د. علي الصلابي

د. علي الصلابي

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

إن الله سبحانه وتعالى -في أعراف المؤمنين-ظاهراً ظهوراً واضحاً، وهو عز وجل أظهر من كل ما سواه. إن المؤثِّر في أعراف المؤمنين أظهر من الأثر، والخالق أوضح من الخلق، والمكوِّن أجلى من الكون، وإن من أسماء الله اسم "الظاهر".

يقول تاج الدين بن عطاء الله السكندري عن هذا المعنى -متفنناً في التعبير والمعنى-جملة من التعبيرات تتَّحد ألفاظها إلا لفظاً واحداً أو لفظين، فيتغير المعنى بسبب ذلك ويكون للعبارات في مجموعها معنى لطيف... إنه يقول:

-كيف يُتصور أن يحجبه شيء وهو الذي أظهر كل شيء؟ كيف يُتصور أن يحجبه شيء وهو الظاهر قبل وجود كل شيء؟ كيف يُتصور أن يحجبه شيء وهو أظهر من كل شيء؟ كيف يُتصور أن يحجبه شيء وهو أقرب إليك من كل شيء؟ كيف يُتصور أن يحجبه شيء ولولاه ما كان وجود شيء؟

أما عن الاستدلال بالأثر على المؤثِّر فإن ابن عطاء يقول في مناجاته:

"إلهي كيف يُستدل عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك؟"

والمفتقر إلى الله -في كلمة ابن عطاء الله-هو الكون كله، هو هذه الآثار كلها، في وجودها وفي ارتباطها، وفي إمساكها، وفي العناية بها.

ويتابع ابن عطاء الله مناجاته فيقول متجهاً إلى الله:

- أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتى يكون هو المظهِرَ لك؟ متى غبت حتى تحتاج إلى دليل يدل عليك؟ ومتى بعدت حتى تكون الآثار هي التي توصل إليك؟

وفي هذا المنهج كلام كثير، ومهما يكن من شيء فإنه سواء سار الإنسان على النهج الصوفي أو على نهج الاستدلال فالله موجود، وقد كان في أزل ولا شيء معه ثم خلق الخلق.

ومن أسماء الله الحسنى "الظاهر"، ومن معاني كلمة الظاهر هو أن الله لكثرة البراهين الدالة عليه، ولكثرة الدلائل التي تشير إليه ظاهر... قيل يا إمام متى كان الله؟ فقال الإمام علي: ومتى لم يكن؟

وقال العلماء: لقد خلق الله كل الكائنات لتظهر آثار قدرته فيها، وهو سبحانه وتعالى ظاهر عليها من جميع الجهات.

ومن أدق الكلمات وأوضحها أن يقال: الكون كله بما فيه ومن فيه مظهر من مظاهر أسمائه وصفاته، وعلاماته، كل الكون يدل على الله أبداً، كل الكون بمجراته، بالسماوات، والأرض، والنبات، والحيوان، والأطيار، والأسماك، والإنسان، والطعام، والشراب، لذلك فإن أكبر وظيفة للكون أن نتعرف على الله من خلاله، ولو لم نستفِد منه، لكن الذي استفاد من هذا الكون ولم يتعرف على الله من خلاله ما حقق الهدف من وجوده.

وقيل في الاسم الظاهر هو المتجلي بأنوار هدايته وآياته، المتنزّه بمعاني أسمائه وصفاته، فهدايته واضحة، وآياته واضحة.

قال العلماء لا ترى ذرة في الوجود إلا وهي ناطقة بوحدانية المعبود، ولا ترى فاضلاً متخلّقاً بصفات الرجال إلا وتشهد عليه أنوار صفات الكبير المتعال، كل الخير من الله، كل الكمال من الله، كل الأعمال الصالحة بتوفيق الله، بإلهام الله، مصدر الكمال في الكون هو الظاهر. قالوا: الظاهر لا يخفى على كل متأمل، أيُّ إنسان أراد الحقيقة فالله يظهر له. قالوا: هو الظاهر فلا يخفى على كل متأمل، الظاهر لعيون الأرواح والكون، محلّى بالكمال، وكل شيء فيه ينادي: أشهد أن خلَّاقي ذو الجلال والإكرام ظاهر. والظاهر: هو الظاهر على كل شيء دونه، وهو العالي فوق كل شيء، فلا شيء أعلى منه.وقد قال الإمام ابن القيم عن اسم الجلالة (الظاهر) في نونيته:

والظاهر العالي الذي ما فوقه

                    شيء كما قد قال ذو البرهان

حقاً رسول الله ذا تفسيره

                        ولقد رواهُ مسلمٌ بضمانِ

فاقبله لا تقبل سواه من التفا

                        سير التي قيلت بلا برهانِ

والشيء حين يتمُّ منه علوُّه

                        فظهوره في غاية التبيانِ

أَوَما ترى هذي السما وعلوَّها

                        وظهورها وكذلك القمرانِ

والعكس أيضاً ثابتٌ فسُفُولُهُ

                        وخفاؤُهُ إذ ذاك مصطحبانِ

فانظر إلى علو المحيط وأخذِهِ

                        صفةَ الظهور وذاك ذو تبيانِ

وانظر خفاءَ المركز الأدنى ووصـ

                        ـف السفل فيه وكونه تحتاني

وظهوره سبحانه بالذات مثــ

                        ـلُ علوه فهما له صفتانِ

لا تجحدَنَّهما جحودَ الجهم أو

                        صافَ الكمال تكون ذا بهتانِ

وظهوره هو مقتضٍ لعلوِّه

                        وعلوُّه لظهوره ببيانِ

ويقول الشيخ السعدي رحمه الله تعالى: و"الظاهر" يدل على عظمة صفاته، واضمحلال كل شيء عند عظمته من ذوات وصفات، ويدل على علوِّه.

واسم الله الظاهر مقترن بالباطن، ومن أسرار اقتران أسماء الله الحسنى: الأول، الآخر، الظاهر، الباطن، فمعرفة هذه الأسماء الأربعة؛ الأول والآخر والظاهر والباطن هي أركان العلم والمعرفة، فحقيق بالعبد أن يبلغ في معرفتها إلى حيث تنتهي به قواه وفهمه.

فمدار هذه الأسماء الأربعة على الإحاطة؛ وهي إحاطتان زمانية ومكانية، فإحاطة أوَّليَّته وآخريَّته بالقبل والبعد، فكل سابق انتهى إلى أوَّليَّته، وكل آخر انتهى إلى آخريَّته، فأحاطت أوليَّته وآخريَّته بالأوائل والأواخر، وأحاطت ظاهريَّته وباطنيَّته بكل ظاهر وباطن، فما ظاهر إلا والله فوقه، وما من باطن إلا والله دونه، وما من أول إلا والله قبله، وما من آخر إلا والله بعده؛ فالأولُ قِدمُه، والآخرُ دوامُه وبقاؤُه، والظاهرُ علوُّه وعظمتُه، والباطنُ قربُه ودنوُّه، فسبق كلَّ شيء بأوَّليَّته، وبقي بعد كل شيء بآخريَّته، وعلا على كل شيء بظهوره، ودنا من كل شيء ببطونه، فلا تواري منه سماءٌ سماءً، ولا أرضٌ أرضاً، ولا يحجب عنه ظاهرٌ باطناً، بل الباطنُ له ظاهرٌ، الغيبُ عنده شهادةٌ، والبعيدُ منه قريبٌ، والسرُّ عنده علانيةٌ، فهذه الأسماء الأربعة تشتمل على أركان التوحيد؛ فهو "الأولُ" في آخريَّتِهِ، و"الآخرٌ" في أوَّليَّته، و"الظاهرُ" في بطونه، و"الباطنُ" في ظهوره، لم يزل أولاً، وآخراً، وظاهراً، وباطناً.

وقد أورد ابن القيم هذه الأسماء مجتمعةً في نونيَّته الشهيرة حيث قال:

هو أولٌ هو آخرٌ هو ظاهرٌ

                        هو باطنٌ هيَ أربعٌ بوِزانِ

ما قبلَهُ شيءٌ كذا ما بعدَهُ

                        شيءٌ تعالى اللهُ ذو السُّلطانِ

ما فوقَهُ شيءٌ كذا ما دونَهُ

                        شيءٌ وذا تفسيرُ ذي البُرهانِ

فانظرْ إلى تفسيرِهِ بتدبُّرٍ

                        وتبصُّرٍ وتعقُّلٍ لِمَعانِ

فالله سبحانه لَمّا كان هو الأول الذي خلق الكائنات، والآخر الذي إليه تصير الحادثات، فهو الأصل الجامع؛ فالعلم به أصل كل علم وجامعه، وذكرُهُ أصل كل كلام وجامعه، والعمل له أصل كل عمل وجامعه. وليس للخلق صلاح إلا في معرفة ربهم وعبادته.

 

 

___________________________________________________________________________

  • 1- ابن القيم الجوزية، طريق الهجرتين وباب السعادتين، دار السلفية، القاهرة، ط 2، 1394، ص 25. نونية ابن القيم الجوزية، تحقيق: زهير الشاويش، ط1 1404 ه، 2/ 213.

    2- الطبري، جامع البيان في تأويل القرآن، 27/124.

    3- عبد العزيز الجليل، ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها، دار طيبة، الرياض، ط3، 1430ه-2009م، ص 174-176.

    4- عبد الكريم عبيدات، الدلالة العقلية في القرآن ومكانتها في تقرير مسائل العقيدة الإسلامية، ص 24.

    5- علي محمد الصلابي، قصة بدء الخلق وخلق آدم عليه السلام، ص 92-97.

    6- محمد بن عبد الله الخرعان كلام ابن تيمية نقلاً عن: قصة الخلق، دار كنوز إشبيليا للنشر والتوزيع، الرياض، ط 1، 2008، ص 13.

    7- محمد راتب النابلسي، موسوعة أسماء الله الحسنى، دار المكتبي، دمشق، سوريا، ط3، 1425ه-2004م، 2/1004-1010

إن الله خالق الأرض وخالق الناس هو الذي مكّن لهذا الجنس البشري في الأرض، وهو الذي أودع الأرض هذه الخصائص والموافقات الكثيرة التي تسمح بحياة هذا الجنس وتقوته، وتعينه بما فيها من أسباب الرزق والمعايش، قال تعالى: (وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ) (الأعراف: 10).

هو الذي جعلها مقراً صالحاً لنشأته بجوها وتركيبها وحجمها وبُعدها عن الشمس والقمر، ودورتها حول الشمس، وميلها إلى محورها، وسرعة دورتها، إلى آخر هذه الموافقات التي تسمح بحياة هذا الجنس البشري عليها، وهو الذي أودع هذه الأرض من الأقوات والأرزاق ومن القوى والطاقات ما يسمح بنشأة هذا الجنس وحياته، وبنمو هذه الحياة ورقيها معاً، وهو الذي جعل هذا الجنس سيد مخلوقات هذه الأرض قادراً على تطويعها واستخدامها بما أودعه الله من خصائص واستعدادات للتعرف على بعض نواميس هذا الكون وتسخيرها في حاجته.

ولولا تمكين الله للإنسان في الأرض بهذا وذلك، لما استطاع هذا المخلوق الضعيف القوي أن يقهر الطبيعة، كما يعبر أهل الجاهلية قديماً وحديثاً، ولا كان بقوته الذاتية قادراً على مواجهة القوى الكونية الهائلة الساحقة.

إن التصورات الجاهلية الإغريقية والرومانية هي التي تطبع تصورات الجاهلية، وهي التي تصور الكون عدواً للإنسان، وتصور القوى الكونية مضادة لوجوده وحركته، وتصور الإنسان في معركة مع هذه القوى -بجهده وحده- وتصور كل تعرّف إلى النواميس الكونية وكل تسخير لها -قهراً للطبيعة- في المعركة بينها وبين الجنس الإنساني.

إنها تصورات سخيفة، فوق أنها تصورات خبيثة، لو كانت النواميس الكونية مضادة للإنسان، عدوة له وتتربص به وتعاكس اتجاهه، وليس وراءها إدارة مدبرة كما يزعمون، لما نشأ هذا الإنسان أصلاً، وإلا فكيف ينشأ في كون معاد بلا إدارة وراءه؟ ولما استطاع المضي في الحياة على فَرض أنه وُجد، وإلا فكيف يمضي والقوى الكونية الهائلة تعاكس اتجاهه؟ وهي بزعمهم التي تتصرف بنفسها ولا سلطان وراء سلطانها؟

التصور الإسلامي

إن التصور الإسلامي وحده هو الذي يمضي وراء هذه الجزئيات ليربطها كلها بأصل شامل متناسق، وإن الله هو الذي خلق الكون، وقد اقتضت مشيئته وحكمته أن يجعل طبيعة هذا الكون بحيث تسمح بنشأة هذا الإنسان، وأودع الإنسان من الاستعدادات ما يسمح له بالتعرف إلى بعض نواميس الكون واستخدامها في حاجته.

وهذا التناسق الملحوظ هو الجدير بصنعة الله الذي أحسن كل شيء خلقه، ولم يجعل خلائقه متعاكسة متعادية متدابرة.

وفي ظل هذا التصور يعيش الإنسان في كون مأنوس صديق، وفي رعاية قوة حكيمة مدبرة، يعيش مطمئن القلب، مشروح النفس، ثابت الخطو، ينهض بأمور عمارة وخلافة الأرض في اطمئنان الواثق بأنه مُعان على الخلافة، ويتعامل مع الكون بروح المودة والصداقة، ويشكر الله كلما اهتدى إلى سرٍّ من أسرار الوجود، وكلما تعرف إلى قانون من قوانينه التي تعينه في خلافة الأرض، وتُيسر له قدراً جديداً من الرقي والراحة والمتاع.

إن هذا التصور لا يكفه عن الحركة لاستطلاع أسرار الوجود والتعرف إلى نواميسه، على العكس، هو يشجعه ويملأ قلبه ثقة وطمأنينة، إنه يتحرك في مواجهة كون صديق لا يبخل عليه بأسراره ولا يمنع عنه مدده وعونه وليس في مواجهة كون عدو يتربص به ويعاكس اتجاهاته ويسحق أحلامه، بل هذا الكون وهذه الأرض مسخرة عند الله عز وجل للإنسان.

قال تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (البقرة: 29)، وقال تعالى: (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً) (البقرة: 22)، ومن الآيات التي تدل على تسخير الكون للإنسان قوله تعالى: (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً) (طه: 53)، وقوله تعالى: (اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَاراً) (غافر: 64).

ابن الكون

إن الإنسان هو ابن هذه الأرض، وهو ابن هذا الكون، لقد أنشأه الله في هذه الأرض ومكّنه فيها، وجعل له فيها أرزاقاً ومعايش، ويسّر له المعرفة التي تسلمه مفاتيحها، وخلق نواميس موافقة لوجود هذا الإنسان تساعده حتى يتعرف إليها على بصيرة وتُيسّر له حياته.

إن الله يُريد من الإنسان أن يدرس حياته دائماً بما تشتمل عليه من إمكانات القوة ومواطن النعمة، فيربطها بالله المصدر لكل قوة ونعمة، ليدفعه ذلك إلى الشعور بالمسؤولية أمامه فيما يستخدم فيه القوة أو يستعمل فيه النعمة، وذلك هو مفهوم الشكر العملي، المفهوم الذي يريد الله من الإنسان أن يجعله الطابع العام لحركة حياته، والسّمة البارزة لشخصيته، وذلك بأن يحوّل كل ما أعطاه الله إلى السبيل الذي يتحرّك فيه أمر الله ونهيه، لأنه لا يملك ذلك كله، فلا حرية له أن يتصرف فيه تبعاً لمزاجه وهواه، بل يعتبر ذلك منه تمرُّداً على الله وضاداً لحالة الشكر له، ولن يتحقق ذلك إلا بالوعي الدائم لارتباط الوجود الإنساني في عناصره وخصائصه بالله، والابتعاد عن الانغلاق الفكري والروحي داخل الذات الذي يوحي إليه بالإمكانات الذاتية التي يستمدها من وجوده بعيداً عن الله.

قال تعالى: (وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ)؛ فيما أودعه من عناصر القوّة في الإنسان وما سخرّه له من مخلوقاته.

وقال سبحانه: (وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ)؛ فيما تأكلون وتشربون وتلبسون وتستمعون، لتشكروا الله على ذلك وتنطلقوا به في طريق طاعته.

وقال تعالى: (قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ)؛ تلك هي النتيجة الطبيعية للغفلة عن معنى الحياة المسؤولة في صلتها بالله؛ لأن قضية الشكر هي قضية وعي وانفتاح وإيمان، لتعرف أن الله لم يخلقك عبثاً، ولم يخلق الحياة بدون هدف، ولم يترك الإنسان بدون نظام.

والشكر هو صرف العبد كل ما أنعم الله به عليه إلى ما خلق لأجله، من نعمه ظاهرة باطنة في النفس والمال، فيصرف ذلك كله إلى عبادة ربه بما يليق بكل جارحة على الوجه الأكمل، وإذا ما فعل ذلك كان قد أظهر نعم الله عليه وأدى واجب شكرها.

ويعتبر الشكر من أجلّ الأخلاق السلوكية الإيمانية التي على المؤمن أن يتحلى بها في كل أحواله؛ لما فيه من الاعتراف بالنعم لمسديها.

ولقد كانت عناية القرآن الكريم بهذا الخلق عظيمة كعظم مكانته في الأخلاق، فقد ورد ذكره في نحو من سبعين آية أمراً به، وحثاً عليه، وثناء على أهله ووعداً لهم بحسن جزائه، ونهياً عن ضده مما يدل على أمر هذا الخلق عظيم الشأن، ومن الأوامر القرآنية للتحلي به كثيرة منها قوله تعالى: (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ) (البقرة: 152)، وقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) (البقرة: 172)، وقوله تعالى: (فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ حَلالاً طَيِّباً وَاشْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) (النحل: 114).

 فإن كانت عبادتكم خالصة له سبحانه حقاً فعليكم أن تشكروا نعمه، فإن العبادة تستلزم الشكر، بل هو من ضروب العبادة وأنواعها، ويأتي الحديث مفصلاً عن هذا الخلق في محله بإذن الله تعالى.

لقد أعطانا الله عز وجل أدوات التمكين، وسخر لنا كونه وأرضه، وجعل لنا فيها المعايش التي تستحق شكره ليلاً ونهاراً، سراً وعلناً، قولاً واعتقاداً وعملاً.

المراجع

1- علي محمد محمد الصلابي، مسودة كتاب قصة بدء الخلق وخلق آدم عليه السلام، ص 608 - 603.

2- في ظلال القرآن، سيد قطب، دار الشروق، القاهرة، ط17، 1412ه، ص 3/1263.

3- تفسير من وحي القرآن، محمد حسنين فضل الله، دار الملوك، بيروت، ط3، 1439هـ/ 2018م، ص 7/30.

4- أخلاق النبي في القرآن والسُّنة، أحمد عبدالعزيز الحداد، دار الغرب الإسلامي، ط2، 419هـ/ 1999م، ص 1/185، 186.

5- مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، محمد بن أبي بكر بن القيم، تحقيق محمد المعتصم بالله البغدادي، دار الكتاب العربي، بيروت، ط3، 1996م، ص 2/249.

 تعاقبت الأزمات والابتلاءات والمحن التي أصابت البشرية عبر تاريخها الطويل، ونزلت بالناس صنوف شتى من الابتلاء؛ كالطواعين والمجاعات والفيضانات والزلازل والجفاف وغير ذلك.

وبالطبع، نال المسلمين من ذلك البلاء والجوائح الكثير، وسجل تاريخهم أحداثها ووقائعها وآثارها، ولعل أكثرها فتكاً كان مرض «الطاعون» الذي انتشر أكثر من مرة في مصر والشام والمغرب والعراق والأندلس وقتل ألوفاً من سكانها، وقد قدم المؤرخون الذين عاصروا تلك الأحداث صوراً متنوعة عن تلك الأوبئة وآثارها وعواقبها في سائر أرجاء الأرض، مثل المقريزي، وابن تغري بردي، وابن كثير، وابن إياس، وابن بطوطة، وابن عذارى المراكشي، كما بحثت في ذلك كتب النوازل الفقهية للونشريسي وابن رشد وغيرهم.. ونظراً لما تركت تلك الأوبئة من آثار في التاريخ الإسلامي بسبب انعكاسها على الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأخلاقية للمجتمع الإسلامي والإنسانية ككل، فلا بد من تناولها والاهتمام بدراستها. 2020-04-07_00h02_23.jpg

في هذه الأيام يشغل بال الجميع ما يُشاع من أخبار عن الوباء العالمي الذي يزداد انتشاراً يوماً بعد يوم، والمسمى بفيروس «كورونا»، الذي تسبب بعدد كبير من الوفيات وحالات الخوف والذعر، خصوصاً في البلدان التي استفحل فيها خطره، ولما كان هذا النوع من الأوبئة من قضاء الله وقدره، وانطلاقاً من قوله تعالى: (وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (البقرة: 195)، فإننا –نحن المؤمنين- مطالبون بالعمل على الوقاية من هذا البلاء ودرء أسبابه، وذلك بعد التوكل على الله والأخذ بالأسباب والتسليم بقضائه وقدره.

أولاً: الوباء والطاعون.. لغة واصطلاحاً:

الطاعون لغةً: يقال عن الشخص طعين إن أصابه الطاعون، وطعن الشخص فهو مطعون، وقد جاءت كلمة طاعون على وزن فاعول من الطعن، فاستخدموه بمعنى غير معناه الأصلي، لكنه يعطي دلالة قريبة منه ليدل على الموت الذي يصيب جماعة من الناس فيشيع بينهم كالوباء (بهجت،2011، ص99).2020-04-06_23h48_43.jpg

أما المعنى الاصطلاحي فهو قروح جسدية تخرج وتتمركز في مواضع مختلفة من الجسم، كالأيدي أو المرافق أو الآباط أو غيرها، ويصحب ذلك آلام شديدة، مع ما يرافقها من أعراض أخرى كالقيء وخفقات القلب، وقد عرَّف ابن حجر العسقلاني الطاعون بقوله: «هو المرض الذي يفسد الهواء به وتفسد به الأبدان والأمزجة، وهو مادة سمية تحدث ورماً قاتلاً في المواقع الرخوة، والسبب هو دم رديء يميل إلى العفونة والفساد»، ومما سبق نرى أن الأورام هي أبرز علامات الطاعون، وأوضح أعراضه، وهذه الأورام يمكن أن تكون على شكل نتوءات أو غدد، ويعزز ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الطاعون غدة كغدة الإبل».

وقد فرَّق العلماء بين الوباء والطاعون، فعدوا الطاعون وباءً وليس العكس، حيث إن الطواعين في الغالب غير معلومة المصدر بينما يكون مصدر الوباء بشكل عام معروفاً (فاضل،2011، ص100).

أما تعريف الوباء بشكل عام، فقد عرفته منظمة الصحة العالمية بأنه حالة انتشار لمرض معين، حيث يكون عدد حالات الإصابة أكبر مما هو متوقع في مجتمع محدد أو مساحة جغرافية معينة أو موسم أو مدة زمنية (شبكة الجزيرة، 18/3/2020م).

ثانياً: من الأوبئة والطواعين في فترات التاريخ الإسلامي:

حدثت عدة أوبئة وأمراض جماعية عبر التاريخ الإسلامي، وفي مختلف دوله وأمصاره وأصقاعه، إلا أن أبرزها وأكثرها شهرةً وتأثيراً هي: طاعون عمواس (18هـ/ 693م)، طاعون الجارف (69هـ/ 688م)، طاعون الفتيات أو الأشراف (87هـ/ 705م)، طاعون مسلم بن قتيبة (131هـ/ 748م)، الأوبئة والطواعين في العصر العباسي والمملوكي والأيوبي في المشرق الإسلامي، الأوبئة والطواعين في المغرب الإسلامي.

أما طاعون عمواس فحدث في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وذلك أنه في العام الثامن عشر من الهجرة وقع شيءٌ فظيعٌ مروِّعٌ، وقد سمِّي بطاعون عِمَواس نسبة إِلى بلدةٍ صغيرة، يقال لها: عِمَواس، وهي: بين القدس، والرَّملة؛ لأنَّها كانت أول ما نجم الدَّاء بها، ثمَّ انتشر في الشَّام منها، فنسب إِليها، وكان حصول الطَّاعون في ذلك الوقت بعد المعارك الطَّاحنة بين المسلمين والروم، وكثرة القتلى، وتعفُّن الجو، وفساده بتلك الجثث أمراً طبيعياً، قدَّره الله لحكمةٍ أرادها، فكانت شدَّته بالشَّام، فهلك به خلقٌ كثيرٌ، منهم: أبو عبيدة بن الجرّاح، وهو أمير النَّاس، ومعاذ بن جبل، ويزيد بن أبي سفيان، والحارث بن هشام، وقيل: استشهد باليرموك، وسهيل بن عمرو، وعتبة بن سهيل، وأشراف النَّاس (الصلابي، 2005، ص231).

حدث الطاعون الجارف في البصرة سنة 69هـ، في زمن عبدالله بن الزبير رضي الله عنه، وسمي بالجارف لكثرة من مات فيه، فقد اجترف الموت فيه الناس اجترافاً كالسيل، واستمر ثلاثة أيام فقط (فاضل، 2011، ص104)، وفي عام 87هـ وقع طاعون في العراق وبلاد الشام، سمي بطاعون الفتيات؛ لأنه وقع بالنساء والعذارى أولاً، فوقع بالنساء قبل الرجال، بينما سماه البعض بطاعون الأشراف لكثرة ما توفي فيه من أشراف القوم وأكابرهم (فاضل، 2011، ص105)، وكان آخر ما حدث من الطواعين في العصر الأموي هو طاعون مسلم بن قتيبة في عام 131هـ، الذي سمي باسم أول من مات به، وقد وقع هذا الطاعون في البصرة واستمر لثلاثة أشهر، واشتد في رمضان حيث كان يُحصى في بعض الأيام ألف جنازة أو يزيد (فاضل، 2011، 106).

وتحدث ابن كثير أنه عندما اجتاح المغول بغداد ودمروها في عام 656هـ/ 1258م: «تعطلت المساجد والجماعات والجمعات مدة شهور ببغداد.. ولما انقضى الأمر المقدر وانقضت الأربعون يوماً بقيت بغداد خاوية على عروشها ليس بها أحد إلا الشاذ من الناس، والقتلى في الطرقات كأنها التلول، وقد سقط عليهم المطر فتغيرت صورهم وأنتنت من جيفهم البلد، وتغير الهواء فحصل بسببه الوباء الشديد حتى تعدى وسرى في الهواء إلى بلاد الشام، فمات خلق كثير من تغير الجو وفساد الريح، فاجتمع على الناس الغلاء والوباء والفناء والطعن والطاعون، فإنا لله وإنا إليه راجعون» (ابن كثير، ج13، 203).

وفي العصر المملوكي، تعرضت بلاد الشام لطاعون اجتاح معظم مناطقها في عام 748هـ، وقد أطلق عليه اسم «الطاعون الأعظم» لسعة انتشاره وشدة فتكه، وأفنى هذا الطاعون سكان مدن حلب ودمشق والقدس والسواحل، كما انتشر في حلب داء اسمه «الفناء العظيم» في عام 795هـ، وقد حصد بحصيلته النهائية 150 ألف شخص من حلب وقراها (الطراونة، 2010، 47-48).

أما المغرب العربي، فمر بتاريخه في كثير من الأوبئة والمجاعات والجفاف في عصر المرابطين والموحدين والمرنيين وحتى الفترة الحديث، ولعل من أهمها طاعون عام 571هـ، الذي انتشر في بلاد المغرب والأندلس، ويعتبر أهم طاعون عرفه عصر الموحدين، فقد كان له نتائج كارثية ولم يسلم منه أحد حتى إن أربعة أمراء من إخوة الخليفة يوسف بن يعقوب ماتوا فيه، بينما كان يموت بسببه ما بين 100 و190 من عامة الناس في اليوم الواحد (بنمليح، 2002، 124)، وقد حدث في المغرب طاعون عام 1798م، انتقل بالعدوى من التجار الذين حملوه معهم من الإسكندرية إلى تونس فالجزائر فالمغرب، وقد تفشى الطاعون في فاس ومكناس ووصل إلى الرباط، فكان يخلف 130 ضحية في اليوم (البزاز، 1992، ص92).

كما أورد ابن عذاري المراكشي في سياق التأريخ لحوادث الأوبئة في الأندلس في أواخر القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي أنه «عام 498هـ/ 1105م تناهى القحط في بلاد الأندلس والعدوة حتى أيقن الناس بالهلاك»، ولا شك أن ما أعقب كارثة القحط من مضاعفات سكانية واقتصادية بالمغرب والأندلس، كان بمثابة الشرارة المهددة لسلسلة من الكوارث الطبيعية المتلاحقة، وكلما حدث اضطراب مناخي كان يدل في ذهنية إنسان تلك المرحلة على ظروف معيشية ونفسية وصحية أصعب، وفي نفس تلك الفترة أصيب المغرب والأندلس بسلسلة من القحوط والمجاعات في الربع الأول من القرن السادس الهجري/ الثاني عشر الميلادي؛ حيث اجتاح جفاف شديد مدينتي فاس وغرناطة عام 524هـ/ 1130م، وفي عام 526هـ/ 1132م اشتدت المجاعة والوباء بالناس في قرطبة، وكثر الموتى وبلغ مد القمح خمسة عشر ديناراً، واستمرت موجات الكوارث الطبيعية في العدوتين (الأندلس والمغرب) وخاصة في فترات المواجهة العسكرية وذلك في تناوب مستمر (البياض، 2008، 19 -22).

وعلى العموم، فتاريخ المسلمين في مختلف مراحله، وجغرافيا العالم الإسلامي في شتى بقاعها، شهدت مثل هذه النكبات والأوبئة الكثير، وقد ذكرنا بعضها، ولكن ما آثارها عليهم؟ وكيف تعامل المسلمون مع مثل هذه الأوبئة؟ وما الإجراءات التي اتخذوها في ضوء العقيدة الإسلامية؟

ثالثاً: التأثيرات الاجتماعية والسياسية والروحية لانتشار الأوبئة في التاريخ الإسلامي: 2020-04-06_23h49_04.jpg

للطواعين والأوبئة أخطار كبيرة تصيب الأمم والشعوب فتهلكها، وتهدد أمن الدول وتؤذن بزوالها وإدبارها، فهي من بلاء الله الذي يصيب به من يشاء، وسيف من سيوفه المسلط على عباده يضربهم به بقصد الرحمة أو النقمة.

فيمكن أن يشكل الوباء خطراً على أمن الدولة والأمة، فلقد كان طاعون عمواس عظيم الخطر على المسلمين وأفنى منهم أكثر من عشرين ألفاً ومن بينهم خيرة أمرائهم، وهو عددٌ يوازي نصفهم بالشَّام وربما تخوَّف من ذلك المسلمون يومئذٍ، واستشعروا الخطر من قبل الرُّوم، وفي الحقيقة لو تنبَّه الرُّوم لهذا النَّقص الَّذي أصاب جيش المسلمين بالشَّام يومئذٍ، وهاجموا البلاد؛ لصعب على الجيوش المرابطة دفعهم، ولكن ربما كان اليأس تمكَّن من نفوس الرُّوم، فأقعدهم عن مهاجمة المسلمين (الصلابي، 2005، 232).

فمن الناحية الاجتماعية، أدت الأوبئة في العهد المملوكي مثلاً إلى اختلال التركيبة السكانية، وهو ما أدى بدوره إلى تباين كبير في الكثافة السكانية بين المدن والقرى، إذ إن كثيراً من القرى اختفت تماماً بفعل الوباء، فنتج عن ذلك تغير ديمغرافي، حيث قل عدد الفلاحين، وقلت المنتوجات والمحاصيل الزراعية والحيوانية، ونتج عن ذلك كله غلاء شديد في الأسعار زاد الأوضاع الاقتصادية سوءاً، ولجأ بعض ضعاف النفوس من التجار وأرباب الصنائع إلى استغلال الأزمة باحتكار السلع الأساسية لزيادة ثروتهم، بينما مال بعض المحتاجين والمعدمين إلى السرقة والاحتيال، وهو ما أدى بالضرورة إلى انهيار أخلاقي في المجتمع، وأدى الوباء إلى هلاك الكثير من الأتقياء ورجال الدين والعلماء الصالحين، فشكل ذلك فراغاً في المرجعية الدينية، حتى إن الناس بدؤوا يلجؤون في تلك الفترة إلى المشعوذين والمنجمين حتى يسدوا الفراغ الروحي لديهم (الطراونة، 2010، 46-54). 

رابعاً: كيف تعامل المسلمون مع الأوبئة في تاريخهم؟

في موجة طاعون عمواس، ذُكر أن المسلمين تحركوا في إطار قول رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الطاعون: «إِذا سمعتم به بأرضٍ؛ فلا تقدموا عليه، وإِذا وقع بأرضٍ، وأنتم بها؛ فلا تخرجوا فراراً منه»، وهذا الحديث النبوي فيه إشارة واضحة إلى ما يطبق اليوم علمياً وعملياً من الحجر الصحي بهدف مواجهة الأوبئة المنتشرة، فرسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكتفِ بأن يأمرهم بعدم القدوم إلى الأرض الموبوءة، بل أتبعها بأن أمر من كان في أرض أصابها الطاعون ألا يخرج منها، وذلك لمنع انتشار العدوى فينتقل الوباء إلى مناطق أخرى، وبذلك فإن هذا الحديث لفتة إعجازية تضاف إلى سجل الطب النبوي، وقد رجع عمر بن الخطاب رضي الله عنه بناء على هذا الحديث إلى المدينة ولم يدخل الشام بعد أن كان قد قصدها، ولم يكن ذلك هرباً من الموت المقدر، وقد أجاب عمر أبا عبيدة بن الجراح عندما سأله عن سبب رجوعه إلى المدينة، قائلاً: أفراراً من قدر الله؟ فأجاب عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «لو غيرك يقول هذا، نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله».

وعليه، فقد أباح بعض العلماء الخروج على ألا يكون الخروج فراراً من قدر الله، والاعتقاد بأنَّ فراره هو الَّذي سلَّمه من الموت، أمَّا مَنْ خرج لحاجةٍ متمحِّضَةٍ، فهو جائزٌ، ومن خرج للتَّداوي فهو جائزٌ، فإِنَّ تَرْكَ الأرض الوبئة، والرَّحيل إِلى الأرض النَّزهة مندوبٌ إِليه، ومطلوبٌ، وقد طلب الفاروق بعد ذلك من أبي عبيدة أن يرتحل بالمسلمين من الأرض الغمقة الَّتي تكثر فيها المياه، والمستنقعات إِلى أرضٍ نزهةٍ عالية، ففعل أبو عبيدة، وفي ذلك درس في الأخذ بأسباب الوقاية من المرض والوباء والابتعاد عن مصادره وأماكن استفحاله (الصلابي، 2005 ص233).

فقد بقي أبو عبيدة بن الجراح وغيره من الصحابة في الشام ولم يخرجوا منها بعد أن أصابها الوباء، وقد أصاب بعض العلماء عندما ذكروا في حكمة النَّهي عن الخروج فراراً من الطاعون: أنَّ النَّاس لو تواردوا على الخروج، لصار مَنْ عجز عنه بالمرض المذكور أو غيره ضائع المصلحة، لفقد من يتعهَّده حيّاً وميتاً، ولو أنَّه شُرع الخروج، فخرج الأقوياء؛ لكان في ذلك كسر قلوب الضُّعفاء، وقد قالوا: إِنَّ حكمة الوعيد من الفرار من الزَّحف؛ لما فيه من كسر قلب مَنْ لم يفرَّ، وإدخال الرُّعب فيه بخذلانه.

وفي رواية أن الوباء لم يرتفع إلا بعد أن ولي عمرو بن العاص رضي الله عنه الشام، فخطب النَّاس، وقال لهم: أيُّها الناس، إِنَّ هذا الوجع إذا وقع إنما يشتعل اشتعال النَّار، فتجنَّبوا منه في الجبال، فخرج، وخرج النّاس، فتفرقوا حتّى رفعه الله عنهم، فبلغ عمر ما فعله عمرو، فما كرهه، وهنا نجد أنه نصح القوم المصابين بأن يتفرقوا عن بعضهم ولا يتجمعوا، حتى يقلل من نسبة انتقال العدوى، وحتى لا يهلكهم المرض كجماعات، بل يهلك من كان مصاباً به من الأفراد فيبقى الآخرون في معزل عن الإصابة به (الصلابي، 2005، ص231-232).

وقد طوَّر المسلمون طرق مواجهتهم للطاعون والأوبئة فيما بعد، ففي العهد المملوكي ولمواجهة الأوبئة المنتشرة، والكثيرة التي أصابت أهالي الشام ومصر، عمد بعض السلاطين والميسورين من الناس بقصد الثواب والتقرب إلى الله، إلى بناء البيمارستانات في مدن الشام جميعها، لمداواة ورعاية المطعونين والمصابين بالأوبئة كالحمى وغيرها؛ ولأن الناس كانت تموت بأعداد كبيرة في فترة الوباء، فإن الجثث كانت تترك ثلاثة أيام أحياناً على الأرض ولا يوجد من يواريها خوفاً من العدوى، ولذلك عمد بعض الحكام والأثرياء استجابة لتعاليم الدين الإسلامي التي تحض على دفن الميت بأسرع وقت ممكن حفاظاً على حرمته وكرامته، إلى إنشاء ما سمي بحوانيت أو مغاسل الموتى، التي تهتم بتغسيل وتكفين الفقراء من موتى المسلمين ثم يتم دفنهم وفق الشريعة الإسلامية (الطراونة، 2010، ص55).2020-04-06_23h49_31.jpg

ولم ينسَ الناس أهمية التقرب من الله والدعاء إليه والرجاء منه في تلك الأوقات العصيبة، فأخذ أهل الصلاح والعباد من الناس يتوبون إلى الله ويستغفرون ويزيدون من العبادات، ومن أجل التقرب إليه فقد شرع بعضهم في إغلاق حوانيت الخمر، وابتعد الناس عن ارتكاب الفواحش والمنكرات (الطراونة، 2010، ص57).

وللمسلمين تجارب في تطبيق الحجر الصحي، فقبيل انتشار طاعون عام 1798م في المغرب، استطاع المغاربة تطبيق حجر صحي واتخاذ إجراءات للوقاية من الوباء الذي قدم من الشرق، فهم وإن لم يستطيعوا أن يتفادوه فإنهم استطاعوا تأخير قدومه عدة سنوات، فهذا الطاعون أول ما بدأ في الإسكندرية في عام 1783م، والذي ساهم في تأخير قدوم الوباء مجموعة التدابير التي اتخذها سيدي محمد بن عبدالله لوقاية مملكته من الوباء المتفشي في الجزائر، وذلك بأن أقام نطاقاً عسكرياً على الحدود الشرقية للمغرب، وبدأت الهيئة القنصلية المقيمة في طنجة في عام 1792م باتخاذ إجراءات صحية وقائية على الواجهة البحرية، بعد أن استطاعت انتزاع موافقة مولاي سليمان على فرض حجر صحي ضد الجزائر التي كان الوباء فيها قد تفشى آنذاك (البزاز، 1992، ص87).

خامساً: كيف نتعامل مع وباء كورونا وفق الرؤية القرآنية وسُنة الأخذ بالأسباب؟

إذاً فاستناداً إلى قوله تعالى: (وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)، ومع الرضا والتسليم بقضاء الله وقدره خيره وشره، وباستقراء تجارب المسلمين وسيرتهم مع البلاء، فإننا نخلص إلى عدة نتائج:

- وجوب الأخذ بأسباب الوقاية والعلاج، مع القناعة والاعتقاد بأننا نفر من أقدار الله إلى أقدار الله.

- الاعتقاد بأن لنا في هذا المرض والبلاء أجراً إن نحن صبرنا، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الطاعون شهادة لكل مسلم»، وإننا نحسب أن من مات بوباء «كورونا» مثل من مات بالطاعون إذا كان المبتلى ذا نية على الشهادة وصبر على البلاء وشكر الله على كل حال.

- وجوب تجنب أماكن العدوى والالتزام بقواعد الحجر الصحي التي تحددها الحكومات والقوانين، فبالنسبة لمكان الوباء فإنَّ في البقاء فيه رخصةٌ، والخروج منه رخصةٌ، فمن كان في الوباء، وأصيب، فلا فائدة من خروجه، وهو بخروجه ينقل المرض إلى النَّاس الأصحَّاء، ومن لم يُصَبْ فإِنَّه يرخَّص له في الخروج من باب التَّداوي على ألا يخرج النَّاس جميعاً، فلا بدَّ أن يبقى من يعتني بالمرضى.

- أخيراً: تجدر الإشارة إل أهمية التقيد بإرشادات وتوجيه الجهات الرسمية والهيئات الطبية لأنها الأكثر معرفة ودراية بتفاصيل المرض وآثاره وذلك في كل بلد، والتكافل مهم بين بني الإنسان للتغلب على هذا الوباء الخطير.

_________________________________

المراجع

1- أبو الفداء الحافظ ابن كثير، البداية والنهاية، الطبعة السابعة، 1408هـ/ 1988م، مكتبة المعارف، بيروت، ج13.

2- عبدالهادي البياض، الكوارث الطبيعية وأثرها في سلوك وذهنيات الإنسان في المغرب والأندلس (12 – 14م)، الطبعة الأولى، دار الطليعة، بيروت، 2008.

3- علي محمد الصلابي، سيرة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب شخصيته وعصره، (2005)، مؤسسة اقرأ، القاهرة.

4- مبارك محمد الطراونة، الأوبئة وآثارها الاجتماعية في بلاد الشام في عصر المماليك الشراكسة، 2010، المجلة الأردنية للتاريخ والآثار.

5- محمد الأمين البزاز، تاريخ الأوبئة والمجاعات بالمغرب في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، 1992، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، جامعة محمد الخامس.

6- موقع قناة الجزيرة، الوباء، شبكة الجزيرة، الدوحة، آخر مشاهدة: 18مارس2020، انظر: https://bit.ly/3d9gmkx

7- نصير بهجت فاضل، الطواعين في صدر الإسلام والخلافة الأموية، 2011، مجلة جامعة كركوك للدراسات الإنسانية.

8- عبدالإله بنمليح، عرض كتاب "جوائع وأوبئة المغرب في عهد الموحدين"، 2002، الجمعية المغربية للبحث التاريخي.

 

مع اتساع الفتوحات في عهد الفاروق رضي الله عنه برزت الحاجة إلى إقامة عدة معسكرات وقلاع وحصون جديدة لتكون مراكز انطلاق للجيوش الفاتحة، ولم يغفل الخليفة الفاروق عن ذلك فكان له إنجازاته في المجال العمراني إضافة إلى إصلاحاته الإدارية والفتوحات العسكرية التي جرت في زمنه، وذلك أنه شرع في بناء عدة مدن ومساجد وقلاع وجسور في أغلب الأقطار الإسلامية المفتوحة، وسنستعرض هنا أهم الإنجازات العمرانية في عهده:

 

  1. إعمار المساجد:

قام عمر رضي الله عنه ـ بتوسعة مسجد الرَّسول (ص)، وأدخل فيه دار العبَّاس ابن عبد المطلب، وامتدت التَّوسعة عشرة أذرع من جهة القبلة وعشرين ذراعاً من النَّاحية الغربية، وسبعين ذراعاً من الناحية الشَّمالية، وأعاد بناءه باللِّبِن والجريد، وجعل عُمُده من الخشب، وسقفه من الجريد، وكساه ليحمي النَّاس من المطر، ونهى عن زخرفته بحمرةٍ، أو صفرةٍ؛ لئلا يفتتن النَّاس في صلاتهم، وكان المسجد تراباً ففرشه بالحصى ليكون أنظف للمصلِّي، وألين على الماشي.

وأجرى عمر رضي الله عنه تعديلاتٍ يسيرةً في المسجد الحرام بمكَّة، فنقل مقام إِبراهيم، وكان ملصقاً بالكعبة إِلى مكانه اليوم بعيداً عنها للتَّيسير على الطَّائفين والمصلِّين، وعمل عليه المقصورة واشترى دوراً حول الحرم، وهدمها، وزادها فيه.

كما عُمِّرت المساجد في الأمصار الجديدة في خلافة عمر ـ رضي الله عنه ـ فاختطَّ سعد بن أبي وقاص المسجد الجامع بالكوفة.واختطَّ عتبة بن غزوان المسجد الجامع بالبصرة.

واختط عمرو بن العاص المسجد الجامع في الفسطاط، فكانت هذه المساجد الكبيرة محلَّ صلاة المسلمين، وتعارفهم، وتدارسهم العلم، وقضائهم وتلقِّيهم أوامر الخليفة، والولاة. 

2ـ الاهتمام بالطُّرق، ووسائل النَّقل البرِّي، والبحري:

رصد الخليفة الفاروق حصَّةً من بيت مال المسلمين لدعم التَّواصل بين أجزاء الدَّولة الإِسلاميَّة، وخصَّص عمر عدداً ضخماً من الجمال، بوصفها وسيلة المواصلات المتاحة آنذاك؛ لتيسير انتقال مَنْ لا ظهر له بين الجزيرة، والشَّام، والعراق، كما اتَّخذ ما يسمَّى (دار الدَّقيق) وهي مكانٌ يجعل فيه السَّويق، والتَّمر، والزَّبيب، ومتطلَّبات المعيشة الأخرى، يعين به المنقطع من أبناء السَّبيل، والضيف الغريب، ووضع في الطريق بين مكَّة والمدينة، ما يصلح به حاجة المسافر، وما يحمل عليه من ماءٍ إلى ماءٍ، فالفاروق رضي الله عنه ـ يترسَّم الهدي القرآني المرشد إِلى أنَّ العمران يستلزم التَّواصل، ممَّا يوفِّر الأمن، ولا يجعل المسافر بحاجةٍ إِلى حمل ماءٍ، ولا زاد.

وقد انصرفت همَّة الفاروق منذ السَّنة السَّادسة عشرة للهجرة إِلى تمصير الأمصار في العراق، وشقِّ الأنهار، وإِصلاح الجسور، وقد جاء في عهد عياض بن غنم لأهل الرَّها ما يأتي: باسم الله، هذا كتابٌ من عياض بن غنم لأسقف الرَّها: إِنَّكم قد فتحتم لي باب المدينة على أن تؤدُّوا إِليَّ عن كلِّ رجلٍ ديناراً ومدي قمح، فأنتم امنون على أنفسكم، وأموالكم، ومن يتَّبعكم، وعليكم إِرشاد الضَّالِّ، وإِصلاح الجسور، والطُّرق، ونصيحة المسلمين. شهد الله، وكفى بالله شهيدًا. وعندما علم عمر بن الخطَّاب ـ رضي الله عنه: أنَّ خليجاً كان يجري بين النِّيل من قرب حصن بابليون إِلى البحر الأحمر، فكان يربط الحجاز بمصر، وييسر تبادل التِّجارة، ولكن الرُّوم أهملوه، فرُدم، فأمر الفاروق عامله على مصر عمرو بن العاص بشقِّ هذا الخليج مرَّة أخرى، فشقَّه، فيسَّر الطريق بين بلاد الحجاز وبين الفسطاط عاصمة مصر، وأصبح شريان تجارةٍ يتدفَّق منه الرَّخاء ما بين البحرين مرَّةً أخرى وقامت على هذا الخليج داخل الفسطاط منتزهاتٌ، وخمائل، ومساكن، وسمَّاه عمرو: خليج أمير المؤمنين.

وحفر بالعراق قناةً مائية مسافة ثلاثة فراسخ من الخور إِلى البصرة لإِيصال مياه دجلة إِلى البصرة. وهذه المشاريع في حفر الأنهار، والخلجان، وإِصلاح الطُّرق، وبناء الجسور، والسُّدود، أخذت أموالاً ضخمةً من ميزانية الدَّولة في عهد عمر.

 

  1. إِنشاء الثُّغور، والأمصار كقواعد عسكرية، ومراكز إِشعاعٍ حضاريٍّ:

مع توسع حركات الفتوحات اهتمَّت الدَّولة الإِسلاميَّة في عهد الفاروق ببناء المدن على الثُّغور، وتسهيل سبل المواصلات، وإِصلاح الأراضي، وكذلك تشجيع الهجرة إِلى مراكز التَّجمُّع الجهاديَّة، والتَّحوُّل إِلى البلدان المفتوحة لنشر الإِسلام، وإِمداد المجاهدين بالرِّجال، والعتاد. وأهم الأمصار الَّتي أنشئت هي: البصرة، والكوفة، والموصل، والفسطاط، والجيزة، وسرت، وقد خطِّطت، ووزِّعت بين الجيوش بحسب قبائلهم وألويتهم، وأنشئت فيها المرافق العامَّة، كالمساجد، والأسواق، وأنشأ لكلِّ مدينةٍ حمى لرعي خيل، وإِبل المجاهدين، وشجَّع النَّاس على استقدام أهليهم، وذراريهم من مدن الحجاز وأطراف الجزيرة العربيَّة للإِقامة في هذه المدن؛ لتكون قواعد عسكرية تنطلق منها تعبئة الجيوش، وإِمدادها للتوغُّل في أرض العدو، ونشر دعوة الإِسلام فيها، وقد أمر عمر رضي الله عنه ـ قادة الجيوش عند تخطيط هذه المدن أن يكون الطَّريق بينها وبين عاصمة الخلافة سهلاً، وأن لا يحول دونها بحارٌ، أو أنهار؛ لأنَّ عمر ـ رضي الله عنه ـ كان يخشى من جهل العرب حينئذٍ بركوب البحر، ولكن عندما أدرك قدرة الجيش الإِسلامي في مصر على استغلال الطُّرق المائيَّة النَّهرية، سمح لعمرو ابن العاص بشقِّ قناة نهريَّة تصل بين نهر النِّيل، والبحر الأحمر؛ حتَّى تنقل الإِمدادات من الطَّعام إِلى الحجاز كما مر معنا.

ومن أهم الأمصار التي مُصِّرت في عهد عمر رضي الله عنه:

ـ مدينة البصرة:

معنى البصرة في اللغة: الأرض الغليظة ذات الحجارة الصُّلبة. وقيل: الأرض ذات الحصى. وقيل: الحجارة الرِّخوة البيضاء. والبصرة مدينة عند ملتقى دجلة، والفرات، ويعرف ملتقاهما بشطِّ العرب، وقد روعي في تمصيرها فكرة عمر بن الخطَّاب في إِنشاء المدن في مراعاة الطَّبيعة العربيَّة، فموقعها قريبٌ من الماء، والمرعى في طرق البرِّ إِلى الرِّيف.

واستشار عتبة بن غزوان عمر بن الخطَّاب في تمصير البصرة، فأمره أن ينزل موقعاً قريباً من الماء، والمرعى، فوقع اختياره على مكان البصرة، وكتب إِليه: إِنِّي وجدت أرضاً في طرف البرِّ إِلى الريف، ومن دونها مناقع ماء، فيها قصباء، فكتب له: أن انزل فيها. فنزلها، وبنى مسجدها من قصبٍ، وبنى دار إِمارتها دون المسجد، وبنى النَّاس سبع دساكر من قصبٍ أيضاً؛ لكثرته هناك، فكانوا إِذا غزوا؛ نزعوا ذلك القصب، ثمَّ حزموه، ووضعوه حتَّى يعودوا من الغزو، فيعيدوا بناءها كما كان، وأصاب القصب حريقٌ، فاستأذنوا عمر بن الخطَّاب أن يبنوا باللَّبِنِ، فأذن لهم في إِمارة أبي موسى الأشعري بعد وفاة عتبة عام 17 هـ. فبنى أبو موسى المسجد، ودار الإِمارة باللَّبِنِ، والطين، وسقفها بالعشب، ثمَّ بنوها بالحجارة، والأجر، وقد جعلوها خططاً لقبائل أهلها، وجعلوا عرض شارعها الأعظم ـ وهو مربدها ـ ستين ذراعاً، وعرض ما سواه من الشَّوارع عشرين ذراعاً، وعرض كلِّ زقاقٍ سبعة أذرع، وجعلوا وسط كلِّ خطَّةٍ رحبةً فسيحة لمرابط خيولهم، وقبور موتاهم، وتلاصقوا في المنازل.

ـ مدينة الكوفة:

تُجمع أراء المؤرِّخين على أنَّ سعد بن أبي وقَّاص رضي الله عنه ـ يعدُّ هو المؤسس الأول للمدينة، وأنَّه قد اختار موضعها، وأمر بتخطيطها بعد فترةٍ من الانتصارات الَّتي حقَّقها المسلمون في حربهم ضدَّ الفرس في جبهة المدائن، وكما هي الحال تماماً في مسألة اختيار وتمصير مدينة البصرة، فإِنَّ العوامل العسكريَّة لعبت دوراً أساسياً، ومركزيّاً في دفع سعد إِلى التَّفكير في اتِّخاذ موضع، أو مخيَّمٍ للمجاهدين، وقام بتنفيذ ذلك بعد توجيه الفاروق له رضي الله عنهم ـ وقد خضع اختيار سعد للكوفة وفق المعايير الَّتي وضعها الفاروق.

وقد لاحظ الفاروق في وفود القادسيَّة، والمدائن تغيُّراً في وجوههم، فعلم: أنَّ ذلك من وخومة البلاد، فكتب إِلى سعد بن أبي وقَّاص يأمره أن يتَّخذ لهم مكاناً يوافقهم كما يوافق إِبلهم، وأرسل سلمان الفارسي، وحذيفة بن اليمان رائدين، فارتادا حتَّى أتيا موضع الكوفة، وموقعهما بين الحيرة، والفرات، وقد سميت بذلك لأنَّها من رملٍ، وحصباء، كلُّ رملٍ، وحصباء فهو كوفة، فتحوَّل سعد من المدائن إِليها في محرم عام 17 هـ، وكان عمر يريد أن يقيم المسلمون في خيامهم؛ لأن ذلك أجدُّ في حربهم، وأذكى لهم، وأهيب في عين عدوِّهم، وأدعى إِلى إِحجامه عن أمر يهمُّ به، ولمَّا استأذنه أهل الكوفة، والبصرة في بنيان القصب لم يحبَّ أن يخالفهم، فأذن لهم، فابتنى أهلها بالقصب، ثمَّ إِنَّ الحريق الَّذي وقع بالكوفة، والبصرة أتى عليها، فاستأذنوا عمر في البناء باللَّبن، فقال: افعلوا، ولا يزيدنَّ أحدكم على ثلاث أبياتٍ (حجرات) ولا تطاولوا في البنيان.

ـ مدينة الفسطاط:

إِذا كان سعد بن أبي وقَّاص رضي الله عنه ـ يعدُّ المؤسِّس الأول لمدينة الكوفة، فإِنَّ عمرو بن العاص يعدُّ المؤسِّس لمدينة الفسطاط، فبعد انتهائه من عملية فتح الإِسكندرية أراد الاستقرار فيها، فكتب إِليه عمر بن الخطاب: ألا تجعلوا بيني وبينكم ماءً حتى أقدم إِليكم، فتحوَّل من الإِسكندرية إِلى الفسطاط، وأوَّل عملٍ عمله فيها هو بناء مسجده الَّذي عرف باسمه فضلاً عن مسجده في الإِسكندرية، ثم بنى داراً لعمر بن الخطَّاب، وربما قصد بها داراً للخلافة، فكتب إِليه عمر بن الخطَّاب، وأمره أن يجعلها سوقاً للمسلمين، وبنى عمرو بن العاص لنفسه دارين قريبتين من المسجد كما يخبرنا عنهما ابن عبد الحكم: فاختطَّ عمرو بن العاص داره الَّتي هي اليوم عند باب المسجد بينهما الطَّريق، وداره الأخرى اللاصقة إِلى جنبها. وربما بناها واحدةً له، والأخرى داراً للإِمارة بعد أن أمر عمر بن الخطاب بهدم داره السَّالفة الذِّكر، وكلَّف عمرو بن العاص جماعةً من كبار الصَّحابة من مرافقيه ليفصلوا بين القبائل، فجعلوا لكلِّ قبيلةٍ جهةً لمنازلهم، عرفت بالخطط، وهي أشبه ما تُعرف بالأحياء في وقتنا الحاضر، ولكنَّها لم تكن بهذا الاتِّساع حيث جعل بين القبيلة والأخرى شوارع، وربما لم تكن بمفهوم الشَّوارع اليوم وإِنَّما ممرَّات بين كلِّ حارةٍ، وأخرى.

ـ مدينة سرت بليبيا:

بعد أن أصبحت برقة قاعدةً للإِسلام غربي مصر، انطلق منها عمرو بن العاص، وجنده إِلى طرابلس، فبدأ بمدينة سرت بين برقة، وطرابلس، فاستولى عليها، واتَّخذها المسلمون قاعدةً للانطلاق إِلى الغرب منذ عام 22 هـ، وبقيت قاعدةً لقوَّات المسلمين، ومركزاً لِعُقبة بن نافع؛ الذي صَرَفَ همَّه لنشر الإسلام في الواحات القريبة من فزَّان، وودَّان، وزويلة، والسُّودان.

 

ـ الحاميات المقامة في المدن المفتوحة:

أطلق عمر رضي الله عنه اسم الأجناد على الحاميات المقامة في المدن المفتوحة في جميع الجهات من البلاد المفتوحة، وخاصَّةً بلاد الشام، فكان فيها ثكنات لإِقامة الجند، وفي كلِّ معسكرٍ حظيرة للخيل فيها ما لا يقلُّ عن أربعة ألاف حصان بكامل معدَّاتها، وتجهيزاتها كلُّها على أهبة الاستعداد، حتى إِذا دعت الحاجة أمكن القيادة أن تدفع إِلى ميادين القتال في وقتٍ قصيرٍ أكثر من 36 ألفاً من الفرسان دفعةً واحدةً في بلاد الشَّام وحدها. وقد خصِّصت مراعٍ واسعةٌ لتلك الخيول في كلِّ الأجناد، وكان كل حصانٍ يوسم على فخذه ميسم: جيش في سبيل الله، تنفيذاً لقوله تعالى: {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ } [الأنفال: 60].

وهكذا فقد كان عصر الخليفة الراشد عمر بن الخطاب زمن بركة وخير على الإسلام والمسلمين، وقد شهدت فيه الدولة الإسلامية نمواً وتطوراً على كافة الصعد، وخصوصاً على صعيد العمران، فقد بقيت كثير من المدن والمساجد التي بنيت في عهد الفاروق والتي أصبحت فيما بعد مراكزاً لنشأة وتطور التاريخ العظيم للأمة الإسلامية وقد بقي الكثير منها حتى يومنا هذا كشاهد على النهضة المدنية والعمرانية التي أنجزها هذا الخليفة الراشد.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر والمراجع:

* علي محمد محمد الصلابي: سيرة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب شخصيته وعصره، (2005)، مؤسسة اقرأ، القاهرة، صفحة (221:209).

* عبدالرحمن الشرقاوي: الفاروق عمر، (1988)، دار الكتاب العربي, صفحة (254-255).

* غازي بن سالم: اقتصاديات الحرب في الإسلام، (1991)، مكتبة الرشد، الرياض، صفحة (247:245).

* محمد أبو النصر: عمر بن الخطاب، دار الجيل، بيروت، (265:263).

* أكرم ضياء العمري: عصر الخلافة الراشدة، مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة، صفحة (230:227).

* أبو القاسم عبدالرحمن بن عبدالله بن عبد الحكم: فتوح مصر، (1920)، مكتبة المثنى، بغداد، صفحة (96-97).

 

مع اتساع الفتوحات في عهد الفاروق رضي الله عنه برزت الحاجة إلى إقامة عدة معسكرات وقلاع وحصون جديدة لتكون مراكز انطلاق للجيوش الفاتحة، ولم يغفل الخليفة الفاروق عن ذلك فكان له إنجازاته في المجال العمراني إضافة إلى إصلاحاته الإدارية والفتوحات العسكرية التي جرت في زمنه، وذلك أنه شرع في بناء عدة مدن ومساجد وقلاع وجسور في أغلب الأقطار الإسلامية المفتوحة، وسنستعرض هنا أهم الإنجازات العمرانية في عهده:

  1. إعمار المساجد:

قام عمر رضي الله عنه ـ بتوسعة مسجد الرَّسول (ص)، وأدخل فيه دار العبَّاس ابن عبد المطلب، وامتدت التَّوسعة عشرة أذرع من جهة القبلة وعشرين ذراعاً من النَّاحية الغربية، وسبعين ذراعاً من الناحية الشَّمالية، وأعاد بناءه باللِّبِن والجريد، وجعل عُمُده من الخشب، وسقفه من الجريد، وكساه ليحمي النَّاس من المطر، ونهى عن زخرفته بحمرةٍ، أو صفرةٍ؛ لئلا يفتتن النَّاس في صلاتهم، وكان المسجد تراباً ففرشه بالحصى ليكون أنظف للمصلِّي، وألين على الماشي.

وأجرى عمر رضي الله عنه تعديلاتٍ يسيرةً في المسجد الحرام بمكَّة، فنقل مقام إِبراهيم، وكان ملصقاً بالكعبة إِلى مكانه اليوم بعيداً عنها للتَّيسير على الطَّائفين والمصلِّين، وعمل عليه المقصورة واشترى دوراً حول الحرم، وهدمها، وزادها فيه.

كما عُمِّرت المساجد في الأمصار الجديدة في خلافة عمر ـ رضي الله عنه ـ فاختطَّ سعد بن أبي وقاص المسجد الجامع بالكوفة.واختطَّ عتبة بن غزوان المسجد الجامع بالبصرة.

واختط عمرو بن العاص المسجد الجامع في الفسطاط، فكانت هذه المساجد الكبيرة محلَّ صلاة المسلمين، وتعارفهم، وتدارسهم العلم، وقضائهم وتلقِّيهم أوامر الخليفة، والولاة.

  1. الاهتمام بالطُّرق، ووسائل النَّقل البرِّي، والبحري:

رصد الخليفة الفاروق حصَّةً من بيت مال المسلمين لدعم التَّواصل بين أجزاء الدَّولة الإِسلاميَّة، وخصَّص عمر عدداً ضخماً من الجمال، بوصفها وسيلة المواصلات المتاحة آنذاك؛ لتيسير انتقال مَنْ لا ظهر له بين الجزيرة، والشَّام، والعراق، كما اتَّخذ ما يسمَّى (دار الدَّقيق) وهي مكانٌ يجعل فيه السَّويق، والتَّمر، والزَّبيب، ومتطلَّبات المعيشة الأخرى، يعين به المنقطع من أبناء السَّبيل، والضيف الغريب، ووضع في الطريق بين مكَّة والمدينة، ما يصلح به حاجة المسافر، وما يحمل عليه من ماءٍ إلى ماءٍ، فالفاروق رضي الله عنه ـ يترسَّم الهدي القرآني المرشد إِلى أنَّ العمران يستلزم التَّواصل، ممَّا يوفِّر الأمن، ولا يجعل المسافر بحاجةٍ إِلى حمل ماءٍ، ولا زاد.

وقد انصرفت همَّة الفاروق منذ السَّنة السَّادسة عشرة للهجرة إِلى تمصير الأمصار في العراق، وشقِّ الأنهار، وإِصلاح الجسور، وقد جاء في عهد عياض بن غنم لأهل الرَّها ما يأتي: باسم الله، هذا كتابٌ من عياض بن غنم لأسقف الرَّها: إِنَّكم قد فتحتم لي باب المدينة على أن تؤدُّوا إِليَّ عن كلِّ رجلٍ ديناراً ومدي قمح، فأنتم امنون على أنفسكم، وأموالكم، ومن يتَّبعكم، وعليكم إِرشاد الضَّالِّ، وإِصلاح الجسور، والطُّرق، ونصيحة المسلمين. شهد الله، وكفى بالله شهيدًا. وعندما علم عمر بن الخطَّاب ـ رضي الله عنه: أنَّ خليجاً كان يجري بين النِّيل من قرب حصن بابليون إِلى البحر الأحمر، فكان يربط الحجاز بمصر، وييسر تبادل التِّجارة، ولكن الرُّوم أهملوه، فرُدم، فأمر الفاروق عامله على مصر عمرو بن العاص بشقِّ هذا الخليج مرَّة أخرى، فشقَّه، فيسَّر الطريق بين بلاد الحجاز وبين الفسطاط عاصمة مصر، وأصبح شريان تجارةٍ يتدفَّق منه الرَّخاء ما بين البحرين مرَّةً أخرى وقامت على هذا الخليج داخل الفسطاط منتزهاتٌ، وخمائل، ومساكن، وسمَّاه عمرو: خليج أمير المؤمنين.

وحفر بالعراق قناةً مائية مسافة ثلاثة فراسخ من الخور إِلى البصرة لإِيصال مياه دجلة إِلى البصرة. وهذه المشاريع في حفر الأنهار، والخلجان، وإِصلاح الطُّرق، وبناء الجسور، والسُّدود، أخذت أموالاً ضخمةً من ميزانية الدَّولة في عهد عمر.

  1. إِنشاء الثُّغور، والأمصار كقواعد عسكرية، ومراكز إِشعاعٍ حضاريٍّ:

مع توسع حركات الفتوحات اهتمَّت الدَّولة الإِسلاميَّة في عهد الفاروق ببناء المدن على الثُّغور، وتسهيل سبل المواصلات، وإِصلاح الأراضي، وكذلك تشجيع الهجرة إِلى مراكز التَّجمُّع الجهاديَّة، والتَّحوُّل إِلى البلدان المفتوحة لنشر الإِسلام، وإِمداد المجاهدين بالرِّجال، والعتاد. وأهم الأمصار الَّتي أنشئت هي: البصرة، والكوفة، والموصل، والفسطاط، والجيزة، وسرت، وقد خطِّطت، ووزِّعت بين الجيوش بحسب قبائلهم وألويتهم، وأنشئت فيها المرافق العامَّة، كالمساجد، والأسواق، وأنشأ لكلِّ مدينةٍ حمى لرعي خيل، وإِبل المجاهدين، وشجَّع النَّاس على استقدام أهليهم، وذراريهم من مدن الحجاز وأطراف الجزيرة العربيَّة للإِقامة في هذه المدن؛ لتكون قواعد عسكرية تنطلق منها تعبئة الجيوش، وإِمدادها للتوغُّل في أرض العدو، ونشر دعوة الإِسلام فيها، وقد أمر عمر رضي الله عنه ـ قادة الجيوش عند تخطيط هذه المدن أن يكون الطَّريق بينها وبين عاصمة الخلافة سهلاً، وأن لا يحول دونها بحارٌ، أو أنهار؛ لأنَّ عمر ـ رضي الله عنه ـ كان يخشى من جهل العرب حينئذٍ بركوب البحر، ولكن عندما أدرك قدرة الجيش الإِسلامي في مصر على استغلال الطُّرق المائيَّة النَّهرية، سمح لعمرو ابن العاص بشقِّ قناة نهريَّة تصل بين نهر النِّيل، والبحر الأحمر؛ حتَّى تنقل الإِمدادات من الطَّعام إِلى الحجاز كما مر معنا.

ومن أهم الأمصار التي مُصِّرت في عهد عمر رضي الله عنه:

ـ مدينة البصرة:

معنى البصرة في اللغة: الأرض الغليظة ذات الحجارة الصُّلبة. وقيل: الأرض ذات الحصى. وقيل: الحجارة الرِّخوة البيضاء. والبصرة مدينة عند ملتقى دجلة، والفرات، ويعرف ملتقاهما بشطِّ العرب، وقد روعي في تمصيرها فكرة عمر بن الخطَّاب في إِنشاء المدن في مراعاة الطَّبيعة العربيَّة، فموقعها قريبٌ من الماء، والمرعى في طرق البرِّ إِلى الرِّيف.

واستشار عتبة بن غزوان عمر بن الخطَّاب في تمصير البصرة، فأمره أن ينزل موقعاً قريباً من الماء، والمرعى، فوقع اختياره على مكان البصرة، وكتب إِليه: إِنِّي وجدت أرضاً في طرف البرِّ إِلى الريف، ومن دونها مناقع ماء، فيها قصباء، فكتب له: أن انزل فيها. فنزلها، وبنى مسجدها من قصبٍ، وبنى دار إِمارتها دون المسجد، وبنى النَّاس سبع دساكر من قصبٍ أيضاً؛ لكثرته هناك، فكانوا إِذا غزوا؛ نزعوا ذلك القصب، ثمَّ حزموه، ووضعوه حتَّى يعودوا من الغزو، فيعيدوا بناءها كما كان، وأصاب القصب حريقٌ، فاستأذنوا عمر بن الخطَّاب أن يبنوا باللَّبِنِ، فأذن لهم في إِمارة أبي موسى الأشعري بعد وفاة عتبة عام 17 هـ. فبنى أبو موسى المسجد، ودار الإِمارة باللَّبِنِ، والطين، وسقفها بالعشب، ثمَّ بنوها بالحجارة، والأجر، وقد جعلوها خططاً لقبائل أهلها، وجعلوا عرض شارعها الأعظم ـ وهو مربدها ـ ستين ذراعاً، وعرض ما سواه من الشَّوارع عشرين ذراعاً، وعرض كلِّ زقاقٍ سبعة أذرع، وجعلوا وسط كلِّ خطَّةٍ رحبةً فسيحة لمرابط خيولهم، وقبور موتاهم، وتلاصقوا في المنازل.

     ـ مدينة الكوفة:

تُجمع أراء المؤرِّخين على أنَّ سعد بن أبي وقَّاص رضي الله عنه ـ يعدُّ هو المؤسس الأول للمدينة، وأنَّه قد اختار موضعها، وأمر بتخطيطها بعد فترةٍ من الانتصارات الَّتي حقَّقها المسلمون في حربهم ضدَّ الفرس في جبهة المدائن، وكما هي الحال تماماً في مسألة اختيار وتمصير مدينة البصرة، فإِنَّ العوامل العسكريَّة لعبت دوراً أساسياً، ومركزيّاً في دفع سعد إِلى التَّفكير في اتِّخاذ موضع، أو مخيَّمٍ للمجاهدين، وقام بتنفيذ ذلك بعد توجيه الفاروق له رضي الله عنهم ـ وقد خضع اختيار سعد للكوفة وفق المعايير الَّتي وضعها الفاروق.

وقد لاحظ الفاروق في وفود القادسيَّة، والمدائن تغيُّراً في وجوههم، فعلم: أنَّ ذلك من وخومة البلاد، فكتب إِلى سعد بن أبي وقَّاص يأمره أن يتَّخذ لهم مكاناً يوافقهم كما يوافق إِبلهم، وأرسل سلمان الفارسي، وحذيفة بن اليمان رائدين، فارتادا حتَّى أتيا موضع الكوفة، وموقعهما بين الحيرة، والفرات، وقد سميت بذلك لأنَّها من رملٍ، وحصباء، كلُّ رملٍ، وحصباء فهو كوفة، فتحوَّل سعد من المدائن إِليها في محرم عام 17 هـ، وكان عمر يريد أن يقيم المسلمون في خيامهم؛ لأن ذلك أجدُّ في حربهم، وأذكى لهم، وأهيب في عين عدوِّهم، وأدعى إِلى إِحجامه عن أمر يهمُّ به، ولمَّا استأذنه أهل الكوفة، والبصرة في بنيان القصب لم يحبَّ أن يخالفهم، فأذن لهم، فابتنى أهلها بالقصب، ثمَّ إِنَّ الحريق الَّذي وقع بالكوفة، والبصرة أتى عليها، فاستأذنوا عمر في البناء باللَّبن، فقال: افعلوا، ولا يزيدنَّ أحدكم على ثلاث أبياتٍ (حجرات) ولا تطاولوا في البنيان.

ـ مدينة الفسطاط:

إِذا كان سعد بن أبي وقَّاص رضي الله عنه ـ يعدُّ المؤسِّس الأول لمدينة الكوفة، فإِنَّ عمرو بن العاص يعدُّ المؤسِّس لمدينة الفسطاط، فبعد انتهائه من عملية فتح الإِسكندرية أراد الاستقرار فيها، فكتب إِليه عمر بن الخطاب: ألا تجعلوا بيني وبينكم ماءً حتى أقدم إِليكم، فتحوَّل من الإِسكندرية إِلى الفسطاط، وأوَّل عملٍ عمله فيها هو بناء مسجده الَّذي عرف باسمه فضلاً عن مسجده في الإِسكندرية، ثم بنى داراً لعمر بن الخطَّاب، وربما قصد بها داراً للخلافة، فكتب إِليه عمر بن الخطَّاب، وأمره أن يجعلها سوقاً للمسلمين، وبنى عمرو بن العاص لنفسه دارين قريبتين من المسجد كما يخبرنا عنهما ابن عبد الحكم: فاختطَّ عمرو بن العاص داره الَّتي هي اليوم عند باب المسجد بينهما الطَّريق، وداره الأخرى اللاصقة إِلى جنبها. وربما بناها واحدةً له، والأخرى داراً للإِمارة بعد أن أمر عمر بن الخطاب بهدم داره السَّالفة الذِّكر، وكلَّف عمرو بن العاص جماعةً من كبار الصَّحابة من مرافقيه ليفصلوا بين القبائل، فجعلوا لكلِّ قبيلةٍ جهةً لمنازلهم، عرفت بالخطط، وهي أشبه ما تُعرف بالأحياء في وقتنا الحاضر، ولكنَّها لم تكن بهذا الاتِّساع حيث جعل بين القبيلة والأخرى شوارع، وربما لم تكن بمفهوم الشَّوارع اليوم وإِنَّما ممرَّات بين كلِّ حارةٍ، وأخرى.

ـ مدينة سرت بليبيا:

بعد أن أصبحت برقة قاعدةً للإِسلام غربي مصر، انطلق منها عمرو بن العاص، وجنده إِلى طرابلس، فبدأ بمدينة سرت بين برقة، وطرابلس، فاستولى عليها، واتَّخذها المسلمون قاعدةً للانطلاق إِلى الغرب منذ عام 22 هـ، وبقيت قاعدةً لقوَّات المسلمين، ومركزاً لِعُقبة بن نافع؛ الذي صَرَفَ همَّه لنشر الإسلام في الواحات القريبة من فزَّان، وودَّان، وزويلة، والسُّودان.

 

ـ الحاميات المقامة في المدن المفتوحة:

أطلق عمر رضي الله عنه اسم الأجناد على الحاميات المقامة في المدن المفتوحة في جميع الجهات من البلاد المفتوحة، وخاصَّةً بلاد الشام، فكان فيها ثكنات لإِقامة الجند، وفي كلِّ معسكرٍ حظيرة للخيل فيها ما لا يقلُّ عن أربعة ألاف حصان بكامل معدَّاتها، وتجهيزاتها كلُّها على أهبة الاستعداد، حتى إِذا دعت الحاجة أمكن القيادة أن تدفع إِلى ميادين القتال في وقتٍ قصيرٍ أكثر من 36 ألفاً من الفرسان دفعةً واحدةً في بلاد الشَّام وحدها. وقد خصِّصت مراعٍ واسعةٌ لتلك الخيول في كلِّ الأجناد، وكان كل حصانٍ يوسم على فخذه ميسم: جيش في سبيل الله، تنفيذاً لقوله تعالى: {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ } [الأنفال: 60].

وهكذا فقد كان عصر الخليفة الراشد عمر بن الخطاب زمن بركة وخير على الإسلام والمسلمين، وقد شهدت فيه الدولة الإسلامية نمواً وتطوراً على كافة الصعد، وخصوصاً على صعيد العمران، فقد بقيت كثير من المدن والمساجد التي بنيت في عهد الفاروق والتي أصبحت فيما بعد مراكزاً لنشأة وتطور التاريخ العظيم للأمة الإسلامية وقد بقي الكثير منها حتى يومنا هذا كشاهد على النهضة المدنية والعمرانية التي أنجزها هذا الخليفة الراشد.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر والمراجع:

* علي محمد محمد الصلابي: سيرة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب شخصيته وعصره، (2005)، مؤسسة اقرأ، القاهرة، صفحة (221:209).

* عبدالرحمن الشرقاوي: الفاروق عمر، (1988)، دار الكتاب العربي, صفحة (254-255).

* غازي بن سالم: اقتصاديات الحرب في الإسلام، (1991)، مكتبة الرشد، الرياض، صفحة (247:245).

* محمد أبو النصر: عمر بن الخطاب، دار الجيل، بيروت، (265:263).

* أكرم ضياء العمري: عصر الخلافة الراشدة، مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة، صفحة (230:227).

* أبو القاسم عبدالرحمن بن عبدالله بن عبد الحكم: فتوح مصر، (1920)، مكتبة المثنى، بغداد، صفحة (96-97).

يُعتبر حدث هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة حدثا حاسما ومفصلياً ليس في التاريخ الإسلامي فحسب، وإنما في التاريخ الإنساني أجمع، فقد كان لهجرة النبي الأعظم تداعيات كبرى على الدعوة المحمدية التي جاءت تحمل في طياتها قيماً روحانية سامية، جعلت الحضارة الإسلامية تتبوأ مكانة رفيعة بين الحضارات.

إنَّ الهجرة إلى المدينة سبقها تمهيدٌ، وإعدادٌ، وتخطيط من النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، وكان ذلك بتقدير الله تعالى، وتدبيره، وكان هذا الإعداد في اتِّجاهين: إعداد في شخصية المهاجرين، وإعداد في المكان المهاجَرِ إليه.

أولاً: التَّمهيد، والإعداد لها:

1 - إعداد المهاجرين:

لم تكن الهجرة نزهةً، أو رحلةً يروِّح فيها الإنسان عن نفسه؛ ولكنَّها مغادرةُ الأرض، والأهل، ووشائج القربى، وصلات الصَّداقة والمودَّة، وأسباب الرِّزق، والتَّخلِّي عن كلِّ ذلك من أجل العقيدة، ولهذا احتاجت إلى جهدٍ كبيرٍ، حتَّى وصل المهاجرون إلى قناعةٍ كاملةٍ بهذه الهجرة، ومن تلك الوسائل:

- التَّربية الإيمانيَّة العميقة الَّتي تحدَّثنا عنها في الصَّفحات الماضية.

- الاضطهاد الَّذي أصاب المؤمنين، حتَّى وصلوا إلى قناعةٍ كاملةٍ بعدم إمكانية المعايشة مع الكفر.

- تناول القرآن المكِّيِّ التَّنويه بالهجرة، ولفت النَّظر إلى أنَّ أرض الله واسعةٌ. قال تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِ الَّذِينَ آمنوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ [الزمر: 10] .

ثمَّ تلا ذلك نزولُ سورة الكهف، والَّتي تحدَّثت عن الفتية الذين آمنوا بربهم، وعن هجرتهم من بلدهم إلى الكهف، وهكذا استقرَّت صورةٌ من صور الإيمان في نفوس الصَّحابة، وهي ترك الأهل، والوطن من أجل العقيدة.

ثم تلا ذلك آيات صريحةٌ تتحدَّث عن الهجرة في سورة النَّحل، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلأَجْرُ الآخرةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ * الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ [النحل: 41 - 42] .

وفي أواخر السُّورة يؤكِّد المعنى مرَّةً أخرى بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [النحل: 110]. وكانت الهجرة إلى الحبشة تدريباً عمليّاً على ترك الأهل، والوطن.

2 - الإعداد في يثرب:

نلاحظ: أنَّ الرَّسول صلى الله عليه وسلم، لم يسارع بالانتقال إلى الأنصار من الأيام الأولى؛ وإنَّما أخَّر ذلك لأكثر من عامين؛ حتَّى تأكَّد من وجود القاعدة الواسعة نسبيّاً، كما كان في الوقت نفسه يتمُّ إعدادها في أجواء القرآن الكريم، وخاصَّةً بعد انتقال مصعب رضي الله عنه إلى المدينة.

وقد تأكَّد: أنَّ الاستعداد لدى الأنصار قد بلغ كماله، وذلك بطلبهم هجرة الرَّسول الكريم صلى الله عليه وسلم إليهم، كما كانت المناقشات الَّتي جرت في بيعة العقبة الثَّانية، تؤكِّد الحرص الشَّديد من الأنصار على تأكيد البيعة، والاستيثاق للنَّبي صلى الله عليه وسلم بأقوى المواثيق على أنفسهم، وكان في رغبتهم أن يميلوا على أهل مِنًى ممَّن آذى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأسيافهم؛ لو أذن الرَّسول الكريم بذلك، ولكنَّه قال لهم: «لم نؤمر بذلك».

وهكذا تمَّ الإعداد لأهل يثرب؛ ليكونوا قادرين على استقبال المهاجرين، وما يترتَّب على ذلك من تَبِعَات.

ثانياً: تأمُّلاتٍ في بعض آيات سورة العنكبوت:

تعتبر سورة العنكبوت من أواخر ما نزل في المرحلة المكِّيَّة، وتحدَّثت السُّورة عن سنَّة الله في الدَّعوات، وهي سنُّة الابتلاء، قال تعالى: ﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ * يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ * أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [العنكبوت: 1 - 4]

وفي سورة العنكبوت ثلاثةُ أمورٍ تلفت النَّظر، وهي:

1 - ذِكْرُ كلمة المنافقين، ومن المعلوم: أنَّ النِّفاق لا يكون إلا عندما تكون الغلبة للمسلمين؛ حيث يخشى بعضُ النَّاس على مصالحهم، فيظهرون الإسلام، ويبطنون الكفر، ومن المعلوم: أنَّ المجتمع في مكَّةَ كان جاهليّاً، وكانت القوَّة والغلبة لأهل الشِّرك، فما مناسبة مجيء المنافقين في هذه السُّورة، في قوله تعالى: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمنوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ ﴾ [العنكبوت: 11]، وهي سورةٌ مكِّيَّةٌ كما قلنا: فهل كانت الآمال قد قويت عند الفئة المؤمنة بحيث تراءى لهم الفرج، والنَّصر قاب قوسين أو أدنى؟ أم أنَّ هذه الآية مدنيَّةٌ وضعت في سورةٍ مكِّيَّةٍ؛ لأنَّ النِّفاق لم يحِنْ وقتُه بعدُ، كما ذهب إلى ذلك بعض المفسِّرين؟.

2 - ورد الأمر بمجادلة أهل الكتاب بالَّتي هي أحسن، وكأنَّه تهيئةٌ للنُّفوس للمرحلة القادمة؛ الَّتي سيكون بين المسلمين وبين أهل الكتاب فيها احتكاكٌ، فلا يكونون البادئين بالشدَّة، فيأتي التَّنبيه على هذا الأمر في قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ * وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلاَءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآياتنَا إِلاَّ الْكَافِرُونَ ﴾ [العنكبوت: 46 - 47] .

3 - تهيئة النُّفوس للهجرة في أرض الله الواسعة، وربما كانت المدينة قد بدأت تستقبل المهاجرين من المؤمنين بعد بيعة العقبة الأولى، ومهما كان الأمر، وأنَّى كان وقت نزول سورة العنكبوت؛ فإنَّ الإشارة واضحةٌ، والحثَّ على الهجرة - أيضاً - واضحٌ ببيان تكفُّل اللهِ الرِّزق للعباد؛ في أيِّ أرضٍ، وفي أيِّ زمانٍ. قال تعالى: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمنوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ ﴾ [العنكبوت: 56] .

هذه الآية الكريمة نزلت في تحريض المؤمنين الَّذين كانوا بمكَّة على الهجرة؛ فأخبرهم الله تعالى بسعة أرضه، وأنَّ البقاء في بقعةٍ على أذى الكفار ليس بصوابٍ؛ بل الصَّواب أن يُتلمَّس عبادةُ الله في أرضه مع صالحي عباده؛ أي: إن كنتم في ضيق من إظهار الإيمان بها، فهاجروا إلى المدينة؛ فإنَّها واسعةٌ لإظهار التَّوحيد بها، ثمَّ أخبرهم تعالى: أنَّ الرِّزق لا يختصُّ ببقعةٍ معيَّنةٍ؛ بل رزقه تعالى عامٌّ لخلقه حيث كانوا، وأين كانوا، بل كانت أرزاق المهاجرين حيث هاجروا أكثر، وأوسع، وأطيب، فإنَّهم بعد قليل صاروا حكَّام البلاد في سائر الأقطار، والأمصار، ولهذا قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَآبَّةٍ لاَ تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ [العنكبوت: 60] .

كما ذكَّرهم تعالى: أنَّ كلَّ نفسٍ واجدةٌ مرارة الموت، فقال جلَّ شأنه: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ﴾ [العنكبوت: 57]. أي: واجدةٌ مرارته، وكربه، كما يجد الذَّائق طعم المذوق، ومعناه: إنَّكم ميِّتون، فواصلون إلى الجزاء، ومن كانت هذه عاقبته؛ لم يكن له بُـدٌّ من التزوُّد لها، والاستعداد بجهده، وهذا تشجيعٌ للنَّفس على الهجرة؛ لأنَّ النَّفس إذا تيقَّنت بالموت؛ سهُلَ عليها مفارقةُ وطنها.

قال ابن كثير في الآية: أي: أينما كنتم يدرككم الموت، فكونوا في طاعة الله، وحيث أمركم الله؛ فهو خيرٌ لكم، فإنَّ الموت لابدَّ منه، ولا محيد عنه، ثمَّ إلى الله المرجع والمآب، فمن كان مطيعاً له؛ جازاه أفضل الجزاء، ووافاه أتمَّ الثَّواب، ولهذا قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمنوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الآنهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ * الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ [العنكبوت 58 - 59]، أي: صبروا على دينهم، وهاجروا إلى الله، ونابزوا الأعداء، وفارقوا الأهل، والأقرباء؛ ابتغاء وجه الله، ورجاء ما عنده، وتصديق موعوده، ولم يتوكَّلوا في جميع ذلك إلا على الله.

ثالثاً: طلائع المهاجرين:

لـمَّا بايعتْ طلائعُ الخير، ومواكبُ النُّور من أهل يثرب النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم على الإسلام، والدِّفاع عنه؛ ثارت ثائرة المشركين، فازدادوا إيذاءً للمسلمين، فأذن النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم للمسلمين بالهجرة إلى المدينة، وكان المقصود من الهجرة إلى المدينة، إقامة الدَّولة الإسلاميَّة؛ الَّتي تحمل الدَّعوة، وتجاهد في سبيلها؛ حتَّى لا تكون فتنةٌ، ويكون الدِّين كلُّه لله، وكان التَّوجيه إلى المدينة من الله تعالى، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: لـمَّا صدر السَّبعون من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ طابت نفسه، وقد جعل الله له منعةً، وقوماً أهل حربٍ، وعدَّةٍ، ونجدةٍ، وجعل البلاء يشتدَّ على المسلمين من المشركين؛ لما يعلمون من الخروج، فضيَّقوا على أصحابه، وتعبَّثوا بهم، ونالوا منهم ما لم يكونوا ينالون من الشَّتم، والأذى، فشكا ذلك أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم واستأذنـوه في الهجرة، فقال: « قـد أُريت دار هجرتكم، أريت سبخةً ذات نخلٍ بين لابتين - وهما الحرَّتان - ولو كانت السَّراة أرض نخلٍ، وسباخٍ؛ لقلت: هي، هي» [البخاري (2297) والبيهقي في الدلائل (2/459)] ..

ثمَّ مكث أياماً، ثمَّ خرج إلى أصحابه مسروراً فقال: «قد أخبرت بدار هجرتكم، وهي يثرب، فمن أراد الخروج فليخرج إليها» فجعل القوم يتَّجهون، ويتوافقون، ويتواسون، ويخرجون، ويخفون ذلك، فكان أوَّلَ من قدم المدينة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أبو سلمة بن عبد الأسد، ثمَّ قدم بعده عامر بن ربيعة، معه امرأته ليلى بنت أبي حَثْمَة، فهي أوَّل ظعينةٍ قدمت المدينة، ثمَّ قدم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسالاً، فنزلوا على الأنصار في دورهم، فآووهم، ونصروهم، وآسوهم، وكان سالم مولى أبي حُذيفة، يؤمُّ المهاجرين بقباء، قبل أن يقدم النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم ، فلـمَّا خرج المسلمون في هجرتهم إلى المدينة، كَلِبَتْ  قريشٌ عليهم، وحربوا، واغتاظوا على مَنْ خرج من فتيانهم، وكان نفرٌ من الأنصار بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في البيعة الآخرة، ثمَّ رجعوا إلى المدينة، فلـمَّا قدم أوَّل مَنْ هاجر إلى قُباء؛ خرجوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكَّة، حتَّى قدموا مع أصحابه في الهجرة، فهم مهاجرون أنصاريُّون، وهم: ذكوان بن عبد قيس، وعقبة بن وهب بن كلدة، والعباس بن عبادة بن نضلة، وزياد بن لبيد، وخرج المسلمون جميعاً إلى المدينة، فلم يبقَ بمكَّة فيهم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأبو بكر، وعليٌّ، أو مفتونٌ، أو مريضٌ، أو ضعيفٌ عن الخروج. [ابن سعد (1/325)] .

__________________________

المراجع:

  1. علي محمد محمد الصّلابيّ، السيرة النبوية عرض وقائع وتحليل أحداث (دروس وعبر)، الطبعة الأولى، 2004.ص.ص (403:389).
  2. أبو محمد بن عبد الملك بن هشام، السِّيرة النَّبويَّة، دار الفكر،1990.الجزء/2،ص.ص (52:44).
  3. لابن كثير، للإمام أبي الفداء إسماعيل، السِّيرة النَّبويَّة، تحقيق مصطفى عبد الواحد، الطَّبعة الثانيةـ، دار الفكر بيروت لبنان، 1978.الجزء/3،ص360.
  4. صالح أحمد الشَّامي، السِّيرة النَّبويَّة تربية أمَّةٍ، وبناء دولةٍ، المكتب الإسلامي، الطَّبعة الأولى، 1992،ص 118.
  5. عبد القادر حامد التيجاني، أصول الفكر السِّياسيِّ في القرآن المكِّي، الطَّبعة الأولى، عمَّان الأردن، دار البشير، 1995.ص 182.

 

 

ما إِن انتهت حروب الردَّة، واستقرَّت الأمور في الجزيرة العربيَّة الَّتي كانت ميداناً لها، حتَّى شرع الصِّدِّيق في تنفيذ خطَّة الفتوحات الَّتي وضع معالمها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجيَّش الصِّدِّيق لفتح العراق جيشين؛ الأوَّل بقيادة خالد بن الوليد، وكان يومئذٍ باليمامة، فكتب إِليه يأمره بأن يغزو العراق من جنوبه الغربيِّ، والجيش الثاني بقيادة عياض بن غنم، وكان بين النِّباج والحجاز، فكتب إِليه بأن يغزو العراق من شماله الشَّرقي بادئاً بالمسيخ.

وكتب الصِّدِّيق رضي الله عنه إِلى خالدٍ، وعياض: ثمَّ يستبقان إِلى الحيرة، فأجهما سبق إِلى الحيرة؛ فهو أميرٌ على صاحبه، وقال: إِذا اجتمعتما إِلى الحيرة، وقد فضضتما مسالح فارس، وأمنتما أن يؤتى المسلمون من خلفهم، فليكن أحدكما ردءاً للمسلمين، ولصاحبه بالحيرة، وليقتحم الآخر على عدوِّ الله وعدوِّكم من أهل فارس دارَهم، ومستقرَّ عزِّهم؛ المدائن.

وكان المثنَّى بن حارثة قد قدم على أبي بكرٍ، وحثَّ الصِّدِّيق على محاربة الفرس، وقال له: ابعثني على قومي، ففعل ذلك أبو بكر، فرجع المثنَّى، وشرع في الجهاد بالعراق، ثمَّ إِنَّه بعث أخاه مسعود بن حارثة إِلى أبي بكرٍ يستمدُّه، فكتب معه أبو بكر إِلى المثنَّى: أمَّا بعد: فإِنِّي قد بعثت إِليك خالد بن الوليد إِلى أرض العراق، فاستقبله بمن معك من قومك، ثمَّ ساعده، ووازرة، وكاتفه، ولا تعصينَّ له أمراً، ولا تخالفنَّ له رأياً، فإِنه من الذين وصف الله ـ تبارك وتعالى ـ في كتابه: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا} [الفتح: 29]، فما أقام معك فهو الأمير، فإِن شخص عنك فأنت على ما كنت عليه.

وكان من قوم المثنَّى رجلٌ يدعى: مذعور بن عديٍّ، خرج عن المثنَّى بن حارثة، وراسل الصِّدِّيق، وقال له: أمَّا بعد: فإِنِّي امرؤ من بني عجل، أحلاس الخيل ـ أي: يلزمون ظهورها ـ وفرسان الصَّباح ـ أي: يغيرون صباحاً ـ ومعي رجالٌ من عشيرتي الرَّجل خيرٌ من مئة رجلٍ، ولي علمٌ بالبلد، وجراءٌ على الحرب وبصرٌ بالأرض، فولين أمر السَّواد أفككه إِن شاء الله.

وكتب المثنى بن حارثة رضي الله عنه بشأن مذعور بن عديٍّ إِلى الصِّدِّيق، فقال له: ... فإِنِّي أخبر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّ امرأً من قومي يقال له: مذعور بن عديٍّ أحد بني عجل في عددٍ يسير، وإِنَّه أقبل ينازعني، ويخالفني، فأحببت إِعلامك ذلك لترى رأيك فيما هنالك، وردَّ الصِّدِّيق على مذعور بن عديٍّ، فقال له: أمَّا بعد: فقد أتاني كتابك، وفهمت ما ذكرت، وأنت كما وصفت نفسك وعشيرتك نعم العشيرة، وقد رأيت لك أن تنضمَّ إِلى خالد بن الوليد، فتكون معه وتقيم معه ما أقام بالعراق، وتشخص معه إِذا شخص.

وكتب إِلى المثنَّى بن حارثة: فإِنَّ صاحبك العجليَّ كتب إِليَّ يسألني أموراً، فكتبت إِليه آمره بلزوم خالد حتَّى أرى رأيي، وهذا كتابي إِليك آمرك ألا تبرح العراق حتَّى يخرج منه خالد بن الوليد، فإِذا خرج منه خالد بن الوليد فالزم مكانك؛ الذي كنت به، وأنت أهلٌ لكلِّ زيادةٍ، وجديرٌ بكلِّ فضلٍ.

وممَّا سبق يمكننا أن نستخلص بعض الدروس والعبر والفوائد، فمنها:

1- كان تاريخ بعث خالد إِلى العراق في شهر رجب، وقيل: في المحرم سنة اثنتي عشرة.

2- الحسُّ الإستراتيجيُّ عند الصِّدِّيق:

إِنَّ الأوامر الَّتي وجَّهها الصِّدِّيق إِلى قائديه خالدٍ، وعياضٍ تشير إِلى الحسِّ الإستراتيجيِّ المتقدِّم؛ الذي كان يملكه الصِّديق ـ رضي الله عنه ـ فقد أعطى جملة تعليماتٍ عسكريةٍ إستراتيجيَّةٍ، وتكتيكيَّةٍ، فحدَّد لكلٍّ من القائدين المسلمين جغرافياً منطلقة للدُّخول إِلى العراق، كأنَّما هو يمارس القيادة من غرفة العمليَّات بالحجاز، وقد بسطت أمامه خارطة العراق بكلِّ تضاريسها، ومسالكها، فيأمر أحدهما (خالداً) بدخول العراق من أسفلها جنوباً بغرب (أي: الأبلَّة)، ويأمر الثاني (عياداً) بدخول العراق من أعلاها شمالاً بشرق (أي: المسيخ)، ويأمر الاثنين معاً أن يلتقيا في وسط العراق، ولا ينسى الخليفة مع ذلك أن يأمرهما بأن لا يُكرها النَّاس على الانخراط في جيشهما، وأن لا يجبرا أحداً على البقاء معهما للقتال، فلم يكن التَّجنيد في نظره إِلزاميّاً، إِنَّما كان طوعيّاً، واختياريّاً.

3- تحديد الحيرة كموقعٍ إستراتيجي:

كان هدف الخليفة الصِّدِّيق السَّيطرة على الحيرة، وذلك لأهمِّيتها العسكريَّة، فالحيرة تقع على بعد ثلاثة أميالٍ جنوب (الكوفة)، وتبعد عن (النَّجف) مسيرة ساعةٍ للفارس إِلى الجنوب الشَّرقي للنَّجف، والنَّاظر على الخارطة يرى لأوَّل وهلةٍ أهمِّية هذا الموقع الاستراتيجي، فالحيرة كانت (عقدة مواصلات) في نقطةٍ تتَّصل بها الطُّرق من جميع الاتجاهات، فهي تتَّصل بالمدائن من الشَّرق عبر نهر الفرات وتتَّصل شمالاً بـ (هيت) وتتَّصل بـ (الأنبار) على جسر الأنبار، وتتَّصل بالشام من الغرب، كما تتَّصل بـ(الأبلَّة) في منطقة (البصرة) بالعراق، وفي (كسكر) في (السَّواد)، وفي (النُّعمانية) على نهر دجلة، ومن هذا يتَّضح جليّاً أهمِّية السَّيطرة على هذا الموقع المهمِّ، وكان الصِّدِّيق مصيباً عندما جعلها هدفاً لجيشين، هما جيش خالدٍ، وجيش عياض، فالحيرة كانت قلب العراق، وأقرب منطقة مهمَّة إِلى المدائن عاصمة الإمبراطورية الفارسيَّة، الَّتي كانت تدرك هذه القيمة الإستراتيجيَّة للحيرة، ولذا كانت ترسل القوَّات باتجاهها دائماً لاستعادتها، لأنَّ المسيطر على الحيرة يؤمِّن سيطرته على المنطقة الكائنة غربي الفرات بأجمعها، وهي عدا هذا كانت مهمَّة للقوات الإِسلاميَّة في قتالها الرُّوم في بلاد الشَّام.

إِنَّ تخطيط الصِّدِّيق للوصول إِلى الحيرة في الفتوحات يُعرف في الخطط العسكريَّة للجيوش الحديثة بحركة فكَّي الكمَّاشة، أو عملية الالتفاف الدَّائري بأكثر من جيشٍ، وهذا يؤكِّد: أنَّ عمليَّة فتح العراق، وضم أطراف شبه الجزيرة العربيَّة عن طريق الجهاد لم تكن محض مصادفةٍ، أو نتيجةً لمجريات الحوادث .

ويظهر للباحث فقه أبي بكرٍ رضي الله عنه في التَّخطيط الجهادي بأنَّه كان يرتكز على اتِّخاذ القرارات بتنظيم الجيوش، وتوجيهها، وتحديد واجباتها، وأهدافها، وتنسيق التَّعاون فيما بينها، وتحقيق التَّوازن على مسارح العمليَّات، غير أنَّه يترك لقادته حرِّيَّة العمل العسكري لإِدارة العمليَّات القتاليَّة بالأساليب؛ التي يرونها مناسبةً، وبالطَّرائق؛ الَّتي تستجيب لما يجابهونه من مواقف .

4- نكران الذَّات عند المثنَّى بن حارثة:

ومن المواقف الَّتي تذكر في الجهاد في العراق ما كان للمثنَّى بن حارثة الشَّيباني، وكان يقاتل الأعداء في العراق بقومه، ولما علم بذلك أبو بكر سرَّه ما كان منه، فأمَّره على مَنْ بناحيته، وذلك قبل مجيء خالد، فلمَّا توجهت همَّة الصِّدِّيق لغزو فارس رأى أنَّ خالداً أجدر القواد بهذه المهمَّة، فوجهه لها، وكتب كتاباً إِلى المثنَّى يأمره بالانضمام إِلى خالدٍ، وطاعته، فما كان منه إِلا أن سارع في الاستجابة، ولحق بخالدٍ، هو وجيشه، وإِنَّ هذا موقفٌ يُذكر للمثنَّى حيث لم يَغُرَّه كثرة جيشه، ولا كونه أقدم من خالدٍ في إِمرة جيوش العراق، فلم يحمله ذلك على أن يرى أنَّه أحقُّ بالقيادة من خالدٍ .

5- احتياط الصِّدِّيق لأمر الجهاد في سبيل الله:

وقد جاء في كتاب أبي بكرٍ لخالدٍ، وعياض بن غنْم أن استنفروا مَنْ قاتل أهل الردَّة، ومن ثبت على الإِسلام بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يغزونَّ معكم أحدٌ ارتدَّ حتَّى أرى رأيي، فلم يشهد الأيَّام مرتدٌّ، يعني في أوَّل الأمر، وقد شهدوا الأيَّام بعد ذلك، حينما ثبتت استقامتُهم، كما سيأتي بإِذن الله تعالى، وهذا الموقف من أبي بكرٍ مبنيٌّ على الاحتياط لأمر الجهاد في سبيل الله تعالى، حتَّى لا يشترك فيه طلاَّب الدُّنيا، فيكونوا سبباً في فشل المجاهدين، واختلال صفوفهم.

وهذا درسٌ تربويٌّ من أبي بكرٍ استفادة من الدُّروس النَّبويَّة الغالية، وذلك في تنقية الصَّفِّ الإِسلامي من الشَّوائب، وتوحيد هدفه حتَّى يكون خالصاً لوجه الله تعالى، فيأمن بذلك من الانتكاسات الخطيرة الَّتي تحدث بسبب تعدُّد الأهداف، ولقد حرص أبو بكر على هذا المبدأ السَّامي مع شدَّة احتياج الجيش الإِسلاميِّ آنذاك إِلى الرِّجال، ممَّا يدلُّ على قناعته التَّامة بأن العبرة بسموِّ الهدف، والإِخلاص، لا بكثرة العدد .

6- الرِّفق بالناس، والتَّوصية بفلاحي العراق:

وفي قول الصِّدِّيق لخالدٍ: وتألَّف أهل فارس، ومن كان في ملكهم من الأمم، وهذا القول بيَّن لنا الهدف من الجهاد الإِسلامي خارج بلاد الإِسلام، فهو جهاد دعوي، يقصد به دعوة النَّاس إِلى الدُّخول في الإِسلام، ولمَّا كانت الدَّعوة غير ممكنةٍ مع بقاء الحكومات، فإِنَّه لا بدَّ من إِزالتها؛ لتمكين شعوبها من الدُّخول في الإِسلام، وهذا الهدف ظاهرٌ في جميع المعارك؛ التي خاضها الصَّحابة ـ رضي الله عنهم ـ حيث كانوا يدعون أعداءهم إِلى الإِسلام، فيكون لهم ما للمسلمين، وعليهم ما عليهم، فإِن أبوا؛ فليستسلموا لحكم الإِسلام، ويدفعوا الجزية مقابل حماية المسلمين لهم، فإِن أبوا فلا بدَّ من القتال حتَّى تكون كلمة الله هي العليا ، وقد وصَّى الصِّدِّيق ـ رضي الله عنه ـ قادة جيوشه بفلاحي العراق، وأهل السَّواد، حرصاً منه على هداية النَّاس، وعلى منابع الثَّروة، وعلماً منه بأنَّ العمران لا يقوم بدون دولة، كما أنَّ الفلاحة مصدر من مصادر الثَّروة، وهي المتصلة بحياة النَّاس، ومعايشهم .

7- لا يهزم جيش فيهم مثل هذا:

عندما استمدَّ خالدٌ أبا بكرٍ أثناء سيره للعراق أمدَّه الصِّدِّيق بالقعقاع بن عمرو التَّميمي فقيل له: أتُمدُّ رجلاً قد ارفضَّ عنه جنوده برجلٍ؟ فقال: لا يهزم جيش فيهم مثلُ هذا، وهذا فراسةٌ من أبي بكر بيَّنتها أحداث العراق بعد ذلك، وقد كان أبو بكر أعلم النَّاس بالرِّجال، وما يتَّصفون به من طاقاتٍ، وكفاءاتٍ مختلفة.

 

__________

المراجع

1- د. علي محمّد محمَّد الصَّلاَّبي، الانشراح ورفع الضيق في سيرة أبو بكر الصديق، شخصيته وعصره، دار ابن كثير، دمشق، ص. ص (322 : 327).

2- الطَّبري، تاريخ الرسل والملوك، دار التراث، بيروت، الطبعة الثانية - 1387 هـ، (4/ 159 : 163).

3- عبد الجبار السامرائي، معارك خالد بن الوليد ضدَّ الفرس، الدَّار العربيَّة للموسوعات، لبنان، الطَّبعة الأولى 1984م، ص35.

4- محمَّد حميد الله، مجموعة الوثائق السِّياسيَّة للعهد النَّبويِّ، والخلافة الرَّاشدة، دار النفائس، الطَّبعة الخامسة 1405هـ 1985م، ص371.

5- محمود شاكر، التَّاريخ الإِسلاميُّ، الخلفاء الرَّاشدون، المكتب الإِسلاميُّ، الطَّبعة الخامسة، 1411هـ 1990م، (9/129 : 131).

6- د. نزار الحديثي، د. خالد جاسم الجنابي، أبو بكرٍ الصِّدِّيق، دار الشُّؤون الثقافية العامة، العراق، الطَّبعة الأولى، 1989م، ص45.

7- د. ياسين سويد، الفنُّ العسكريُّ الإِسلاميُّ، شركة المطبوعات للتَّوزيع والنَّشر، لبنان، الطَّبعة الأولى 1409هـ، 1988م، ص (83، 84).

 

إنَّ توحيد الله عزَّ وجل ومحاربة جميع مظاهر الشرك المنافية للتوحيد هي أساس الدين وركنه القويم، وهو المهمة السامية التي ابتعث الله عز وجل بها جميع الأنبياء والرسل، قال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل : 36]. وقال تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} [النساء : 36]. وقال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ *} [الذاريات : 56].

وقد أقام ابن باديس مشروعه التجديدي الإصلاحي الدعوي التربوي على تطهير الإسلام من كل البدع والخرافات والشوائب والأضاليل التي ألصقت به كذباً وزوراً، وكذا بناء الإنسان القرآني على أساس من الكتاب والسنَّة وهدي السلف الصالح؛ لأن إصلاح العقيدة هو منطلق كل إصلاح جاد في المجتمع، لأن فساد العقيدة وسيطرة جملة من المفاهيم الغريبة على الكتاب والسُنَّة على عقل وقلب الإنسان المسلم في عصور الانحطاط؛ هي سبب تدهور المجتمعات الإسلامية وابتعاد الإنسان المسلم عن الفعالية وركونه للسكوت والاستسلام.

ومن هذه القضايا التي أولاها ابن باديس عناية فائقة قضية التوحيد والشرك، ففي العقيدة التي أملاها على طُلابه وتحت عنوان «عقائد الإيمان بالله».

يقول: هو الموجود الحق لذاته الذي لا يقبل وجوده العدم، فهو القديم الذي لا بداية لوجوده وهو الباقي الذي لا نهاية لوجوده. وهو الموجود الذي سبق وجوده كل موجود، فكان تعالى وحده ولا شيء معه، ثم خلق ما شاء من مخلوقاته فهو الغني بذاته عن جميع الموجودات وهي المفتقرة كلها ابتداء ودوماً إليه.

ويقول الشيخ عبد الحميد بن باديس: وهو الواحد في ذاته وصفاته وأفعاله فلا ثاني له، ولا نظير ولا شريك له في ذاته. ولا ثاني له ولا نظير له في أسمائه. ولا ثاني له ولا نظير له في صفاته. ولا ثاني له ولا نظير له في أفعاله.

إنَّ نصوص الشريعة تقضي بأن الله عز وجل موصوف بصفات الجلال والجمال والكمال ومنزه عن كل صفات النقص التي لا تليق بكمال الربوبية وجلال الإلهية، قال تعالى: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَانُ الرَّحِيمُ *هُوَ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلاَمُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ *هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِىءُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ *} [الحشر : 22 ـ 24].

وقد فصل ابن باديس في موضوع التوحيد وبين أقسامه وشرح كل قسم بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة وأقوال الأئمة العدول الأثبات فقال: التوحيد هو اعتقاد وحدانية الله وإفراده بالعبادة، والأوَّل هو التوحيد العلمي والثاني هو التوحيد العملي ولا يكون المسلم مسلماً إلا بهما.

وبعد هذا التعريف الجامع للتوحيد وهو اعتقاد وحدانية الله وإفراده بالعبادة، شرع في بيان أقسام التوحيد:

  • توحيد الربوبية:

وعرَّفه بالقول: توحيد ربوبيته: وهو العلم بأن لا خالق غيره، ولا مدبِّر للكون، ولا متصرف فيه سواه.

فتوحيد الربوبية هو الاعتقاد الجازم بأن لهذا الكون خالقاً أوجده من عدم بعد أن لم يكن، وأنَّه هو المتصرف في شؤون الكون، فالله وحده هو الخالق والرازق، والمحيي والمميت والمبدأئ والمعيد، الضار والنافع، فهو وحده قيِّوم السماوات والأرض، وهذا الأمر تشهد له نصوص القرآن الكريم، ونصوص السُنَّة النبوية الشريفة، من ذلك:

  • {هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ} [فاطر : 3].
  • {أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ} [الأعراف : 54].
  • {يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ} [السجدة : 5].

ويقول الرسول (ص): لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد.

  • توحيد الألوهية:

وقال عنه: ومن توحيده تعالى توحيده في الألوهية: العلم بأنه تعالى هو المستحق للعبادة وحده دون سواه والقصد والتوجه والقيام بالعبادات كلها إليه.

فالله وحده هو المستحق للعبادة، فلا يعبد إلا الله ولا يعبد إلا بما شرع، والنصوص الشرعية التي تشهد لهذا المعنى كثيرة:

  • قال تعالى: {أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ *} [الأنبياء : 25].
  • وقال تعالى: {إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ *} [الأنعام : 79].
  • وقال تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ *لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ *} [الأنعام : 162 ـ 163].

فصّل ابن باديس أن توحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية الذي هو أساس الدين، فقال: ووحدانيته تعالى في ربوبيته تستلزم وحدانيته تعالى في ألوهيته، فالمتفرد بالخلق والرزق والعطاء والمنع ودفع الضر وجلب النفع هو الذي يجب أن يفرد بالعبادة التي هي غاية الخضوع والذل مع الفقر والحاجة للعزيز القادر المنعم.

  • توحيده في شرعه:

قال ابن باديس: توحيده في شرعه، فلا حاكم ولا محلل ولا محرم سواه.

وهو أن الله عز وجل هو المشرع لعباده فهو الذي يأمرهم وينهاهم ويحلّ لهم ويحرم عليهم، ونصوص الشريعة التي تدل على هذا المعنى كثيرة منها:

  • قال تعالى: {أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ} [الأعراف : 54].
  • وقال تعالى: {وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ} [النحل : 116].
  • قال تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} [الشورى : 21].
  • وقال تعالى: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ} [الشورى : 10].
  • وقال تعالى: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا *} [النساء : 65].

وعن عدي بن حاتم الطائي أنه لما جاء النبي (ص) وسمعه يتلو قوله تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ} [التوبة : 31]. قال عدي: يا رسول الله، إنهم لم يكونوا يعبدونهم؟ قال أليس كانوا إذا حرَّموا عليهم شيئاً حرَّموه، وإذا  أحلوا لهم شيئاً أحلوه؟ قال، قلت: نعم ، قال رسول الله (ص): فتلك عبادتهم إيَّاهم.

  • توحيد الأسماء والصفات:

يقول ابن باديس: وهو الواحد في ذاته وصفاته وأفعاله، فلا ثاني له ولا نظير له، ولا شريك له في ذاته، ولا ثاني له ولا نظير له في أسمائه، ولا ثاني ولا نظير له ولا شريك في صفاته.

وقال: عقيدة الإثبات والتنزيه: فثبت له ما أثبته لنفسه على لسان رسوله، من ذاته وصفاته وأسمائه وأفعاله. وننتهي عند ذلك ولا نزيد عليه وننزهه في ذلك عن مماثلة أو مشابهة شيء من مخلوقاته، ونثبت الاستواء والنزول ونحوهما ونؤمن بحقيقتهما على ما يليق به تعالى بلا كيف، وبأن ظاهرها المتعارف في حقنا غير مراد.. ولا تحيط العقول بذاته ولا بقضائه ولا بأسمائه.

 المصادر:

  1. علي محمّد الصّلابيّ، كفاح الشعب الجزائري ضد الاحتلال الفرنسي وسيرة الزعيم عبد الحميد بن باديس، ج 2، دار ابن كثير، دمشق، بيروت، ط 1، 2016م، ص 354 -358.
  2. عبد الحميد بن باديس، العقائد الإسلامية مِنَ الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، مكتبة الشركة الجزائرية، الجزائر، ط2، ص 67 -82.
  3. محمد الدراجي، الإمام عبد الحميد بن باديس وجهوده في تجديد العقيدة الإسلامية، دار الهدى للنشر والتوزيع، 2012م، ص 40.

أعطى الله تعالى للإنسان إرادة، ولكن إرادته تبقى محدودة بما أعطاه الله تعالى من القدرة والإمكان، وعليه أن يستعمل تلك القدرة والإمكان للخير، وإنَّ لله تعالى الإرادة الكاملة الشاملة لكل شيء، فما شاء كان وما لم يَشأ لم يكن؛ نُثبتها كما أثبتها لنفسه، ولا نخوضُ بما زاد عن ذلك، والمحققون من أهل السُّنة يقولون: الإرادة في كتاب الله نوعان: إرادة كونية قدرية، وإرادة دينية شرعية.

الإرادة الكونية القدرية:

هي المشيئة العامة التي يدخل فيها جميع المخلوقات من بر وفاجر وصالح وطالح، وهي إرادة الله تعالى لفعله، سواء إن كان المفعول منه محبوباً أو غير محبوب، يرضيه أم لا يرضيه، فالله تعالى يفعل ما يشاء، ولا يشاء شيئاً إلا بعد إرادته له، وكل ما كان منه فليس فيه إلا الجمال والجلال والحسن.

أما أفعال العباد فهي منقسمة، ففيها الحسن وفيها القبيح، وليس للعباد أن يفعلوا ما يشاؤون، وإنما يفعلون ما يؤمرون به امتثالاً وانتهاءً، وهذا هو الحسن منهم.

وتلك الإرادة متعلقة بالخلق، وهي من لوازم الربوبية، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ويدخل في هذه المشيئة خلق الأقوياء والضعفاء والفقراء والمؤمنين الكفار، والملائكة والشياطين، وخلق الخيرات والفضائل، وخلق السيئات والحسنات، وخلق التوفيق والخذلان، وخلق القوة والعجز، والبلادة والذكاء.

الآيات التي تدل على الإرادة الكونية:

قال تعالى: "وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ" (الأنعام: 112).

وقال تعالى: "وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَـكِنَّ اللّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ"(البقرة: 353).

وقال تعالى: "ولَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِيا لأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا" (يونس: 39).

وقال تعالى: "وَلَوْشَاء اللّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ"(النساء: 90).

وقال تعالى: "فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء" (الأنعام: 125).

وقال تعالى: "وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ" (هود: 44).

وقال تعالى: "وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَـكِنَّ اللّهَ يَفْعَلُ مَايُرِيدُ" (البقرة: 253).

وقال تعالى: "وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَاشَاء اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ" (الكهف: 39).

وقال تعالى: "وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا" (السجدة : 13).

وقال تعالى: "وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا"(الإنسان: 30).

وقال تعالى: "مَن يَشَإِ اللّهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ" (الأنعام : 39).

وقال تعالى: "إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ" (يس: 82).

وهذه الإرادة وتلك المشيئة هي التي تستلزم وقوع المراد، والمراد إما أن يكون مراد لذاته محبوباً لله تعالى، وذلك لما فيه من الخير، كخلق الأنبياء والصالحين وكذلك كافة الفضائل والخيرات، أو مراداً لغيره وهذا يطلق على الكفر وجميع الشرور والآثام، فإنها ليست مرادة لذاتها وإنما هي مرادة لشيء آخر محبوب إلى الله تعالى. والحق أن جميع أفعاله وشرعه لها حكم وغايات، لأجلها شرع وفعل، وإن لم يعملها الخلق على التفعيل، فلا يلزم من عدم علمهم بها انتفاؤها في نفسها.

وحاصل الإرادة الكونية إثبات مشيئة الله تعالى المطلقة في إيجاد المخلوقات كلها واختلاف أنواعها وأشكالها، وتفاوت فضائلها وشرورها وجمالها ودمامتها وكيسها وعجزها، وكفرها وإيمانها، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، فالله على كل شيء قدير، ولا يقع في ملكه إلا ما يريد، ولا يقع فيه شيء كرهاً عنه، فهو الذي أراد إيمان المؤمنين، وهو الذي أراد كفر الكافرين، وكل ذلك في علمه السابق، ولا يمكن لأحد أن يخرج عن علمه، وعلمه يستلزم ثبوت قدرته.

وفي الإرادة الكونية قد يبغض الله تعالى طاعة العاصي ولا يعينه عليها بعد الإرشاد والنصح والبيان، وذلك لحكمه عظيمة جليلة، كما قال تعالى في المنافقين الذين تخلفوا مع الخوالف في بيوتهم، وتركوا الخروج للجهاد مع النبي صلى الله عليه وسلم كما في غزوة تبوك: " وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً وَلَـكِن كَرِهَ اللّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُواْ مَعَ الْقَاعِدِينَ" (التوبة : 46)، وقد بين الله تعالى الحكمة في بغضه لطاعته فقال: "لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ" (التوبة: 47).

وهو سبحانه: "لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ" (الأنبياء: 23)، وذلك لأنه يتصرف في ملكه، وهذا ليس فيه ظلم، إنما الظلم في الحقيقة يكون من تصرف المتصرف فيما لا يملك، ومنع المستحق ما يستحقه، والله تعالى لا يجب عليه شيء لأحد حتى يحاسب على ما ضيق ومنع، وعلى ما أهان وخذل، وإنما هو حكمة بالغة ورحمة واسعة وعدل قويم.

الإرادة الدينية الشرعية:

هي إرادة الله تعالى لأمره الديني الشرعي، وهي التي أرسل من أجلها الرسل، وأنزل من أجلها الكتب وهي لا تستلزم وقوع المراد مع كونه محبوباً لله تعالى إلا إذا كان متعلقاً بالإرادة الكونية، والإرادة الشرعية الدينية تدل دلالة واضحة على أنه سبحانه لا يحب الذنوب والمعاصي والضلال والكفر، ولا يأمر بها ولا يرضاها، وإن كان شاءها خلقاً وتقديراً وإيجاداً، وأنه سبحانه وتعالى يرضى ويحب كل ما يتعلق بهذه الإرادة الدينية الشرعية ويثيب أصحابها، ويدخلهم الجنة وينصرهم في الحياة الدنيا وفي الآخرة وينصر بها، أي: الإرادة الدينية الشرعية للعباد من أوليائه المتقين وحزبه المفلحين وعباده الصالحين.

الآيات الدالة على الإرادة الشرعية:

قال تعالى: "يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ" (البقرة: 185).

وقال تعالى: "مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ" (المائدة: 6).

وقال تعالى: "وَاللّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيمًا" (النساء: 27).

وقال تعالى: "يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا" (النساء: 28).

وقال تعالى: "إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا" (الأحزاب: 33).

وقال تعالى: "إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ" (الزمر: 7).

الفرق بين الإرادتين:

الإرادة الكونية يلزم فيها وقوع المراد، والإرادة الشرعية لا يلزم فيها.

الإرادة الشرعية تختص فيما يحبه الله، والكونية عامة فيما يحبه وما لا يحبه.

فما كان بمعنى المشيئة فهو إرادة كونية وما كان بمعنى المحبة فهو إرادة شرعية.

الله يريد المعاصي كوناً لا شرعاً، لأن الإرادة الشرعية بمعنى المحبة والله لا يحب المعاصي ولكن يريدها كونا أي مشيئة فكل ما في السموات والأرض فهو بمشيئة الله.

تعلق الإرادتين بالمخلوقات:

تنقسم المخلوقات من حيث تعلقها بالإدارتين إلى أربعة أقسام:

الأول: ما تعلقت به الإرادتان، وهو ما وقع في الوجود من الأعمال الصالحة، فإن الله أراده إرادة دين وشرع، فإمر وأحبه ورضيه، وأراده إرادة كون فوقع، ولولا ذلك ما كان.

الثاني: ما تعلقت به الإرادة الدينية فقط، وهو ما أمر الله به من الأعمال الصالحة، فعصى ذلك الكفار والفجار فتلك كلها إرادة دين وهو يحبها ويرضاها وقعت أو لم تقع.

الثالث: ما تعلقت به الإرادة الكونية فقط، وهو ما قدره الله وشاءه من الحوادث التي لم يأمر بها كالمباحات والمعاصي فإنه لم يأمر بها، ولم يرضها، ولم يحبها، إذ هو لا يأمر بالفحشاء ولا يرضى لعباده الكفر، ولولا مشيئته وقدرته وخلقه لها لما كانت ولما وجدت، فإنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.

الرابع: ما لم تتعلق به هذه الإرادة ولا هذه، فهذا ما لم يقع ولم يوجد من أنواع المباحات والمعاصي.

والسعيد من عباد الله من أراد الله منه تقديراً ما أراد به تشريعاً، والعبد الشقي من أراد به تقديراً ما لم يرد به تشريعاً.

 

________

المراجع:

1- د. علي محمد محمد الصّلابيّ، الإيمان بالقدر، دار ابن كثير، بيروت، ص (69: 75).

2- ابن تيمية، مجموع الفتاوى، وزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد السعودية - مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، 1425ه – 2004م، (8/ 188- 189).

3- علي بن السيد الوصيفي، القضاء والقدر عند السلف، دار الإيمان للنشر و التوزيع، ط1، 1423هـ- 2002م، ص 62- 64- 65

4- عمر الأشقر، القضاء والقدر، دار النفائس للنشر، الأردن، ط13، 1425 هـ - 2005م، ص

5- محمد بن صالح بن محمد العثيمين، المجموع الثمين مجموع فتاوى ورسائل العثيمين، دار الوطن- دار الثريا، 1413 هـ ، (1 / 157).

6- محمد بن صالح بن محمد العثيمين، شرح العقيدة الواسطية، دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع، السعودية، ط6 ، 1421 هـ، (1 /223).

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فتمر في حياة الأمم والشعوب أحداث عظيمة ووقائع وأيام خالدة تحمل في طياتها ما يسعد القلوب ويُسر النفوس، ولقد شرفت أمتنا الإسلامية بأعظم هذه الوقائع، وأكمل الأيام، وأتم الليالي، إنها ليلة القدر التي وزنها الله تبارك وتعالى بألف شهر في ثوابها وفضلها ومكانتها.

فمن فضائل شهر رمضان وجوائزه العظام: تضمنه لليلة القدر، وهي ليلة عظيمة القدر، ضاعف الله فيها أجر العمل الصالح لهذه الأمة أضعاف كثيرة. فقد تنزل القرآن في هذه الليلة، بقوله سبحانه وتعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ* وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ} [القدر: 1، 2]. وقال الله جل وعلا: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ} [الدخان: 3].

  1. شرح سورة القَدر:

قوله تعالى: "إنا أنزلناه" أيّ القرآن، لأن القرآن الكريم أنزل جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، ثم نزل مفصلًا بحسب الوقائع في ثلاث وعشرين سنة على النبي الكريم صلى الله عليه وسلم. واختصت ليلة القدر بهذا الحدث التاريخي العظيم في أمتنا، فهي ليلة مباركة وعظيمة لكثرة خيرها وبركتها وفضلها. إذ وصفها الله سبحانه وتعالى بأنها يُفّرَقُ فيها كل أمر حكيم، أيّ يفصل من اللوح المحفوظ إلى الكَتبة ما هو كائن من أمر الله تعالى في تلك السَنة من الأرزاق والآجال، والخير والشر وغير ذلك من أوامر الله المحكمة المتقنة، التي ليس فيها لا نقص ولا خلل ولا باطل. وعن" "في ليلة القدر" قال ابن الجوزي: وفي تسميتها بليلة القدر خمسة أقوال:

أحدها: أنها ليلة عظيمة. يقال: لفلان قدر. قال الزهري؟ ويشهد له: "وما قدروا الله حق قدره". (سورة الزمر: 67).

والثاني: أنه الضيق. أي هي ليلة تضيق فيها الأرض عن الملائكة الذين ينزلون. قال الخليل بن أحمد، ويشهد له: "ومن قدر عليه رزقه". (الطلاق: 7).

والثالث: أن القدر الحكم، كأن الأشياء تقدر فيها، قال ابن قتيبة.

والرابع: أن من لم يكن له قدر صار بمراعاتها ذا قدر. قال أبو بكر الوراق.

والخامس: لأن نزل فيها كتاب ذو قدر، وينزل فيها رحمة ذات قدر، وملائكة ذوو قدر، حكاه شيخنا علي بن عبيد الله. ن هذه الليبلة

وقال ابن عثيمين رحمه الله: وصفها الله سبحانه بأنها مباركة؛ لكثرة خيرها وبركتها وفضلها.

ومن بركتها أن القرآن أنزل فيها، وهذه الليلة هي في شهر رمضان المبارك ليست في غيره من الأشهر، قال الله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان} [البقرة: 185].

ثم قال تعالى لشان ليلة القدر التي اختصها بإنزال القرآن العظيم فيها: "وما أدراك ما ليلة القدر"؛ فهذا على سبيل التعظيم لها، والتشويق إلى خبرها.

ثم قال: "ليلة القدر خير من ألف شهر"؛

فقيامها والعمل فيها خير من قيام ألف شهر من هذا الزمان، وهي أفضل من عبادة كل تلك المدة. وعند قوله تعالى: "تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر"؛ هذا يدل على كثرة الرحمة والبركة فيها، فإن الملائكة ينزلون مع تنزل البركة والرحمة، كما يتنزلون عند تلاوة القرآن، ويحيطون بحلق الذكر، ويضعون أجنحتهم لطالب العلم بصدق تعظيمًا له. والمقصود بالروح هنا جبريل عليه السلام.

"سلام هي حتى مطلع الفجر"؛ أي السلام في الآية أنه لا يحدث فيها داء، ولا يرسل فيها شيطان، وهي ليلة كل ما فيها أمن وبركة وعافية، فهي ليلة سلام للمؤمنين من كل مخوف، ولكثرة من يعتق فيها من النار ويسلم من عذاباتها. وفي قوله: "حتى مطلع الفجر"؛ أي أن ليلة القدر تنتهي بطلوع الفجر لانتهاء عمل الليل به.

فإذًا: ليلة القدر نقطة بداية في حياة المسلم لا نقطة عابرة، ويجب أن تكون نقطة تحول في حياته لا أن تكون مجرد حدث طقسي معين، ففضل هذه الليلة يعدل الكثير عند الباري تبارك وتعالى.

  1. فضائل ليلة القَدر؟

سميت الليلة بهذا الاسم؛ لأن الله تعالى يُقدّر فيها الأرزاق والآجال، وحوادث العالم كلها، فيكتب فيها الأحياء والأموات، والناجون والهالكون، والسعداء والأشقياء، والعزيز والذليل، وكل ما أراده الله تعالى في تلك السنة، ثم يدفع ذلك إلى الملائكة لتتمثله، كما قال تعالى: "فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ". وهو التقدير السنوي، والتقدير الخاص، أما التقدير العام فهو متقدم على خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة كما صحت بقوله الأحاديث.

وبعد قراءة سورة القدر وشروحها وقيمة تلك الليلة في ميزان الله تبارك وتعالى، نخلص لإيراد الفضائل التي اختصت بها تلك الليلة العظيمة، وهي:

  1. تنزل القرآن فيها، وهي المعجزة الخالدة للنبي صلى الله عليه وسلم.
  2. ليلة كثيرة البركة والرحمة.
  3. هذه الليلة تقدر فيها الآجال والأرزاق وحوادث الليل والنهار.
  4. إن العبادة فيها خير من عبادة ألف شهر.
  5. الملائكة تتنزل فيها وهم لا ينزلون إلا بالخير والبركة والرحمة والعتق من النار.
  6. أنها سلام من الآفات والعقوبات.
  7. من قامها غفر له ما تقدم من ذنبه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم" من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه" متفق عليه.
  8. تحديد ليلة القَدر:

اختلف العلماء في تحديد ليلة القدر، وذلك على أكثر من أربعين قولاً ورأيًا، ذكرها الحافظ ابن حجر في فتح الباري، وهذه الأقوال بعضها مرجوح، وبعضها شاذ، وبعضها باطل. وقد أكد جمهور العلماء أنها في العشر الأواخر من شهر رمضان، واختلفوا أي ليالي العشر أرجح على أقوال كثيرة منها، فقول الصحابة والتابعين في ليلة ثلاث وعشرون، وقول الشافعية بأنها في ليلة إحدى وعشرون وغيرهم عدد ليال أخرى في العشر الأخير.

لكن أسلم القول هو أن ليلة القدر في العشر الأواخر من شهر رمضان، وأنها تنتقل في ليالي العشر، فمن قام ليالي العشر كلها وأحياها وبالعبادة أصاب ليلة القدر يقينًا. وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية "ليلة القدر في العشر الأواخر من شهر رمضان، هكذا صح عن النبي صلى الله عليه وسلم، وتكون في الوتر منها". وهنا ذكر الحافظ ابن حجر في الفتح: "أرجح الأقوال إنها في الوتر من العشر الأخير، وأنها تنتقل". ونظرًا لاختلاف المطالع والبلدان في تحديد بداية الصوم، فإنها تطلب في الأشفاع من العشر الأواخر كما تطلب في الأوتار، لأن الليلة قد تكون وترًا في بلد، وتكون شفعًا في بلد آخر. وكذلك الوتر له اعتباران: اعتبار بما مضى، واعتبار بما بقي، فإذا كان الشهر تامًا فالأوتار باعتبار ما بقي هي ليالي الشفع.  وعلى هذا إذا كان الشهر ثلاثين، يكون ذلك ليال الأشفاع، وتكون الاثنين وعشرين تاسعة تبقى، وليلة أربع وعشرين سابعة تبقى، وهكذا فسره أبو سعيد الخدري في الحديث الصحيح.. وإذا كان الشهر تسعًا وعشرين كان التاريخ بالباقي كالتاريخ بالماضي. وإذا كان الأمر هكذا، فينبغي أن يتحراها المؤمن في العشر الأواخر جميعه.

 

  1. بل هو خير لكم

عن عبادة بن الصامت قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخبرنا بليلة القدر، فتلاحى رجلان من المسلمين، فقال صلى الله عليه وسلم: خرجت لأخبركم بليلة القدر، فتلاحى فلان وفلان فرفعت، وعسى أن يكون خيرًا لكم، فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة". رواه البخاري.

وقال ابن كثير: فتلاحى فلان وفلان فرفعت" فيه استئناس لما يقال: إن المماراة تقطع الفائدة والعلم النافع كما جاء في الحدي: "إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه" رواه أحمد.

وقول ابن كثير: "وعسى أن يكون خيرًا لكم، يعني عدم تعيينها لكم، فإنها إذا كانت مبهمة، اجتهد طلابها في ابتغائها في جميع محال رجائها، فكان أكثر للعبادة، بخلاف ما إذا علموا عينها، فإنها كانت الهمم تتقاصر على قيامها فقط، وإنها اقتضت الحكمة إيهامها، لتعم العبادة جميع الشهر في ابتغائها، ويكون الاجتهاد في العشر الأخير أكثر. وقال ابن الجوزي: "والحكمة من إخفائها: أن يتحقق الاجتهاد الطالب، كما أخفيت ساعة الليل، وساعة الجمعة.

  1. كيفية إحياء ليلة القَدر

قال ابن رجب: وأما العمل في ليلة القدر، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه: من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه" متفق عليه. وقيامها إنما هو إحياؤها بالتهجد فيها والصلاة. وقد أمر عائشة بالدعاء فيها. وأما العمل والعبادة في ليلة القدر، فقد كان النبي الكريم صلى الله عليه وسلم يتهجد في ليالي رمضان، ويقرأ قراءة مرتلة، لا يمر فيها رحمة إلا سأل، ولا بآية فيها عذاب إلا تعوذ، فيجمع بين الصلاة والقراءة والدعاء والتفكر، وهذا أفضل الأعمال وأكملها في ليالي العشر وغيرها والله أعلم. وقال الشعبي في ليلة القدر ليليها كنهارها. وقالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر أحيا ليله، وأيقظ أهله، وشد المئزر" متفق عليه. وشد المئزر كناية عن اعتزاله النساء واجتهاده في العبادة.

وقال ابن الجوزي: "وقد كان السلف يتأهبون لها، فكان لتميم الداري حُلة بألف درهم يلبسها في الليلة التي يرجى أنها ليلة القدر. وكان ثابت وحميد يغتسلان ويتطيبان ويلبسان أحسن ثيابهما، ويطبيان مساجدها في الليلة التي ترجى فيها ليلة القدر. وقد قال النبي الكريم: "إن هذا الشهر قد حضركم، وفيه ليلة خير من ألف شهر، من حُرمها فقد حُرم الخير كله، ولا يحرم خيرها إلا محروم". رواه ابن ماجه

  1. دعاء ليلة القَدر:

يقول ابن كثير: والمستحب الإكثار من الدعاء في جميع الأوقات، وفي شهر رمضان أكثر، وفي العشر الأخير منه، ثم في أوتاره أكثر، والمستحب أن يكثر من هذا الدعاء: "اللهم أنك عفو تحب العفو فاعف عني". وسؤال العفو في ليلة القدر بعد الاجتهاد في الأعمال فيها وفي ليالي العشر؛ لأن العارفين يجتهدون في الأعمال، ثم لا يرون لأنفسهم عملًا صالحًا، ولا حالًا ولا مقالًا، فيرجعون إلى سؤال العفو كحال المذنب المقصر. وهذا الدعاء يجعلنا نقف عدة وقفات ونستخلص منها العِبر وهي:

  1. الحكمة في تخصيص هذه الليلة بسؤال العفو؛ ذلك لأَنَّ "العبد يسير إلى الله سبحانه بين مشاهدة منته عليه، ونعمه وحقوقه، وبين رؤية عيب نفسه وعمله وتفريطه وإضاعته، فهو يعلم أَنَّ ربه لو عذبه أشد العذاب لكان قد عدل فيه، ولهذا كان في حديث سيد الاستغفار: "أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي"، فلا يرى نفسه إلا مقصرًا مذنبًا، ولا يرى ربه إلا محسنًا".
  2. الدعاء بهذا اللفظ يتضمن أدبًا من آداب الدعاء المهمة: وهو الثناء على الله تعالى بما هو أهله، وبما يناسب مطلوب الداعي؛ أي تمجيد وثناء العبد على ربه، والآخر: سؤال من العبد لربه.
  3. استشعار حسن الظن بالله تبارك وتعالى: فيعمر قلب المؤمن بالرجاء.
  4. حاجة العبد وفقره إلى عفو الله تعالى.
  5. يُسر الإسلام: وتسري دلائل هذا التيسير وأماراته في جميع مناحي التشريع، ومنها أدعية الوحيين، حتى قالت عائشة: "كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَستحِبُّ الجَوامِعَ مِن الدعاء، ويَدَعُ ما سِوى ذلك".

في نهاية حديثنا وتبحرنا في فضائل وعظيم قدر ليلة القدر نختم بأبيات شعرية تتناسب وسياق قولنا:

يا رب عبدك قد أتاك      وقد أساء وقد هفا

يكفيه منك حياؤه         من سوء ما قد أسلفا

حَمَل الذنوب على        الذنوب الموبقات وأسرفا

وقد استجار بذيل عفوك     من عقابك ملحفا

رب اعف عنه وعافه        فلأنت أولى من عفا.

 

 

___________________

المراجع

  • ابن تيمية: مجموع الفتاوى 25/286.
  • أحمد عبد المجيد مكي، وقفات تربوية مع دعاء ليلية القدر، موقع قصة الإسلام، 15 يوليو/ تموز 2015، رابط: https://bit.ly/2jYgTf6
  • تفسير ابن كثير.
  • جماز الجماز، ليلة القدر: فضائل وأحكام، موقع قصة الإسلام، 13 سبتمبر/ أيلول 2009، رابط: https://bit.ly/2rJrHBO
  • عبد اللطيف البريجاوي، تدبرات قرآنية في سورة القدر، قصة الإسلام، 13 سبتمبر/ أيلول 2009، رابط: https://bit.ly/2rHWEpp
  • مدار الوطن للنشر/ القسم العلمي، ليلة القدر خير من ألف شهر، الرياض، السعودية، ط1 2006.
الصفحة 1 من 11
  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top