هل الزلازل غضب إلهي؟
تتنوع ردود الفعل ممن يشهد الزلازل، حيث يشير بعضهم إلى أن هذه حادثة
عادية، بينما يرى آخرون أنها رسالة تنبيه وتحذير من الله لعباده، وآخرون إلى أنه
علامة على غضب الله، وهنا يطرح التساؤل الذي ينبغي الجواب عنه: هل الزلازل غضب
إلهي؟ وفيما يأتي الجواب:
أولاً: الزلزال آية تدعو إلى التفكر والتدبر:
قال تعالى: (سَنُرِيهِمْ
آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ
الْحَقُّ) (فصلت: 53)، والزلزال إحدى هذه الآيات، وهو عبارة عن هزة أرضية
ناتجة عن انزلاق صفائح الغلاف الصخري الواقعة أسفل القشرة الأرضية، هذا الغلاف
الصخري ينتظم في حركته وفق إرادة الله، ونحن قد تعودنا على استقرار الأرض وثباتها.
وحين تحدث هذه الهزات يكون من أهدافها أن ندرك نعمة الله علينا في
الاستقرار والأمان، فنحن نعيش على الأرض التي مهدها الله وثبتها وأنزل عليها المطر
وأنبت فيها من كل زوج بهيج، حتى ظن البعض أن هذا الأمر عادي وأنه في ثبات وقرار،
ولم يتوقع أبداً أنها قد تتحول في لحظة واحدة إلى دمار، لهذا كانت الرسالة الأولى
من الزلازل أن نشكر الله على نعمة الاستقرار، وأن نحافظ عليها بطاعة العزيز الجبار،
قال تعالى: (وَإِذْ تَأَذَّنَ
رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ
عَذَابِي لَشَدِيدٌ) (إبراهيم: 7).
ثانياً: الزلزال رسالة تحذير وتخويف من الله:
إن الله لم يرسل إلينا آياته لنلعب ونلهو، بل لنخاف ونحذر، قال تعالى: (وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا
تَخْوِيفًا) (الإسراء: 59)، وقال عز وجل: (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ
عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ
شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ
لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ) (الأنعام: 65).
إن الله تعالى ينذر الناس حتى يخافوا ويحذروا، وقد يأتي هذا الإنذار من
السماء، وقد يخرج من الأرض، وقد يكون من بين الناس، بحدوث أمر مخيف يهتز له القلب
ويقشعر منه البدن وتضيق الدنيا فيه بما رحبت.
وقد صور القرآن الكريم زلزالاً مخيفاً ليس ناتجاً عن هزة أرضية بل عن حروب
بشرية سببت زلزالاً مخيفاً كان الهدف منه أن نحسن الخوف من الله واللجوء إليه حيث
قال تعالى معبراً عن هجوم الأحزاب الكافرة على المسلمين في المدينة: (إِذْ جَاؤُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ
أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ
وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا {10} هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ
وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً) (الأحزاب)، هذا التصوير القرآني الكريم يؤكد لنا أن الله تعالى
يرسل إلى الناس كافة رسائل مزلزلة لهم حتى يخافوا من عذاب الله ويعودوا إليه.
ثالثاً: تذكير الناس بما حدث مع القوم المكذبين:
لقد أرسل الله تعالى الزلازل إهلاكاً وتدميراً للمكذبين الكافرين، وعرض لنا
ذلك في القرآن الكريم، حتى نتعظ ونتدبر ولا نفعل مثل ما فعلوا من الذنوب والمعاصي
ونعيش في أمن من العذاب، قال تعالى: (أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُواْ السَّيِّئَاتِ أَن
يَخْسِفَ اللّهُ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ
يَشْعُرُونَ {45} أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ
{46} أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرؤُوفٌ رَّحِيمٌ) (النحل).
وقد قصَّ القرآن الكريم مواقف متعددة لأقوام كذبوا ربهم واتبعوا أهواءهم
فأهلكهم الله بالزلازل قال تعالى عن هلاك قارون: (فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ) (القصص: 81)،
وقال عن هلاك قوم لوط: (فَجَعَلْنَا
عَالِيَهَا سَافِلَهَا) (الحجر: 74).
رابعاً: تخليص المسلمين من آثار الذنوب:
ليس شرطاً أن يكون الزلزال مهلكاً للطغاة والمكذبين فقط، وإنما قد يرسله
الله تعالى للتكفير عن السيئات، كما يرسل بعض الأمراض على المؤمنين تكفيرًا
لسيئاتهم، حتى يرحمهم من عذاب الآخرة.
ففي مسند الشهاب عن أبي موسى الأشعري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
«إِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ أُمَّةٌ مَرْحُومَةٌ، لَيْسَ عَلَيْهَا فِي
الْآخِرَةِ عَذَابٌ، جُعِلَ عَذَابُهَا فِي الدُّنْيَا الْقَتْلُ وَالْفِتَنُ
وَالزَّلَازِلُ»، فكل من تاب وأحسن الإيمان يرحمه الله من عذاب الآخرة لكن يكفر
عنه سيئاته ببعض العذاب في الدنيا كالفتن والزلازل وغيرها.
وفي هذا تأكيد على أن الزلازل قد تقع على المؤمنين تطهيراً لهم، وتحقيقاً
للشهادة في سبيل الله، ففي مسند أحمد بسند صحيح، عن جابر بن عتيك أن رسول الله صلى
الله عليه وسلم قال: «وَالَّذِي يَمُوتُ تَحْتَ الْهَدْمِ شَهِيدٌ»، وهو من وقع
عليه شيء فمات.
والمتتبع لتاريخ المسلمين يجد أن الزلازل قد وقعت في عصور تتميز بالصلاح
والتقوى وحصدت الكثير من الأرواح، ففي القرن السادس الهجري في عهد نور الدين محمود
تعرضت بلاد الشام لأعنف الزلازل التي دمرت العديد من القرى والمدن، ويكفي فيها ما
حكاه ابن الأثير من أَنَّ مُعَلِّمًا كَانَ بِالْمَدِينَةِ، وَهِيَ مَدِينَةُ
حَمَاةَ، ذُكِرَ أَنَّهُ فَارَقَ الْمَكْتَبَ (مكتب تعليم القرآن) لِمُهِمٍّ
عَرَضَ لَهُ فَجَاءَتِ الزَّلْزَلَةُ فَخَرَّبَتِ الْبَلَدَ، وَسَقَطَ
الْمَكْتَبُ عَلَى الصِّبْيَانِ جَمِيعِهِمْ، قَالَ الْمُعَلِّمُ: فَلَمْ يَأْتِ
أَحَدٌ يَسْأَلُ عَنْ صَبِيٍّ كَانَ لَهُ» يعني مات الأولاد وذويهم.
خامساً: التذكير بيوم القيامة:
أوضح القرآن الكريم أن الزلازل علامة من علامات القيامة، وحدث من أحداثها،
وإن الله تعالى يسوقها لنا في الدنيا لنتذكر الآخرة، حتى يستعد الناس لها، ومما
يدل على ذلك ما جاء في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ
زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ {1} يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ
مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى
النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ) (الحج)، وقوله عز وجل: (إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا {1}
وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا {2} وَقَالَ الْإِنسَانُ مَا لَهَا {3}
يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا {4} بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا {5}
يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ {6} فَمَن
يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ {7} وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ
شَرّاً يَرَهُ) (الزلزلة)، فالزلزال من علامات الساعة، حيث
روى البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَا
تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقْبَضَ الْعِلْمُ، وَتَكْثُرَ الزَّلَازِلُ»، فإذا
رأينا الزلازل فعلينا أن نستعد للقاء الله.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً