مجلة المجتمع - هل حُسم ضرب "سد النهضة" بعد تصريحات السيسي وحرق إثيوبيا أوراق مصر التفاوضية؟

هل حُسم ضرب "سد النهضة" بعد تصريحات السيسي وحرق إثيوبيا أوراق مصر التفاوضية؟

تقرير - يوسف أحمد: الأربعاء، 31 مارس 2021 01:28

رغم أن غالبية الأوساط العسكرية والاستخبارية المصرية تتحدث في اللقاءات المغلقة عن ضربة عسكرية مصرية قادمة لسد النهضة الإثيوبي لا محالة، قبل الملء الثاني للسد في يوليو المقبل، ما لم يتم اتفاق سلمي، فإن استبعاد الرئيس عبدالفتاح السيسي سابقاً خيار الحرب جعل البعض يشكك في هذا الحل.

هذه المرة جاء الحديث علناً من قبل السيسي نفسه، مهدداً بوضوح بالحرب، بتأكيده أن "المساس بمياه مصر خط أحمر"، و"محدش هيقدر يأخذ نقطة مَيّه من مصر واللي عايز يجرب يجرب"، في تهديد واضح لإثيوبيا.

بل وكتب لواء المخابرات السابق عضو بمجلس النواب الحالي، حاتم باشات، على حسابه بـ"فيس بوك"، يؤكد أن مصر تستعد للحرب بالفعل، واشترت طائرات "رافال" (وبعدها "سوخوي 35") وصواريخ سكالب للتحصينات خصيصاً لهذا الغرض.

لواء المخابرات السابق باشات كتب يقول: "ذاهبون لمرحلة الحسم بالسلاح في قضية "سد النهضة"، والمواجهة الكبرى أصبحت مسألة وقت، بعدما اقتنعت القيادات السياسية في كل من مصر والسودان بأنه لم يعد أمامنا سبيل إلا الاحتكام لصوت البنادق بعد فشل وانسداد كل المسارات التفاوضية نتيجة للمراوغة وللتعنت الإثيوبي".

وأكد: "إحنا لازم نضرب، ولازم ضربتنا تكون قوية مزلزلة ومعلنة كمان مش بطريقة الطائرات المجهولة، لازم نعلن عن وجودنا بكل قوة ونقول أيوه إحنا اللي ضربنا وهنضرب أي متطاول في أي مكان يفكر أنه يمس أمننا القومي، زي ما عملنا يوم الضربة الجوية في شرق ليبيا، ووقتها محدش قدر يفتح فمه معانا بنُص كلمة"، حسبما قال.

وختم بقوله: "أي حد بيفهم إستراتيجية وأمن قومي عارف ومتأكد إن الضربة قادمة لا محالة، إنما هتحصل إمتى وإزاي دي مش بتاعتي، ده شغل القيادة اللي بالتأكيد شايفة وعارفة أكتر مننا بمراحل".

حديث الحرب على لسان الرئيس المصري ومسؤول سابق في جهاز المخابرات، الذي سبق لرئيسه السابق عمر سليمان تهديد إثيوبيا به أيضاً، جاء في الوقت الذي أحرقت فيه إثيوبيا كافة أوراق مصر التفاوضية، وآخرها في 20 مارس 2021م برفض طلب مصر "وساطة رباعية دولية".

فقد أبلغت إثيوبيا الوسيط الأمريكي، الذي زارها الأسبوع الماضي، أنها ستستمر في ملء السد للمرة الثانية ولن تنتظر المفاوضات، كما قال وزير الخارجية سامح شكري: إن مصر تستعد بسيناريوهات عديدة للرد، وإنها تضع أسلوباً للتعامل مع خطر قيام إثيوبيا بالملء الثاني لسد النهضة دون اتفاق مع مصر والسودان.

الحل العسكري تنتهي صلاحيته بعد 3 أشهر

ولكن لماذا صعدت مصر من تهديداتها؟ واقع الأمر أنه لم يعد يتبقى سوى 3 أشهر على تنفيذ إثيوبيا تهديدها بالملء الثاني لـ"سد النهضة" دون اتفاق مع مصر والسودان، وبدون تحرك مصر لمنع هذا الملء بالقوة ستصبح تحت رحمة إثيوبيا التي ستتحكم في مرور المياه لمصر وتفرض عليها العطش وقتما تشاء، ولن تقدر مصر بعد الملء الثاني من ضرب السد.. لماذا؟

قيام إثيوبيا بالملء الثاني دون اتفاق معناه امتلاء السد بـ18.4 مليار متر مكعب من المياه (بعد الملء الأول التي تم في يوليو 2020م بـ4.9 مليار متر مكعب)؛ ما سيجعل أي خطط مصرية للضغط على إثيوبيا بعد هذا التاريخ عديمة الجدوى، بما فيها ضرب السد عسكرياً، لأنه في هذه الحالة ستُغرق المياه المحتجزة داخل البحيرة خلف السد أجزاء كبيرة من السودان.

والصمت ورفض مصر القيام بأي تصعيد ضد تسويف إثيوبيا والسماح لها بحجز كمية أكبر من المياه في الملء الثاني يشكل خطراً على الأمن المائي والقومي المصري، فالملء الأول 4.9 مليار يعني امتلاء الأجزاء السفلية فقط من السد، ومن ثم يسهل ضرب أو قصف أو تخريب الأجزاء الأعلى منه دون الإضرار بالسودان.

ولكن حال صمتت مصر والسودان على الملء الثاني (قرابة 13.5 مليار متر مكعب)، ووصول المخزون داخله إلى 18.4 مليار متر مكعب سيجعل من الخطر قصف السد لأن المياه الكثيرة المتدفقة منه حينئذ ستغرق السودان.

بل إن الصمت على استكمال إثيوبيا لكامل السد بـ74 ملياراً على 3 أو 4 سنوات سيجعل مصر نفسها تتعرض للخطر لو انهار السد لأي سبب من الأسباب في وقت تشكك مصر والخبراء في أساساته وبنائه.

ويشجع مصر على ذلك تنبه السودان لخطورة السد وتعاونها مع مصر وتبادل كبار المسؤولين العسكريين الزيارات والتنسيق والتدريبات العسكرية، إذ ترددت أنباء عن أن إثيوبيا قامت بملء السد في المرة الأولى بأكثر مما هو معلن (4.9 مليار) وأن به قرابة 6 أو 7 مليارات متر مكعب.

وإن سبب غرق أجزاء كبيرة من السودان، في سبتمبر 2020م، جاء بسبب انهيار بعض أجزاء من السد عقب الملء الأول وتسرب مياه كثيرة أغرقت الخرطوم ومدناً عدة؛ ما اعتبرته الخرطوم سيناريو صغيراً للسيناريو الأخطر الأكبر لو انهار سد النهضة وهو ممتلئ بكميات أكبر من المياه.

لذلك، هددت الخرطوم بـ"خيارات أخرى" لخطورة حجز المياه على سد الروصيرص وزيادة الفيضانات، وبدأت مصر بدورها تكشر عن أنيابها بعدما انتهت خطتها للتهدئة وكشفت إثيوبيا دبلوماسياً أمام العالم على أنها هي التي ترفض التفاوض وتهدد أمن مصر؛ ما يعطيها الحق لحماية نفسها بما في ذلك استخدام الخيار العسكري.

الأخطر أن أديس أبابا باتت الآن تتحكم في مياه النيل عبر بوابات "سد النهضة" الأربع، وتقوم بغلقها وقتما تشاء، وهو ما يعرف بـ"التخزين الإجباري".

وهي خطوة استفزازية للقاهرة والسودان تسمح لإثيوبيا بالتحكم في كمية المياه التي تمر لمصر في وقت لا تعترف إثيوبيا فيه باتفاقيات عام 1959م التي تحدد نصيب مصر بــ55 مليار متر مكعب سنوياً، وتنازلت عنها مصر بتوقيع وثيقة السد المعروفة بـ"اتفاقية إعلان المبادئ"، في 23 مارس 2015.

يزيد من التحدي الإثيوبي، إعلانها بناء سد جديد يحتجز 55 مليون متر مكعب من المياه لري 25 ألف فدان، ضمن خطط إثيوبية معلنة لبناء 3 سدود أخرى على النيل على الأقل.

وبعدما كان لمصر في اتفاقات النيل السابقة حق "الفيتو" (النقض) على بناء أي سد وحصة مائية 55 مليار متر مكعب سنوياً، بات كل ما تطالب به أن تضمن إثيوبيا لها 40 مليار متر مكعب خلال فترة الفيضان و35 مليار متر مكعب في فترة الجفاف، وهو ما ترفضه إثيوبيا وتحدد 30 ملياراً فقط.

وسبق للرئيس الأمريكي السابق ترمب إعطاء مصر الضوء الأخضر لضرب السد الإثيوبي، وقال: إن مصر ستضربه في النهاية، لهذا جاءت تهديدات السيسي كآخر ورقة مصرية في يدها ضد التعسف الإثيوبي بحيث ستستخدمها لو لم تفهم أديس أبابا رسالة السيسي.

10 سنوات.. تفاوض بلا جدوى

التهديد المصري والسوداني جاء بعد فشل 21 جلسة تفاوض على مدار 10 سنوات، وإعلان مصر وإثيوبيا فشل الجولة الأخيرة من المفاوضات في الوصول لاتفاق بشأن "سد النهضة"، ثم رفض إثيوبيا فكرة الوساطة الرباعية الدولية، وإصرارها على الملء دون موافقة القاهرة والخرطوم.

ورغم رفض مصر الملء الأول، فلم يصدر عنها رد فعل قوي عندما أعلنت إثيوبيا الملء، في يوليو 2020م، وتم الملء وحجزت إثيوبيا 4.9 مليار متر مكعب.

لم يحدث الملء فقط، بل واستفز وزير الخارجية الإثيوبي مصر بقوله: إن النيل أصبح بذلك "بحيرة" إثيوبية، وقال: "النيل لنا"!

ورغم قلق مصر، فإنها دخلت بالفعل مستوى الفقر المائي، فقد استمر الصمت المصري بهدف "إقامة الحجة علي إثيوبيا أمام العالم أنها تسوّف وترفض أي اتفاق كي يظهر للعالم أن مصر تجنح للسلم"، كما قال مصدر بوزارة الري المصري، الذي قال: إن مصر بذلك "تُشهد العالم أنها استنفدت كل الخيارات ورفضتها إثيوبيا، فيكون هذا مبرراً لو لجأت مصر للحرب ولا يلومها أحد".

استعدادات الحرب

لم تكن التصريحات المصرية الأخيرة المهددة بالحرب وليدة اللحظة، فالتطورات والاجتماعات ذات الطابع العسكري أيضاً تشير إلى أن مسألة الحرب حُسم أمرها.

فقد زار وزير الدفاع السوداني عبدالفتاح البرهان القاهرة، في 27 أكتوبر 2020، ومعه مدير المخابرات، وزار السيسي الخرطوم أيضاً، في فبراير 2021، وقيل: إن الزيارات تناولت "سد النهضة".

أيضاً زار رئيس الأركان المصري السودان مرتين، أول نوفمبر 2020، وأول مارس 2021، ومعه وفد من قادة الأفرع الرئيسة للجيش المصري، وجرى توقيع اتفاقية للتعاون العسكري بين البلدين؛ ما يشير لترتيبات ما.

وسبق هذا وصول طائرات حربية مصرية للسودان وإجراء مناورات حربية، في نوفمبر 2020، وقيام البلدين بعدة تدريبات مشتركة، كما افتتحت مصر قاعدة "رأس بناس" الجو بحرية منذ عدة أشهر جنوب شرق مصر لتأمين الجنوب المصري حيث نهر النيل بالكامل من أي تهديد.

إجراء أخير متوقع

وتتوقع مصادر دبلوماسية مصرية أن تلجأ مصر قبل أي عمل عسكري لخطوة أخيرة هي الانسحاب من اتفاق "سد النهضة" الذي وقَّعته مصر والسودان وإثيوبيا، الذي يعد اعترافاً مصرياً بحق إثيوبيا ببناء سدود على النيل بعد طول رفض.

لأن انسحاب مصر من اتفاقية "إعلان المبادئ" سيعني أن قيام إثيوبيا ببناء "سد النهضة" على نهر النيل الدولي لا تعترف به مصر ولا السودان؛ ما يجعله غير شرعي دولياً؛ لأن نهر النيل هو نهر دولي طبقًا للقانون الدولي ولا يجوز بناء سدود عليه دون موافقة الدول المتضررة منه.

وأغلب أراضي مصر صحراوية وتعتمد البلاد في وارداتها المائية بشكل كبير على نهر النيل بكمية تقدر بنحو 95%، كما أن الزيادات السكانية تقلل الحصة المتاحة من المياه العذبة للفرد سنوياً، وستقل عن 500 متر مكعب للفرد، وهو حد الندرة المائية المعروف عالمياً، بحسب جهاز التعبئة والإحصاء المصري.

ويبلغ حجم الموارد المائية المتاحة حالياً 55.5 مليار متر مكعب من نهر النيل، و1.3 مليار من هطول الأمطار شمال مصر، ومليارين من المياه الجوفية؛ أي ما مجموعه 58.8 مليار متر مكعب، في حين تبلغ احتياجات المياه للقطاعات المختلفة 79.5 مليار متر مكعب في السنة، أي أن هناك فجوة بين العرض والطلب حوالي 20 ملياراً ويتم سد هذه الفجوة من خلال معالجة المياه.

ومع تداعيات أزمة شح المياه في مصر، والتأثيرات السلبية المنتظرة من "سد النهضة" الإثيوبي وتقدير الخبراء تراجع إمدادات المياه من النيل بنسبة 25% سيؤثر ذلك على الإنتاج الزراعي والأمن الغذائي ويرفع معدلات الفقر، ويزيد الاضطرابات الداخلية.

آخر تعديل على الأربعاء, 31 مارس 2021 14:12

mugramadan-2021

مجتمع ميديا

  • مستحيل أن يكون النبي محمد هو من ألَّف القرآن.. لماذا؟

إقرأ المجتمع PDF

azs 2153