إستراتيجية أبي بكر الصِّدِّيق في مواجهة الردة.. دروس للتحديات المعاصرة
كانت وفاة النبي
صلى الله عليه وسلم مصيبة كبيرة ألمَّت بالمسلمين؛ فأظلمت الدنيا حولهم، فكان
القادم إلى المدينة يسمع أصوات البكاء والعويل من بعيد، وهذا الظلام والصدمة
النفسية العنيفة سرعان ما تبددت بحكمة أبي بكر الصديق عندما وقف بثبات قائلاً: أيها
الناس، إنه من كان يعبد محمدًا؛ فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله؛ فإن حيُّ
لا يموت، وتلا قوله تعالى: (وَمَا
مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ
قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ
فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ) (آل عمران: 144).
تقول أم
المؤمنين عائشة رضي الله عنها: «لولا ما أنزل الله تبارك وتعالى من السكينة على
المؤمنين، وأسرج في قلوبهم من نور اليقين، وشرح له صدورهم من فهم كتابه المبين
لانقصمت الظهور، وضاقت عن الكرب الصدور، ولعاقهم الجزع عن تدبير الأمور»(1).
وقد ساهم موقف
أبي بكر في احتواء الانهيار المعنوي الذي أصاب المسلمين عقب وفاة النبي صلى الله
عليه وسلم؛ فكان من أسباب توافقهم على اختياره خليفة لهم، وبذلك تجاوز المسلمون
الأزمة الثانية المتمثلة فيمن يخلف النبي صلى الله عليه وسلم في إدارة الدولة.
اتجه أبو بكر
إلى مواجهة الأزمة الثالثة والأخطر في حياة الأمة، ممثلة في حركات الردة والامتناع
عن أداء الزكاة؛ لاعتقاد تلك القبائل أنها كانت التزاماً وولاء مرتبطاً بشخص النبي
صلى الله عليه وسلم انتهى بموته بما يمثل تحديًا وجوديًا للسلطة الجديدة، وهو ما
أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم من تعرض الأمة للفتن عقب موته بقوله: «وأنا
أمِنَةٌ لأصحابي، فإذا ذهبْتُ أتى أصحابِي ما يُوعدون»(2)؛ أي: أتي
الصحابة بوفاته الفتن والابتلاءات.
إستراتيجية أبي بكر الصديق في مواجهة الردة
قام أبو بكر عقب
توليه الخلافة باتخاذ عدة إجراءات لمواجهة التحديات التي تعرضت لها الأمة بعد وفاة
النبي صلى الله عليه وسلم، ومن أهمها:
1- إنفاذ جيش أسامة:
أمر النبي صلى
الله عليه وسلم بتجهز جيشٍ بقيادة أسامة بن زيد للخروج لقتال الروم وتوفي، وحاول
المسلمون أن يُثنوا أبا بكر عن إرسال الجيش بعد خلافته بأيام، نظرًا للظروف الصعبة
التي يمرون بها، فقال أبو بكر: «والذي نفسي بيده، لو ظننت أن السباع تختطفني
لأنفذت جيش أسامة كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم».
ويعد قرار أبي
بكر الصديق بإنفاذ جيش أسامة من أهم القرارات الحاسمة في حفظ الدولة الإسلامية،
يقول ابن الأثير: وكان إنفاذ جيش أسامة أعظم الأمور نفعًا للمسلمين؛ فإن العرب
قالوا: لو لم يكن بهم قوة لما أرسلوا هذا الجيش؛ فكفوا عن كثير مما كانوا يريدون
أن يفعلوه(3).
2- التشاور والحزم في مواجهة المرتدين:
عقد أبو بكر
جلسة للتشاور مع كبار الصحابة حول الأزمة، فقال عمر بن الخطاب: كيف تقاتل الناس؟
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله
إلا الله، فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه على الله»، فقال أبو
بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، قال عمر: فو الله ما هو إلا أن قد
شرح الله صدر أبي بكر، فعرفت أنه الحق(4).
اعتبر أبو بكر مانعي
الزكاة مرتدين يهددون العقيدة يجب قتالهم، وإن صلوا وصاموا ونطقوا الشهادتين، فلا
إيمان لهم ولا عهد، ولا عصمة لدمائهم.
3- تشكيل جيش لقتال المرتدين:
أسرع بتجهيز
الجيش في الأسابيع الأولى من خلافته، وقسمه إلى 11 لواءً، كل منها موجه ضد قبيلة
متمردة قريبة من المدينة، وتمثل خطرًا حقيقيًا، وطلب من القبائل التي ثبتت على الإسلام
الانضمام إلى تلك الألوية، وأرسل إلى قبائل الجزيرة يدعوهم إلى الثبات على الإسلام
والتزام الطاعة، وينذرهم عاقبة العصيان والخروج عن الجماعة.
وقد استطاعت تلك
الألوية إخضاع المرتدين والقضاء على خطرهم، وعفا عن كثير ممن قاتلهم بعد توبتهم،
ومن أشد تلك المعارك معركة «اليمامة» مع مسيلمة الكذاب مدعي النبوة التي استشهد
فيها نحو ألف مسلم ثلثهم من حفظة القرآن.
دور المجتمع في مواجهة الأزمة
تبنى مجتمع
المدينة قرارات أبي بكر الجريئة رغم صعوبتها وقسوتها، وتحمل تبعاتها، وهم في هذا
الوضع؛ ما يعكس نضجًاً مجتمعيًاً عالياً في تغليب المصلحة العامة، وتماسك المجتمع
مع قيادة الدولة في الأزمة.
وفور خروج جيش
المسلمين لقتال المرتدين، أعلن أبو بكر التعبئة العامة لسكان المدينة والحراسة
ليلًا ونهارًا على أنقاب المدينة وما حولها تحسبًا للهجوم عليها، وبذلك تحول مجتمع
المدينة إلى جيش احتياطي، وتولي علي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، وطلحة بن
عبيد الله قيادة مجموعات الحراسة، واتخذوا من المسجد مقرًا؛ لسهولة استدعائهم
وتجمعهم لأي طارئ.
قرأ الصِّدِّيق
في وجوه وفود الردة -التي أتت إليه للتفاوض ورفض عرضها- الغدر والخسَّة واللؤم،
وأخبر الصحابة أنهم سيعودون للإغارة على المدينة وأمرهم بالاستعداد، وبعد ثلاثة
أيام طرقت بعض قبائل أسد، وغطفان، وعبس، وذبيان، وبكر المدينة ليلاً بقيادة مدعي
النبوة طليحة الأسديِّ في مكان يعرف بـ«ذي القصَّة»؛ وانتبه حراس المدينة لهم،
وأرسلوا للصِّدِّيق بالخبر، فبات أبو بكر ليلته يتهيَّأ للقتال، فما طلع الفجر
إِلا وهم والعدوُّ في صعيدٍ واحدٍ، فاقتتلوا حتى إذا ارتفعت الشمس ولى المرتدون
الأدبار مهزومين.
وشاركت المرأة
بجانب الرجال في حرب الردة وحماية المدينة، فتولت النساء رعاية الأسر وحماية
البيوت، وتمريض جرحى المعارك، وكانت نسيبة بنت كعب (أم عمارة) مثالاً حيَّا حيث
شاركت في معركة «اليمامة»، وقاتلت بشراسة وأدمتها الجروح، وفقدت ذراعها هناك.
استلهام إستراتيجية الصِّدِّيق في حماية مجتمعاتنا المعاصرة
إن عبقرية أبي
بكر الصديق في مواجهة الردة لم تكن مجرد فعل عسكري، بل كانت إستراتيجية متكاملة لحفظ
كيان الدولة ومنع طمس الهوية، وعند إسقاط هذه التجربة على التحديات المعاصرة،
يمكننا استخلاص الدروس التالية:
1- حماية الوعي
الثقافي وهوية الأمة وموارد الدولة: إن «الردة المعاصرة» تتخذ أشكالًا اقتصادية
تتمثل في الفساد المالي والإداري وإهدار موارد الدولة، وفكرية وسلوكية تستهدف
تقويض السلم المجتمعي والقيم الأخلاقية، وكما أدرك الصِّدِّيق أن التهاون في الزكاة
سيؤدي لانهيار الدولة؛ فيجب إدراك أن التهاون في الفساد المالي والإداري، وكذلك في
الأمن الفكري مثل مواجهة الإلحاد، والترويج للمحرمات، وإشاعة الفواحش؛ سيؤدي
لتهديد المجتمع.
2- الحزم
التشريعي والقانوني: اتسم موقف الصديق بالوضوح والحسم؛ فلم يترك الأزمة للزمن
ليحلها؛ لذا، فإن مواجهة الظواهر المعاصرة، مثل الشذوذ الجنسي، والتفكك الأسري، أو
التشكيك في الثوابت الدينية لا تتطلب العنف، بل تتطلب سن القوانين التي تحفظ
المجتمع من تلك الأمراض التي تهدده، وتجرم الإساءة للقيم، وتضع مواثيق شرف إعلامية
تمنع تمجيد الانحراف تحت مسمى الفن أو الحرية الشخصية.
3- تفعيل دور
المجتمع في مواجهة الأزمات: التحديات المعاصرة، مثل العولمة والغزو الثقافي عبر
الدراما والإنترنت لا تواجهها الحكومات بمفردها، بل بتكاتف المجتمع في مختلف
الوسائل الإعلامية والثقافية، والمواقع الإلكترونية وصناع المحتوى الرقمي.
4- إدارة
الأزمات بالرؤية الشمولية: إن الظروف القاسية التي تمر بها الأمة اليوم يجعلنا عند
مواجهة الأزمات الاقتصادية أو الفكرية نحتاج ثبات الصِّدِّيق في التمسك بالأصول،
وسرعة مواجهة الأزمة، وعدم ترك الانحرافات تتمدد حتى تصبح أمرًاً واقعًاً.
5- استغلال
طاقات المجتمع المعاصر: إن إستراتيجية مواجهة التحديات المعاصرة ليست دعوة
للإقصاء، بل دعوة لامتلاك إرادة المواجهة بالوسائل الحديثة بتوظيف التكنولوجيا
ووسائل التواصل الاجتماعي (كبديل للألوية التي أرسلها الصديق لقتال المرتدين) في
نشر الوعي، وعدم ذوبانها في الثقافات الوافدة، فيبقى المجتمع مسلمًا في جوهره،
معاصرًا في أدواته، وصامدًاً أمام رياح التغيير العاتية التي نعيشها اليوم.
_________________
الهوامش:
(1) الروض الأنف
في شرح سيرة ابن هشام للسهيلي (7/ 550).
(2) صحيح مسلم،
كتاب: فضائل الصحابة، باب: بيان أن بقاء النبي أمان لأصحابه (2531).
(3) الكامل في
التاريخ (2/ 195).
(4) صحيح
البخاري، كتاب الزكاة، باب وجوب الزكاة (1399).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً