قراءة في مآلات الانتخابات الليبية المقررة في 24 ديسمبر المقبل

قراءة في مآلات الانتخابات الليبية المقررة في 24 ديسمبر المقبل

د. سعد أحمد سلامة الأحد، 10 أكتوبر 2021 09:20

 

مدخل:

مند حدوث التغيير السياسي في ليبيا، في 17 فبراير 2011م، وعلى الرغم من كل المحاولات المتكررة التي بذلت في سبيل الوصول إلى حل ما يرضي جميع الأطراف المعنية بها -أو على الأقل حتى الأقوى منها- داخلياً وخارجياً، ما زال الاستعصاء التام هو الحال المتحكمة في مفاصل ومسارات الأزمة الليبية.

10 سنوات مرت حتى الآن منذ ذلك التاريخ، دخلت فيها البلاد في أزمة سياسية خانقة عنوانها الكبير هو تنازع شرعيات متضاربة كل منها تدعي أحقيتها بالتولي (من الولاية) وبالاستحواذ على السلطة، في مشهد دموي عنيف كادت فيه البلاد وفي كثير من الأحيان أن تفقد فيه وحدتها الترابية وهويتها الوطنية الجامعة

عقد مضى من عمر ثورة 17 فبراير، وإن كانت الحرب والفوضى والنزاع هي السمة الغالبة عليها، إلا أن هذه السمة الغالبة وما تشكله هذه الدولة من أهمية معتبرة في قيمتها الجيوسياسية والاقتصادية جعل منها وخلافاً لغيرها من بؤر توتر مشابه لها ومتزامنة معها تحظى بوجود فرصة ما -على هشاشتها- بأن يكتب لها أن يتحقق فيها تسوية سياسية ما، تخرجها من أزمتها، فرص تسوية تنوعت في شكل جهود مضنية قادتها أطراف إقليمية ودولية، جهود ظلت دائماً -على الأقل ظاهرياً- منطلقة من الإطار السياسي الضابط لمعالجة هذه الأزمة، وهو المسار الذي خطته ورسمته وتتولى قيادته والإشراف عليه منظمة الأمم المتحدة من خلال بعثتها الدائمة في ليبيا، مسار سياسي أممي شاق استطاع القائمون عليه -وفي لحظة فارقة- أن يدفعوا بعضاً من قوى ليبية مثقلة بالتردد ومشبعة بالسلبية نحو التوافق على وثيقة اتفاق سياسي هش قاموا بالتوقيع عليه في مدينة الصخيرات المغربية في 17 ديسمبر 2017م.

إلا أن هذا الاتفاق وعلى الرغم من أنه يكاد يكون هو المرجعية الوحيدة لكل التوافقات الليبية التي تحظى بدعم دولي، وخلافاً للمأمول منه لم ينجح في إنهاء الأزمة الليبية، بل ربما كان سبباً كما يعتقد الكثيرون في إضفاء مزيد من حالة الاستعصاء على القابلية للحل السياسي للأزمة، ولتدخل البلاد به ونتيجة لتداعيات الخلاف حول تفسير مضامين بنوده في مرحلة جديدة أعنف من النزاع المسلح عندما قامت تشكيلات مسلحة تابعة للواء المتقاعد خليفة حفتر بمهاجمة العاصمة طرابلس، في 4 أبريل 2019م، منيت فيها بهزيمة كبيرة، في 6 يونيو 2020م، عندما أعلنت حكومة الوفاق الوطني سيطرتها على كافة الحدود الإدارية، هزيمة كان من أهم نتائجها أن جعلت من فرضية إنهاء الأزمة عن طريق الحسم العسكري التي تعتقد بها بعض من أطرافها وقواها الرئيسة داخلياً وخارجياً، أضعف ما تكون من أي وقت مضى، ولتتاح الفرصة من جديد أمام الأمم المتحدة من خلال بعثتها الدائمة في ليبيا وفي حلقة جديدة من مسارها السياسي أن تقود حواراً جديداً اجتهدت فيه بتوجيه الدعوة لـ75 شخصية ليبية ليكونوا أعضاء في جسم جديد قامت بإنشائه تحت مسمى «ملتقى الحوار السياسي الليبي»، في أواخر عام 2020م، من أجل العمل على صناعة خارطة طريق جديدة لحل الأزمة الليبية تنتهي بإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية.

وعلى الرغم من الصعوبات المختلفة التي واجهت أعمال ملتقى الحوار السياسي وحملة التشكيك التي طالت شرعية مخرجات أعماله وشخوص أعضائه، فإن هذا الملتقى نجح في الوصول إلى تحقيق نقطتين مهمتين؛ الأولى: تحديده لتاريخ 24 ديسمبر 2021م كموعد لإجراء الانتخابات الليبية، والثانية: اختياره لسلطة تنفيذية مؤقتة مكونة من مجلس رئاسي يرأسه محمد المنفي، وحكومة يرأسها عبدالحميد الدبيبة رئيساً للوزراء، تمهيداً للانتخابات 24 ديسمبر المقبل، إلا أن أعضاء الملتقى فشلوا في التوافق على الأهم وهو صياغة القاعدة الدستورية التي بها وبناءً عليها سيتم إجراء هذه الانتخابات المأمولة.

تطورات الأزمة بعد تشكيل السلطة التنفيذية:

بعد تشكيل الحكومة، كان من أهم الملامح العملية لدخول خارطة الطريق المتفق عليها حيز التنفيذ، قيام المفوضية العليا للانتخابات بفتح سجلات الانتخابات أمام المواطنين.

ومن الناحية السياسية، وفي خطوة أعطت انطباعاً إيجابياً لدى الكثير من المتابعين والمعنيين بالشأن الليبي بأن الأزمة في طريقها نحو التسوية، قام مجلس النواب الليبي، في 10 مارس 2021م، باعتماد التشكيلة الوزارية المقدمة من عبدالحميد الدبيبة، انطباع ما لبث أن بدأ في الانحسار شيئاً فشيئاً مع بدء ظهور حالة من الشك وعدم الثقة بين الحكومة من جهة ومجلس النواب من جهة أخرى، حين اختلف الاثنان حول الميزانية العامة للدولة وقضايا أخرى مرتبطة بالصلاحيات والاختصاصات الممنوحة، لتصل هذه الخلافات إلى الذروة حين قام مجلس النواب الليبي، في 21 سبتمبر الماضي، وفي خطوة متقدمة جداً، باتخاذ قرار بسحب الثقة من حكومة الدبيبة بحجة أنها لم تقم بتنفيذ المهام التي وجدت من أجلها؛ وهي توحيد المؤسسات ورفع مستوى الخدمات والاستعداد للانتخابات في 24 ديسمبر المقبل.

إلا أنه، وعلى غير العادة، يمكن القول بوجود توجه شعبي ظاهر يمكن رصده بوضوح داعم لحكومة الدبيبة ورافض لقرار مجلس النواب بسحب الثقة، والسبب في ذلك يكمن في وجود شعور قوي عند هؤلاء بأن هذا القرار يعرقل جهوداً ملموسة يقوم بها الدبيبة من أجل تحسين ظروفهم المعيشية، كما أن القرار يعني أن إجراء انتخابات، في 24 ديسمبر المقبل، سيصبح أمراً صعباً جداً إن لم يكن مستحيلاً؛ مما يعني أن المستفيد الأكبر والمباشر من قرار سحب الثقة هو من أصدره؛ أي البرلمان الذي سيستمر أعضاؤه في البقاء في مراكزهم، هذا على صعيد ردود الفعل داخلياً، أما خارجياً فتكاد تكون كل الدول المعنية بالأزمة -على الأقل ظاهرياً- غير مؤيدة لقرار البرلمان بسحب الثقة من الحكومة؛ بسبب أن هذه الخطوة تعيق فرصة إجراء الانتخابات في موعدها المحدد، وتزيد من تعميق حدة الخلاف السياسي بين القوى السياسية الليبية؛ مما يعني إعادة الأزمة الليبية إلى مربعها الأول.

التطور الثالث الأهم بعد التوافق على تشكيل السلطة التنفيذية هو قيام رئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح بإصدار قانون للانتخابات، كان سبباً هو الآخر في إدخال البلاد بمرحلة متقدمة جداً وأشد خطورة من التنازع بين قواها السياسية حين اختلفوا بشدة حول شرعية هذا القانون من عدمه، تنازع يمكن رصده في ردود الفعل المتباينة من هذه القوى السياسية من هذا القانون، ففي حين نجد أن من رحب به وبصدوره كانوا هم أغلب أعضاء مجلس النواب من المنطقة الشرقية وبعض نواب المنطقة الجنوبية من ليبيا، إضافة إلى اللواء المتقاعد خليفة حفتر، وأنصار النظام السابق، قوبل هذا القانون من الجهة الأخرى بمعارضة شديدة جداً من المجلس الأعلى للدولة وأغلب نواب المنطقة الغربية والجنوبية ودار الإفتاء وحزب العدالة والبناء والكثير من الشخصيات السياسية البارزة، وأخيراً - وربما هذا هو الأهم- من أغلب التشكيلات المسلحة في المنطقة الغربية.

وفي المجمل، يمكن حصر مبررات الرفض لقانون صالح للانتخابات في التالي:

- عدم تشاور مجلس النواب مع المجلس الأعلى للدولة قبل إصداره للقانون، كما تنص على ذلك وثيقة الاتفاق السياسي الصادرة عن ملتقى الحوار السياسي في اجتماعه المنعقد بمدينة جنيف، في 5 فبراير الماضي.

- الغموض وعدم الشفافية في كيفية إصداره والتصويت عليه.

- مضامين بنوده وخصوصاً النص الذي يعطي للعسكريين وحملة الجنسية المزدوجة حق الترشح لرئاسة البلاد.

- إعطاء فرصة كبيرة لأنصار النظام السابق للعودة مرة أخرى للحكم.

- إعطاء فرصة كبيرة لحفتر للوصول للسلطة بطريقة سياسية.

- إعطاء الفرصة للذين خرجوا من المشهد السياسي نهائياً بعد اختيار الدبيبة كرئيس للحكومة إلى العودة من جديد للمشهد.

تفاعلات دولية:

دولياً، تباينت المواقف من قانون عقيلة صالح للانتخابات، ما بين مؤيد ومعارض، ففي الوقت الذي أعلنت كل من مصر وفرنسا وروسيا تأييدها له، كانت دول أخرى أبرزها تركيا والجزائر وقطر والولايات المتحدة إضافة إلى الأمم المتحدة معارضة أو على الأقل متحفظة بشدة على قانون صالح، مرجعة ذلك إلى جملة من المبررات يمكن حصرها في التالي: ـ

- القانون صدر بطريقة مخالفة لخارطة الطريق المتفق عليها في مخرجات ووثائق جلسات الحوار السياسي التي ترعاها بعثة الأمم المتحدة في ليبيا.

- إجراء انتخابات وفقاً لهذا القانون بمثابة فرصة كبيرة لإعادة التموضع من جديد للقوى المتحكمة في إدارة البلاد.

- إجراء الانتخابات وفقاً لهذا القانون يمثل فرصة كبيرة لوصول القوى الداعمة لخيار وصول حفتر لحكم البلاد وإقصاء للقوى المحسوبة على تيار فبراير والتيار الإسلامي.

- من جانب آخر، إجراء انتخابات وفقاً لهذا القانون سيؤدي لفقدان كل المكاسب السياسية والعسكرية والأمنية التي تم تحقيقها بفعل التدخل المباشر في تفاصيل الأزمة الليبية.

السيناريوهات المتوقعة للأزمة:

السيناريو الأقوى عدم إجراء الانتخابات؛ للأسباب التالية:

- غياب السيطرة الأمنية والعسكرية والسياسية الموحدة شرقاً وغرباً وجنوباً، كل رقعة جغرافية منفصلة واقعياً عن الأخرى.

- الرغبة الشديدة والمستميتة عند القوى المتحكمة في القرار الإداري والسياسي بالدولة في الاستمرار بالبقاء في السلطة (أعضاء مجلس النواب، أعضاء المجلس الأعلى للدولة، محافظ البنك المركزي، رئيس المؤسسة الليبية للنفط، رئيس المؤسسة الليبية للاستثمار، رؤساء كبريات مناصب الإدارة العليا والوسطى)، وإجراء الانتخابات مهدد حقيقي كبير لهذا الاستمرار.

- غياب وجود حتى الحد الأدنى من التوافق على قانون صالح الذي ستجري بناءً عليه ووفقه الانتخابات، فإذا ما سلمنا أن الانتخابات من السهل إجراؤها في المنطقة الشرقية بسبب دعم حفتر للقانون المنظم لها، فإن إجراءها في المنطقة الغربية غير ممكن مطلقاً بسبب الرفض الشديد لهذا القانون من أغلب القوى الرئيسة المتنفذة في هذه المنطقة.

- قرار سحب الثقة من الحكومة سيعطيها الحجة بأنها عاجزة عن القيام بالمتطلبات الإدارية والفنية اللازمة المتعلقة بإتمام العملية الانتخابية.

- أخيراً، وهذا هو المهم، أن دولاً جد مؤثرة في الشأن الليبي ضد إجراء أي انتخابات خوفاً وتحسباً لأي تداعيات تترتب عليها ويعاد بها رسم التموضع السياسي من جديد، وبشكل يفقدها القدرة على الحفاظ على مكاسبها السياسية والعسكرية والأمنية التي تمتلكها الآن، ويجعل من فرصها الاقتصادية المأمولة ضعيفة جداً إن لم تكن معدومة.

السيناريو الأضعف اندلاع الحرب؛ للأسباب التالية:

- حدوث تغيير في البيئة الإقليمية والدولية المعنية بالملف الليبي بما شهدته من تقارب وتبدل في المواقف البينية بين الدول الرئيسة في هذه البيئة.

- وصول التشكيلات المسلحة بما فيها القوات المسلحة التابعة لحفتر لحالة الإنهاك التام وعجزها الظاهر للقدرة على حسم الخلاف فيما بينها بقوة السلاح.

- كذلك، وصول مستويات القوة بين الأطراف السياسية والعسكرية الليبية لما يمكن أن نسميه نقطة التوازن، جهة مدعومة بقوة وإن كان بشكل غير مباشر من روسيا، وجهة أخرى مدعومة بقوة بشكل مباشر من تركيا، وبطريقة أصبح معها لا يمكن بأي حال من الأحوال تصور وصول حل للأزمة الليبية بما في ذلك إجراء الانتخابات من عدمها إلا من خلال الوقوف فقط على حالة التوافق التركي الروسي من المسألة الليبية.

إذن، يتوقع أن يستمر الوضع الحالي كما هو في ليبيا بعد موعد انتخابات 24 ديسمبر 2021م، مع الدخول في جولة جديدة من الحوار برعاية الأمم المتحدة وبعثتها الدائمة في ليبيا.

كما أن هناك مخاوف من حدوث انفجار أمني كبير بها يجعل من كل الدول المعنية بالملف الليبي حريصة كل الحرص على المحافظة على الحد الأدنى من الاستقرار في هذا البلد، لا حباً في شعبه، ولكن لما سيترتب على هذا الانفجار من تداعيات سيئة على محيطه الإقليمي والدولي بداية من موجات الهجرة غير الشرعية والجريمة المنظمة العابرة للحدود.

وأخيراً، وهذا هو المهم، أن تتحول هذه البلاد لموطن ارتكاز لدول متضاربة سياسياً كروسيا ومصر وفرنسا وتركيا (وربما تدخل كذلك الجزائر على الخط ناهيك عن أمريكا).

الخاتمة:

تستمر الأزمة الليبية في انسدادها، ولا مؤشرات حقيقية حتى الآن عن قرب الوصول إلى حل لها، ليس لأسباب خارجية؛ بل لأسباب أخرى تنحصر في تلك النوعية من النخب السياسية المرتهنة القابضة على مفاصل إدارة الدولة التنفيذية والتشريعية والقضائية، وهي تفتقد حتى للحد الأدنى من الروح الوطنية الكفيلة بأن تجعلهم سبباً في إنقاذ بلدهم مما يتعرض له من مخاطر قد تؤدي إلى تلاشيه بعد أن جعلت منه الكثير من القوى الإقليمية والدولية مسرحاً للتنافس على النفوذ ولتحقيق مصالحها الاقتصادية والسياسية.

آخر تعديل على الأحد, 10 أكتوبر 2021 09:37

مجتمع ميديا

  • من يصنع الإرهاب بالعالم؟

ملفات تفاعلية

ملف تفاعلي - للعدد 2158

ملف تفاعلي - للعدد 2158

الأربعاء، 18 أغسطس 2021 8696 ملفات تفاعلية

ملف تفاعلي - للعدد 2157

ملف تفاعلي - للعدد 2157

الإثنين، 12 يوليو 2021 9358 ملفات تفاعلية

ملف تفاعلى للعدد 2156

ملف تفاعلى للعدد 2156

الأحد، 13 يونيو 2021 18629 ملفات تفاعلية

إقرأ المجتمع PDF

azs 2153