العراق: كارثة القادم بالأرقام

19:02 04 مايو 2016 الكاتب :   عامر العبادي

في الوقت الذي يطالب فيه الساسة السُّنة بمنح حصة المكون من الدرجات الخاصة، وهذا ما ثبتوه في وثيقة الإصلاح التي تعهد بتنفيذها العبادي حال استلامه للسلطة، وخلال مدة لا تتجاوز الأربعة أشهر، وكان في كل هذا غير دقيق، علماً أن حصتهم المقرة وفق الدستور تصل إلى 34% من مجمل الدرجات الخاصة، وحسب النسب السكانية، إلا أنها إلى الآن لم تصل إلى 8%.

وأبرز علامة لعدم التزام العبادي بتعهداته كان يوم 10/ 9/  2015م؛ حيث ظهرت قائمة تحتوي على 123 شخصية من أسماء المديرين العامين ووكلاء الوزارات ممن أعفاهم العبادي في حين غفلة بدعوى التقليصات الوزارية، وتحت عنوان الإصلاحات، فصفق له المطبلون والمرجعيات الدينية ووسائل الإعلام، الشيء الذي لا يعرفه الجمهور أن نسبة عالية من هذه القائمة كانت من المكون السُّني.

وفي أجواء الإصلاحات ذاتها أطل علينا السيد رئيس الوزراء د. حيدر العبادي من جديد بمفهوم "الوزراء التكنوقراط"، وأيضاً صفق له المطبلون ووسائل الإعلام والمرجعية الدينية كالعادة.

وكالعادة أيضاً يدفع ثمنها المكون السُّني، ففي الوقت الذي كان لديه 7 وزارات ستبقى له اثنتان أو ثلاث، وقد يؤتي بسُنة المالكي أو سنة التيار الصدري الذين لا يمثلون المكون ولا يمثلون تطلعاته واحتياجاته ليكونوا وزراء تكنوقراط ممثلين للمكون في الوقت الذي سيعملون فيه من أجل من جاء بهم لا من أجل قضية.

ليس هذا فحسب، بل كاد المكون السُّني أن يفقد أرفع منصب له وهو رئاسة البرلمان في أزمة حبست فيها الأنفاس ولم تمر إلا وقد أفرزت مؤشرات كثيرة، أهمها "من للمكون ومن عليه"، من أعضاء البرلمان ورؤساء الكتل وعلى رأسهم د. إياد علاوي الذي هو على رأس قائمة سُنية، وهو كالعادة يصطف مع الشيعة في أي موقف لا يخدم السُّنة بدعوى أنه علماني.

من دواعي الفوضى

ولكي ندخل عمق أكثر وبتفاصيل تحيطنا بمزيد من التصورات والقراءات للساحة السياسية العراقية، علينا أن نعرف أنه قد نشرت وزارة النفط بيانات عن الإيرادات المتحققة للربع الأول من العام الحالي 2016م، والمعلوم أن إيرادات النفط تمثل أغلب إيرادات العراق.

كان معدل الصادرات النفطية هي 3.3 مليون برميل يومياً، ومعدل سعر البيع هو 25 دولاراً للبرميل، ولو فرضنا أن معدلات الإنتاج والأسعار ستتراوح بهذا المستوى وعدم هبوط الأسعار وإمكانية العراق التصديرية لم تتعرض للنقصان, عندها ستكون وارداتنا السنوية من النفط بحدود 30 ملياراً سنوياً، سندفع منها 15 – 20 دولاراً لكل برميل لشركات النفط لتكاليف الإنتاج، حسب شروط عقود تراخيص النفط الجائرة؛ أي سيكون الصافي لنا 10 - 15 مليار دولار (بينما الموازنة مبنية على أساس 95 ملياراً).

ما الذي سيحصل هذا العام وما بعده؟

ستذهب الدولة للسحب من احتياطي البنك المركزي (وهذا يعني انهيار الدينار العراقي أسوأ مما كان عليه قبل عام 2003م).

ستذهب الدولة للاقتراض من الخارج بشروط قاسية ومذلة، ومنها فقدان السيادة في كل شيء والخضوع المطلق لشروط صندوق النقد الدولي، ومنها رفع الدعم عن الطاقة والخدمات والصحة والتعليم والنقل وحتى الغذاء, حتى شراء السلاح سيخضع لإرادتهم.

ستذهب الدولة إلى فرض الضرائب والتنصل من تقديم الخدمات بكل أنواعها بسبب الإفلاس.

ستنتشر وتزيد البطالة وسيفقد الأمن وتنشط المليشيات والعصابات، وسيزداد الفقر بين الناس وستكثر الجرائم.

وهنا سيستمر كل السياسيين وعلى رأسهم العبادي لخلق المشكلات فيما بينهم، وإقحام المواطنين ورؤساء الأحزاب ورجال الدين في هذه المشكلات؛ مما يؤدي إلى فوضى اجتماعية كبيرة, وعندها سينشغل المواطنون، ويبقى الشعب يعاني الفقر والذل بعد أن سرقت أمواله وثرواته وتكبيله بالديون وفوائدها.

"التكنوقراط".. أزمة أم حل؟

وهذا ما حصل في موضوع التكنوقراط، فانشغل الشعب بهذه الأزمة، ومنذ أكثر من شهرين وقد تناسى أزمة ديالى والفلوجة ونينوى والأنبار وجرف الصخر وأزمة "داعش" والأزمات الإنسانية الخاصة بأربعة ملايين نازح ومهجر.

اعترضت الكتل السياسية على آليات رئيس الوزراء في تناوله لملف الإصلاحات، مطالبين العبادي ببيان تقصير وزرائهم لمحاسبتهم، وأن التغيير المقصود ينبغي أن يكون على أسس علمية لا بقرارات ارتجالية غير مدروسة، بل أن العبادي كان ومنذ زمن قريب يدعي أن وزارته ناجحة ومنسجمة في عملها، فما الذي تغير؟

وعلى فرض صحة هذه الادعاءات نتساءل:

هل كان الوزراء السابقون فاشلين؟ وإذا كانوا كذلك لماذا رشحتموهم واحتفظتم بهم طيلة ثلاث عشرة سنة؟

هل الدرجة العلمية والشهادة العالية هي شهادة تزكية للشخص ووثيقة نزاهة تعصمه من الفساد المالي والإداري؟

هل باستطاعة هذا المرشح التنكر للكتلة التي رشحته وعصيان أوامرها مهما كان مستقلاً ونزيهاً؟

كيف يستطيع إدارة الوزارة بنجاح وإصدار أوامر تتقاطع مع مديرين ومديرين عامين ومستشارين تابعين لمختلف الكتل والأحزاب؟

من يضمن للوزير المستقل الجديد أنه سيكون في أمن وأمان من سطوة وتلفيقات وتآمر وطعن واتهام الكتلة التي رشحته، وأنها لن تطيح به في حال اعترض على مطامعها وفساد مديريها؟!

ثم ما الذي فعلتموه للوزراء المفسدين أو الفاشلين المقالين؟

ومع هذا فقد أمر العبادي بتشكيل لجنة لتقييم ودراسة الأسماء المرشحة من قبل العبادي (بمعنى ترشيحات مجموعة العبادي داخل حزب الدعوة)؛ لأن حزب الدعوة الذي يرأسه المالكي انشق وبشكل غير رسمي إلى مجموعة مؤيدة للعبادي وأخرى مؤيدة للمالكي، شكلت هذه اللجنة من مكتب العبادي وشخصيات قريبة منه، وبالنتيجة أعلنت هذه اللجنة قائمة من الأسماء المرشحة كلهم مناصرون أو منتمون بشكل غير معلن لحزب الدعوة، وأكيد أن الذي رشحهم تربطه بهم علاقات متينة، وإلا لماذا رشحوا رئيس الجامعة الفلانية ولم يرشحوا رئيس جامعة أخرى؟ ولماذا رشحوا المدير الفلاني ولم يرشحوا مديراً آخر؟ من يجزم أنهم مستقلون؟ والكل يعلم أن مناصب المديرين العامين في الوزارات لا يشغلها مستقلون، بل هي مناصب محاصصة حزبية، ولا تخلو من الفشل والفساد المالي والإداري، فأين الاستقلالية في هذه القائمة؟

وأيضاً فإن هذه القائمة ضحك على الذقون وبعيدة عن الاستقلالية كما أسلفنا، بدليل انسحاب المرشح الكردي لمنصب وزير النفط نزار محمد سليم، وقال: إن سبب انسحابه عدم وجود توافق سياسي مع حكومة إقليم كردستان، فعن أي مستقلين يتحدثون؟

كما أن المحاصصة لا يمكن لأحد إلغاءها لأنها استحقاق انتخابي يفرضه المواطن الناخب، وهذا لا يمكن تجاوزه، فلا الشيعي ينتخب السُّني، ولا السُّني ينتخب الشيعي، ولا العربي ينتخب الكردي، ولا الكردي ينتخب العربي، وحتى العلماني لا ينتخب الإسلامي.

عدد المشاهدات 734

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top