مجلة المجتمع - تفجيرات بروكسل ترمز لاستهداف أوروبا
طباعة

تفجيرات بروكسل ترمز لاستهداف أوروبا

د. محمد الغمقي باريس الأربعاء، 23 مارس 2016 06:59
  • عدد المشاهدات 986

أعادت تفجيرات بروكسل للأذهان ما حدث في باريس منذ أشهر، نفس المشاهد والصور الدامية، ونفس الرعب والفزع الذي ينتاب مواطنين عاديين، مع فارق بسيط، ولكنه مهم؛ وهو أن بلجيكا عاصمة أوروبا؛ مما جعل البعض يتحدث عن دخول أوروبا مرحلة جديدة من العنف غير المسبوق، ولكنه غير المستغرب بل المتوقع، في ظل التركيز الإعلامي والسياسي على ملف الإرهاب وتداعياته، ولكن التساؤلات الحقيقية تبقى مطروحة، وبدأ المسؤولون السياسيون يعون دقة المرحلة ويصارحون شعوبهم بحقيقة المخاطر التي تنتظرهم.

كانت تصريحات الوزير الأول البلجيكي شارل ميشال صريحة عندما تحدث عن الوضع الأمني الخطير في بلده، وجاءت كلمة الملك البلجيكي فيليب دو بلجيك مطمئنة للشعب البلجيكي – باعتباره الرمز الشرفي لقيادة البلد - مؤكداً عزم بلاده على محاربة الإرهاب في كنف الهدوء والكرامة، داعياً شعبه للتحلي "بالثقة في النفس التي هي مصدر القوة"، ولكن كلمته تحمل في طياتها قلقاً من المستقبل المجهول فهو يتحدث عن ما قبل وما بعد يوم 22 مارس.

بلجيكا المنطقة الرخوة في الكيان الأوروبي الغربي؛ ولهذا ركز الخطاب السياسي على وحدة الصف الداخلي في مواجهة خطر الإرهاب، وهناك شعور سائد بأن الأطراف المتشددة الدينية والسياسية العنصرية تستفيد من الوضع الهش الذي تمثله بلجيكا عاصمة أوروبا ذات العشرة ملايين ساكن في غرب أوروبا على مساحة تقدر بـ30528 كم2، وذلك لعدة أسباب؛ منها أنها تعدّ المنطقة الرخوة في الكيان الأوروبي الغربي باعتبارها منطقة عبور مهمة بين بلدان كبرى مثل ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وبلدان شمال أوروبا، إضافة إلى ما تعانيه من أزمات سياسية على خلفية الصراع الثقافي اللغوي بين الكتل الجغرافية الثلاث في بلجيكا:

كتلة الفليميش (59% من إجمالي السكان) في الشمال يغلب عليها الطابع الهولندي لغة وثقافة كتلة الوالونس (40% من إجمالي السكان) في الجنوب يغلب عليها الطابع الفرنسي لغة وثقافة، كتلة الجرمان (1% من إجمالي السكان) في الشرق يغلب عليها الطابع الألماني لغة وثقافة.

ومن خلال قراءة انطباعات المواطنين، يتبين أن الرأي السائد كان ينتظر وقوع مثل هذه الأحداث، ولكن ليس بهذا الحجم من المأسوية، ولسان حال البعض يقول: لماذا بلجيكا، فشعبها مسالم ومعترف بالتعددية الثقافية والدينية، علماً بأن الدين الإسلامي معترف به في بلجيكا منذ عام 1974م بعد جهود قام بها الملك فيصل رحمه الله، ومن نتائج هذا الاعتراف الرسمي إدخال مادة التربية الإسلامية ضمن البرامج المدرسية لأبناء المسلمين فضلاً عن صرف الدولة رواتب الأئمة وتحمّل بعض من نفقات المساجد؟

وفي الشارع البلجيكي، انتشر الحجاب بشكل لافت، وكذلك المحلات والمطاعم المغاربية والتركية، وباعتبار الجالية المغربية هي الأكثر حجماً، فإن الطابع المغربي بارز في المدن الكبرى مثل بروكسل وشارل روا ولياج.. وتوجد فضاءات للعائلات في صالونات الشاي تذكر بأجواء البلاد العربية، كل ذلك في ظل أقدار كبيرة من التعايش والتفاهم، ولهذا كان التخوف الأكبر لدى نسبة كبرى من الشعب والحكومة من انفراط عقدة هذه اللحمة الاجتماعية، خاصة بين المسلمين وبقية مكونات المجتمع.

تساهل وتباطؤ في معالجة ظاهرة التشدد

ووجهت انتقادات في الداخل والخارج إلى الحكومة البلجيكية في عدم الأخذ بجد ظاهرة التشدد الديني التي استفحلت منذ سنوات وتداعياتها المتمثلة في مظاهر التطرف في الخطاب والسلوك.

ومن بين الجهات المنتقدة للسياسية البلجيكية في التعاطي مع ملف التشدد، أطراف من الحكومة الفرنسية مثلما جاء على لسان وزير المالية الفرنسي ميشال سابان؛ مما دفع الوزير الأول الفرنسي مانيال فالس إلى الاعتراف بأن الأمر لا يتعلق ببلجيكا فحسب، وصرح اليوم الأربعاء 23 مارس على قناة إذاعية "أوروبا واحد" بأنه في كل أوروبا وفي فرنسا أيضاً تم غض الطرف على تنامي الأفكار المتطرفة في الأحياء حيث يختلط بيع المخدرات بالتطرف الإسلامي؛ مما أدى إلى إفساد شريحة من الشباب، ودعا الأطراف الأوروبية مجتمعة إلى التصدي المشترك لظاهرة الإرهاب فأوروبا هي المستهدفة ولهذا يجب أن يكون الجواب أوروبياً.

واعتمد نهج المصارحة، والرسالة موجهة إلى الرأي العام الأوروبي حيث أضاف: إنه صراع طويل المدى في الداخل والخارج، ويجب مصارحة مواطنينا بأنها مسألة جيل، معللاً كلامه بأن آلاف الأشخاص سقطوا في فخ التشدد وتبنوا أفكاراً تسوغ لهم رفض نمط المجتمع الغربي القائم على التسامح والعلمانية، والمساواة بين الرجال والنساء، والديمقراطية، كما تسوغ لهم نشر أيديولوجية الموت بما يعني أن الصراع يحتاج إلى طول نفس عبر استخدام أسلحة دولة القانون.

تقارب بين القيادات السياسية والمؤسسات الإسلامية

ولعل بداية الوعي بمخاطر التطرف على المجتمعات الأوروبية أثمرت بداية تقارب بين القيادات السياسية والمؤسسات الإسلامية الكبرى للتعاون في عملية نزع فتيل الغلو من عقول شريحة من الشباب المسلم في الغرب، وشعور السلطات الرسمية بعجزها عن القضاء على هذا المرض إذا اقتصرت على التلويح بالحل الأمني. وفي هذا الإطار، عقدت يوم الاثنين 21 مارس ندوة مهمة في باريس جمعت ممثلين عن الدولة وعن المؤسسات الإسلامية للبحث عن حلول مشتركة لظاهرة التشدد، واعتبر عدد من المسؤولين في المؤسسات الإسلامية مثل هذا اللقاء خطوة مهمة في الاتجاه الإيجابي.

آخر تعديل على الأربعاء, 23 مارس 2016 20:07