د.أشرف دوابه

د.أشرف دوابه

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
الأحد, 09 أغسطس 2020 09:59

التمويل الاجتماعي الإسلامي

2020-08-09_10h02_51.jpgذهب تقرير التمويل الاجتماعي الإسلامي للمعهد الإسلامي للبحوث والتدريب بجدة إلى أن التمويل الاجتماعي الإسلامي يضم الزكاة والأوقاف ومؤسسات التمويل الأصغر لخلق فرص عمل للفقراء، وذلك من خلال ثلاثة أنماط من المؤسسات التي تقدم التمويل الإسلامي الأصغر، وهي:

الأولى: مؤسسات تمويل أصغر تستخدم عقوداً تمويلية ربحية، وتسعى إلى تحقيق أرباح متواضعة لضمان استدامة التمويل.

الثانية: مؤسسات إسلامية غير ربحية وتعاونيات قائمة على الأعضاء تقدم خدمات التمويل الأصغر، وتستند كذلك إلى عقود تمويلية ربحية.

الثالثة: مؤسسات إسلامية غير ربحية وتعاونيات قائمة على الأعضاء تقدم خدمات التمويل الأصغر، وتستند إلى عقود تمويلية غير ربحية، مثل القرض والوكالة والكفالة.

خصائصه

يتسم التمويل الاجتماعي الإسلامي بخصائص متعددة، من أهمها:

1- أنه تمويل ذات أبعاد اجتماعية، فهو جزء لا ينفصم من طبيعة التمويل ذاته، سواء أكان ربحياً أم غير ربحي.

2- أنه تمويل يتفق وأحكام مقاصد الشريعة الإسلامية، فلا يعرف للربا والنشاط المحرم سبيلاً، ولا للحيل المذمومة في المعاملات المالية طريقاً.

3- أنه تمويل يهدف إلى التمكين الاقتصادي وتنمية المجتمع وعمارة الكون، فهو منهج عملي لمفهوم الاستخلاف في المال، وما يتطلبه من مسؤولية استخلافية.

4- أنه تمويل متنوع ومتعدد الأساليب التمويلية، حيث ينقسم إلى:

أ- التمويل الاجتماعي الخيري (غير الربحي): وهو قائم على التبرعات والبر والإحسان؛ كالقرض الحسن والصدقات التطوعية والزكاة والوقف.

ب- التمويل الاجتماعي الربحي: وهو قائم على الربحية المتواضعة التي تراعي الجوانب الاجتماعية، وتسعى في الوقت نفسه لضمان استدامة التمويل، وينقسم بدوره إلى:

- التمويل الاجتماعي بالمعاوضة: وهو قائم على المعاوضات كالبيع الآجل وبيع السلم وبيع الاستصناع والتأجير سواء أكان منتهياً بالتمليك أم خدمات، فضلاً عن الوكالة بالاستثمار.

- التمويل الاجتماعي بالمشاركة: وهو قائم على المشاركات كالمشاركة المؤقتة، والمشاركة المتناقصة، والمضاربة، والمزارعة، والمساقاة، والمغارسة.

5- أنه تمويل يقوم على أساس دراسات الجدوى من الناحية الاقتصادية والاجتماعية، وهذا يعني أن المشروعات عند دراستها تخضع للأولويات الإسلامية من ضروريات وحاجيات وتحسينات؛ مما يحقق تخصيصاً أمثل للموارد، وتنمية اقتصادية واجتماعية مستدامة.

6- أنه تمويل يعمل على بناء الإنسان من خلال قدرته على التمكين الاقتصادي، ومن ثم بناء رجال وسيدات أعمال في المجتمع، والانتقال بالمحتاجين من كونهم اليد السفلى لتكون يدهم عليا، تعطي ولا تأخذ.

أهميته

تبدو أهمية التمويل الاجتماعي الإسلامي من خلال كونه عبادة يتقرب بها الممول إلى الله عز وجل إذا أخلص له النية فيها بتلبية الحاجات المشروعة للخلق وإعمار الكون، كما أنه قد يكون فرض عين من خلال التمويل التمليكي بالزكاة، أو فرض كفاية من النوعية الأخرى من التمويلات، توفيراً للاحتياجات التمويلية للعباد، لإعانتهم على طاعة الله، وتمكينهم اقتصادياً، ومن ثم تقوية بنيان الدولة الاقتصادي، وإعانتها على تحقيق دورها في سياسة الدنيا وحراسة الدين.

والتمويل الاجتماعي الإسلامي وسيلة من وسائل تحقيق مقاصد الشريعة، باعتبار حفظ المال من المقاصد الشرعية الخمس (الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال) التي ترجع إليها تصرفات العباد، فضلاً عن كون التمويل الاجتماعي الإسلامي يمتد لحفظ الدين والنفس والعقل والنسل كذلك، بقدرته على التمكين الاقتصادي، ومن ثم التمكين الاجتماعي، كما أن التمويل الاجتماعي الربحي إحدى الوسائل المشروعة للكسب، فرغم أن ربحيته متواضعة لاستدامة التمويل، فإن فيه دوراناً للمال وتقليبه، وتسخيراً للموارد الاقتصادية البشرية والمادية، ومن ثم إشاعة الخير والنماء في المجتمع.

يشير تقرير التنمية العربية إلى أن المشروعات الصغيرة والمتوسطة في الدول العربية ما زالت تشكو من صعوبة التمويل المناسب، بالرغم من تعدد الجهات التي تقدم التمويل لهذه المشروعات سواء أكانت داخلية؛ مثل المؤسسات المصرفية، وجمعيات القروض الصغرى، وشركات التأجير التمويلي، وشركات الاستثمار، بالإضافة إلى آليات التمويل من خلال الأسواق التي تستهدف تلك المشروعات في بعض الدول العربية، أم كانت جهات خارجية؛ مثل الحساب الخاص الذي يديره الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي، وتمويل البنك الإسلامي للتنمية، وتمويل المنظمات الدولية.

ومما يؤسف له أن هذا التخبط التمويلي في الدول العربية لم يحقق الحماية لأبنائها من الفقر والبطالة؛ حيث يشير التقرير الاقتصادي العربي الموحد إلى أن نسب الفقر في الدول العربية وفق خطوط الفقر الوطنية تتراوح بين 4.8% في المغرب، و48.6% في اليمن، كما يشير البنك الدولي إلى أن نسبة البطالة في الدول العربية بلغت نحو 10%، وهو ما يمثل نحو ضعفي معدل البطالة في العالم.

إنه رغم ما تعانيه المجتمعات العربية من فقر وبطالة، فإن التمويل في الجانب الاجتماعي في تلك المجتمعات ما زال متواضعاً، وهذا الأمر يطرح إشكالية تتعلق بالتمويل الاجتماعي الإسلامي ومدى قدرته على المساهمة في التمكين الاقتصادي من خلال تمويل المشروعات المتناهية الصغر والصغيرة، وقد تعددت تعريفات تلك النوعية من المشروعات وفق رؤية المؤسسات الدولية والإقليمية والوطنية المعنية بها، «حيث عرفت منظمتا العمل الدولية والعربية المشروعات الصغرى أو متناهية الصغر بأنها المشروعات التي يعمل بها من 1 - 4 عمال، والمشروع الصغير الذي يعمل به من 5 - 19 عاملاً».

ولعل التوجه نحو الشمول المالي الذي تتبناه المؤسسات الدولية والمحلية يفتح المجال بصورة فعالة للاهتمام بالتمكين الاقتصادي؛ حيث إن الشمول المالي يعني: «إمكانية وصول الأفراد، بمن فيهم أصحاب الدخل المنخفض، والشركات، إلى مجموعة واسعة من الخدمات المالية الرسمية ذات جودة عالية (مدفوعات، تحويلات، ادخار، اقتراض، تأمين.. إلخ)، يتم توفيرها بطريقة مسؤولة ومستدامة من قبل مجموعة متنوعة من مقدمي الخدمات المالية في بيئة قانونية وتنظيمية مناسبة وبكلفة معقولة». 

وفي ظل الحاجة الماسة إلى اتباع أساليب مبتكرة لتحفيز النمو الاقتصادي، يمكن للشمول المالي القيام بدور بالغ الأهمية في خلق فرص عمل والحد من الفقر وتحقيق التنمية بالمفهوم الشامل والمستدام؛ فالأفراد والمشروعات الصغيرة والمتوسطة الذين تتوافر لديهم فرص الوصول إلى مصادر التمويل الرسمية والحصول على التمويل، يكونون قادرين على إنشاء أنشطة مدرة للدخل ومشروعات جديدة والتوسع في المشروعات القائمة.

وتشير نتائج قاعدة بيانات الشمول المالي، على مستوى الدول العربية، إلى أن متوسط نسبة الذين يمتلكون حساباً في مؤسسة مالية قد ارتفع من 22% عام 2011 إلى 37% عام 2017م، وذلك مقارنة بارتفاع المتوسط العالمي الذي ارتفع من 51% عام 2011 إلى 69% عام 2017م؛ وهذا يعني انخفاض مستوى الشمول المالي في الدول العربية مقارنة بالمتوسط العالمي.

ومن هنا، جاء الشمول المالي على رأس أولويات صناع القرار على مستوى العالم كأولوية اقتصادية وإنمائية؛ نظراً لدوره الكبير في دعم النمو الاقتصادي، وتقليل التفاوت في توزيع الدخل، وتوفير فرص العمل، وزيادة مستويات الرفاه الاقتصادي.

إضافة لما سبق، يساعد الشمول المالي على تحقيق تسعة من الأهداف السبعة عشر التي أقرتها الأمم المتحدة لتحقيق التنمية المستدامة بحلول عام 2030م، التي على رأسها خفض الفقر، ومكافحة الجوع، وخلق المزيد من فرص العمل.

إن التكامل بين التمويل الاجتماعي الإسلامي والشمول المالي لتحقيق التنمية المستدامة من أبرز ما يميز الاقتصاد الإسلامي الذي يحقق التوازن التنموي الأفقي للجيل القائم، والتوازن التنموي الرأسي بين الجيل الحالي والأجيال اللاحقة قبل أن تعرف الأمم المتحدة مصطلح التنمية المستدامة، قال تعالى: (وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) (الحشر: 10).

والتمويل الاجتماعي الإسلامي من أهم الوسائل الفعالة للمساهمة في تحقيق التمكين الاقتصادي والتنمية المستدامة، بما يملكه من تنوع في أساليبه، سواء أكان تمويلاً خيرياً أم ذات ربحية، وقد آن الأوان للدول الإسلامية (ومؤسسات العمل الخيري) التركيز على التمويل الاجتماعي الإسلامي بعيداً عن سعر الفائدة المقيت؛ للانتقال بالمحتاجين من الفقر والبطالة إلى الكفاية، ومن أخذ الزكاة إلى إخراجها، ومن الاعتماد على الغير في احتياجاتنا إلى الاعتماد على أنفسنا بتمويل اجتماعي يراعي حاجات المجتمع وأولوياته، ويوفر سلعاً وخدمات تحل محل الواردات، وتعزز الصادرات، وتحقق الاكتفاء الذاتي للبلاد والعباد.

2020-07-08_10h12_43.jpg

جاءت جريمة مقتل «فلويد» بعد 3 أشهر من مقتل شاب أسود آخر وهو «أحمد أربيري» في ولاية جورجيا، أثناء ممارسته رياضة الجري، على يد رجل وابنه من ذوي البشرة البيضاء، وقد دفع مقتل «جورج فلويد» إلى اندلاع احتجاجات كبيرة في أنحاء الولايات المتحدة، ترفع شعار «حياة السود مهمة»، وخرجت بعض تلك الاحتجاجات عن جانب السلم إلى العنف، وأصبحت تهدد عرش الرئيس الأمريكي «دونالد ترمب»، حتى وظَّف الإنجيل في الوقوف ضدها، ولكن لم يزد تصرفه هذا إلا استهجاناً، كما انتشرت المظاهرات في العديد من دول العالم التي تندد بالعنصرية، ولم ينطفئ لهيب الاحتجاجات حتى اشتعلت نار التظاهرات بصورة أكبر بعد التمادي في قتل آخرين من السود.

إن هذه العنصرية البغيضة لم تكشف عن عنصرية الجنس البشري واللون فحسب، بل كشفت كذلك عن توحش النظام الرأسمالي الذي يزيد الغني غنى والفقير فقراً، ويقسم المجتمع إلى طبقتين؛ طبقة غارقة لا تجد قوت يومها، وطبقة طافية مترفة، حتى وصلت نسبة الذين يعيشون تحت خط الفقر في الولايات المتحدة نحو 12%، وارتفع معدل البطالة إلى 13.7%، في أبريل الماضي، وقد بدا واضحاً رد الفعل على الطبقية التي هي نتاج العنصرية المالية البغيضة من خلال السلب والنهب بصفة خاصة للمتاجر ذات الماركات العالمية المشهورة.

إن ما يحدث بأمريكا يكشف بوضوح عن عورة الذين يتغنون بالحرية ويغذون العنصرية، وفي مقدمتهم الرئيس الحالي «دونالد ترمب»، وفي الوقت نفسه يتهمون الإسلام ليلاً ونهاراً خفية وجهاراً بالإرهاب، هذا الدين الخالد الذي حارب العنصرية ووصفها بـ «المُنْتِنة»، وأقرَّ للبشر جميعاً التكريم والتسخير والرزق والتفضيل دون تمييز في قوله تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً) (الإسراء: 70)، وحينما أقرَّ التمييز لم يجعله على أساس الجنس أو اللون أو اللغة أو المال، ولكن بمعيار التقوى، فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (الحجرات: 13).

فالله تعالى هو من خلق الأبيض والأسود، ولا ينبغي أن يحاسَب إنسان على لونه، فهو ليس من اختياره، ومعيار التفرقة يكون بشيء مرتبط بسعي البشر وإرادتهم وهو التقوى، وفي الحديث الصحيح أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّ الله لا ينظر إلى صوركم، ولا إلى أموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم»، كما رُوي عن أبي ذر رضي الله عنه أنه قال: قاولت رجلاً عند النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت له: يا ابن السوداء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا أبا ذر، طف الصاع طف الصاع، ليس لابن البيضاء على ابن السوداء فضل».

وعنصرية المال التي بدت نواجذها واضحة في أزمة «فلويد» بأمريكا من خلال التفاوت الطبقي الكبير، وفقدان التراحم بين أبناء المجتمع، لا مكان فيها للإسلام الذي يرسخ للدرجية لا الطبقية، وفتح مجال التراحم ومعالجة التفاوت الطبقي من خلال إعادة التوزيع.

فالله تعالى جعل الناس درجات وليس طبقات، وسخر بعضهم لبعض وفق تخصصاتهم، فكل منهم يحتاج للآخر ولا يستغني عنه، يقول تعالى: (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ) (الزخرف: 32).

يقول صاحب «الظلال» في هذه الآية: «ورزق المعاش في الحياة الدنيا يتبع مواهب الأفراد، وظروف الحياة، وعلاقات المجتمع، وتختلف نسب التوزيع بين الأفراد والجماعات وفق تلك العوامل كلها، تختلف من بيئة لبيئة، ومن عصر لعصر، ومن مجتمع لمجتمع، وفق نظمه وارتباطاته وظروفه العامة كلها، ولكن السمة الباقية فيه، التي لم تتخلف أبداً حتى في المجتمعات المصطنعة المحكومة بمذاهب موجهة للإنتاج وللتوزيع أنه متفاوت بين الأفراد، وتختلف أسباب التفاوت ما تختلف بين أنواع المجتمعات وألوان النظم، ولكن سمة التفاوت في مقادير الرزق لا تتخلف أبداً، ولم يقع يوماً حتى في المجتمعات المصطنعة المحكومة بمذاهب موجهة أن تساوى جميع الأفراد في هذا الرزق أبداً. 2020-07-08_10h12_55.jpg

والحكمة في هذا التفاوت في جميع العصور وجميع البيئات ليسخر بعضهم بعضاً.. ودولاب الحياة حين يدور يسخر بعض الناس لبعض حتماً، وليس التسخير هو الاستعلاء.. استعلاء طبقة على طبقة، أو استعلاء فرد على فرد.. كلا! إن هذا معنى قريب ساذج، لا يرتفع إلى مستوى القول الإلهي الخالد.. كلا! إن مدلول هذا القول أبقى من كل تغير أو تطور في أوضاع الجماعة البشرية؛ وأبعد مدى من ظرف يذهب وظرف يجيء.

إن كل البشر مسخر بعضهم لبعض، ودولاب الحياة يدور بالجميع، ويسخر بعضهم لبعض في كل وضع وفي كل ظرف، لمقدر عليه في الرزق مسخر للمبسوط له في الرزق، والعكس كذلك صحيح، فهذا مسخر ليجمع المال، فيأكل منه ويرتزق ذاك، وكلاهما مسخر للآخر سواء بسواء، والتفاوت في الرزق هو الذي يسخر هذا لذاك، ويسخر ذاك لهذا في دورة الحياة.. العامل مسخر للمهندس ومسخر لصاحب العمل، والمهندس مسخر للعامل ولصاحب العمل، وصاحب العمل مسخر للمهندس وللعامل على السواء، وكلهم مسخرون للخلافة في الأرض بهذا التفاوت في المواهب والاستعدادات، والتفاوت في الأعمال والأرزاق».

العدالة في الإسلام

لقد حرص الإسلام على تحقيق العدالة والتوازن في التوزيع للدخل والثروة؛ ففتح المجال أمام الملكية الفردية من خلال توظيف ما يملكه الإنسان من مهارات، والعمل بصورة نظيفة لا غش فيها ولا احتكار ولا ربا ولا قمار ولا أكل للمال بالباطل على العموم وفتح الباب للكفايات، وتقسيم العمل بين الناس على أساس التخصص وتبادل المنافع.

وفي الوقت نفسه؛ شرع آليات تتولى إعادة توزيع الدخل والثروة، من أبرزها آلية الإرث التي تعيد توزيع الدخول والثروات المكتسبة خلال دورة الحياة على أساس درجة القرابة، والشارع الحكيم وهو يتوخى توزيع الميراث على مستحقيه توزيعاً عادلاً -لا يشوبه حيف ولا يعتريه ظلم- أخذ في الاعتبار بمعيار الحاجة كأساس للتفاضل في التوزيع وليس عنصرية النوع، فكلما كانت الحاجة إلى المال أشد كان النصيب أكبر، ولعل هذا هو السر في كون «للذكر مثل حظ الأنثيين» في بعض حالات الميراث؛ لما يتحمله من تكاليف مالية في مقدمتها المهر والنفقة؛ فالعطاء على قدر الحاجة هو العدل، والمساواة عن تفاوت مقدار الحاجة هو الظلم. 2020-07-08_10h13_23.jpg

كما شرع الإسلام الزكاة على الدخول والثروات بشرائطها، وهو ما يحقق إعادة تلقائية في توزيع الدخول في المجتمع، وفي الظروف الاستثنائية يتدخل الشرع لحماية الفقراء من الحاجة وحماية الأغنياء من الطغيان، قال تعالى: (كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ) (الحشر: 7)، وقد حرص الرسول صلى الله عليه وسلم على إعادة توزيع الدخول بالمال الذي أفاء الله به عليه حينما ظهر على بني النضير، حيث قسمه بين المهاجرين، ولم يعطِ أحداً من الأنصار منه شيئاً إلا رجلين كانا فقيرين.

كما فطن الخليفة عمر بن الخطاب رضى الله عنه إلى العدالة الحالية والمستقبلية في التوزيع فيما يتعلق بأرض السواد في العراق وغيرها، حيث نظر فوجد أن الأراضي المفتوحة تبلغ ملايين الأفدنة، فإذا قام بتقسيمها بين الفاتحين فقط وهم ألوف معدودة تضخمت الملكية في أيدي أفراد قلائل، ولم يجد من بعدهم شيئاً، فأبقى الأرض في يد أهلها وأخذ منهم خراجاً للمسلمين كافة وأجيالهم القادمة، وبذلك رسخ لمفهوم «التنمية المستدامة» قبل أن تعرفها الأمم المتحدة بمئات السنين.

إن إعادة توزيع الدخل والثروة في الإسلام يتجاوز النظام الرأسمالي وعنصريته المالية الذي لا يسمح باستحقاق الثروة أو الدخل المتولد في الاقتصاد إلا لعناصر الإنتاج التي شاركت فيه؛ لأنه يؤمن بأن قوى السوق هي المعيار الوحيد للتوزيع بين الفئات المختلفة، حتى أصبحت الثمرة المرة والنكدة التي أفرزها هذا النظام هي تأجيج نار الصراع الطبقي وإشاعة الكراهية والبغضاء في النفوس المعسرة أو المحرومة من الإنفاق أو من سعة في المال التي أقعدتها ظروف البطالة أو الفقر عن المشاركة في النشاط الاقتصادي، ومن ثم لم تستطع إشباع حاجاتها الضرورية أو أن تنال شيئاً مما يوزع من خلال آلية السوق، التي لا تلبي إلا الطلب المدعوم بالقوة الشرائية الذي يفتقد في حقيقته للمنافسة الشريفة ويتحكم فيه الرأسماليون الكبار.

2020-06-09_11h39_45.jpgلقد عبرت عن هذا الوضع المؤلم مديرة صندوق النقد الدولي «كريستالينا جورجييفا» بتصريحها أن العالم دخل حالة ركود، قد تكون أسوأ من الأزمة المالية العالمية الأخيرة في العام 2008م، وكذلك ما تلاه من تصريحات لكبيرة الاقتصاديين بصندوق النقد الدولي «جيتا جوبينات»؛ أنه من المحتمل جداً أن يشهد الاقتصاد العالمي هذا العام أسوأ ركود له منذ الكساد العظيم عام 1929م، متجاوزاً ما شاهدناه خلال الأزمة المالية العالمية عام 2008م.

والواقع أن الكساد حلَّ بدول العالم بسبب الأزمة، وهذا الكساد بطبيعته ليس بقوة واحدة، ولكنه متعدد القوى؛ فهو كالإعصار يتراوح ما بين عادي ومفجع.

فالكساد العادي يحتل المرتبة الأولى، ويسمى كذلك كساد المخزون؛ حيث يمثل جزءاً من دورة الأعمال التجارية، ويحدث حينما يتجاوز العرض الطلب، فتخفض الشركات الإنتاج بصورة حادة إلى أن يباع ما لديها من مخزون، وهذا يمكن علاجه اقتصادياً من خلال تصحيح السوق نفسها بنفسها أو التوجيه غير المباشر للحكومة.

أما الكساد المفجع وهو من الفئة الخامسة، فيحدث عندما ينهار الطلب نفسه؛ أي عندما يتوقف المستهلكون عن الإنفاق وتتوقف الشركات عن الإنتاج، والعلاج الوقتي لذلك هو تدخل مباشر للدولة بضخ سيولة وتخفيض الضرائب وزيادة الإنفاق الحكومي، لإحياء النمو على المدى القريب، ويكون هذا الأمر له تبعات أكثر إذا وصل مؤشر الضيق الذي يمثل حاصل جمع البطالة ومعدل التضخم إلى رقم عشري أو ذي خانتين.

وفي المراحل الأولى للكساد والتوقع باشتداد الأزمة، لجأت الدول الغربية ذات الاقتصاديات الكبيرة إلى خفض سعر الفائدة نحو الصفر، ووقف البيع على المكشوف، وضخ سيولة، والتشجيع على الإنفاق، وصرف إعانات اجتماعية، ودعم الشركات حتى لا تقع في براثن الإفلاس، وعمل مراكز الأبحاث ليل نهار، وكان لافتاً للنظر الرجوع كذلك إلى الله تعالى والتسليم بقدرته من خلال هذا الفيروس غير الملموس ولكن فعله ملموس في ربوع الدنيا، حيث سجن الناس في بيوتهم، وأوقف دولاب الإنتاج في دول العالم.

3 سيناريوهات للمواجهة

وتضع الأزمة العالم وشكله في أزمة، فالكل ينتظر الخروج منها، وشكل العالم بعد اجتيازها.

وقد تعددت سيناريوهات الخروج منها، ففي دراسة نشرتها جامعة هارفارد وضعت ثلاثة سيناريوهات لتعافي الاقتصاد العالمي من أزمة فيروس «كورونا» بناء على اعتماد الجامعة على معلومات تاريخية مستخلصة من أزمات مر بها العالم في أعقاب أوبئة مماثلة لـ «كورونا» ومراحل تعافي الاقتصاد العالمي منها.

السيناريو الأول (احتمالية وقوعه «قائمة») يعتمد على تعافي الاقتصاد العالمي في غضون 6 أشهر وفق تعافي الأسواق العالمية الكبرى، انطلاقاً من حدوث صدمة في بداية الأزمة، ثم انتشارها، وأخيراً التعافي في سيناريو يشبه حرف «V" صعوداً وهبوطاً.

بينما يقوم السيناريو الثاني (احتمالية وقوعه "معقولة") على انحدار الاقتصاد ثم تعافيه في سيناريو يشبه حرف "U" صعوداً وهبوطاً، وهو الوجه الآخر للسيناريو الأول، ولكن فترة التعافي أطول من الفترة في السيناريو الأول، وتصل لنحو 9 أشهر.

 أما السيناريو الثالث (إمكانية حدوثه "غير متوقعة") فيبدأ بانحدار في الاقتصاد العالمي بسبب صدمة "كورونا"، ثم يعقبه تعافٍ بصورة بطيئة جداً، ويحتاج هذا السيناريو لحدوثه نحو 18 شهراً.

ورغم استبعاد الدراسة حدوث السيناريو الثالث، لكننا نرى أنه قد يكون هو الأقرب للتحقق، لا سيما في ظل عدم الوصول إلى دواء للعلاج حتى وقتنا هذا.

ولن يكون العالم بعد الخروج من الأزمة كما كان قبلها، ولا يعني هذا وجود تغيير جذري في الشكل الاقتصادي العالمي، أو تغيير مراكز القوى العالمية دفعة واحدة؛ فالتاريخ القريب والبعيد يكشف أن هذا التغيير سيكون تدريجياً.

درس للأمريكيين وغيرهم

إن الخروج من الأزمة لن ينهي العولمة، ولكنه سيضعف من وجود القطب الواحد ممثلاً في الولايات المتحدة الأمريكية الذي يتحكم في العالم، الذي غلب عليه التوسع الخارجي، والدخول في حروب وإشعال نار حروب أخرى كان أولى ألا يورط نفسه فيها، وانعكاس ذلك سلباً على اقتصاده ومعيشة الأمريكيين الذين يعرف جلهم الداخل ويجهلون الخارج، وسوف تتعلم أمريكا من هذا الدرس ألا تسلم رقبتها للصين باعتبارها موطن إنتاجها؛ ما سيدفعها إلى البحث عن مواطن جديدة تتسم برخص العمالة أيضاً في المكسيك والبرازيل والهند وإندونيسيا وغيرها، بدل التركيز في موطن وحيد هو الصين.

كما أن هذه الأزمة سيخرج من رحمها دول لو تم التنسيق بينها لأصبح لها قدم في النظام العالمي الجديد، فليست الصين بنظامها الشمولي وحدها مؤهلة، ولا روسيا المنهكة بالتدخل في الدول الأخرى وتركيزها على التسليح مهيأة، فهناك أيضاً دول أمريكا اللاتينية، والهند، والفرصة متاحة كذلك للتكتل التركي الماليزي الإندونيسي الباكستاني لو تم التنسيق بينها بصورة جيدة وانضمت إليها دول إسلامية أخرى؛ فتفعيل تكتلات خارج الوصاية الأمريكية على العالم أمر متوقع، لا سيما أن دول الاتحاد الأوروبي غلبت عليها النزعة المحلية، في تلك الأزمة، وتخلى بعضها عن بعض، وظهر جشع الولايات المتحدة في التعامل معها، وهذا لا يعني تفكك هذا الاتحاد في القريب العاجل بقدر الانكفاء على النفس، وكل هذا يتيح الفرصة لتفعيل نظام المدفوعات الثنائية والمتعددة لإزاحة الدولار تدريجياً وعدم لعبه في الملعب الاقتصادي الدولي وحده كعملة تسويات دولية.

كما أن العالم سيخرج من هذه الأزمة ناقماً على المدرسة «النيوليبرالية» وتوحشها وتقديمها لحركة الاقتصاد على صحة الإنسان؛ فالصحة سوف تكون قبل الربح، كما أن غل يد الدولة بالتدخل في الاقتصاد سيكون مثاراً للسخرية، لا سيما والعالم كله يظهر كيف تدخلت الدول لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وأن المصلحة الخاصة عجزت عن تحقيق المصلحة العامة تلقائياً باسم اليد الخفية التي هي في حقيقتها يد مشلولة عاجزة عن مواجهة الأزمات.

إن التدخل الحكومي سيفرض نفسه حتماً، ولكنه تدخل بما يحمي مصالح المجتمع، وليس تدخلاً يطرد القطاع العام ويزاحمه، وسيبدو هذا واضحاً في القطاع الصحي الذي سيتقدم القطاعات الأخرى من حيث الاهتمام والاستثمار، فضلاً عن قطاع التعليم والبحث العلمي، إضافة إلى بذل جهد أكبر لتوفير العدالة والحماية الاجتماعية والرعاية الصحية، لا سيما أن هذا المرض لن يخرج من قواميس الطب، وبات على الدول أن تخطط للتعامل معه بصفة مستمرة بعد الخروج من الأزمة.

كما أن دور الحكومة سيصبح أكثر أهمية كذلك في ظل تفاقم الدين العام ومشكلات الموازنة الناشئة عن الديون المرتبطة بتبعات الأزمة والبطالة، وهو ما يضع على الحكومات مسؤوليات جمة، لا سيما في ظل التضخم المتنامي وليد الأزمة، نتيجة لارتفاع أسعار السلع لا سيما السلع الغذائية، وهو ما سوف يؤسس في الدول كذلك لأهمية توفير الأمن الغذائي من خلال الاهتمام بالقطاع الزراعي والثروة الحيوانية والسمكية، وفي مقدمة الزراعات زراعة القمح بدلاً من التركيز في سلع قد تكون ذات ربحية ولكنها تفتقد للبعد الإستراتيجي لتحقيق الأمن الغذائي، لا سيما أن التقارير الدولية تفيد أن نصف سكان العالم سيكونون تحت خط الفقر بعد الانتهاء من الأزمة.

التأثر عربياً

وإذا كان ما ذكرناه يمتد للنظام العالمي ودوله، فإن الدول العربية ليست بعيدة عن هذه النتائج بعد الأزمة، فالدول غير النفطية خسائرها أكبر بالطبع من الدول النفطية، وإن كانت الأخيرة أيضاً معرضة بصورة مباشرة لانخفاض دخلها القومي والانغماس في الانكماش والتقشف بفعل انخفاض سعر النفط، فضلاً عن تبعات الأزمة من تفاقم فاتورة الديون وارتفاع مستويات التضخم والبطالة.

وقد كشفت هذه الأزمة عن عورة النظام الرسمي العربي من خلال التركيز على اقتناء السلاح بدلاً من التوجه نحو تنمية قطاعات الصحة والتعليم والبحث العلمي، فضلاً عن قطاع الزراعة والثروة الحيوانية والسمكية لتوفير غذائها ودوائها، وذلك نتيجة طبيعية لسيادة روح الانقسام والدخول في حروب ومؤامرات من صنع بعضها.

إن الدول العربية إذا لم تغير من نفسها وتستفد من تلك الأزمة فسيغيرها الآخرون، ولن تكون لها قدم في عالم يتشكل بنيانه، إلا بتغيير نهجها وتحقيق الوحدة بينها، والتركيز على إنتاج احتياجاتها، واحترام حرية الرأي وحقوق الإنسان فيها، وخضوع حكامها لإرادة شعوبها.

2020-04-07_15h38_44.jpgكانت أكبر الدول المتضررة من انتشار فيروس «كورونا» الصين وإيران وإيطاليا وإسبانيا، وما زال الأمر بالنسبة لمصر غامضاً، في ظل عدم الشفافية في بداية انتشار الفيروس، ثم التوجه نحو شفافية جزئية، ثم تصريحات مسؤولين دوليين بخطورة الوضع في مصر، وليس آخرهم تصريحات السفير الفرنسي في القاهرة «ستيفان روماتيه»، عبر الحساب الرسمي للسفارة على موقع «تويتر»، إذ قال: إن «أمام مصر أسابيع صعبة، وسيكون أمام إمكاناتها الطبية تحدٍّ صعب»، لافتاً إلى أن البلاد «ستواجه عزلة مثل باقي بلدان العالم بسبب تفشي وباء فيروس كورونا المستجد».

لقد أدت مخاطر هذا الفيروس القاتل إلى إعلان منظمة الصحة العالمية حالة الطوارئ على نطاق دولي لمواجهة تفشيه، وقد انتقل تأثيره من القطاع الصحي للقطاعات الاقتصادية، وإذا كان البعض توقع حدوث أزمة مالية عالمية في منبت النظام الرأسمالي، فإن توقعاتهم لا يمكن القول بأنها تحققت في الأزمة الحالية التي بدت نواجذها في دول العالم لا سيما الدول الكبرى منها، فالأزمة هذه تختلف عن أزمة الكساد العظيم في عام 1929م، وأزمة عام 2008م، باعتبار أن شرارتها اشتعلت في القطاع الصحي ثم انتقلت للاقتصاد المالي والحقيقي.

لقد كان من تأثير فيروس كورونا اقتصادياً تحقيق خسائر في كافة قطاعات النشاط الاقتصادي عالمياً، فالبورصات تسابقت في الانهيار، وكساها اللون الأحمر، وتم إغلاق العديد منها للحيلولة دون المزيد من الانهيار، بل إن الذهب الذي يعد الملاذ الآمن تعرض للانخفاض بصورة ملحوظة من أجل حرص الدول والمؤسسات على توفير سيولة لمواجهة الأزمة، كما أن سعر النفط كذلك لم يسلم من الهبوط الحاد، فضلاً عن انخفاض الإنتاج في القطاعات الحقيقية للاقتصاد العالمي.

الطاقة والنقل الجوي 2020-04-07_15h38_58.jpg

ووفق منظمة «ريستاد إنيرجي»، فإنه في أبريل الجاري يمكن أن يتراجع الطلب على الطاقة بأكثر من 11 مليون برميل يومياً، بينما توقع بيت تداول الطاقة (ترافيجورا) تراجع الطلب 10 ملايين برميل يومياً على المدى القصير، وبالنسبة لعام 2020م؛ توقعت وكالة الطاقة الدولية هبوط الطلب على الطاقة بـ730 ألف برميل يومياً، بينما توقع بنك «جي بي مورجان» هبوطه إلى 750 ألف برميل يومياً.

كما تشير تقديرات اتحاد النقل الجوي الدولي إلى أن شركات الطيران العالمية سوف تخسر 113 مليار دولار من مبيعاتها في حال استمرار انتشار فيروس «كورونا»، وأكدت منظمة السياحة العالمية أن خسائر قطاع السياحة على مستوى العالم، بسبب قرارات العديد من الدول بتعليق حركة الطيران نهائياً، بلغت حوالي 62 مليار دولار أمريكي، فضلاً عن شلل بجميع الوجهات السياحية على مستوى العالم.

وقد جاءت التداعيات الاقتصادية لأزمة «كورونا» نظراً لما تمثله الصين من مكانة اقتصادية عالمية، فهي الاقتصاد الثاني عالمياً بعد الولايات المتحدة الأمريكية، فضلاً عن الإجراءات التي اتخذتها دول العالم لتجنب قدر الإمكان ويلات الفيروس القاتلة.

يزيد ناتج الصين المحلي الإجمالي على 14 تريليون دولار، وتبلغ صادراتها نحو 2.5 تريليون دولار؛ بنسبة 12.5% من صادرات العالم.

وإذا نظرنا إلى أهم القطاعات ذات التأثير المباشر على الصين والدول المرتبطة بها تجارياً، فسنجد أن الصين تستورد 50% من الطلب العالمي من الفولاذ من روسيا وكوريا الجنوبية وتركيا؛ وهو ما يعني فقدان تلك الدول عوائد تلك الصادرات، كما أن التراجع الملحوظ للنفط والتوقع بالمزيد منه في ظل انهيار اتفاق دول «أوبك» على تخفيض الحصة المنتجة، ذات تأثير سلبي على الدول النفطية، ونظراً لأن الصين تستهلك أكثر من 10% من النفط العالمي، لا سيما من المملكة العربية السعودية التي تستورد منها مليون برميل يومياً، والعراق الذي تستورد منه 700 ألف برميل يومياً؛ فإن هذا يعني تحقيق خسائر للدول المصدرة مضاعفة من ناحيتين؛ ناحية السعر بانخفاضه، وناحية الكمية بانخفاض الطلب على النفط كنتيجة طبيعية للظروف القاسية التي تعاني منها الصين من جمود اضطراري لإنتاجها. 

وإذا كانت الصين -وفق منظمة السياحة العالمية- تمتاز عن غيرها بأنها المصدر الأول للسياحة في العالم، حيث بلغ عدد السياح الصينيين للخارج 150 مليون مسافر في العام 2018م، أنفقوا مبلغ 277 مليار دولار؛ فإن هذا يعني فقدان العديد من دول العالم للسياحة الصينية.

كما أنه بنظرة فاحصة إلى التجارة السلعية الإجمالية العربية مع الصين، نجد أنها -وفق بيانات صندوق النقد العربي- بلغت في العام 2018م نحو 1.9 مليار دولار، حيث بلغت الصادرات الصينية للدول العربية مليار دولار، بينما بلغت الواردات 0.9 مليار دولار، كما بلغت الصادرات العربية للصين نسبة 12.5%؛ لتحتل الصين المرتبة الثانية بالنسبة للصادرات العربية بعد الاتحاد الأوروبي، وبلغت الواردات العربية من الصين كذلك نسبة 12.5%؛ لتحتل المرتبة الثالثة بعد الاتحاد الأوروبي والدول العربية الأخرى، وبذلك نجد تأثيراً سلبياً على الجانبين الصيني والعربي بفعل مستجدات هذا الفيروس القاتل، الذي قتل البشر، وأصاب الاقتصاد في مقتل.

الاقتصاد العربي

إن الاقتصاد العربي، للأسف الشديد، من أكثر المتضررين من الأزمة، لا سيما الاقتصاديات النفطية الريعية، وهو ما ينذر بتقليص إنفاقها، وتعرضها لشبح الركود كغيرها من الدول، لا سيما أن الولايات المتحدة الأمريكية -وهي أكبر اقتصاد عالمي- تعاني شبح الركود أيضاً، حتى أبلغ بنك «أوف أمريكا»، أحد أكبر البنوك الأمريكية، مستثمريه بأن اقتصاد الولايات المتحدة دخل مرحلة الركود بسبب تفشي فيروس «كورونا المستجد» (كوفيد-19)، كما نقلت قناة «سي إن بي سي» عن الخبيرة الاقتصادية في البنك الأمريكي «يكي ميشيل ماير»، أن الركود المرصود يمثل «حالة تراجع عميقة» في الاقتصاد، متوقعة أن يتسبب ذلك في «فقدان للوظائف وتدمير للثروات وانهيار الثقة».

وقد واجهت الدول الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، هذه الأزمة الاقتصادية بالعديد من الإجراءات السريعة لتقليل آثارها؛ حيث قررت إدارة «ترمب» حزمة تحفيز بتريليون دولار من أجل امتصاص التداعيات الاقتصادية للفيروس، شملت شيكات بألف دولار للأمريكيين، فضلاً عن 50 مليار دولار لشركات الطيران التي تواجه شبح الإفلاس، و250 مليار دولار قروضاً للشركات الصغيرة، وقد سارت على نهجها العديد من الدول لا سيما بضخ السيولة وتحفيض سعر الفائدة الذي قارب حاجز الصفر في الولايات المتحدة وبريطانيا منذ أيام. 2020-04-07_15h39_13.jpg

وقد جاءت أخيراً تصريحات الطبيب «ميك ريان»، الرئيس التنفيذي في منظمة الصحة العالمية لإدارة برامج الطوارئ، لتكشف عمق الأزمة واستفحالها، حيث وصف الوضع بأنه: «ليس مجرد موسم أنفلونزا سيئ، هناك أزمة صحية تزداد مع وطأة الحاجات المتزايدة، هذا ليس طبيعياً، والأمر سيصبح أسوأ»، وهذا يعكس خطورة هذا الوباء الصحي الذي انتقل إلى جسم الاقتصاد فأصابه بوباء اقتصادي، وتخفيض سعر الفائدة في ظل ظروف هذا الوباء لن يكون وحده حلاً ناجعاً، فالاقتصاد مثل الجسم المريض الذي يرفض نقل دم إليه، ومهما نقلت إليه من دم سيلفظه، فالإنتاج وجانب العرض يحتاج إلى طلب فعال، وهذا الطلب سيكون مركزاً في ضروريات الناس بتلك المرحلة، وسيكون هناك فائض في عرض غيرها من السلع وتوقف دولاب إنتاجها، وهو ما يعني ركوداً لا مناص منه يتوقف تحوله لكساد على وجود علاج لفيروس «كورونا».

ورغم تحسن الوضع الصحي نسبياً في الصين، فإن الواقع والمستقبل يكشفان الحاجة لشهور للوصول إلى علاج لـ»كورونا»، وفق تصريحات مسؤولين سياسيين وعلماء غربيين، وهو ما يعني استمرار أزمة «كورونا» صحياً واقتصادياً، وحاجة الوباء الاقتصادي الناشئ عن وباء «كورونا» إلى المزيد من الوقت للتعافي، وقد يتطلب ذلك التعافي الاقتصادي 3 سنوات إذا ما تم كشف العلاج الناجع لـ»كورونا».

ويبقى بعد ذلك كيفية التعامل مع الأزمة من قبل المستثمرين، فلا مفر لديهم من تنويع استثماراتهم من خلال محفظة متنوعة فهو الأنسب، وفقاً للمثل الإنجليزي «عليك بنشر المخاطر»، أو المثل المعروف «لا تضع كل ما تملكه من بيض في سلة واحدة»، لا سيما والذهب ينخفض، والدولار معرض للانخفاض دولياً بفعل طباعة المزيد منه، وتبقى الأزمة أزمة، والتعامل معها باعتبار أننا في أزمة، والمهم الخروج منها على الأقل بأقل الخسائر.

والله تعالى هو الحافظ وهو أجل وأعلم.

الصفحة 1 من 9
  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا

fram

Top