د. عماد الدين خليل

د. عماد الدين خليل

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
السبت, 27 أغسطس 2016 13:26

حرية الرأي وعدم الإكراه

من بداية كتاب الله وحتى نهاياته يجد المرء نفسه أمام التأكيد المتواصل على «حرية الرأي» وعدم «الإلزام»: (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّيَ وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ {28}‏) (هود).

وعبر مسيرة الأنبياء كافة كان النداء نفسه بالدعوة إلى القناعة الحرّة، بعيداً عن أي قدر من القسر والإكراه، ومن ثم تتدفق كلمات الله سبحانه وتعالى وآياته مؤكدةً على رسله وأنبيائه الكرام بعدم إرغام الآخرين، مهما كانوا على درجة من الضلال، على قبول الدين الجديد، والانتماء إليه.

فمهمة الرسل والأنبياء، والدعاة من بعدهم، أن يبيّنوا معالم الصراط، ويكشفوا إزاءه عن الطرق المعوّجة، ويقدّموا للناس منظومة القيم التي بعثوا بها، ورفضهم للمعايير البشرية الضالة المنحرفة، ثم يتركوا – بعد ذلك – حرية الاختيار لمن يشاء: (فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ) (الكهف:29).

ولطالما أكد كتاب الله على رسوله الأمين محمد عليه أفضل الصلاة والسلام أن يلتزم هذا الأمر، وألاّ تدفعه الغيرة على دينه إلى إكراه قومه على الانتماء إليه، وناداه: (وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ) (ق:45)، (قُل لَّسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ {66}) (الأنعام)، (وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ {107}) (الأنعام)، (وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ {108}) (يونس)، (وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ) (الزمر: 41)، (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً {54}) (الإسراء)،  (أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً {43}) (الفرقان).

ولطالما بيّن له أنه ليس هو المسؤول عن هداية الناس - هداية القلوب - وإنما عليه أن يبذل جهده في حدوده القصوى - هداية الإرشاد - ويترك الباقي على الله سبحانه وتعالى، ونتائج سعيه ليس بالضرورة أن يحصد ثمارها في حياته، على هذه الأرض، إنما عليه أن يسعى، والله سبحانه وتعالى هو الكفيل بترتيب النتائج على مقدّماتها؛ (وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ) (يونس:46)، (وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ {40}) (الرعد)، (فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ {77}) (غافر).

الرسول في المنطوق القرآني مبلّغ، مطلوب منه أن يوصّل بلاغه للناس كافة، أما ما يترتب على هذا البلاغ من حصاد فهو من أمر الله وحده، بمعنى فتح باب حرية الاعتقاد على مصراعيه أمام المدعوين، فليس ثمة أي قدر من القسر والإكراه والإرغام بعد إذ اتضح الحق والباطل، والصراط المستقيم والطرق المعوجة، وترك الأمر بعدها للمخاطبين في أن يسلكوا بحريتهم وإرادتهم وخيارهم هذا الطريق أو ذاك: (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ‏) (البقرة:256).

يكفي أن يبيّن القرآن عذوبة الحياة، وطهرها، ووضاءتها، وسعادة الناس الذين يتحركون في جنباتها في ظلال الإيمان، بإزاء مرارة الحياة، وعفنها، وظلمتها، وتعاسة الناس الذين يذوقون بؤسها يوماً بيوم وساعة بساعة، في ظلال الكفر والمروق، ثم يترك هذا الخيار الحرّ في الذهاب عبر هذا الطريق، أو الارتداد إلى نقيضه.

ومن أجل ذلك كانت حركة الفتح، التي هي التعبير المنطقي السليم عن رؤية الإسلام الانتشارية في العالم لإزاحة الطواغيت وترك حرية الاعتقاد للأمم والجماعات والشعوب، انعكاساً عملياً عن هذا التوجه الأصيل في دين الله: حرية الاعتقاد.

ومن أجل ذلك كان الفاتحون يخيّرون تلك الجماعات والشعوب قبل بدء القتال بإحدى ثلاث: الانتماء إلى هذا الدين، أو البقاء على أديانها مقابل دفع الجزية التي هي إشعار عملي بقبول هذه الشعوب للانضواء تحت السلطة الإسلامية وليس الدين الإسلامي الذي فتح أمام الخيار العقائدي الأبواب الدينية والمدنية على مصارعها، أو القتال.

وإزاء هذا الخطاب الثلاثي المستمد من تعاليم كتاب الله وسُنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وجدنا الكثير من الشعوب تختار بحريتها المطلقة الانتماء إلى هذا الدين الذي جاء فاتحوه لكي يزيحوا من طريقها الطواغيت والأرباب الذين حجبوا عنها طويلاً حق الاختيار.

ونقرأ عبارة ذات دلالة في كتاب "الدعوة إلى الإسلام" للمستشرق البريطاني المعروف السير توماس أرنولد، يقول فيها: «إنه على مدى ثلاثة عشر قرناً من متابعته لانتشار الإسلام في العالم، لم يعثر على حالة واحدة، حالة واحدة فقط أكره فيها غير المسلم على اعتناق الإسلام».

إنه دين التحرير، وعقيدة الحرية، تلك التي رفع شعارها سفراء الإسلام وهم يتحاورون مع هرقل، ويزدجرد، ورستم: «لقد ابتعثنا الله لنخرج العباد من ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن عبادة العباد إلى عبادة الله وحده».

هذه الثلاثية التي تنبض دلالاتها بتحرير الإنسان من ضيق الدنيا وجور الأديان والنظم والمذاهب والحتميات، وعبادة كسرى وقيصر، ونقله إلى سماء الله الكبيرة، وعدل الإسلام، وعبادة الله وحده، حيث لن تقدر قوة في الأرض على أن تجعله ينحني لمطالبها الجائرة، ومقولاتها المعوجة، إنه دين التحرير.

 

مفكر إسلامي وأكاديمي عراقي

الخميس, 09 يونيو 2016 13:21

إلا الصيام..!

من بين كل العبادات الإسلامية.. من بين كل صيغ التقرب إلى الله تعالى.. من بين كل أساليب التطهر الروحي.. يبرز الصوم جهداً متميزاً وسعياً خالصاً وكفاحاً صعباً لنيل رضا الله سبحانه وثوابه.

فما من عبادة يمارسها الإنسان إلا وهي تنطوي، بما ينفخ فيها الشيطان من أساليبه الماكرة، على هامش للرياء الذي تتداخل في جنباته النيات الحسنة بمقاصد السوء من حب الظهور والتباهي وكسب رضا الناس.

الصلاة التي يمكن أن يرائي بأدائها الإنسان، وأن ينفلت من إلزامها أنى شاء دون أن يلحظه أحد، الزكاة التي يمكن أن يدلس الإنسان في دفع مستحقاتها دون أن يلحظه أحد، الحج الذي يمكن أن يكون وسيلة لتغطية سلوك معوج بديكور خارجي جميل دون أن ينتبه إليه أحد، شهادة لا اله إلا الله التي اخترقت عبر التاريخ وجدان آلاف الناس بعشرات الممارسات الشركية ومئاتها وألوفها دون أن يكتشفها أحد.

لماذا «إلا الصيام»؟

هذا الجهد المكافح والملزم بالامتناع الصارم عن الطعام والشراب وكل صيغ السلوك الملتوية من أجل أن يمضي لتأدية مهمته الأساسية في كسب رضا الله، فلا يقدر الإنسان أن يدلس فيه أو يمارس غشاً من أي نوع كان؛ لأن عملاً كهذا سيخرجه من التزامه بمطالب الصيام.

من أجل ذلك ورد في الحديث القدسي أن كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لله تعالى وهو يجزي به، يقول الله عز وجل فيما يرويه عنه رسوله صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي: «عن أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَالَ اللَّهُ: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ، وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ، لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا؛ إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ، وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ» (متفق عليه).

هكذا يحدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رب العزة بهذه الكلمات القاطعة التي تعد وتنذر في الوقت نفسه، ومن أجل ذلك شمر المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها عن سواعدهم وهم يستقبلون رمضان سنة بعد أخرى، وعلى مدار التاريخ؛ فامتنعوا عن الطعام والشراب، وتمحضوا لغسيل خبراتهم الروحية من كل ما من شأنه أن يمسها بسوء، واضعين نصب أعينهم خصوصية هذه العبادة وارتباطها المباشر بالله «إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به».

رمضان.. واستعادة الدور الحضاري

وبالانتقال من الخاص إلى العام، فإن هذه العبادة المتميزة المكافحة الصبورة كان يمكن أن تنفخ النار في جسد الأمة الإسلامية الممزقة، المتهالكة، المترعة بالشروخ والهزائم والأحزان، وأن تشد أواصرها وهي تمارس هذا الجهد المشترك من الصبر والتحمل، وأن تذكرها بأن صيامها هذا الذي يعدها الله سبحانه بأعلى درجات الثواب إن أحسنت القيام به؛ يجب أن يدفعها إلى المزيد من التوحد وتجاوز الخلافات والمضي قدماً لاستعادة دورها الحضاري الضائع.

فهذا الشهر الكريم الذي يطرق أبواب الأمة سنة بعد أخرى، يجب أن يعلمها الصبر والكفاح المتواصل والتمحض من أجل تحقيق الأهداف الكبرى لهذه الأمة التي غدت عبر القرون الأخيرة قصعة يولم عليها المولمون من مشارق الأرض ومغاربها كما تنبأ يوماً رسول الله صلى الله عليه وسلم.

سلوكيات خاطئة

ويدهش الإنسان وهو يرى بعض أولئك الذين يتحدثون عن حكمة الصيام كيف أنهم يضيقون عليه الخناق، فيجعلونه مجرد دافع للإحساس بمأساة الفقراء والجائعين، وكأننا كمسلمين لا بد أن نجوع لكي نحس بما يعانيه الآخرون دون التفات إلى نبض هذا الدين الذي يجعل من العدل الاجتماعي واحداً من مرتكزاته الكبرى على مستويي التشريع والتوجيه على السواء!

ويدهش الإنسان وهو يرى الشعوب الإسلامية تتسابق في مد موائد الطعام مساء كل يوم من أيام رمضان، لا يؤكل سوى العشر، وترمى الأعشار الأخرى في سلال المهملات، بينما الآلاف من المسحوقين يتضورون مسغبة وجوعاً!

ويدهش الإنسان كيف تصبح ملاهي الأمسيات الرمضانية والعروض التلفازية وكأنها هي المقصودة من جهد النهار فتنتشر تقاليدها وبدعها في مشارق الأرض ومغاربها انتشار النار في الهشيم!

التوازن النفسي والجسدي

ونحن نتحدث عن شهر الصيام هذا، لا بد أن نتذكر ذلك التوافق المدهش بين هدف كل عبادة في هذا الدين وتساوقها مع الحاجات والمطالب البيولوجية والنفسية والاجتماعية للإنسان؛ الصلاة، الحج، الزكاة، والصيام الذي طالما أكدت الدراسات الطبية والنفسية ضرورته لاستعادة السوية الطبيعية للإنسان في صحته وعافيته، في تكوينه النفسي، وعبر علاقاته الاجتماعية.

إن كل عبادة تنطوي على جملة من الترميزات التي تبدو لأول وهلة أن لا علاقة لها بهذا الذي نتحدث عنه، مجموعة من الرموز المنفصلة عن مطالب الإنسان الحيوية والتي يراد منها فقط الاستجابة لأمر الله سبحانه، ولكن بالإيغال في شرايين كل عبادة يتبين ذلك التوافق المدهش بين الرمز والمطلب البشري، بين الاستجابة لأمر الله والتحقق بالمطالب الجسدية والنفسية والاجتماعية على السواء، وتلك هي واحدة من معجزات هذا الدين.

إن الصيام عقد مقدس بين العبد وربه، وإنه يتطلب استجاشة أعمق نقطة في خلايا العقل والقلب والروح والوجدان من أجل أن يكون بحجم رمضان كما يريده الله ورسوله، لا كما اعتاده المقلدون.

«فإنه لي وأنا أجزي به»؛ لأنه - جل في علاه - يعلم ما يكلفه الصوم من مشقة وما يتطلبه من صبر، ليس فقط عن الطعام والشراب، وإنما عما اعتاد عليه الناس وأصبح جزءاً أساسياً من حياتهم اليومية عبر أحاديثهم ومعاملاتهم من رياء وغيبة وتنابز وغيرها من عشرات الممارسات الخاطئة التي يجيء التوقف عنها بقوة الإرادة الإيمانية، بمثابة إعلان للحرب على «الخطيئة» مهما ضؤلت ودقت، وهذا يتطلب جهداً فائقاً لن يكون جزاؤه إلا ذلك الذي يجيء من عند الله سبحانه، وما أعظمه من جزاء.

ومرة أخرى؛ فلو قدر لهذه الأمة أن تعرف كيف تتلقى هذه المنحة الكبرى، وهي تكافح الجوع والعطش والتطهر من الآثام، بأن «تتوحد» وتتجاوز كل صيغ الخلاف والتقاتل، وتمضي صوب تغيير واقعها البائس هذا صوب ما أراده لها الله الذي قال في أجيالها الأولى: إنها خير أمة أخرجت للناس؛ لكانت قد وضعت خطواتها على الطريق الصحيح.

الأحد, 08 مايو 2016 15:58

حول العلمانيين

(أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (21)) (الشورى).

ودائماً نقول: إن من حق العلمانيين أن يدعوا إلى فصل الدين عن الدولة، وأن يؤكدوا مذهبهم هذا صباح مساء في الصحف والإذاعات والفضائيات والندوات والمؤتمرات، وأن يكدّوا حتى تجف ألسنتهم وتنشف حلوقهم في الهجوم على مفاهيم الدولة الإسلامية، ومحاولة تفنيدها وإثبات بطلانها، وليؤلفوا الكتب والبحوث في ذلك، فليس ثمة من يمنعهم لأن هذه هي قناعتهم الحرّة في تصوّرهم – الخاطئ – هذا!

وإذا كان كتاب الله قد سمح بالوجود حتى للكفر والكافرين بقوله: (فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) (الكهف:29)، أفلا يسمح لفئة موازية من الناس تؤمن بالله وباليوم الآخر، ولكنها تدين بالعلمانية، وتدعو إلى فصل الدين عن الدولة؟!

لكن ليس من حقهم مطلقاً أن يسعوا إلى تخلّي الإسلاميين عن عقيدتهم الثابتة والمؤكدة في كتاب الله وسُنة رسوله "صلى الله عليه وسلم" بخصوص الدولة الإسلامية.. ألّا يلاحقوهم ويسلطوا عليهم أشد النظم والممارسات البوليسية دموية لكفّهم عن قناعتهم تلك، فكما أعطى الإسلاميون خصومهم الحق في تبني العلمانية، والدعوة لها، فإن على هؤلاء أن يعطوا الإسلاميين الحق في تبني الارتباط المحتوم بين الدين والدولة، والدعوة إليه، والسعي لتنفيذه في واقع الحياة.

ولكن أليس من حق الإنسان أن يتساءل: كيف يبرّر العلمانيون لأنفسهم هذا الالتواء العقلي المناقض – ابتداء – للبديهيات الإسلامية، فيما يشبه تبرير حاصل جمع برتقالة إلى تفاحتين بأنه يساوي 3!

إذا كان ذلك تقليداً لما شهدته الساحة الغربية حيث جاءت العلمانية دواءً ناجعاً للقضاء على تسلط الكنيسة اللاعقلاني واللاعلمي على مقدّرات العلماء والباحثين، وإرغامهم على التسليم بمقولاتها الرجعية الخاطئة، فذلك هو الخطأ الكبير الذي يقول عنه الداهية الفرنسي العجوز «تاليران»: «إنه خطأ والخطأ أكبر من الجريمة»، لأنه في الإسلام، وكما يقول الباحث البريطاني المعاصر «روم لاندو» في كتابه «العرب والإسلام»: مضى الدين والعلم معاً على الطريق، يعزّز أحدهما الآخر، لأنهما معاً كانا يسعيان إلى تأكيد وجود الله سبحانه وتعالى، أما إذا كان ذلك سوء فهم لمطالب هذا الدين، وعدم إدراك لمقاصده الأساسية، فهو الموقف الذي يتطلب نقاشاً.

أتراهم لم يقرؤوا كتاب الله بعقل منفتح مرةً واحدةً.. مرةً واحدةً فقط، حيث تترى فيه هذه الآيات: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (44)) (المائدة)، (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (45)) (المائدة)، (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (47)) (المائدة)؟ أتراهم لم يقرؤوا الآية الكريمة التي تجعل الحكم في السماوات والأرض، أي التشريع، بيد الله سبحانه وتعالى: (وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (84)) (الزخرف)؟ أتراهم لم يتساءلوا يوماً كيف يمكن تنزيل أحكام الشريعة الإسلامية على كافة مفاصل الحياة الفردية والجماعية والفردية، دونما دولة تقوم مؤسساتها بتنفيذ ذلك التنزيل؟

أتراهم لم يقرؤوا التاريخ الإسلامي، بالجهد المطلوب، ذلك التاريخ الذي بدأ منذ عصر الرسالة بالبحث عن البيئة الملائمة لإقامة دولة الإسلام، وكيف جاءت رحلة رسول الله "صلى الله عليه وسلم" إلى الطائف، واتصاله ببضع عشرة قبيلة، ثم مبايعته للأنصار في بيعتي العقبة الأولى والثانية، تأكيداً على ضرورة إقامة الدولة التي لا تكتفي بتنزيل شريعة الله على أرض الواقع، وإنما – أيضاً – تسعى لحمايتها من التآكل والعدوان؟

ثم ألم يروا كيف أن المسلمين اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة، وجثمان الرسول صلى الله عليه وسلم لم يوارَ التراب بعد، لحلّ إشكالية الخلافة، ثم ما لبثوا أن انتخبوا أبا بكر الصديق رضي الله عنه الذي مضى خطوات واسعة، ومن بعده إخوانه الراشدون، في تأكيد مفاهيم الدولة الإسلامية؟

أتراهم لم يطلعوا ولو عرضاً، على منظومة الفقه الإسلامي الخصبة في سياقاته كافة: الفقه المقاصدي، وفقه الموازين، وفقه سدّ الذرائع والمصالح المرسلة، وفقه الفتوى.. لكي يروا بأم أعينهم كيف تمت الإجابة عن كل الأسئلة المتعلقة بالدولة الإسلامية، صغيرة كانت أم كبيرة؟

مهما يكن فإن من حقهم ألاّ يقرؤوا، ولا يروا، ولا يتفحصوا.. وأن يظلوا على عماهم بخصوص هذه القضية الأم من العقيدة والفقه والتاريخ الإسلامي، لكن ليس من حقهم أن يسعوا إلى إرغام الإسلاميين على التخلّي عما هو معلوم من الدين بالضرورة.

أليس ذلك – مرةً أخرى – هو الخطأ الأكبر من الجريمة؟

حقاً إن هؤلاء العلمانيين يشرعون من الدين ما لم يأذن به الله، فيمارسون بذلك الظلم الذي يتوعدهم الله عليه بالعذاب الأليم.. وصدق الله العظيم.

الإثنين, 04 أبريل 2016 16:20

حول القدر والحرية

{إِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللّهِ لاَ يَهْدِيهِمُ اللّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (النحل: 104)، {... فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} (الصف: 5)، {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ} (يونس: 100)، {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيراً} (النساء: الآية 115)، {فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بَآيَاتِ اللّهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقًّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً} (النساء: الآية 155)، {وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن يُدْخِلُ مَن يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُم مِّن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ} (الشورى: الآية 8)، {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} (العنكبوت: الآية 69)، {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا...} (السجدة: الآية 24)، {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ ب...} (يونس: الآية 9)، {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ * وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَلِقَاء الآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} (الأعراف: 146-147)، {وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ} (الشورى: 30)، {فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ}

(الزخرف: الآية 55)، {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ} (الزخرف: 76).

فهل ثمة أكثر من هذا تأكيداً على منطقية القدر في المنظور الإسلامي، ودقته وإحكامه؟ ها هنا حيث ترتبط النتائج بأسبابها، لا تشذ عنها ولا تعاكسها، وإنما تتساوق معها وتنبني عليها من أجل أن تضع كل شيء في مكانه المناسب تماماً.

ها هنا نجد – مثلاً – أن الله سبحانه وتعالى لا يهدي من لا يؤمن بآياته، طواعية وباختياره المطلق، سواء كانت آيات الله في الكون والعالم والطبيعة والإنسان، أو في كتابه المعجز، وما أكثرها، ولكن العمى هو العمى، وعندما تعمى البصيرة فلن يكون بمقدور ألف من حواس البصر أن تُري صاحبها الحق؛ فهو والهدى على طرفي نقيض.

ها هنا لا يزيغ الله سبحانه وتعالى إلا القلوب التي اختارت أن تزيغ عن أمر الله تعالى، وآياته، ودلائل وجوده، ووحدانيته سبحانه، والذين لا يعرفون كيف يستعملون عقولهم للوصول إلى الحق يحيقهم الله بالرجس، ويصدّهم عن الإيمان؛ لأنهم اختاروا بإرادتهم ألا يستجيبوا لنداء الإيمان.

وها هنا يكون نقض المواثيق، وقتل الأنبياء بغير حق، وتغليف القلوب بطبقة من الران والصدأ سبباً لكي يطبع الله على قلوب أصحابها بالكفر، وها هنا يصير الظلم الذي يمارسه الإنسان بحريته واختياره سبباً لطرده من رحمة الله تعالى، ويصير التكبر في الأرض بغير الحق، والعزوف عن سلوك سبيل الرشد واستبدال سبيل الغي به، والتكذيب بآيات الله ولقاء الآخرة، والغفلة عنها، سبباً في الجزاء الذي يستحقونه وفق قاعدة «الجزاء من جنس العمل».

والمصائب التي تحيق بالناس لا تأتي جزافاً، وحاشا لله، إنما تأتي بما كسبت أيديهم، وبالأسباب التي سهروا على صنعها، والتي كان لا بد أن تؤول إلى هذه النهايات المفجعة.

وبالمقابل؛ فإن الله يهدي من يجاهد فيه.. الجهاد على إطلاقه.. الأكبر والأصغر، وبذل ما في الوسع للاستقامة على الطريق، والذين قدّر لهم أن يصيروا أئمة يهدون بأمر الله سبحانه، ما كان لهم أن يتربعوا القمة ويصيروا كذلك لولا أنهم صبروا على البأساء والضرّاء، وحوّلوا حياتهم إلى جهد مكافح في مجابهته لكل صنوف الأذى والعدوان، هذا إلى أن الله سبحانه وتعالى لا يهدي إلا أولئك الذين آمنوا وعملوا الصالحات وجعلوا حياتهم كفاحاً موصولاً من الإيمان والعمل الصالح.

وهكذا تتدفق الآيات لكي ترسم التصوّر العادل، الصحيح، لمسألة القدر والحرية، تلك التي طاشت مسالك أولئك الذين اتبعوا الظنون والأهواء، أو انتموا إلى المذاهب المعوجّة والأديان المحرفة، فلم يعد بمقدورهم أن يتبيّنوا مسالك الطريق، وطاشت بموازينهم الأحكام بخصوص هذه المسألة التي بين أيدينا، والتي لا يتسع المجال للخوض في تفاصيلها، في مقال موجز كهذا.

وفي آيات ثلاث من سورة «القصص»، يحسم القرآن الكريم ظاهرة القدر والحرية، ويضع النقاط على الحروف التي تزيد ما ورد في الآيات السابقة تأكيداً ووضوحاً:

 {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} (سورة القصص: الآية 56)، {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ * وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ} (سورة القصص: الآيتان 68-69).

ومحور هذه الآيات هو علم الله سبحانه وتعالى الذي يسبق الحكم على المصائر، وهو علم مطلق بالباطل والظاهر على السواء.

وبناء على هذا العلم الذي لا يتقاطع مع إرادة الإنسان واختياره، يجيء الجزاء العادل هدايةً أو ضلالاً.

وفي كل الأحوال، فإن فعل الإنسان هو الذي ينبني عليه الجزاء: فـ{هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} (الأعراف: 147).

الصفحة 2 من 2
  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top