آفات القلب ومهلكات العمل.. بين الرياء والعُجْب مسافات طويلة
الرياء سلوك
ينتهجه من يظنون أن الولاية لا تكتسب إلا بالسمعة الطيبة من العباد، وأن القبول في
الأرض لا يتحقق إلا إذا ضمن أن جميع الناس يشاهدونه في أتم الأحوال، فيقع في
المحظور وفي فخ الرياء من حيث لا يدري، رغم أن القبول لا يستدعي لفت الأنظار إليك
ولا مراقبة الناس لك وثناءهم عليك، فالقبول أمر من الله يقذفه في قلوب أهل الأرض
أن أحِبوا فلان فقد أحبه أهل السماء.
لذا، هَمُّ
المصلح الحق أن يرضى الله عنه ولا يلقي لاعتبارات أهل الأرض أي اهتمام أو التفات؛
لأنه يعلم حقيقة مبتغاه، لكن أين يكمن الإرهاق الحقيقي لدى المصلح، عند مجاهدته
لداء العجب؟
إن قلت: لماذا؟
لأنه يعمل العمل لا يبتغي به إلا وجه الله، ولا يرى فيه أحداً من الخلق، وربما قام
به في خلوات كثيرة فيحدث الأثر وتثمر الثمرة من حوله، فرغم إن الناس لا يعلمون من
قام بذلك، لكن أثنوا على صاحب هذا الخير وامتدحوه، بل ربما زادوا قائلين: نحسب من
قام بسد هذا الثغر من المخلصين.
ولأن عادة
المصلح الإكثار من الخير فسينتشر الأثر ويمتد أكثر فأكثر؛ لذا قد يتناهى لسمعه ما يتناقله
الناس من أحاديث حول أعماله، فهو منهم بطبيعة الحال فلا شك أنه سيخالطهم في
مجالسهم، لكن لم يخطر له يوماً أن تثار القضية أمامه، ويشاء الله أن يكال المدح
أضعافاً فتنتهي الجلسة ويجر نفسه مكابداً مجاهداً ألم العجب يعانيه وحده، فلا أحد
يعلم بهذا العمل إلا الله ونفسه الضعيفة، فيا لها من مكابدة! وإن قرر أن يفصح عن
ثقل ما يعاني ويخبر صديقه بما حدث زاد الناس في المدح والثناء.
فلا الكلام يكون
حلاً ولا السكوت؛ لذا كان العجب أشد على المصلحين الصالحين من الرياء بمرات كثيرة.
إن الرياء
والعجب آفتان، وكلاهما يفسد العمل، لكنهما ليسا توأمين، فالرياء يحتاج جمهوراً
ليراقبه الناس ويتجمل لهم، والعجب يكتفي المرء فيه بنفسه؛ لأنه لا يقيم للناس وزناً،
فهما يلتقيان بالهلاك لكن يفترقان في كل شيء، فالمرائي عبد للناس، والمعجب عبد
لنفسه، وبون شاسع بين من يعمل للناظرين ومن يعمل لنفسه.
تقبل الله من
الجميع، ورفع الحرج عمن كان همه المسلمين، وطيب خاطر المجاهدين بما يسرهم، فالعمل
للدين جميل، ولكن محاصرتهم بالمديح تثقل الكاهل وتبطئ المسير.
اترك تعليقاً
التعليقات (2)
زينب عصام حسون
منذ 4 أشهريستحق هذا الموضوع وقفات تاملية طويلة المدى لمعرفة حقيقة انفسنا فيما يتعلق بالاخلاص التام والمطلق في الأعمال وهو أمر في غاية الدقة والحساسية ولايوفق له إلا قلة من الناس.
فاطمة جلال جودت الأصفر
منذ 5 أشهرجزاك الله خيرا على هذه المقالة اختي عائشة وجعلها في ميزان حسناتك.