مجلة المجتمع - شعب ميانمار لم يعد يخشى القتلة
طباعة

شعب ميانمار لم يعد يخشى القتلة

الأناضول الأحد، 28 فبراير 2021 11:38
  • عدد المشاهدات 4357

واحدة من أكثر السمات البارزة للاحتجاجات المناهضة للانقلاب المنطلقة في أنحاء ميانمار، هي ظهور الجيل "زد"، في الشوارع، الذين نما وعيهم خارج ظلال سياسات المستشارة أونغ سان سو تشي، وحزبها "الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية".

ويعتبر الجيل "زد" أو ما يسمى جيل "ما بعد جيل الألفية" هو جيل من ولدوا بين منتصف التسعينيات ومنتصف العقد الأول من الألفية الثالثة.

فمع بداية الاحتجاجات، استهان قادة الانقلاب في ميانمار بقيادة الجنرال، مين أونغ هلاينغ، الذي شارك في جرائم الإبادة الجماعية، من قوة وشراسة التمرد الشعبي، وخاصة الشباب، الذين خرجوا ضد الانتهاكات الصارخة لمبدأ تمثيل الشعب في الحكم، بعد أن تم منع النواب المنتخبين من أداء اليمين لأداء مهمتهم التي وكلهم لها الشعب لإدارة شؤون البلاد (مطلع فبراير).

وبذلك فقدت قوات ميانمار المسلحة المعروفة باسم "تاتماداو" المهمة الأساسية لهم؛ وهي حماية الشعب الذي يقوم بدفع رواتبهم.

وبمرور الوقت، تضاءل احترام شعب ميانمار تجاه قوات "تاتماداو"، التي تم تأسيسها قبل 78 سنة على على يد أونغ سان، والد سو تشي، وكانت في الأصل منظمة ثورية معادية للاستعمار البريطاني.

وكان أونغ سان آنذاك ثورياً ماركسياً (27 عاماً)، وساعدته المخابرات البحرية في الإمبراطورية اليابانية لتأسيس "تاتماداو"، التي استغلها الفاشيون اليابانيون كمفوض محلي لمناهضة الحكم البريطاني في بورما.

وعلى مدار 6 عقود من الحكم القاتل والعنصري والفاسد اقتصادياً، أصبح جيش ميانمار محط سخرية الشعب، ويشار إليه بأنه "جيش القتل الجماعي"، وأصبح الجنرالات هم أكثر المعرضين للسخرية والشتائم بسبب فسادهم ورؤيتهم الضيقة الأفق.

وبصفتي طالباً محترفاً وفيلق تدريب الضباط البورميين السابقين، إذ سمح لي بالانضمام وأنا بعمر 16 سنة عام 1980، تمكنت من دراسة المؤسسة المهيمنة على جميع المؤسسات الوطنية على مدار الـ30 عاماً الماضية، وقمت باستخلاصات متعمقة تتعلق بالهاربين من ميانمار الذين شغلوا مناصب استراتيجية سابقة أو قاموا بتنظيم ثورات سابقة داخل الجيش، بما في ذلك الانقلاب عام 1976 الفاشل.

وبناء على ما رأيته وتعلمته، استنتجت منذ فترة طويلة أن قادة تاتماداو متورطون في حلقة مفرغة من الانقلابات، والفساد المؤسسي والفردي، بالإضافة إلى مؤامرات ضد الشعب.

لقد انحرف مسار قوات تاتماداو بشكل جذري عن مهمتها الأساسية المتمثلة في خدمة وحماية الشعب في ميانمار، والدفاع عن وحدة أراضيه، ونشر السلام بين المجتمعات العرقية المتنوعة، الذين وعودا باستيفاء كافة حقوقهم الوطنية كأفراد، وأن يتلقوا معاملة غير مبينة على الانحياز أو التمييز بين المجموعات العرقية.

فأصبحت منطقة "وا" على الحدود الصينية البورمية، التي كانت منتجة للهيروين سابقاً، دولة مستقلة بحكم الواقع الآن، ولا علاقة لها باتحاد جمهورية ميانمار الذي يحكمه الجيش؛ فهم يستخدمون العملة الصينية، ولديهم قواتهم المسلحة التي لا تتلقى أي أوامر من تاتماداو، كما يتحدثون لغة الماندرين التي تستخدم أيضاً في التعليم بالمدارس، ويستخدمون خدمات الاتصالات الصينية.

في عام 1963، بدأت "محادثات السلام" برعاية الجيش، وضمت إجمالي 6 حركات مسلحة مناهضة للدولة، وبعد مرور 60 عاماً، أنشأت كل جماعة عرقية في ميانمار منظمة مسلحة واحدة على الأقل ضد جيش ميانمار، وأصبحوا ينظرون إلى الجيش على أنه دخيل محتل.

فكما قال يو أونج مو زاو، زعيم الحزب الديمقراطي من أجل مجتمع جديد (DPNS)، وهو بلا شك الحزب السياسي الأقرب لتفكير الشباب والجيل الجديد، في خطابه أمام المتظاهرين في مدينة يانغون (رئيسية) في 10 فبراير: إن "مجموعة عرقية واحدة هي التي لم تسلح نفسها بشكل جدي، وارتكب فيها الجيش جرائم إبادة جماعية، هم الروهنجيا".

وهذا الصباح، قمت بنشر هذه التغريد لتذكير نفسي بأنني مرتبط بنضال الشعب، على الرغم من ابتعادي آلاف الأميال عنهم، ولم أعد أعيش واقعهم اليومي واحتجاجاتهم من أجل البقاء.

ولجيل "زد" وكل المناهضين للانقلاب العسكري في ميانمار، أقسم لكم أنني سأفعل كل ما بوسعي لدعم شعب ميانمار لإسقاط الدكتاتورية الفاشية".

ومن خلال المكالمات الهاتفية اليومية والمحادثات عبر الإنترنت مع المشاركين في الاحتجاجات في الشوارع، تأكدت من ملاحظتي الأولية؛ وهي أن الاحتجاجات لم تعد تتمحور حول ابنه أونغ سان، سو تشي (75 عاماً)، أو حتى حول "الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية" التي فازت في الانتخابات.

نعم هناك صور لسو تشي، التي تحظى بشعبية كبيرة بين الناخبين، وشعارات للحزب الحاكم، ولكن في أعماقهم فطم المتظاهرون من الجيل الجديد أنفسهم من الاعتماد على "الأم سو تشي" التي أنقذتهم مما يقرب من 58 عاماً من الحكم العسكري.

فبعد أن تصدر حزب سو تشي الانتخابات التي أجريت في البلاد عام 2015، وتقلدت العام التالي منصب مستشارة الدولة، أنهى استيلاء الجيش على السلطة كل ما تم منحه لسو تشي وحزبها من استقلال تنفيذي وتشريعي وقضائي.

وخلال هذه المظاهرات الأخيرة، يتم تشكيل احتجاجات متعددة الأعراق والطبقات على مستوى البلاد، فالأمر ليس فقط من أجل استعادة الحكومة المنتخبة أو العودة لوضع ما قبل الانقلاب.

كما انضمت العديد من الأقليات مثل تشين وكارين وكاياه والروهنجيا وغيرها، إلى الاحتجاجات على مستوى البلاد ضد حكم تاتماداو، كما حث المنظمة المسيحية الأفضل تنظيماً في البلاد، وهي الهيئة المعمدانية في كاشين، أعضاءها الذين يفوق عددهم 400 ألف، على الانضمام إلى مناهضات شعب ميانمار.

والأهم من ذلك، أن مطالب الثورة الشعبية تتجاوز الدعوة إلى إطلاق سراح زعماء "الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية"، حيث يطالب الجيل الجديد بالإلغاء الكامل لدستور الجنرالات العسكريين، الذي تم فرضه على 50 مليون شخص في الوقت الذي كان يعاني فيه الشعب من الآثار المدمرة لإعصار "نرجس".

فالشعب يرفض التمثيلية العسكرية لما يسمى "الديمقراطية المنضبطة"، حيث نص الجنرالات أنفسهم، في دستور عام 2008، على أنهم حكام وعناصر تأديبية.

وأخشى أن ننسى ما فعله الجنرالات منذ ما يقرب من عقد من الزمان، عندما منعوا الإغاثة الدولية الطارئة لملايين الأشخاص الذين دمرهم الإعصار في مناطق دلتا إيراوادي، والمناطق الساحلية البورمية، وتركوا الضحايا يشربون من الأنهار التي لوثها الوحل والنفايات والحطام والجثث والحيوانات.

وأظهرت المجموعة الحالية من القادة العسكريين درجة غير إنسانية ومماثلة في القسوة، فقد قاموا بالاستيلاء على السلطة وسط انتشار جائحة كورونا، بينما كان الشعب في العزل المنزلي.

ولكن على ما يبدو أن الشعب رأى أن لفيروس كورونا لقاحاً يمكنه وضع حدا لانتشاره، لكن الجنرالات هم أكثر فتكاً وتدميراً من الفيروس.

وفي حالة ميانمار التي عانت من الدكتاتورية العسكرية لمدة 58 عاما، ينظر إلى العصيان المدني على أنه اللقاح والدواء الأكثر فعالية.

فبينما أكتب أشعر باستبدال مخاوفي وقلقي بالتفاؤل والأمل، ويمكن أن أقول بصوت عالٍ أننا نعيش الآن المرحلة الأخيرة من حكم "تاتماداو" القاتل والمستبد.

وهناك عدد من العوامل لهذا التفاؤل.

يمكن المضي قدماً في استخدام آليات العدالة الدولية مثل المحكمة الجنائية وآلية التحقيق المستقلة التي أسست من قبل مجلس حقوق الإنسان للأمم المتحدة والمكلفون بشكل أساسي بجمع الأدلة على جرائم ميانمار، بما في ذلك الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب، وإعداد القضايا ضد الجناة العسكريين في ميانمار، وكذلك قضية الإبادة الجماعية في غامبيا ضد ميانمار في محكمة العدل الدولية.

كما أن الإدارة الأمريكية الحالية مختلفة بشكل جذري، التي أعلنت قبل أيام فرض السلسلة الأولى من العقوبات على قادة انقلاب ميانمار، ومنها منع الجنرالات من الوصول إلى مليار دولار من أموال حكومة ميانمار المحتجزة في الولايات المتحدة، ويشير ذلك إلى استعادة المصداقية في السياسة الأمريكية التي يجب أن تنظر إلى حركة العصيان المدني على أنها فرصة إستراتيجية في منطقة آسيا والمحيط الهادئ.

بالإضافة إلى ذلك، يمكن للدعم الواضح التي تقدمه الإدارة الأمريكية الجديدة للديمقراطيين في ميانمار في سعيهم لتغيير النظام، أن يساعد في إرسال إشارة قوية للغاية إلى المجتمعات الديمقراطية الأخرى في آسيا؛ مثل "تحالف شاي الحليب" في هونغ كونغ وتايلاند وتايوان.

فمنطقة جنوب شرق آسيا هي منطقة مهمة جداً، حيث يوجد أكثر من 500 مليون شخص يريدون التخلص من الأنظمة الاستبدادية التي تدعمها الصين مثل ميانمار أو كمبوديا.

والأهم من ذلك، أن هناك بركاناً من الغضب السياسي بين الجيل الجديد من الشباب البارعين في التكنولوجيا، وهم يمثلون أكثر من ثلث الناخبين البالغ عددهم 38 مليون ناخب.

بالإضافة إلى العصيان المدني المتصاعد لموظفي الخدمة المدنية على مستوى البلاد، حيث يقال: إن الصين تزود قادة الانقلاب في ميانمار بالمساعدات التكنولوجية خلال المظاهرات الأخيرة لعرقلة الجيل "زد"، البارع في التكنولوجيا، من تنسيق المناهضات باستخدام الإنترنت.

ومع ذلك، لم يعد شعب ميانمار يخشى حكامه القتلة الكليبتوقراطيين.

فلا يمكن لحركات النضال من أجل الحرية أن تسود دون الدعم الداخلي والخارجي، ولم تكن الثورة الأمريكية هي نتاج ما فعله الثوار الأمريكيين الذين اجتمعوا من 13 مستعمرة أصلية وهتفوا "لا ضرائب بدون تمثيل" خلال ما سمي بـ"حفلة الشاي" عندما ألقى الثوار شاي شركة "شرق الهند" في البحر بميناء بوسطن.

أشعر بالكثير من الارتياح والتعافي لما أشهده.

آخر تعديل على الأحد, 28 فبراير 2021 11:49