د. حلمي القاعود

د. حلمي القاعود

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
الثلاثاء, 17 مايو 2016 07:34

الصورة "تطلع حلوة"!

كانت هزيمة المسلمين في الأندلس مذلة وساحقة؛ واستئصالية لكل أثر من آثار الإسلام في الأفراح والأحزان واللغة واللباس فضلاً عن الدين والمعتقد، كان ما يعرف بمحاكم التفتيش يحكم على من تُشمّ فيه رائحة الإسلام بالحرق أو القتل، ومن يتوجسون منه خيفة أنه يخفي في ضميره بقايا إيمان بشيء من الإسلام يوضع في السجون إلى ما لانهاية، وكان ديوان التحقيق يحرم على المسلمات تغطية رؤوسهن أو ارتداء الملابس السابغة، من يتحدث بالعربية أمام قشتالي مصيره السجن، لا يجوز لمسلم سابق (متنصر إجباراً) أن يقرأ القرآن أو يؤدي الصلاة أو يدفن وفق جنائز المسلمين، المساجد تحولت إلى كنائس، مدارس القرآن وغيرها تحولت إلى أماكن لتلقين النصرانية، يا ويله من لا يعلق الصليب ويا سواد ليله من يضبط لديه كتاب بالعربية.

طرد الصليبيون في الأندلس معظم أهلها إلى الشاطئ الجنوبي (مراكش والجزائر وتونس، من بقي صار موريسكيا – أي متنصراً – وتحول إلى عبد للسادة القشتاليين، بعد مصادرة البيوت والأملاك والقصور والدور والورش والمصانع والمكتبات والمدارس والأسبلة، لا مفر لمن بقي إلا أن يكون مخلوقاً من الدرجة العاشرة أقل قيمة ومستوى من الحيوانات والقطط والكلاب والحشرات السامة!

ما الفارق اليوم بين مسلمي الأندلس المتنصرين ومسلمي الأمة على امتداد العالم؟

أرى الفرق غير كبير، فقد صار الإسلام اليوم قريناً لما يسمى التطرف والتشدد والإرهاب والتعصب والظلام، من يرفع راية الإسلام إرهابي وقاتل وسفاح، لا تستطيع اليوم أن تتحدث عن الإسلام منهج حياة وسياسة دولة وطريقة عمل في المجتمعات الإسلامية، تدريس لإسلام في المدارس والجامعات محفوف بالمكاره والمحاذير، ممنوع أن تدرس الجهاد أو الربا أو الطلاق، محرم على المدرس أن يتعاطف مع الحجاب فضلاً عن النقاب، من يعنيهم مهمة الحفاظ الإسلام رسمياً يتحدثون عما يسمى الإسلام الوسطي! في المقابل لا يتحدث أحد عن النصرانية الوسطية التي بلا استدمار ولا محاكم تفتيش ولا ديوان تحقيق، ولا يتكلم مخلوق عن اليهودية الوسطية التي لا تقتل الفلسطينيين والعرب، ولا تغتال أراضيهم، ولا تسرق مياههم ولا تنظر إلى العربي نظرة عنصرية ولا تؤمن بالدولة اليهودية الدينية الخاضعة للحاخامات!

المسلم وحده عليه أن يقف أمام ديوان التحقيق الصليبي في قرطبة وإشبيلية وبالنسية وغرناطة، ومصيره واحد من اثنين الحرق وسط تهليل الغزاة، أو الرمي في غيابات الجب إلى وقت لا يعلم إلا الله نهايته!

يبدو أن اليهود والصليبيين وجدوا أن قيامهم بمهمة ديوان التحقيق تكلفهم كثيراً، وتلقي ببعض الظلال على صورتهم التي يحاولون أن "تطلع حلوة"، ولذا اختاروا وكلاء لهم يقومون بكل شيء، ولا مانع أن يتدخل الصليبيون أحياناً للحديث عن حرية التعبير، وحقوق الإنسان، وجرائم الحرب.

صار لدينا في بلاد المسلمين وكلاء للروم على امتداد العالم العربي من النخب المصنوعة على أيديهم، وتنفذ ما يأمرون به في الدين الإسلامي والسياسة والعسكرية والشرطية والثقافة والتربية والتعليم والصناعة والزراعة والتجارة والسياحة وأسواق المال، والحياة الاجتماعية والتشريعية والاقتصادية، إياك أن تتحدث أمامهم عن الإسلام، فأنت مهرطق، ومخالف لتعليمات الديوان، ويجب أن تعرض على محاكم التفتيش التي تعصف بك.

انظر حولك وتأمل ما يجري في العالم الإسلامي، وتأمل رد فعل الروم الذي يدحض ادعاءاتهم ومزاعمهم عن الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان.

منذ ألف يوم قام الوكلاء بقتل أكثر من خمسة آلاف مسلم بريء في ميادين رابعة والنهضة والمنصة ورمسيس ومسجد الفتح وأكتوبر وغيرها، لم يتحرك أحد في الغرب الصليبي ولم يصدروا البيانات الملتهبة، ولم يهددوا الوكلاء بأي عقاب، ولعلهم في السر قدموا لهم التهاني والتبريكات - الصليبية اليهودية طبعاً!

في الوقت ذاته يقيمون الدنيا ولا يقعدونها لأن محرراً مغموراً لا يملك موهبة الكتابة أو الفن الأدبي يكتب رواية بورنو، ويعاقبه القضاء بالسجن سنتين، ولا يكاد يمضي يوم دون أن يُدعى إلى مؤتمرات في الخارج، ويضعون باسمه كرسياً شاغراً، ويخصصون له جائزة، وينشرون بذاءاته على نطاق واسع، مع التمجيد المستمر له بوصفه ضحية من ضحايا الظلام أي الإسلام.

والأكثر طرافة من كل ذلك أن تجد بعض المعممين يعملون وكلاء للروم من أجل القضاء على الإسلام باسم الإسلام المعتدل! كأن هناك إسلاماً منحرفاً، بينما المدارس التي يشرف عليها وكلاء الروم لا تعلم الإسلام، ولا تلقي إليه بالاً، بل إنهم حرّموا بناء المساجد ضمن تصميمات المدارس، بل إنهم يهدمون مساجد الجامعات، ويخصصون مسجداً واحداً يراقبه المخبرون، تحت دعوي حرمان الإسلام المتطرف من السيطرة عليها، بل إنهم يخصصون مؤتمرات وندوات لتطوير ما يسمى الخطاب الديني، في الوقت الذي لا يطورون فيه الاقتصاد أو الزراعة أو الصناعة أو التعليم!

يزغرد الروم حين يصل وكلاؤهم في بلاد الإسلام إلى التمكن من سدة الحكم تماماً، ويعمل قضاؤهم المسيس لإعدام العلماء الحقيقيين وأتباعهم، تأمل الأحكام الآثمة التي صدرت بإعدام قرابة ثلاثين عالماً مسلماً في بنجلاديش وكلهم تجاوزوا السبعين من العمر آخرهم مطيع الرحمن نظامي رئيس الجماعة الإسلامية؛ التهم الموجهة إليهم كلها ملفقة والأحكام سياسية بامتياز، ولم ينتفض أحد في الغرب الصليبي بسبب هذه الأحكام الجائرة، ولا وكلاء الروم في بلاد الإسلام ولا ما يسمى منظمة التعاون الإسلامي ولا الدولة التي وقعت اتفاقاً مع الهند وبنجلاديش – وهي باكستان – يقضي بعدم محاكمة أحد بعد انفصال بنجلاديش لأن قادتها مشغولون بوثائق بنما، وكيفية حماية المليارات المنهوبة، دولة واحدة هي تركيا التي غضبت وسحبت سفيرها من دكا احتجاجاً على ما فعلته وكيلة الروم في البنغال الشيوعية حسينة واجد ابنة الشيوعي الهالك مجيب الرحمن زعيم حزب الشعب الشيوعي!

وكلاء الروم يدمرون سورية والعراق واليمن وليبيا والصومال ولبنان والسودان ومصر وتونس والجزائر ومالي ونيجيريا وبنجلاديش وباكستان، والدمار سيمتد إلى ما تبقى، لأن الروم المتوحشين لا يريدون شيئاً اسمه الإسلام ولو كان شكلياً، وكذلك وكلاؤهم في بلاد المسلمين.

الروم هم الفرنجة هم الصليبيون، ووكلاؤهم في بلادنا يسمونهم التنويريون والتقدميون والمناضلون والانقلابيون، ومهمة الوكيل في كل الأحوال تنفيذ العمليات القذرة وأولها استئصال الإسلام، وإذا عجز فالسوخوي والشبح والميراج تجبر هذا العجز!

الله مولانا، اللهم فرّج كرْب المظلومين، اللهم عليك بالظالمين وأعوانهم!   

الأربعاء, 11 مايو 2016 08:04

لاظوغـــــــــلي!

بعد قرنين من الزمان، تمرّد على الصمت وعدم الاهتمام بذكر اسمه وتمجيد أعماله وإنجازاته، وقرر الخروج إلى العلن والتباهي بنفسه وتاريخه، وراح في التجمع الأول "يتبهنس"؛ أي يتبختر، ويمشي في الأرض مرحاً، وقال: كفى قرنين من الزمان احتجاباً وسكوتاً، لدرجة أن السلطة بعد رحيله في القرن التاسع عشر لم تجد صورة واحدة له تصنع على ضوئها تمثالاً له، فأخذت تبحث يميناً وشمالاً عن شخص يشبهه بدقة حتى عثرت على سقّاء يحمل قربة ماء يشبهه تماماً، فألبسوه ملابسه وقام المثّال بصناعة التمثال وفقاً لصورته.

محمد لاظوغلى، رئيس وزراء محمد علي باشا عام 1808م لمدة خمسة عشر عاماً، شغل قبلها وزارة المالية ووزارة الدفاع (الجهادية)، وكان لاظوغلي قد جاء من منطقة البحر الأسود إلى مصر برفقة محمد علي باشا، وقيل: إنه صاحب فكرة مذبحة المماليك الشهيرة في القلعة، وأطلقت السلطة اسمه على ميدانه المعروف في وسط القاهرة، غير أن اسم لاظوغلي اشتهر بين المصريين على مدى قرنين حتى الآن بالقمع والقهر والتعذيب والصراخ وانتهاك كرامة المصريين؛ حيث تشرف على ميدانه وزارة الداخلية وأمن الدولة ووزارة العدل.

وفي ظل الرخاء الاقتصادي الغامر الذي جاء به الانقلاب العسكري الدموي الفاشي 3/ 7/ 2013م، وجريان الفلوس في أيدي الناس مثل نهر النيل الذي لم تستطع الحبشة إيقافه عن التدفق أو حجزه وراء سدها العالي الضخم، فقد رأت السلطة الانقلابية أن تستعيد أمجاد لاظوغلي، وتضيء سيرته العطرة من جديد، فخصصت له أكثر من 350 ألف متر في القاهرة الجديدة، لتنقل إليها مبنى الداخلية وإداراتها وأجهزتها المهمة، وتخصص فيلا للوزير الحالي، وأخرى للوزير السابق، واستراحات لكبار رجال الأمن ليؤدوا مهمتهم في القمع على أكمل وجه، وهم في راحة تامة بعيداً عن الزحام وحركة المواصلات الكثيفة والجيران المزعجين وخاصة ثوار يناير الذين كانت لهم صولات وجولات في الأماكن القريبة: مجلس الوزراء، ومحمد محمود، وقصر العيني، وطلعت حرب، والتحرير، وغيرها!

المفارقة أن قائد الانقلاب رفض العدد الضخم من الجنود الذي خصص لحماية لاظوغلي الجديد، ورأى أن ألف جندي حراسة يتكلف 12 مليون جنيه شهرياً، وهو أمر لا يجوز في عهد الرخاء الغامر، وطالب باستخدام التكنولوجيا في الحراسة التي لا تفوت نملة، فهو حريص على أموال شبه الدولة - كما سماها - أي مصر التي كانت تسمي أم الدنيا قبل عهده بآلاف السنين!

وفي سياق منظومة الرخاء الغامر الذي عمَّ شبه الدولة في عهده السعيد، بدأ العمل في إنشاء السجن العاشر ومقره الخانكة؛ ليستوعب الأسرى في محافظة القليوبية، والسجن العاشر واحد من السجون التي أقيمت في عهد الانقلاب المبارك الذي جعل سعر الدولار يتضاعف في سنتين ونيف، ليستوعب من ضاقت بهم السجون القديمة والسجون التسعة التي سبقته، وهي كما رصدتها وكالة "الأناضول": "سجن ليمان جمصة (شمال- أغسطس 2013م)، سجنا ليمان المنيا وشديد الحراسة المنيا (وسط- مارس 2014م)، سجن الصالحية بالشرقية (شمال- أبريل 2014م)، سجن الجيزة المركزي (غربي القاهرة- ديسمبر 2014م) سجن النهضة بالقاهرة (مايو 2015م)، سجن 15 مايو (جنوبي القاهرة - يونيو 2015م)، سجن أسيوط (جنوب- ديسمبر 2015م)"، وسجن مركزي جديد بمنطقة ملاحة الجزيرة غرب الطريق الدائري، بمدينة إدكو في محافظة البحيرة (شمال - فبراير 2016م)!

يذكر أنه يوجد في مصر ما يقارب 40 سجناً و382 مركز احتجاز داخل أقسام الشرطة، بخلاف السجون السرّية في معسكرات الأمن المركزي وفرق الأمن (جهاز أمني يتبع وزارة الداخلية)، وداخل المقرات العسكرية (التابعة لوزارة الدفاع).

وأوضح باحث في القانون أن النظام القانوني لمنظومة السجون بمصر يميل إلى فتح المجال للسلطات التنفيذية - خصوصاً وزير الداخلية - لإصدار قرارات خاصة بإنشاء سجون خاصة غير معروفة العدد، ولا تخضع لما تخضع إليه الأنواع الأخرى من السجون من رقابة قضائية وقانونية؛ الأمر الذي أدى إلى خروج العديد من مقار الاحتجاز عن إطار الرقابة القضائية!

وأضاف الباحث الحقوقي المصري أن استمرار بناء السجون دون النظر لوقف الانتهاكات الحقوقية الكبيرة التي تجري بمثيلاتها السابقة أمر غريب، يؤكد أن سياسة التوسع في تقييد الحريات هي الأكبر بمصر.

الانقلابيون كانوا يتهمون الرئيس محمد مرسي – فك الله كربه – أنه يكلف الدولة الملايين بتناوله لحوماً وبطاً وديوكاً رومية مع أهله وعشيرته، وهو اختلاق كاذب لا أساس له؛ لأن الرجل بسبب ظروفه الصحية لم يكن يتناول غير السندويتشات الخفيفة على حسابه الخاص، علماً أنه لم يتقاضَ مرتب الرئيس مكتفياً بمرتب الجامعة.

المليارات التي أنفقت على "تبهنس" لاظوغلي بعد قرنين من الزمان على إنشاء مقر جديد لوزارة الرعب، وسجون القمع والتعذيب؛ تطرح ملايين الأسئلة عن مصير التعليم والصحة والزراعة والصناعة والتصدير والتعدين والبترول والغاز والمصايد والثروة الحيوانية.. إلخ، متى تأخذ هذه الأمور حظها من المليارات التي يتم رصدها لتجديد لاظوغلي ونقله إلى الفضاء الرحب، وامتلاء السجون بعشرات الألوف من الضيوف؟

لا ريب أن وزارة القمع في مجتمع موحد متفاهم لا لزوم لها، ويجب إلغاؤها، فلا حاجة لجيش عرمرم قوامه نصف مليون من جنود الأمن المركزي وثلاثمائة ألف أمين شرطة، فشل في حراسة الوطن والناس، وازدهرت في عهده السرقات والاختطاف والجرائم الاجتماعية والخلقية، وترعرعت ممالك "الدكش" وأشباهه تحت رعاية النجوم الزاهرة والسيوف والعصيان المتقاطعة، والأدهى من كل ذلك أن دماء الضباط والأمناء تضيع هدراً وبسهولة شديدة كما حدث في حلوان مؤخراً، كما تتم تصفية أبنائنا الأحرار المساكين في البيوت والشوارع بدم بارد!

نحن في حاجة إلى عدد قليل من رجال الأمن المحترفين الذين يحمون الشعب كما يحدث في بلاد "الفرنجة"، لهم وزير مدني مثل فؤاد سراج الدين، ولا شأن لهم بالسياسة أو الانحياز لنظام الحكم، وخاصة إذا جاء بانقلاب.. نحن في حاجة إلى تجميع البلطجية في معسكرات إعادة تأهيل، وتصفير السجون من الشرفاء والنبلاء، وتحويلها مع المقرات الأمنية الكبرى إلى مدارس وجامعات لتقليل عدد المجرمين!

أما الأحوال المدنية والمرور والمطافئ والجوازات والجنسية والوثائق وتصاريح العمل في الخارج وإقامة الأجانب وغيرها، فأمرها ينهض به المدنيون في هيئات مستقلة دون لواءات أو أمناء.

الله مولانا، اللهم فرّج كرْب المظلومين، اللهمّ عليك بالظالمين وأعوانهم! 

الإثنين, 02 مايو 2016 08:30

القشتاليون في دمشق!

يا أهل الشام وغيرهم..

التاريخ يقدم لنا الموعظة والاعتبار لمن يتعظ ويعتبر، وهو درس مفيد لمن يريد الإفادة وتجاوز العثرات، ويوفر على نفسه المزيد من العناء والآلام.

كانت الأندلس درّة العالم الغربي في زمنها، وكانت مفخرة الإنسانية في المعرفة والعلم والأدب والعمارة والزراعة والحدائق والبساتين والصناعة والحرف والتجارة، وكان الأوروبيون يحجون إليها للتزود بالمعرفة والخبرة والثقافة والكتب.. وكان أهلها المسلمون وغيرهم ينعمون بالرخاء والأمن والبهجة، ولكنهم لم يصونوا النعمة، وغرتهم الدنيا، واختلفوا وتمزقوا شيعاً، وعادوا إلى جاهليتهم القبلية الأولى تعصبا وأنانية وطائفية ما بين قيسية ويمانية وعربية وبربرية، وفسد الحكام والولاة، وركنوا إلى الدعة والاسترخاء، وخالفوا الدين والأعراف، وغرقوا في مستنقعات المتع الحسية والخمر، فغابوا عن الدنيا وغابت عنهم الدنيا، وبكوا مثل النساء ملكاً لم يحافظوا عليه مثل الرجال!

كان الصليبيون في قشتالة بقيادة فريدناند وإيزابيلا يسنّون أسلحتهم، ويبعثون عيونهم، ويدربون مقاتليهم، ويشترون الذمم، ويدفعون بسخاء لمن يخون ويبيع، حتى وصلوا إلى غرناطة آخر معاقل المسلمين، فسلمها أبو محمد الصغير، وأخذ بعض ممتلكاته وترك الأندلس كلها باكياً، وتنصر وزيره الذي كان يفاوض على تسليمها، وتنصر آخرون، بل التحق بعضهم بالجيش الصليبي القشتالي ليحارب بقايا المسلمين ويشارك الصليبيين في التطهير الديني.. إلى آخر ما يعرفه قراء التاريخ!

التاريخ يعيد نفسه بطريقة ما في دمشق، بعد أن أعادها في بغداد، لاحظ أن العاصمتين كانت من عواصم العالم الأول، أي كانت كل منهما عاصمة أكبر دولة في العالم على زمنها، دمشق الأموية كانت عاصمة الدنيا، وبغداد العباسية عاصمة العالم، وكان الروم والفرس يطمحون إلى التقرب منهما، والتعلم منهما، ويذكر الصليبيون أن دمشق الأموية هي التي تجرأت على القسطنطينية ومهدت لمحمد الفاتح كي يفتحها، كما يذكرون أن بغداد هي التي علمتهم كيف يستحمون، وكانت خالية من الأميين والأميات، وكانت الدنيا تحت قدميها!

بوش الابن دمرها بعد التتار، وأعلن بصريح العبارة أنه يخوض حرباً صليبية، ومازال خليفته يعيث فيها فساداً وطائفية وعرقية وسفكاً للدماء والبترول والأخلاق والتراث والأحلام!

أما أوباما وبوتين وبقية الرهط الصليبي فقد قرروا تدمير دمشق وتفريغها من أهلها عن طريق الوكلاء والمرتزقة في طهران والنجف وبيروت والبراميل المتفجرة، وأعلن بابا الأرثوذكس في موسكو أن عدوان بوتين مهمة مقدسة، أي صليبية!

بالوكالة يحقق الصليبيون أهدافهم الدموية في بغداد ودمشق وطرابلس الغرب والقاهرة وصنعاء والخرطوم والرياض وتونس الخضراء والجزائر وباماكو وإسلام آباد وداكا وأنقرة.. ولهم في البلاد الإسلامية وكلاء معتمدون رسميون وشعبيون سمتهم الأساسية كراهية الإسلام والمسلمين، ولا بأس أن يقوموا بدور المصلح الرشيد، والحكم الذي يتوسط، والداعي إلى قيم الحق والعدل وحقوق الإنسان وبقية القيم الإنسانية الجميلة، ثم ينتفضون من أجل حرية التعبير في إسطنبول، ويقيمون الدنيا ولا يقعدونها لأن صحفياً شيوعياً سافلاً سب الرئيس أردوغان وأهانه وشرشحه، ونسب إليه تهماً ظالمة وباطلة فلجأ المظلوم إلى القضاء الذي عاقب الصحفي الشيوعي السافل!

ولكنهم لا ينتفضون ولا يثورون ولا يغضبون حين يقتل وكيلهم في دمشق أكثر من 400 ألف سوري بريء، ويصيب أكثر من مليون، ويهجر أكثر من نصف الشعب السوري، عقاب الصحفي الشيوعي السافل في إسطنبول أهم من نجدة الشعب السوري الذي يتعرض للإبادة على يد الوكيل الطائفي النصيري في دمشق!

ظن بعض الطيبين أنه يمكن للصليبيين أن يكونوا منصفين ويقفوا مع الحق، وباستطاعتهم أن يساعدوهم بالسلاح والعتاد ليستردوا حريتهم وكرامتهم، ولكن الصليبيين اشترطوا أولاً أن يساعدوا المعارضة المعتدلة أي التي تنبذ الإسلام وقيمه وأخلاقه، وقاموا بعملية فرز بين المعتدل والمتطرف والمتشدد، فتبين لهم أن كل السوريين يريدون الحرية والاستقلال والإسلام فعدوهم في القائمة السوداء إلا قليلاً من اليساريين والليبراليين، ولذا لم يحصلوا على مساعدات ولا سلاح، وقالوا لهم: لا حل إلا بالسياسة، ولكن وكيلهم ما زال يرمي براميله المتفجرة على الأطفال والنساء والرجال والأسواق الشعبية والمدارس المتبقية بين الخرائب!

تتابع الوسطاء من أجل الحل السياسي: كوفي عنان، الأخضر الإبراهيمي، دي ميستورا، وكل منهم يقضي فترة وساطته التي يعلم سلفاً أنها لعبة لتضييع الوقت، والحالمون من المعتدلين يظنون أنه يمكن أن يحققوا حلمهم في الحرية والمستقبل الطيب، ولكنهم لا يجدون أياً منهما!

وكان هناك أمل أن يقوم بعض العرب بالمساعدة العسكرية التي تقاوم قصف البراميل المتفجرة على الأقل، ولكن الأمل تبدد، لأن الكفيل الصليبي يرفض تزويد المقاومة المعتدلة بالصواريخ الحرارية التي تجعل طائرات البراميل تقلل طلعاتها.

المقاومة السورية الباسلة تستجيب لرغبة العالم الصليبي، في خطابها ولغتها وسلوكها، ولكنه لا يستجيب لأمانيها ورغباتها في الحياة الحرة الكريمة المستقرة، فالعالم الصليبي حريص على الانتقام الوحشي الذي عبر عنه قائد صليبي في الحرب العالمية حين ركل قبر صلاح الدين الأيوبي قائلاً: ها قد عدنا يا صلاح الدين!

العالم الصليبي يحمي قاعدته الاستدمارية اليهودية في فلسطين المحتلة، ومن أجلها وأجل البترول وأشياء أخرى يبيع السوريين والعراقيين والعرب جميعاً، وللأسف فكثير منا يصدقه ويقتنع بكلامه المخادع منذ قرنين من الزمان.

لا حل يا أهل الشام إلا بالوحدة وشراء السلاح!

وفروا نفقات الفنادق واستجداء الغرب الصليبي وأتباعه اللئام، وتوحدوا في الميدان على خطوط مشتركة، ودافعوا عن أنفسكم بكل ما تملكون ضد البراميل المتفجرة وضد القواعد الروسية والإيرانية والميليشيات الصفوية، وثقوا أن وحدتكم في الميدان سترد على الخائن النصيري بشار الجعفري الذي يشترط أن يكون مفاوضوه غير إرهابيين، وأن يكونوا على مقاسه ويؤمنوا بالوكيل النصيري الحصري في دمشق لليهود الغزاة والسادة الصليبيين، وحدتكم في الميدان ستنزع غطرسة الجعفري وصلافته وعنجهيته، وتعيده إلى الصواب، وتجعله يقر بحق الشعب السوري وليس النصيري في الحياة والكرامة والأمل، وستحمي دمشق من مصير غرناطة، وترد القشتاليين على أعقابهم خاسئين وخاسرين.

الله مولانا، اللهم فرج كرب المظلومين، اللهم عليك بالظالمين وأعوانهم!  

الثلاثاء, 26 أبريل 2016 09:45

المشاة سادة المعارك

لا يزايدنّ أحدٌ علينا في ضرورة أن يكون لنا جيش يفوق جيوش المنطقة قوة وتدريباً واحترافاً، الناس يتحدثون عن الجيش ليقوم بوظيفته الأساسية، وهي تأمين مياه النيل، وحفظ الحدود، وفرض السيادة القومية الكاملة على سيناء، وتحرير أم الرشراش، ومنع العدو النازي اليهودي من إقامة قناة موازية لقناة السويس!

عندما تقوم الجيوش بوظائف الحكم والسياسة فإنها تعرض البلاد والعباد إلى متاعب لا قبل للشعوب بها، أقلها الهزائم المذلة على يد حثالة الأمم من الغزاة والمحتلين، وهو ما حدث قبل يونيو 1967م، وقف البكباشي الأرعن يوم 25/ 5/ 1967م في مؤتمر صحفي عالمي بعد قراره بطرد قوات الأمم المتحدة وإغلاق مضايق تيران ليعلن بصوت مجلجل: "أنا مش خرع زي مستر إيدن"! كان البكباشي يرد على سؤال لصحفي إنجليزي سأله عن صحته، الإجابة تعني أنه واثق من نفسه وجيشه، ولكن جاءت الرياح بما لا يشتهي.

بعد عشرة أيام بالضبط كانت قوات العدو النازي اليهودي تصل إلى حافة قناة السويس الغربية، صارت المضايق في يديها، وأضحى الطيران المصري في خبر كان، واستولى الغزاة على 800 دبابة روسية جديدة (لانج) لم تطلق رصاصة واحدة، وراحت طائرات الهليكوبتر الصهيونية تحصد الشباب المصري والضباط المرفهين بطلقات "الفيكرز"، وهم يهرولون في الصحراء القاحلة نحو القناة.

كان القادة العظام مشغولين بالسياسة والفن وأشياء أخرى أكثر من اهتمامهم بحرفتهم العسكرية، في كرة القدم مثلاً كان المشير (الصاغ سابقاً) عبدالحكيم عامر رئيساً لاتحاد كرة القدم، وقائد القوات البرية الفريق عبدالمحسن كامل مرتجي رئيساً لـ"النادي الأهلي"، أما قائد الطيران الفريق محمد صدقي محمود فكان رئيسا لـ"نادي الطيران"، والفريق سليمان عزت رئيساً لـ"نادي البحرية" (لعله اندمج فيما بعد مع "نادي الترام" لتكوين ما يسمى الآن بـ"الاتحاد السكندري")، ومن لم تسعفه إدارة نوادي كرة القدم، ففي السلة والسباحة وكرة اليد والتنس وغيرها متسع له!

من المفارقات أن الفريق محمد صدقي محمود كان قائد الطيران في عام 1956م، وعندما سئل عن عدم قيام الطائرات المصرية بمواجهة الهجوم النازي اليهودي في سيناء، أفاد أنها لم تزوّد بالوقود، فلم تستطع الطيران، فتم تدميرها دون أدني دفاع، ومع ذلك بقي قائداً للطيران أحد عشر عاماً أخرى حتى تم تدمير الطيران مرة ثانية!

كان جيشنا المفدى مشغولاً بالسياسة والاتحاد الاشتراكي ولجنته المركزية، ومقاومة الإقطاع، وعلى سبيل المثال قام بتجريد أفراد عائلة الفقي في المنوفية من أملاكهم وتعذيبهم وحبسهم لأنهم – كما زعموا - قتلواً شيوعياً من أهل المنطقة، وكان نضال، وكان انتصار على العائلة المذكورة، وتطبيق عربي للاشتراكية المنحوسة التي استبدلت الماركسية بالإسلام.

عقب الهزيمة مباشرة وجدت نفسي مجنداً في الجيش مع عشرات الألوف ممن يسمونهم حملة المؤهلات وأصحاب المستوى الثقافي العالي، ووجدت نفسي مع غيري من الخريجين نحمل أرقاماً، وانتماء إلى كتائب، ولواءات ذات أرقام.

كانت الفكرة أن تجنيد المؤهلين يساعد على بناء جيش يفهم في المعدات المعقدة والأجهزة التي تقوم على الحسابات الآلية وغير ذلك، ثم وهو الأهم فإن الجندي المؤهل سيتعامل مع زميله الضابط المؤهل، وقد يكونان من كلية واحدة أو معهد واحد، فتكون لغة التفاهم ممكنة، ويتلاشى إلى حد كبير الفارق الطبقي الذي كان يعزل الضابط عن الجندي، وخاصة أن الاتجاه الذي ساد بعد الهزيمة أن يعيش الضابط مع الجندي في خندق واحد، ويأكلان من طعام واحد لا تمييز فيه، بعد أن كان هناك "ميس" (مطعم) للضباط، وآخر للجنود أو لا ميس لهم على الإطلاق.

ثم إن التدريب كان يأخذ منحى جاداً، وكان الشعار "نقطة عرق تساوي نقطة دم"؛ أي إن بذل المزيد من التدريب يوفر الدماء والأرواح، وأذكر أن شعاراً ضخماً بطول جدران مركز التدريب في السلاح الذي أنتمي إليه كان يقول: "المشاة سادة المعارك"، وهو شعار تحقق في معارك الدبابات في سيناء عند العبور.

انشغل القادة والجنود بالتدريب والتغلب على القصور الكمي والنوعي في السلاح والصعاب والعقبات التي تعترض المقاتلين، والاستعداد للعبور وكسر الذراع اليهودية المعتدية، والانتقال إلى مرحلة المبادأة بالهجوم التي كانت حكراً على العدو منذ إنشاء كيانه الغاصب.

كان الفريق سعد الدين الشاذلي يعلم الجنود كيف يتعاملون مع العدو، ويوزع كراسات صغيرة مطبوعة فيها الكلمات والعبارات العبرية للتفاهم مع أسرى العدو، ومساعدة جنودنا للتغلب على ما يصادفهم من عقبات وصعاب على المستويين الشخصي والجماعي، لم يتدخل الرجل أو غيره من القادة في قضايا السياسة أو الاقتصاد أو الإعلام، ورفض مع الجمسي في مذكراتهما تدخل الجيش في السياسة، كانت وجهتهما مع قادة العبور هي العدو الغاصب لأرضنا المذل لكرامتنا.

قضيت فترة التجنيد الإجباري، وظننت أني سأخرج للحياة المدنية، ولكن كان هناك قرار بالاستبقاء في الاحتياط لكل من انتهت خدمته الإجبارية، انتظاراً للمعركة الفاصلة، ومرت الأيام ثقيلة وبطيئة دون معركة شاملة ودون خروج نهائي، ويوم جاءت المعركة في العاشر من رمضان كان الأداء رائعاً، وكانت حركة المرور فوق كباري العبور أدق من المرور في ميدان التحرير كما قالت الصحف الأجنبية يومئذ.

هذا الجيش العظيم – مع كل ما يقال عن حرب العبور ودوافعها وغاياتها – قدم أروع ملحمة في التاريخ الحديث لكسر الذراع النازية اليهودية وإعادة الاعتبار للشعب المصري كله، والسؤال: لماذا يفرط الجيش في هذا المجد، ويغرق في أوحال السياسة، ويجعل من نفسه طرفاً في صراع عبثي، ويسمح لنفسه بنشر قواته ومدرعاته وصاعقته ومظلاته في شوارع القاهرة وغيرها ليمنع الشعب من التعبير عن غضبه من الانقلاب والاستبداد وقتل الأبرياء وحبسهم بعشرات الألوف وراء القضبان ومصادرة الأموال، والتفريط في مضايق تيران وصنافير التي ستذهب بلا ريب إلى العدو ليتحكم في الخليج وسيناء والقناة؟!

المكان الطبيعي للجيوش هو الثكنات العسكرية، والسياسة من اختصاص الشعب الذي يصدر أوامره لكل المؤسسات بما فيها الجيش والأمن والقضاء، والإرادة الوطنية هي التي تقضي في أمر السيادة على الأرض، ولا إرادة فوقها.

المشاة سادة المعارك التي تعيد السيادة والقيادة للأمة، وتطيح بالغزاة والمحتلين!

الله مولانا، اللهم فرّج كرْب المظلومين، اللهم عليك بالظالمين وأعوانهم!

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top