هل يتحول لبنان إلى دولة فاشلة؟

10:14 04 أغسطس 2020 الكاتب :  

استقال وزير الخارجية اللبناني، أمس الإثنين، مسبباً استقالته بافتقار الحكومة إلى الرؤية والإرادة لتنفيذ الإصلاحات الهيكلية مما قد يهدد بتحويل البلاد إلى "دولة فاشلة".

ويبدو أن الدولة اللبنانية تواجه اليوم أسوأ أزمة في تاريخها الحديث، حيث تقف وحدها بعد أن تخلى عنها حلفاؤها العرب بسبب اختياراتها الطائفية، وانشغل عنها حلفاؤها الأوروبيون بسبب أزمات الوباء، وعجز المستفيدون من طائفية لبنان عن مساعدته كونهم عاجزين أصلاً عن مساعدة أنفسهم.

الأمر جد خطير، فالتيار الكهربائي، كما تقول "أسوشيتد برس"، ينقطع 20 ساعة في اليوم، وجبال القمامة تتسرب إلى الشوارع يومياً، وطوابير طويلة من السيارات تنتظر في محطات الوقود بصفة دائمة.

فدولة لبنان، بالفعل، تعيش صيفاً غير عادي هذا العام، في مواجهة بنية تحتية متداعية، والدولة لا تزال تتنقل من كارثة إلى أخرى.

والأمور تزداد قتامة كل ساعة، فالبلد يشهد أزمات لم يسبق لها مثيل، حيث يتم تسريح جماعي للعمالة، والمستشفيات مهددة بالإغلاق، والمحلات التجارية والمطاعم مغلقة، والجرائم ترتكب بدافع من اليأس، والجيش لم يعد قادرًا على شراء اللحوم لإطعام جنوده، والمستودعات تبيع الدواجن منتهية الصلاحية، حسبما كتبت الصحفية زينة كرم في تحليلها للوضع المتدهور في لبنان. 

لبنان يندفع نحو هوة سحيقة، مدفوعاً بالخراب المالي، وانهيار المؤسسات، والتضخم المفرط، والفقر المتزايد بسرعة، مع تفشي وباء كورونا.

هل يتحطم لبنان الذي طالما كان نموذجاً للتنوع والمرونة وينزلق نحو الفوضى؟ للأسف كل الشواهد تقول: إن هذا وارد جداً، وهذا مصدر قلق للبنانيين الذين يخشون من تغيير جذري يمحو إلى الأبد هوية الدولة المتوسطية الصغيرة المتفردة.

في الماضي، كانت دولة لبنان تلقي باللوم على الغرباء في الاضطرابات التي كانت تتعرض لها، فوجود 18 طائفة دينية، وحكومة مركزية ضعيفة، وجيران أكثر قوة، كان سبباً دائماً في تنافسات إقليمية طالما أدت إلى الشلل السياسي أو العنف أو كليهما.

فالحرب الأهلية (1975 - 1990) التي جعلت كلمة "بيروت" مرادفة للدمار الناتج عن الحرب أنتجت جيلًا من أمراء الحرب تحولوا فيما بعد إلى سياسيين لم يتمكن لبنان من التخلص منهم حتى يومنا هذا، وهم سبب رئيس من الأزمة الحالية التي قد تودي بلبنان.

وبعد انتهاء الحرب، عانت البلاد من احتلال سوري ونزاع متكرر مع الكيان الصهيوني ونوبات من القتال الطائفي والاغتيالات السياسية والأزمات الاقتصادية المختلفة، واليوم زاد الطين بلة تدفق أكثر من مليون لاجئ من الحرب الأهلية السورية المجاورة.

إن وجود مليشيات حزب الله الشيعية القوية -الجيش الوكيل لإيران الذي تم إنشاؤه في الثمانينيات- يضمن أن تظل الدولة رهينة لصراعات السيطرة من قبل القوى الإقليمية إيران والمملكة العربية السعودية.

لكن الأزمة الحالية هي، كما يرى الخبراء، إلى حد كبير من صنع لبنان؛ تتويجاً لعقود من الفساد والجشع من قبل طبقة سياسية نهبت تقريباً كل قطاع من قطاعات الاقتصاد.

فالانحراف مستمر منذ سنوات، ولكن البلاد تجنبت الانهيار بأعجوبة حتى عندما تحملت أحد أثقل أعباء الدين العام في العالم، ولعل الحصحصة الطائفية للمناصب العليا بدلاً من المؤهلات هي التي تسمح للسياسيين بالبقاء من خلال الانخراط في المحسوبية ورعاية طوائفهم.

إحدى المشكلات في لبنان هي أن الفساد أصبح ديمقراطيًا، لا يبقى بشكل مركزي مع رجل واحد، كما يقول مروان المعشر، نائب الرئيس مركز الدراسات التابع لمؤسسة كارنيجي للسلام الدولي، لقد انتهى كل شيء.

وقال في حديث آخر نظمه مركز السياسة العالمية: كل طائفة لديها قطاع من الاقتصاد تسيطر عليه وتستمد الأموال منه، حتى تتمكن من إبقاء طائفتها سعيدة.

لقد وصلت المشكلات إلى ذروتها في أواخر عام 2019، عندما اندلعت احتجاجات على الصعيد الوطني بسبب نية الحكومة فرض ضريبة على تطبيق رسائل "WhatsApp" نُظر إليها على أنها القشة التي قصمت ظهر البعير بعد أن سئم الناس من ساستهم، وأثارت الاحتجاجات إغلاق البنوك لمدة أسبوعين تبعه وضع ضوابط غير الرسمية على رأس المال حدت من عمليات السحب أو تحويل العملات للدولار.

ووسط نقص في العملات الأجنبية، خسرت الليرة اللبنانية 80% من قيمتها في السوق السوداء، وشهدت أسعار المواد الغذائية الأساسية والسلع الأخرى ارتفاعًا حادًا، وتبخرت المدخرات، وغرقت الأغلبية في فقر مفاجئ.

وكتبت مها يحيى، مديرة مركز كارنيجي للشرق الأوسط، أن سقوط لبنان يمثل انهيارًا ملحميًا له سيكون له تأثير سيمتد لأجيال.

وكتبت في تحليل حديث لها أن الركائز التي دأبت على استمرار لبنان في الانهيار تتداعى، ومن بين هذه التداعيات حريات العلامات التجارية ودورها كمركز للسياحة والخدمات المالية، ومحو الطبقة الوسطى.

إذا ترك لبنان بمفرده، فقد يصل في غضون أشهر إلى نقطة لن يعد بعدها قادراً على تأمين احتياجات مواطنيه من الوقود والكهرباء والإنترنت أو حتى الطعام الأساسي.

وهناك بالفعل دلائل تشير إلى اتجاه البلاد نحو المجاعة، والمخاوف من انهيار الأمن مخاوف حقيقية، حيث انخفضت القوة الشرائية لمرتب الجنود العاديين بالدولار من حوالي 900 دولار إلى 150 دولارًا في الشهر، وبالمثل، شهد موظفو القطاع العام محواً شبه تام لرواتبهم.

على عكس الأزمات السابقة عندما جاءت الدول العربية الغنية بالنفط والمانحون الدوليون لإنقاذه، يقف لبنان هذه المرة بمفرده.

لا يقتصر الأمر على انشغال العالم بأزماته الاقتصادية الخاصة، بل إن أصدقاء لبنان التقليديين لم يعودوا مستعدين لمساعدة بلد غارق في الفساد، خاصة بعد أن تخلفت الدولة عن سداد ديونها منذ أبريل الماضي، وعلاوة على ذلك، تقود البلاد حكومة مدعومة من حزب الله؛ مما يجعل من غير المرجح أن تأتي دول الخليج إلى الإنقاذ.

أمل لبنان الوحيد هو إنقاذ صندوق النقد الدولي، لكن أشهر المفاوضات لم تسفر عن شيء.

لم يكن وزير الخارجية الفرنسي، في رحلته الأخيرة إلى بيروت، أكثر وضوحاً بأنه لن تكون هناك مساعدة للبنان قبل اتخاذ إجراءات إصلاحية موثوقة؛ "ساعدنا لنساعدك!" كرر.

ولكن يبدو أن الكلمات قد سقطت إلى حد كبير على آذان صماء، لا يستطيع السياسيون اللبنانيون الاتفاق على حجم خسائر الحكومة، ناهيك عن تنفيذ الإصلاحات لإنهاء الفساد الذي يستفيدون هم منه.

الانهيار الكامل للبنان يهدد المنطقة ككل، مما قد يؤدي إلى فراغات أمنية يمكن استغلالها من قبل المتطرفين.

وقالت منى يعقوبيان، كبيرة مستشاري نائب الرئيس لشؤون الشرق الأوسط وأفريقيا في المعهد الأمريكي للسلام، في صحيفة "The Hill" التي تتخذ من واشنطن مقراً لها: إن الانهيار التام في لبنان يمكن أن يثير تدفقات جديدة للاجئين إلى أوروبا، ويضيف المزيد من الاضطرابات إلى قوس عدم الاستقرار الممتد من سورية عبر العراق، مع تداعيات سلبية على حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة.

في ضوء هذه المخاطر، لا تستطيع الولايات المتحدة تجاهل الانهيار الوشيك للبنان، كما تقول.

لبنان يتجه بسرعة نحو السيناريو الأسوأ، دولة فاشلة في شرق البحر الأبيض المتوسط.

فإذا ترك العرب لبنان لمصيره، هل تترك فرنسا وأوروبا ومن ورائهم الولايات المتحدة الأمريكية لبنان لتتحول لدولة فاشلة؟

عدد المشاهدات 1552

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا

fram

Top