صدره سمو أمير البلاد يوم الثلاثاء 24/ 10/ 2017م، في افتتاح دور الانعقاد العادي الثاني من الفصل التشريعي الخامس عشر للمجلس.

يبدو أن هناك تفويضاً للرئيس الأمريكي ترمب الذي انتُخب في نوفمبر 2016م ونُصّب رسمياً بانتقال الحكم إليه في 20 يناير 2017م - ليقوم بدور احترابي مع المسلمين.

فقد أصدر عدة قرارات بمنع المسلمين المنتمين لمجموعة من الدول دخول الولايات المتحدة، كما أنه بصدد مراجعة الإجراءات الأمنية والقانونية للمهاجرين المسلمين والمتواجدين على الأراضي الأمريكية.

كان ذلك تنفيذاً لوعوده الانتخابية؛ فقد قال في حملته الانتخابية: الحدود ينبغي أن تظل مغلقة أمام المسلمين حتى يتواصل نواب الشعب إلى فهم واضح لأسباب تلك الكراهية؛ ويعني بذلك الاستطلاعات التي تُظهر كراهية المسلمين للأمريكيين.

كما أكد أيضاً: "فلنُخرج جميع المسلمين من البلاد، ولنبنِ حاجزاً بيننا وبينهم".

وفي السياق نفسه، تهدف سياسات "ترمب" الجديدة، ومن خلال فريق عمله اليميني المتطرف، حسم القضايا الرئيسة في بلدان الثورات العربية والشرق الأوسط المسلم، وكذلك في تغليظ سياسات الابتزاز ضد دول الخليج وعلى رأسها المملكة العربية السعودية.

فهو لا يرى أن تقود شعوب المنطقة نفسها وفق آليات الديمقراطية والحريات التي طالبت بها الشعوب فهذا الموضوع أصبح من الماضي، ففي سورية يؤكد أن يكون هدفه الرئيس التركيز على "داعش" وليس على تغيير نظام "الأسد" الذي مارس جرائم حرب الإبادة واستخدم الأسلحة المحرمة.

فهو يقول: إن "الأسد" مسألة ثانوية، مقارنة "بتنظيم الدولة"، وذلك في مقابلة أجرتها معه جريدة "الجارديان" البريطانية في أكتوبر 2016م.

كما أن "ترمب" يرفض استقبال مزيد من اللاجئين السوريين، وسيسعى إلى وجود الجيش الأمريكي في المناطق الآمنة في سورية؛ من أجل استيعاب اللاجئين والنازحين على أن تدفع دول الخليج ثمن ذلك.

وقد صرّحت إدارته بالتوجّه لإيجاد مناطق وملاذات آمنة تحت الحماية الأمريكية في أربع مناطق (منطقتان في الشمال، وواحدة في منطقة الساحل والغرب، ورابعة في المنطقة المحاذية للجولان).

والهدف واضح، حيث إن بعض التحليلات بهذا الشأن تؤكد أهمية تأمين تواجد أمريكي عسكري في هذه المناطق، وخصوصاً أن للأمريكيين قاعدتين عسكريتين تم بناؤهما في الأراضي التي تسيطر عليها القوى الكردية السورية (PYD) الموالية لحزب العمال الكردستاني الذي يشن حرباً ضد تركيا، أما منطقة الشمال في إدلب فهي ستظل لتأطير قوى الثورة والمعارضة داخلها، وحصار الثورة في هذا الشريط والذي ستشرف عليه تركيا، أما الشريط الساحلي فستعطي روسيا تفويضاً كاملاً فيه ومساحة أكبر للنظام العلوي، وأما الشريط الموازي لـ"اإسرائيل" فهو لضمان حماية "إسرائيل" بحكم ذاتي لقوى درزية وموالية للولايات المتحدة.

أما باقي سورية؛ وهو الجزء الأكبر من مساحتها الذي تسيطر عليه قوى "داعش"، فالتوجه في إدارة "ترمب" هو استمرار مواجهة هذا التنظيم كهدف رئيس، وإعادة بناء التحالف "الأمريكي - الروسي - التركي - الإيراني" لمواجهته والقضاء عليه، ولو تم الاستمرار في تدمير كل سورية.

أما قضية المسلمين الأولى وهي فلسطين؛ فإن توجه "ترمب" وإدارته يتمثل في ثلاثة مسارات؛ تحصين الدولة اليهودية وحدودها، ونقل السفارة الأمريكية من "تل أبيب" إلى القدس لإضفاء الشرعية للاحتلال الكامل للقدس ضد كل القرارات الدولية، ثم محاربة سلاح "حماس" وإنهاؤه.

وقد تسارعت فعاليات حكومة الكيان الصهيوني في إقرار قانون المستوطنات الذي صوت "الكنيست" الصهيوني يوم 30 يناير الجاري عليه.

ويعد ذلك مكسباً تاريخياً للكيان الصهيوني في ظل إدارة "ترمب"، واستجابة لوعوده في خطابه أمام المؤتمر السنوي للجنة الشؤون العامة الأمريكية "الإسرائيلية" (إيباك) في مارس 2016م، وذلك في أنه حال انتخابه رئيساً سقيم تحالفاً قوياً بين بلاده و"إسرائيل"، ورفض أي اتفاق تفرضه الأمم المتحدة على "إسرائيل" والفلسطينيين ووصفه "بالكارثة"، واتهم منظمة الأمم المتحدة بأنها ليست صديقة لـ"بتل أبيب".

ويُظهر "ترمب" حقده بشكل سافر، وهو الرئيس الأمريكي الذي يؤكد وضوح عدائه تجاه المملكة العربية السعودية، فهو يطالب المملكة بدفع ثلاثة أرباع ثروتها من أجل حماية المملكة داخلياً وخارجياً.

كما أنه دعا في حوار أجرته معه صحيفة "نيويورك تايمز" إلى إمكانية التوقف عن شراء النفط من دول مثل السعودية في حال لم تقم بنشر قوات برية في المعركة ضد تنظيم "داعش"، أو أن تدفع للولايات المتحدة مستحقاتها لدورها في الحرب.

هذا الابتزاز الرخيص لأقوى دولة في العالم يدل على توجهات "ترمب" للاحتراب مع المسلمين ودولهم.

وبالرغم من بدء إجراءات تنفيذية لبعض قرارات الاحتراب آنفة الذكر؛ فإن تلك القرارات جوبهت بسخط شعبي داخلي في الولايات المتحدة وأوروبا؛ حيث تنامت المظاهرات العارمة بنيويورك وواشنطن ومدن كبرى في الولايات المتحدة، منددة بسياسات "ترمب" العنصرية، كما أن حشداً من السياسيين والأكاديميين والمثقفين الأمريكيين والأوروبيين قاموا بأنشطة معارضة ضد هذه القرارات الخاصة بهجرة وإقامة المسلمين في الولايات المتحدة.

كما أن رئيسة وزراء بريطانيا عارضت تلك السياسات، وقد تقدم مليون مواطن بريطاني بعريضة تطالب بإلغاء زيارة "ترمب" إلى بريطانيا، وطالب جمهور من الأمريكيين بسحب جنسية زوجة الرئيس "ترمب"؛ لأنها من أصل سلوفيني ولم يمضِ على تجنيسها أكثر من عشر سنوات.

ووجّه وزير خارجية فرنسا تعليقاً على الحظر الأمريكي بقوله: الإرهاب ليس له جنسية.

وقد دعت المستشارة الألمانية "ميركل" إلى أن تقوم أوروبا بالوقوف ضد سياسات "ترمب" الجديدة.

مما يؤكد نمو تيار أمريكي - أوروبي يشمل دولاً وأحزاباً ومؤسسات وجماهير ولجاناً ضد السياسات "الترمبية" الجديدة.

ويفترض أن يكون للدول الإسلامية وشعوبها وتياراتها تحالف مع تلك التيارات الجديدة المناهضة لسياسات الولايات المتحدة الجديدة، وخصوصاً تلك السياسات العنصرية ضد المسلمين التي تدعو إلى الاحتراب واجتثاث ديمجرافيتهم وواقعهم المعيشي.

بعد الحرب العالمية الثانية اتفقت الدول المنتصرة (دول الحلفاء وروسيا) على إعطاء نفسها حق «الفيتو» (النقض) للتصويت على القرارات بما يضمن لها حق الاعتراض وإسقاط تنفيذ أي إجماع في مجلس الأمن الدولي، واعتبرته حقاً أبدياً مكتسباً ومكافأة وتشجيعاً لها لتأسيس هيئة الأمم المتحدة، ولقد تم خلال ما يقارب 7 عقود الاعتراض على الكثير من القرارات التي تتعارض ومصالح الدول الخمس دائمة العضوية (الولايات المتحدة، روسيا، بريطانيا، فرنسا، الصين) أو يتعارض مع حلفاء هذه الدول.

فمنذ تأسيس الأمم المتحدة عام 1945م استخدم الاتحاد السوفييتي «الفيتو» حوالي 120 مرة، والولايات المتحدة 87 مرة، وبريطانيا 32 مرة، وفرنسا 18مرة، بينما استخدمته الصين 5 مرات.

وكان استخدام الاتحاد السوفييتي لحق «الفيتو» واسعاً جداً في الفترة بين عامي 1957 و1985م، ففي السنوات العشر الأولى من عمر المنظمة الدولية، استخدم الاتحاد السوفييتي حق «الفيتو» 79 مرة.

وخلال الحرب الباردة استخدم الاتحاد السوفييتي حق «الفيتو» باستمرار وبشكل روتيني، لكن في السنوات الأخيرة استخدمت الولايات المتحدة حق «الفيتو» باستمرار لحماية الكيان الصهيوني من الانتقادات الدولية، أو من محاولات الحد من أعمال الجيش «الإسرائيلي» في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
كما صوتت الولايات المتحدة ضد 10 قرارات تنتقد جنوب أفريقيا، و8 حول ناميبيا، و7 حول نيكاراجوا و5 حول فيتنام، وكانت الدولة الوحيدة التي أعاقت صدور 53 قراراً.

ومن بين مشاريع القرارات الاثنين والثلاثين التي صوتت ضدها بريطانيا، هناك 23 مشروع قرار صوتت إلى جانبها الولايات المتحدة، و14 صوتت ضدها فرنسا أيضاً.

كما وقد استخدمت الصين حق «الفيتو» مرتين عام 1972م؛ الأولى لإعاقة عضوية بنجلاديش، ومرة أخرى مع الاتحاد السوفييتي حول الوضع في الشرق الأوسط، كما استخدمت حق «الفيتو» عام 1999م لإعاقة تمديد تفويض قوات الأمم المتحدة الوقائية في مقدونيا، وفي عام 1997م لإعاقة إرسال 155 مراقباً من مراقبي الأمم المتحدة إلي جواتيمالا.

وقد نالت منطقتنا العربية قسطاً كبيراً من الأضرار والاستبداد العالمي نتيجة ممارسة هذه الدول، وخصوصاً الولايات المتحدة، وروسيا لحق «الفيتو»، حيث ساهمت هذه القرارات في فشل الكثير من محاولات التفاهم الإقليمي والمحلي لحساب المصالح الدولية.

ولقد استفادت دولة الكيان الصهيوني أيما استفادة من تمكنها في فلسطين والمنطقة العربية؛ بسبب وقوف الولايات المتحدة ودول كبرى ضد القرارات الرادعة للاحتلال، ولاغتصاب فلسطين والأراضي العربية المحيطة بفلسطين كسيناء ولبنان وسورية والأردن، كما حدث في حرب عام 1967، ولبنان عام 2006، وقطاع غزة عام 2008م.

وها نحن شاهدون على الجرائم الوحشية لروسيا في سورية والداعمة لجرائم الإبادة التي يمارسها نظام “بشار” ضد الشعب السوري؛ حيث اعترضت روسيا على كل المشاريع الدولية التي من شأنها أن توقف الحرب ضد المدنيين، أو تدين النظام السوري لحصاره للمدنيين أو إدخال المساعدات الإنسانية أو إنشاء مناطق عازلة، أو فرض عقوبات على نظام “الأسد”، ولقد صوتت روسيا ضد ما يقارب 6 قرارات بهذا الشأن.

لقد أدى هذا الحق (الفيتو) إلي الإضرار بالسلام العالمي، وساهم في إذكاء الحروب وقتل المدنيين وملايين من أبناء البشرية، وحان الوقت للوقوف ضده، إذ إن استمرار هذا الحق سيفرض حالة الإرهاب الدولي على العالم ، ويساعد في ازدهار الاستبداد والأنظمة الدكتاتورية، ويساهم في إذكاء الصراع الدولي والإقليمي.

لقد آن الأوان أن تتوحد جهود الشعوب الإنسانية ودولها للتكاتف لإلغاء هذا الحق، وإعادة تشكيل مجلس الأمن بالنظام الديمقراطي، وإعطاء الدول وشعوبها حق تمرير القرارات الدولية التي تساعد على نصرة المظلوم وإيقاف طغيان تجار الحروب وسماسرة السياسة الدولية، وهناك حالياً نداءات مشجعة من دول ذات وزن وثقل كالهند والبرازيل وألمانيا وتركيا ومجموعة من الدول العربية والأوروبية ودول أمريكا الجنوبية وآسيا لإلغاء نظام التصويت والحق الحصري للدول الكبرى الخمس بـ «الفيتو» على سيادة وقرارات الدول وشعوب العالم.

الصفحة 1 من 5
  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top