د.أشرف دوابه

د.أشرف دوابه

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

2020-04-07_15h38_44.jpgكانت أكبر الدول المتضررة من انتشار فيروس «كورونا» الصين وإيران وإيطاليا وإسبانيا، وما زال الأمر بالنسبة لمصر غامضاً، في ظل عدم الشفافية في بداية انتشار الفيروس، ثم التوجه نحو شفافية جزئية، ثم تصريحات مسؤولين دوليين بخطورة الوضع في مصر، وليس آخرهم تصريحات السفير الفرنسي في القاهرة «ستيفان روماتيه»، عبر الحساب الرسمي للسفارة على موقع «تويتر»، إذ قال: إن «أمام مصر أسابيع صعبة، وسيكون أمام إمكاناتها الطبية تحدٍّ صعب»، لافتاً إلى أن البلاد «ستواجه عزلة مثل باقي بلدان العالم بسبب تفشي وباء فيروس كورونا المستجد».

لقد أدت مخاطر هذا الفيروس القاتل إلى إعلان منظمة الصحة العالمية حالة الطوارئ على نطاق دولي لمواجهة تفشيه، وقد انتقل تأثيره من القطاع الصحي للقطاعات الاقتصادية، وإذا كان البعض توقع حدوث أزمة مالية عالمية في منبت النظام الرأسمالي، فإن توقعاتهم لا يمكن القول بأنها تحققت في الأزمة الحالية التي بدت نواجذها في دول العالم لا سيما الدول الكبرى منها، فالأزمة هذه تختلف عن أزمة الكساد العظيم في عام 1929م، وأزمة عام 2008م، باعتبار أن شرارتها اشتعلت في القطاع الصحي ثم انتقلت للاقتصاد المالي والحقيقي.

لقد كان من تأثير فيروس كورونا اقتصادياً تحقيق خسائر في كافة قطاعات النشاط الاقتصادي عالمياً، فالبورصات تسابقت في الانهيار، وكساها اللون الأحمر، وتم إغلاق العديد منها للحيلولة دون المزيد من الانهيار، بل إن الذهب الذي يعد الملاذ الآمن تعرض للانخفاض بصورة ملحوظة من أجل حرص الدول والمؤسسات على توفير سيولة لمواجهة الأزمة، كما أن سعر النفط كذلك لم يسلم من الهبوط الحاد، فضلاً عن انخفاض الإنتاج في القطاعات الحقيقية للاقتصاد العالمي.

الطاقة والنقل الجوي 2020-04-07_15h38_58.jpg

ووفق منظمة «ريستاد إنيرجي»، فإنه في أبريل الجاري يمكن أن يتراجع الطلب على الطاقة بأكثر من 11 مليون برميل يومياً، بينما توقع بيت تداول الطاقة (ترافيجورا) تراجع الطلب 10 ملايين برميل يومياً على المدى القصير، وبالنسبة لعام 2020م؛ توقعت وكالة الطاقة الدولية هبوط الطلب على الطاقة بـ730 ألف برميل يومياً، بينما توقع بنك «جي بي مورجان» هبوطه إلى 750 ألف برميل يومياً.

كما تشير تقديرات اتحاد النقل الجوي الدولي إلى أن شركات الطيران العالمية سوف تخسر 113 مليار دولار من مبيعاتها في حال استمرار انتشار فيروس «كورونا»، وأكدت منظمة السياحة العالمية أن خسائر قطاع السياحة على مستوى العالم، بسبب قرارات العديد من الدول بتعليق حركة الطيران نهائياً، بلغت حوالي 62 مليار دولار أمريكي، فضلاً عن شلل بجميع الوجهات السياحية على مستوى العالم.

وقد جاءت التداعيات الاقتصادية لأزمة «كورونا» نظراً لما تمثله الصين من مكانة اقتصادية عالمية، فهي الاقتصاد الثاني عالمياً بعد الولايات المتحدة الأمريكية، فضلاً عن الإجراءات التي اتخذتها دول العالم لتجنب قدر الإمكان ويلات الفيروس القاتلة.

يزيد ناتج الصين المحلي الإجمالي على 14 تريليون دولار، وتبلغ صادراتها نحو 2.5 تريليون دولار؛ بنسبة 12.5% من صادرات العالم.

وإذا نظرنا إلى أهم القطاعات ذات التأثير المباشر على الصين والدول المرتبطة بها تجارياً، فسنجد أن الصين تستورد 50% من الطلب العالمي من الفولاذ من روسيا وكوريا الجنوبية وتركيا؛ وهو ما يعني فقدان تلك الدول عوائد تلك الصادرات، كما أن التراجع الملحوظ للنفط والتوقع بالمزيد منه في ظل انهيار اتفاق دول «أوبك» على تخفيض الحصة المنتجة، ذات تأثير سلبي على الدول النفطية، ونظراً لأن الصين تستهلك أكثر من 10% من النفط العالمي، لا سيما من المملكة العربية السعودية التي تستورد منها مليون برميل يومياً، والعراق الذي تستورد منه 700 ألف برميل يومياً؛ فإن هذا يعني تحقيق خسائر للدول المصدرة مضاعفة من ناحيتين؛ ناحية السعر بانخفاضه، وناحية الكمية بانخفاض الطلب على النفط كنتيجة طبيعية للظروف القاسية التي تعاني منها الصين من جمود اضطراري لإنتاجها. 

وإذا كانت الصين -وفق منظمة السياحة العالمية- تمتاز عن غيرها بأنها المصدر الأول للسياحة في العالم، حيث بلغ عدد السياح الصينيين للخارج 150 مليون مسافر في العام 2018م، أنفقوا مبلغ 277 مليار دولار؛ فإن هذا يعني فقدان العديد من دول العالم للسياحة الصينية.

كما أنه بنظرة فاحصة إلى التجارة السلعية الإجمالية العربية مع الصين، نجد أنها -وفق بيانات صندوق النقد العربي- بلغت في العام 2018م نحو 1.9 مليار دولار، حيث بلغت الصادرات الصينية للدول العربية مليار دولار، بينما بلغت الواردات 0.9 مليار دولار، كما بلغت الصادرات العربية للصين نسبة 12.5%؛ لتحتل الصين المرتبة الثانية بالنسبة للصادرات العربية بعد الاتحاد الأوروبي، وبلغت الواردات العربية من الصين كذلك نسبة 12.5%؛ لتحتل المرتبة الثالثة بعد الاتحاد الأوروبي والدول العربية الأخرى، وبذلك نجد تأثيراً سلبياً على الجانبين الصيني والعربي بفعل مستجدات هذا الفيروس القاتل، الذي قتل البشر، وأصاب الاقتصاد في مقتل.

الاقتصاد العربي

إن الاقتصاد العربي، للأسف الشديد، من أكثر المتضررين من الأزمة، لا سيما الاقتصاديات النفطية الريعية، وهو ما ينذر بتقليص إنفاقها، وتعرضها لشبح الركود كغيرها من الدول، لا سيما أن الولايات المتحدة الأمريكية -وهي أكبر اقتصاد عالمي- تعاني شبح الركود أيضاً، حتى أبلغ بنك «أوف أمريكا»، أحد أكبر البنوك الأمريكية، مستثمريه بأن اقتصاد الولايات المتحدة دخل مرحلة الركود بسبب تفشي فيروس «كورونا المستجد» (كوفيد-19)، كما نقلت قناة «سي إن بي سي» عن الخبيرة الاقتصادية في البنك الأمريكي «يكي ميشيل ماير»، أن الركود المرصود يمثل «حالة تراجع عميقة» في الاقتصاد، متوقعة أن يتسبب ذلك في «فقدان للوظائف وتدمير للثروات وانهيار الثقة».

وقد واجهت الدول الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، هذه الأزمة الاقتصادية بالعديد من الإجراءات السريعة لتقليل آثارها؛ حيث قررت إدارة «ترمب» حزمة تحفيز بتريليون دولار من أجل امتصاص التداعيات الاقتصادية للفيروس، شملت شيكات بألف دولار للأمريكيين، فضلاً عن 50 مليار دولار لشركات الطيران التي تواجه شبح الإفلاس، و250 مليار دولار قروضاً للشركات الصغيرة، وقد سارت على نهجها العديد من الدول لا سيما بضخ السيولة وتحفيض سعر الفائدة الذي قارب حاجز الصفر في الولايات المتحدة وبريطانيا منذ أيام. 2020-04-07_15h39_13.jpg

وقد جاءت أخيراً تصريحات الطبيب «ميك ريان»، الرئيس التنفيذي في منظمة الصحة العالمية لإدارة برامج الطوارئ، لتكشف عمق الأزمة واستفحالها، حيث وصف الوضع بأنه: «ليس مجرد موسم أنفلونزا سيئ، هناك أزمة صحية تزداد مع وطأة الحاجات المتزايدة، هذا ليس طبيعياً، والأمر سيصبح أسوأ»، وهذا يعكس خطورة هذا الوباء الصحي الذي انتقل إلى جسم الاقتصاد فأصابه بوباء اقتصادي، وتخفيض سعر الفائدة في ظل ظروف هذا الوباء لن يكون وحده حلاً ناجعاً، فالاقتصاد مثل الجسم المريض الذي يرفض نقل دم إليه، ومهما نقلت إليه من دم سيلفظه، فالإنتاج وجانب العرض يحتاج إلى طلب فعال، وهذا الطلب سيكون مركزاً في ضروريات الناس بتلك المرحلة، وسيكون هناك فائض في عرض غيرها من السلع وتوقف دولاب إنتاجها، وهو ما يعني ركوداً لا مناص منه يتوقف تحوله لكساد على وجود علاج لفيروس «كورونا».

ورغم تحسن الوضع الصحي نسبياً في الصين، فإن الواقع والمستقبل يكشفان الحاجة لشهور للوصول إلى علاج لـ»كورونا»، وفق تصريحات مسؤولين سياسيين وعلماء غربيين، وهو ما يعني استمرار أزمة «كورونا» صحياً واقتصادياً، وحاجة الوباء الاقتصادي الناشئ عن وباء «كورونا» إلى المزيد من الوقت للتعافي، وقد يتطلب ذلك التعافي الاقتصادي 3 سنوات إذا ما تم كشف العلاج الناجع لـ»كورونا».

ويبقى بعد ذلك كيفية التعامل مع الأزمة من قبل المستثمرين، فلا مفر لديهم من تنويع استثماراتهم من خلال محفظة متنوعة فهو الأنسب، وفقاً للمثل الإنجليزي «عليك بنشر المخاطر»، أو المثل المعروف «لا تضع كل ما تملكه من بيض في سلة واحدة»، لا سيما والذهب ينخفض، والدولار معرض للانخفاض دولياً بفعل طباعة المزيد منه، وتبقى الأزمة أزمة، والتعامل معها باعتبار أننا في أزمة، والمهم الخروج منها على الأقل بأقل الخسائر.

والله تعالى هو الحافظ وهو أجل وأعلم.

كثيراً ما يهتم المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها بالبعد المادي لكسب ما يعينهم على متطلبات حياتهم، وهذا في حد ذاته محمدة وأخذ بالأسباب، فالله تعالى أمرنا في كتابه الكريم بالسعي في الأرض، ولم يحملنا همَّ الرزق، فهو من فضله وحده، قال تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) (الملك: 15)، فالله تعالى يقول: «وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ»، ولم يقل: «كلوا من سعيكم وجهدكم»؛ فالرزق بيده وحده.

كما أنه تعالى سخر ما في الكون جميعاً لخدمة الإنسان، الذي ميَّزه بالتكريم والتسخير والرزق والتفضيل، فقال تعالى: (وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لَّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (الجاثية: 13)، (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً) (الإسراء: 70).

يكشف واقع المسلمين اليوم عن تفاوت طبقي ملحوظ، وفقر مدقع موجود، وتكافل بات مفقوداً، في ظل الحصار على كل ما هو إسلامي وطمسه، وتجفيف منابع التمويل النافع للمسلمين لبناء الإنسان الاقتصادي الصالح.

وفي ظل ما يعانيه جل المسلمين في ربوع الأرض، غنيهم وفقيرهم، من كسب مال خال من البركات، أو العيش في شظف الفقر المادي أو المعنوي أو كليهما؛ تبدو الحاجة ملحة للمسلمين لتخطيط حياتهم المعيشية تخطيطاً اقتصادياً يعتمد على ركنين أساسيين للكسب والإنفاق؛ أحدهما مادي باتخاذ الجوانب المادية لتعزيز الدخل وترشيد الإنفاق، والآخر معنوي -وهو المفقود- من خلال تعميق البعد الإيماني لتحقيق البركة الاقتصادية. 2019-10-01_14h32_34.png

والبركة الاقتصادية هي أحوج ما تحتاج إليه جموع المسلمين اليوم، وهي ليست لها حدود، فهي تمثل جوامع الخير والبر، وكثرة النعم، وهي في المال زيادته وكثرته، وفي العلم الإحاطة والمعرفة، وفي البيت سعته وسكينته، وفي الطعام وفرته وحسنه، وفي الوقت اتساعه وقضاء الحوائج فيه، وفي الصحة تمامها وكمالها، وفي العمر طوله وحسن العمل فيه، وفي الأولاد برّهم وحسن أخلاقهم، وفي الأسرة انسجامها وتفاهمها.. إنها بحق شيء غير ممسوك، ولكنها في واقع معيشة الناس لها دور ملموس وملحوظ.

عوامل تحقيق البركة

ومن عوامل تحقيق البركة الاقتصادية في حياة المسلم الحرص على الطاعات، وهجرة المعاصي والآثام، ومن ذلك المسارعة في الصدقات، والبعد كل البعد عن الربا؛ فالله تعالى يقول: (يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ) (البقرة: 276)، فالربا في ظاهره نماء للمال، وفي باطنه محق لبركته، وهذا عكس الصدقة التي في ظاهرها نقص للمال، وفي باطنها زيادة في البركة والنماء.

كما أنه من أهم جوامع تحقيق البركة الاقتصادية في حياة المسلم الذكر الاقتصادي، الذي يمثل كلمات بسيطة القول غزيرة المضمون موجبة للبركة الاقتصادية، فمن خلال الارتباط الوثيق بالذكر الاقتصادي في حركات المسلم وسكناته، يفتح الله له أبواباً لمضاعفة حسناته، ومحو سيئاته، وإعانته على عمله، وتوسيع أرزاقه، وتحقيق البركة الاقتصادية بصفة عامة في معيشته، قال تعالى: (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ) (البقرة: 152)، وفي الحديث القدسي: «أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن تقرب إليَّ بشبر تقربت إليه ذراعاً، وإن تقرب إلي ذراعاً تقربت إليه باعاً، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة» (متفق عليه).  

ومن هنا تبدو أهمية ديمومة الذكر الاقتصادي للمسلم في حياته اليومية، فإذا استيقظ من نومه وتوضأ ابتهل بالدعاء: «اللهم اغفر لي ذنبي، ووسع لي في داري، وبارك لي في رزقي» (رواه البخاري)، وإذا استقبل يومه بالذهاب لصلاة الصبح ردد: «اللهم اجعل في قلبي نوراً، وفي لساني نوراً، واجعل في سمعي نوراً، واجعل في بصري نوراً، واجعل من خلفي نوراً، ومن أمامي نوراً، واجعل من فوقي نوراً، ومن تحتي نوراً، اللهم أعطني نوراً» (رواه مسلم)؛ فيبارك الله له في بنائه الجسدي والروحي.

فإذا ما انتهى من صلاته فهو في ذمة الله، ففي الحديث: «من صلى الصبح فهو في ذمة الله» (رواه مسلم)، وما أكرم أن يكون العبد منذ بدء يومه في ذمة ملك كريم يملك الملك والأرزاق.

ثم ما يلبث أن يتوكل على ربه، ويطمع في معافاة جوارحه، وإصلاح شأنه وفقاً لما يقدره خالقه، فيتوجه إلى ربه بأذكار الصباح رافعاً أكف الضراعة إليه سبحانه: «اللهم عافني في بَدَني، اللهم عافني في سمعي، اللهم عافني في بصري، لا إله إلا أنت» (رواه أبو داود)، «اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر، اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، لا إله إلا أنت» (رواه أبو داود)، «يا حي يا قيوم، برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كُله، ولا تَكِلْني إلى نفسي طرفة عين» (رواه النسائي).

فإذا تناول بعد ذلك طعامه سعى إلى تحقيق البركة فيه من خلال البدء: «باسم الله» (رواه الترمذي)، والاتجاه إلى الله بالدعاء: «اللهم بارك لنا فيه وأطعمنا خيراً منه» (رواه الترمذي).

فإذا فرغ من طعامه كان قوله: «الحمد لله الذي أطعمني هذا الطعام وزرقنيه من غير حول مني ولا قوة» (رواه أبو داود)، فإذا ما اتجه لارتداء ثيابه ابتهل إلى الله بالدعاء: «الحَمْدُ لله الذِي كَساني هذا ورَزَقَنِيه مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنّي ولا قُوةٍ» (رواه أبو داود)؛ فيرزقه خيره، ويصرف عنه شره.

فإذا خرج من بيته انطلق لسانه وقلبه: «اللهُمَ إني أعُوذُ بِكَ أن أَضلَّ أوْ أُضَلَّ، أَوْ أزلَّ أو أُزلَّ، أوْ أظلِم أوْ أُظْلَم، أوْ أَجْهَلَ أوْ يُجْهَلَ عَلَيَّ» (رواه أبو داود)، «باسم الله، توكَّلْتُ على الله، لا حَوْلَ ولا قُوةَ إلا بالله» (رواه أبو داود)، فيكفيه الله بما يريد، ويقيه ما لا يريد، وينحي عنه الشيطان فلا يعرف له طريقاً.

وإذا دخل إلى موطن عمله كان قوله: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك ولـه الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير» (رواه الترمذي)، فيوقن أن كل شيء بأمر ربه من حياة وموت، وسعة وضيق، فتطمئن نفسه على رزقه وحياته، وأنه لن يأتيه إلا ما قدّره الله له.

ثم إذا ما عاد إلى بيته ذكر ربه فيبارك الله له؛ ففي الحديث: «إذا دخل الرجل بيته، فذكر الله تعالى عند دخوله وعند طعامه، قال الشيطان: لا مبيت لكم ولا عشاء، وإذا دخل فلم يذكر الله عند دخوله، قال الشيطان أدركتم المبيت» (رواه مسلم).

ثم إذا ما أخلد للراحة والنوم، حمد ربه وأسلم إليه أمره، مبتهلاً بالدعاء: «باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين» (متفق عليه).

وهكذا يرتبط المسلم روحياً بربه في أمسه ويومه وغده، وينتقل بالحياة من حوله إلى حول وقوة ربه، حتى إذا ما سافر استعاذ من «سوء المنقلب في المال» (رواه مسلم)، وإذا ما عُرض عليه مال كان قوله لمن يصنع فيه ذاك المعروف: «بارك الله لك في أهلك ومالك» (رواه البخاري)، وإذ شغله دَين يرجو رفعه وقضاءه كان قوله: «اللهم اكفني بحلالك عن حرامك، وأغنني بفضلك عن سواك» (رواه الترمذي)، «اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والبخل والجبن، وضلع الدين وغلبة الرجال» (رواه البخاري)، وإذا ما أكرمه الله بسداد دينه كان قوله لمن صنع فيه هذا المعروف: «بارك الله لك في أهلك ومالك، إنما جزاء السلف الوفاء والحمد» (رواه ابن ماجة).     

وإذا أصابه سنة في رزقه كان قوله: «اللهم أغثنا، اللهم أغثنا» (رواه البخاري)، «اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً مريئاً مريعاً نافعاً غير ضار عاجلاً غير آجل» (رواه الترمذي)، «بسم الله على نفسى ومالي وديني، اللهم ردني بقضائك، وبارك لي فيما قدر، حتى لا أحب تعجيل ما أخرت ولا تأخير ما عجلت» (رواه البيهقي)، «اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إن شئت سهلاً» (رواه ابن حبان)؛ فييسر الله أمره ويوسع له في رزقه.

وبذلك يعي المسلم قوله تعالى: (فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى {123} وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى {124} قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً {125}‏ قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى {126}) (طه)، وقوله تعالى في الحديث القدسي: «ما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه» (رواه البخاري).

وبذلك يوازن المسلم بين مقتضيات الحياة في الأرض؛ من عمل وكد ونشاط وكسب، ومقتضيات العبادة لله عز وجل بالذكر الاقتصادي، وأداء ما افترضه الله عليه من الفرائض، والحرص على أداء النوافل؛ فيحيا قلبه، وتتحقق له المقدرة على الاتصال والتلقي والنهوض بتكاليف الأمانة الكبرى التي اختص الله عباده بها.

 

العالم العربي يساهم بـ31% من الكفاءات والعقول التي تهاجر من البلدان النامية نحو الأقطار الغربية 

50% من الأطباء و23% من المهندسين و15% من العلماء العرب يفضلون الهجرة على البقاء في بلدان المنشأ 

الأموال الخليجية المهاجرة نحو 1400 مليار دولار منها 750 ملياراً تخص السعودية وحدها 

يجب السعي لعودة العقول والأموال العربية المهاجرة بإزالة الأسباب التي حالت دون استثمارها داخل أوطانها

 

 

يعد عنصر العمل من أهم عناصر الإنتاج؛ فهو صاحب القدرة على الاستفادة من الموارد الطبيعية، ورأس المال لتوليد السلع والخدمات، وبغير عنصر العمل تبقى عناصر الإنتاج الأخرى مهملة، لا حياة فيها، ولا أهمية لها.
وقد حبا الله سبحانه دولنا العربية بموارد اقتصادية لا حصر لها، ورأسمال لا حدود له، وقوى عاملة تملك من المهارة ما لا تجده في غيرها، ومع ذلك نجد أن العقول المهاجرة ورأس المال المهاجر أصبح ظاهرة مرئية، ولطالما طالب العديد من الوطنيين بعودة العقول والأموال العربية المهاجرة إلى موطنها الأصلي للتعمير والبناء.
لو بدأنا بالعقول المهاجرة، لوجدنا أن هذا الموضوع بالغ الأهمية؛ لقدرة هذه العقول على تطوير البلاد العربية في كافة المجالات، لا سيما وهم عنصر بناء في الحضارة الغربية في ظل وقوف دولنا العربية في صفوف الدول النامية.
وتشير بعض التقارير الصادرة عن «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي»، وجامعة الدول العربية، إلى أن أكثر من مليون خبير واختصاصي عربي يعملون في الدول المتقدمة، من بينهم 450 ألفاً من حملة الشهادات العليا المشتغلين في أمريكا وأوروبا، وأن العالم العربي يساهم بنحو 31% من مجموع الكفاءات والعقول التي تهاجر من البلدان النامية نحو الأقطار الغربية، كما أن نحو 50% من الأطباء، و23% من المهندسين، و15% من العلماء العرب، يفضلون الهجرة على البقاء في بلدان المنشأ العربية، وأن الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة وكندا تستقطب نسبة 75% من العقول العربية الإبداعية المهاجرة.
وفي السياق ذاته، يشير تقرير صادر عن «أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا» بمصر، في يوليو 2015م، إلى أن أكثر من 450 ألف مصري من أصحاب الشهادات العليا اتجهوا قِبلة الغرب خلال الخمسين سنة المنقضية، وأصبح 600 من بين هؤلاء المبدعين المصريين المهاجرين من أبرز العلماء المتألقين بالغرب في اختصاصات دقيقة ونادرة من قبيل علم الفضاء، والنانو تكنولوجيا، وعلوم البحار، والهندسة المعمارية الصديقة للبيئة.
وشهدت مصر بعد ثورة يناير 2011م عودة لبعض العقول المهاجرة لبناء الوطن، ولكنْ وصلت تلك العقول لطريق مسدود بعد الانقلاب العسكري، وعادت أدراجها، ولا يختلف الوضع كثيراً في الدول العربية الأخرى، لا سيما دول الخليج العربي التي تتميز بتوافر رأس المال، وكانت هي الأَوْلى بتوطين تلك العقول المهاجرة، ومنح الجنسية لها، والاستفادة منها، للانتقال من عالم الدول النامية إلى رحاب الدول المتقدمة.
إن العقول العربية المهاجرة ما تركت ديارها إلا لافتقادها للحرية والبيئة العلمية الصالحة، وما يرتبط بذلك من مراكز البحث والحاضنات العلمية، والحراك الوظيفي دون تمييز ملحوظ.
الأموال المهاجرة
وإذا انتقلنا للأموال العربية المهاجرة، فبرغم عدم وجود أرقام دقيقة ومحددة لحجمها وتباين التقديرات الخاصة بها، بسبب تعدد أشكال ومناطق الاستثمارات العربية، إضافة إلى السرية الكاملة التي تحيط بكثير من الحسابات المصرفية الخاصة، فإن معظم الدراسات المالية والاقتصادية تقدر حجم تلك الأموال بما يتراوح ما بين 800 مليار دولار إلى نحو 3 تريليونات دولار!
فقد قدرت «الأمانة العامة لاتحاد المصارف العربية» حجم الأموال العربية المهاجرة للخارج بما يتراوح ما بين 600 - 880 مليار دولار، بينما قدرت «منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية» (اليونيدو) حجم تلك الأموال بنحو 800 مليار، وقدرتها «المؤسسة العربية لضمان الاستثمار» بنحو 1.4 تريليون دولار، ووفقاً لتقرير تطورات المعرفة والتكامل الاقتصادي لدول «إسكوا» لعام 2003م، فإن حجم تلك الأموال يقدر بنحو 1.5 تريليون دولار، وقدرت «الأمانة العامة لمجلس الوحدة الاقتصادية العربية» الأموال العربية المهاجرة بنحو 2.4 تريليون دولار، بينما قدرت دراسة اقتصادية أجراها «مركز الخليج للدراسات الإستراتيجية» حجم تلك الأموال بنحو 2.8 تريليون دولار، وذكر تقرير صادر عن «مجلس الغرف التجارية الصناعية السعودية» أن إجمالي الأموال الخليجية المهاجرة نحو 1400 مليار دولار، منها 750 ملياراً تخص السعودية وحدها.
وقد ارتبطت الأموال العربية المهاجرة للأسواق الأمريكية والأوروبية بالطفرة النفطية التي ترتبت على حرب أكتوبر 1973م، وما نتج عنها من فوائض مالية ضخمة لدى الحكومات والأشخاص، خاصة في دول الخليج، حيث أخذ النصيب الأكبر من هذه الأموال طريقه للهجرة إلى خارج البلاد العربية، وذلك لاعتبارات ترتبط تارة بأصحاب الأموال (المستثمرين) ببحثهم عن فرص استثمارية تحقق لهم المواءمة بين الربحية والسيولة والأمان من المخاطر، وتارة أخرى بمناخ الاستثمار في الدول العربية الذي يعتريه العديد من المخاطر السياسية والاقتصادية، ويعاني من القيود والروتين والتعقيدات الإدارية، وغياب الشفافية والإفصاح والثقة وسيادة القانون.
وكل هذا يحتم أهمية السعي لعودة العقول والأموال العربية المهاجرة، وذلك بإزالة الأسباب التي حالت دون استثمار تلك العقول وهذه الأموال بالداخل وأدت إلى هجرتها للخارج، من خلال توفير بنية علمية سليمة، وإيلاء أولوية للبحث العلمي وحاضناته، وتوفير بنية سياسية صالحة وقوية ومنظمة تتحاكم إلى المؤسسات، وينعم فيها الفرد بالحرية والديمقراطية، وتوفير بنية اقتصادية أساسية قوية تدعم الاستقرار الاقتصادي، وتعمل على تحفيز الاستثمار، وتوفر أوعية استثمارية تلبي للمستثمر العربي رغبته في المواءمة بين الربحية والسيولة والأمان من المخاطر، وكذلك توفير بنية أساسية قوية للجوانب الإدارية والتشريعية والتنظيمية تزول معها البيروقراطية والفساد والرشوة، وتتسم بالعدالة.

خواطر اقتصادية من الهدي النبوي
عن حكيم بن حزام رضي الله عنه، قال: قلت: يا رسول الله، إني أشترى بيوعاً ما يحل لي منها وما يحرم عليَّ؟ قال: «فإذا اشتريت بيعاً فلا تبعه حتى تقبضه» (رواه أحمد).
مصطلحات الحديث:
«تقبضه»: تتسلمه.
وتختلف طبيعة القبض وفقاً لنوعية السلع المباعة من كونها عقاراً أو منقولاً، فالقبض في العقار يكون بالتخلية بينه وبين من انتقل إليه الملك، بحيث يتمكن من الانتفاع به الانتفاع المطلوب عرفاً، بينما القبض في المنقول يكون باستيفاء القدر كيلاً أو وزناً، أو بنقله من مكانه إن كان جزافاً، وفيما عدا المقدر والجزاف يرجع في القبض إلى العرف.
الدروس الاقتصادية في الحديث:
1- من علة تحريم بيع السلع قبل قبضها أن البائع إذا باعها ولم يقبضها المشتري فإنها تبقى في ضمانه، فإذا هلكت كانت خسارتها عليه دون المشتري، فإذا باعها المشتري في هذه الحال وربح فيها كان رابحاً لشيء لم يتحمل فيه تبعة الخسارة، ونهى الرسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع ربح ما لم يضمن.
2- من علة تحريم بيع السلع قبل قبضها أن المشتري الذي باع ما اشتراه قبل قبضه يماثل من دفع مبلغاً من المال إلى آخر ليأخذ في نظيره مبلغاً أكثر منه، إلا أن هذا أراد أن يحتال على تحقيق قصده بإدخال السلعة بين العقدين فيكون ذلك أشبه بالربا.
3- من علة تحريم بيع السلع قبل قبضها أن ملك السلع قبل القبض ضعيف؛ لاحتمال انفساخ العقد بتلفها، فيكون بيعها قبل قبض المشتري لها لوناً من ألوان الغرر، لاحتمال عدم تمام الصفقة.
4- من علة تحريم الطعام قبل قبضه أن المنع يؤدي لتقليل تداول أيدي التجار للأغذية قبل وصولها للمنتفع بها؛ لكيلا ترتفع أثمانها دون أي إضافة، ويتضرر المشترون لها لسد حاجتهم بها.
_________________
(*) أستاذ التمويل والاقتصاد بجامعة إسطنبول صباح الدين زعيم

وجه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في مذكرة خاصة أصدرها، الجمعة الماضية، الممثل التجاري للولايات المتحدة العمل على دفع منظمة التجارة العالمية لإجراء إصلاحات فيما يخص الدول النامية، وذلك بمنع تلك الدول من التمتع بـميزات غير عادلة -حسب قوله- في الساحة التجارية الدولية التي تحصل عليها بسبب مرونة قواعد المنظمة.

وذكر ترمب أن مجموعة من الأعضاء في المنظمة، وهي الإمارات وقطر والكويت وتركيا والصين وهونج كونج وبروناي وماكاو وسنغافورة والمكسيك وكوريا الجنوبية، تصف نفسها بالنامية رغم أنها غنية.

وتوعد ترمب بأنه في حال عدم تحقيق منظمة التجارة العالمية تقدماً جوهرياً في إجراء الإصلاح الخاص بهذا المجال في غضون 90 يوماً، ستوقف الولايات المتحدة تعاملها مع تلك الدول المذكورة باعتبارها نامية، موضحاً أن الولايات المتحدة لن تدعم أياً من هذه البلدان في إطار منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.

ولم يكتف ترمب بذلك، بل –كعادته- غرد في مساء نفس اليوم على حسابه في موقع "تويتر" قائلاً: "منظمة التجارة العالمية تتعرض للإفلاس بينما تزعم أغنى دول العالم أنها نامية من أجل الالتفاف على قواعد المنظمة والحصول على تعامل خاص"، وأضاف: "يكفي!".

وتابع ترمب: "وجهت اليوم الممثل التجاري للولايات المتحدة لاتخاذ إجراء لوقف مخادعة تلك البلدان للنظام على حساب الولايات المتحدة".

والناظر لهذا القرار يجد أن به ثلاث دول عربية خليجية؛ هي الإمارات وقطر والكويت، واستثنى السعودية رغم عضويتها لمنظمة التجارة العالمية، وهذا القرار يطرح العديد من التساؤلات بدوافعه وتأثيره على الدول العربية سالفة الذكر.

بداية ينبغي معرفة وضع الامتيازات التي تأخذها الدول الثلاث وغيرها من الدول النامية من منظمة التجارة العالمية، فمن المبادئ التي أقرتها اتفاقية "الجات" لتحكم مسيرتها تجاه تحقيق أهدافها: مبدأ المعاملة التفضيلية في العلاقات التجارية للشمال والجنوب: ومضمون هذا المبدأ أن يتكفل النظام التجاري الدولي الذي أقامته "الجات" بتقديم معاملة تجارية تفضيلية للدول الآخذة في النمو كأحد الأعمدة التي ترتكز عليها الإستراتيجية الدولية للتنمية الاقتصادية، وتهدف هذه المعاملة التفضيلية إلى فتح أسواق الدول الصناعية المتقدمة أمام منتجات الدول الأخذة في النمو، وبالتالي زيادة حصيلتها من الصرف الأجنبي اللازم لتمويل برامج التنمية الاقتصادية بها.

كما تهدف إلى تعزيز حماية أسواق الدول النامية، بالسماح لها باعتماد مستويات نسبية أعلى للتعريفة الجمركية مقارنة مع الدول المتقدمة، إضافة إلى اتخاذ إجراءات للحد من الواردات التي تحمل تهديدات بالنسبة للمنتجين الداخليين أو لميزان المدفوعات في تلك البلدان، فضلاً عن تقديم بعض أنواع الإعانات المالية من قبل الحكومة في ظروف خاصة تتعلق بكون هذا الإجراء ضرورياً لضمان خلق الظروف الملائمة للتنمية.

ولكن هل العلاقات التجارية بين دول الخليج الثلاث لها تأثير ملحوظ على التجارة الأمريكية والعكس؟ إن هذا الأمر يتطلب الوقوف على التجارة البينية بينهما، فمن خلال بيانات المركز الإحصائي لدول مجلس التعاون الخليجي عن التجارة الخارجية السلعية لدول المجلس لعام 2017م، نجد أنه على صعيد التركيب السلعي لأبرز السلع المصدرة والمستوردة، أنه على مستوى الصادرات الوطنية السلعية: شكل النفط ومنتجاته نسبة 79.6% من قيمة الصادرات السلعية وطنية المنشأ لتبلغ نحو 344.3 مليار دولار أمريكي، يليها البلاستك ومصنوعاته بنسبة 5.3%، ثم الذهب والأحجار الكريمة والمواد الكيماوية، والألومنيوم ومصنوعاته، والأسمدة بنسبة 3.4%، و3.0%، و2.6%، و0.7% على التوالي.

وعلى مستوى الشركاء التجاريين لإجمالي الصادرات السلعية: احتلت اليابان المرتبة الأولى من بين أهم الشركاء التجاريين لدول مجلس التعاون من حيث إجمالي الصادرات السلعية، حيث شكلت ما نسبته 12.8% من إجمالي الصادرات السلعية لمجلس التعاون إلى الأسواق العالمية بقيمة بلغت نحو 68.8 مليار دولار أمريكي، فيما جاءت الصين المرتبة الثانية بنسبة 12.5%، تليها الهند وكوريا الجنوبية والولايات المتحدة وسنغافورة بنسبة 11.3%، 9.6%، 6.0%، و5.5% على التوالي.

وتعتبر هذه الدول أكبر الدول المستوردة للنفط الخام والغاز الطبيعي من دول مجلس التعاون.

وعلى مستوى الواردات السلعية: استأثرت الآلات والأجهزة الكهربائية على نسبة 15.4% من قيمة إجمالي واردات مجلس التعاون السلعية؛ أي ما يقارب 69.5 مليار دولار أمريكي، ويليها في المرتبة الثانية الآلات والمعدات الآلية بنسبة 13.8% من إجمالي قيمة واردات دول مجلس التعاون السلعية، ثم الذهب والأحجار الكريمة، والسيارات ، والطائرات وأجزاؤها، ومصنوعات الحديد والصلب بنسبة 12.7%، 10.0%، 3.2%، 2.6% على التوالي.

وعلى مستوى الشركاء التجاريين في الواردات السلعية: احتلت الصين المرتبة الأولى من بين أهم الشركاء التجاريين لدول مجلس التعاون من حيث إجمالي الواردات السلعية، حيث شكلت ما نسبته 18.0% من إجمالي الواردات السلعية لدول مجلس التعاون بقيمة بلغت نحو 80.9 مليار دولار أمريكي، فيما جاءت الولايات المتحدة في المرتبة الثانية بنسبة بلغت 11.7%، تليها الهند وألمانيا واليابان وكوريا الجنوبية بنسبة 6.9%، 5.6%، 5.4%، 3.6% على التوالي من قيمة إجمالي الواردات السلعية لدول مجلس التعاون من الأسواق العالمية.

ومن خلال هذه البيانات، يتبين أن التبادل مع الصين واليابان والهند مثَّل ما نسبته 33.8% من تجارة دول مجلس التعاون الخليجي، وأن النفط والغاز هما أهم الصادرات لدول المجلس ذات الاقتصاد الريعي، وهما في خارج إطار عمل اتفاقية "الجات"، كما يتبين أن الولايات المتحدة تأتي في سلم الأولويات المتأخرة من الصادرات السلعية للدول الخليجية، وفي الواردات السلعية تأتي في المرتبة الثانية، ولما كانت الدول الخليجية بما فيها الإمارات والكويت وقطر لا تمثل الضرائب الجمركية عندها أهمية كبرى، فإن ضرر السلع الأمريكية من التعريفة الجمركية أمر ليس من الأهمية بمكان.

وكل هذا يعكس أن القرار الأمريكي لن يكون ذا تأثير اقتصادي كبير بصورة مباشرة على الإمارات والكويت وقطر بقدر ما هو وسيلة من وسائل الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين، ورسالة كذلك إلى تركيا وغيرها، وفي الوقت نفسه هو وسيلة ابتزاز للدول الخليجية الثلاث.

أما التهديد الأمريكي بتنفيذ السياسة التي يريدها منفرداً مع تلك الدول في غضون 90 يوماً، فهو أمر مخالف للقوانين الدولية وترسيخ للفوضى ولغة القوة وإهدار لمنظمة التجارة العالمية ونظامها وأهدافها التي في مقدمتها نشوء عالم اقتصادي مزدهر يتمتع بالسلام ومسؤول بصورة أكبر، من خلال نموذجية اتخاذ القرارات في المنظمة بإجماع الدول الأعضاء والتصديق عليها بواسطة برلمانات الدول الأعضاء، والاعتراض بخصوص الخلافات التجارية عن طريق آلية فض المنازعات الخاصة بالمنظمة.

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top