من القسام إلى الضيف.. إنا نقدم قبل الجند قادتنا
(وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ {169} فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) (آل عمران).
أعلن المتحدث العسكري لـ«كتائب عز الدين القسام» أبو عبيدة، يوم الخميس 30 رجب 1446هـ/ 30 يناير 2025م، خبر نعي القائد العام لهيئة أركان الكتائب أبي خالد محمد الضيف وعدد من إخوانه، وعلى الأرجح أن الوفاة كانت قبل ذلك بأيام، ولكن الحركة –بذكاء معهود– لم تعلن عن ذلك؛ انتظارًا لبدء الهدنة وإتمام الصفقة، وحتى لا يستثمر العدو ذلك في ترويجٍ لنصر مزيف؛ فانتظرت الحركة حتى تُعمل الهزيمةُ عملها في معسكر العدو، من استقالات وانقسامات وغير ذلك من أمور تحدث عادة بعد الهزائم، ثم أعلنت عن قادتها الشهداء.
دلالات استشهاد الضيف ورفاقه
إن ارتقاء الضيف شهيدًا وإخوانه الأبرار القادة معه في هيئة الأركان، له دلالات عظيمة تضم معها ارتقاء القادة الكبار للمقاومة على مر التاريخ، سواء من «كتائب القسام»، أو قبلها، وسوف يظل كذلك بعدها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ومن ذلك:
أولاً: أن الأمة في مشارق الأرض ومغاربها كانت تعرف محمد الضيف، رغم أنها لم تر وجهه إلا صورة قديمة على الشبكة العنكبوتية، لكنها كانت تؤمن بصدقه وإخلاصه، وتثق في بلائه الحسن وعطائه الموصول، وترى فيه أملاً للتحرير والجهاد،؛ ولهذا حين ارتقى هو وإخوانه أقيمت عليهم صلاة الغائب في بلاد المسلمين؛ حتى أقيمت في المسجد الأقصى المبارك الذي أطلق الضيفُ الخطاب الأول للمعركة من أجله، وأسماها «طوفان الأقصى»، فها هو «الأقصى» يقوم بواجب الوفاء للقادة الأبطال الشهداء.
ثانيًا: أن استشهاد القادة من الصف الأول يجعل المقاومة تجدد دماءها، وتفسح المجال لكوادرها؛ لإثبات ذاتهم وإخراج كفاءاتهم وأفكارهم، والأمر كما قال الشاعر:
إذا مات منا سيد قام سيد قؤول لما قال الكرام فعول
مما يكون له الأثر في تطوير المقاومة وتطوير إمكاناتها، وتعزيز قدارتها على الفعل الجهادي المقاوم، وهو ما يؤدي إلى الإسراع في تحقيق التحرير.
ثالثاً: أن استشهاد القادة الكبار من الصف الأول للمقاومة يعطي المزيد من الثقة في هذه المقاومة، ويجعل الأمة تقبل عليها، وتزيد من إسنادها، ويقطع الطريق على المتقولين سوءًا على المقاومة، فهم مع الجنود المجاهدين في الميدان، لا يعيشون في أبراج عالية، ولا يتحصنون في أماكن تضمن لهم الحياة، أو تحفظهم من رصاصات العدو، ولا يمتنعون عن الشهادة ويجازفون بالجنود، وإنما رأيناهم في الميدان يتجولون ويتفقدون ويخططون ويغامرون بأرواحهم، مقبلين غير مدبرين؛ حتى لقوا الله تعالى شهداء، سواء في داخل غزة؛ أسرة هنية، والسنوار، والضيف ورفاقه، أو في خارجها؛ العاروري، وهنية، وغيرهما كثير في تاريخ الحركة، وكأن الحركة جعلت شعارها قول الشاعر:
إنا نقدم قبل الجند قادتنا نحو المنون سباقًا نحو مولانا
رابعًا: أن استشهاد هؤلاء القادة يؤكد أن لله رجالاً (صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً) (الأحزاب: 23)؛ قال العلَّامة السعدي في تفسيرها: ولما ذكر أن المنافقين، عاهدوا اللّه، لا يولون الأدبار، ونقضوا ذلك العهد، ذكر وفاء المؤمنين به، فقال: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ)؛ أي: وفوا به، وأتموه، وأكملوه، فبذلوا مهجهم في مرضاته، وسبَّلوا أنفسهم في طاعته.
(فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ)؛ أي: إرادته ومطلوبه، وما عليه من الحق، فقتل في سبيل اللّه، أو مات مؤديًا لحقه، لم ينقصه شيء.
(وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ) تكميل ما عليه، فهو شارع في قضاء ما عليه، ووفاء نحبه ولما يكمله، وهو في رجاء تكميله، ساع في ذلك، مجد.
(وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً) كما بدل غيرهم، بل لم يزالوا على العهد، لا يلوون، ولا يتغيرون، فهؤلاء، الرجال على الحقيقة، ومن عداهم، فصورهم صور رجال، وأما الصفات، فقد قصرت عن صفات الرجال.
خامسًا: أن الشهداء بدمائهم وتضحياتهم يختصرون الطريق، ويحققون ما لا تحققه الكتب والخطب، بل يبقى ذلك مذخوراً لهم بعد وفاتهم في الأجيال إحياء وتحفيزا وتعزيزًا، ويمحو الله بدمائهم الطاهرة ويثبت ما شاء من محوٍ ومن إثبات.
يقول سيد قطب في تفسير قوله تعالى: (إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ) (غافر: 51)، يقول: وكم من شهيد ما كان يملك أن ينصر عقيدته ودعوته ولو عاش ألف عام، كما نصرها باستشهاده، وما كان يملك أن يودع القلوب من المعاني الكبيرة، ويحفز الألوف إلى الأعمال الكبيرة، بخطبة مثل خطبته الأخيرة التي يكتبها بدمه، فتبقى حافزاً محركاً للأبناء والأحفاد، وربما كانت حافزاً محركاً لخطى التاريخ كله مدى أجيال.
سادسًا: أن المقاومة فقدت قيادات كبرى، ورموزاً جهادية عظمى، فما فتَّ ذلك في عضدها، وإنما زادها قوة على قوة، وعزيمة على عزيمة، ومضاء على مضاء، وإصراراً على إصرار، فما تراجعت، ولا خافت، وما ضعفت، وما استكانت، والله يحب الصابرين؛ (وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) (آل عمران: 147).
سابعاً: لقد قدمت المقاومة عشرات القادة، وآلاف الشهداء، منذ عز الدين القسام حتى محمد الضيف، وسوف تكون دماؤهم نورًا ونارًا؛ نوراً يضيء الطريق للمجاهدين، ونارًا تحرق المحتلين والظالمين، إلى أن يتم التحرير الكامل للقدس و«الأقصى» والأسرى وفلسطين، ويقولون متى هو؟ قل عسى أن يكون قريبًا.