هل الحرب على الأبواب بين أمريكا وإيران أم "جعجعة بلا طحن"؟

23:40 17 مايو 2019 الكاتب :   تحليل - يوسف أحمد:

مع حلول ذكرى مرور عام على خروج واشنطن من الاتفاق النووي الإيراني، وتهديد إيران بالانسحاب من الاتفاق خلال شهرين، بعدما أعادت أمريكا العقوبات ومنعتها من تصدير النفط أو اليورانيوم المخصب، وتهديد إيران بغلق مضيق هرمز ومنع تصدير نفط الخليج، وتصعيد عسكري متبادل، تبدو منطقة الخليج مقبلة على صيف ملتهب.

فمنذ إعادة فرض حظر أمريكي شامل على النفط الإيراني أبريل 2019م، وفرض عقوبات على أي دولة تستورد نفطاً من إيران، وتهديد طهران بإغلاق مضيق هرمز (الذي يخرج منه نحو 90% من نفط الخليج المصدر للخارج)، وإشارات الحرب تتصاعد والتجهيزات العسكرية مستمرة، والوضع متوتر في الخليج وأسواق النفط الدولية.

كل السيناريوهات باتت مفتوحة في منطقة الخليج في ظل التصعيد الأمريكي والتهديدات الإيرانية وتعليق بعض التزاماتها النووية في الاتفاقية الدولية، وإصرار ترمب على إدخال المنطقة في حالة توتر مستمر، والمستفيد الأكبر الكيان الصهيوني والخزانة الأمريكية، خاصة أن الهدف الأمريكي من الاتفاق النووي مع إيران هو الحد من سعي العرب لاقتناء النووي أيضاً.

ولكن السيناريوهين الأكثر توقعاً هما:

 الأول: يتوقع تصعيداً في التهديدات يصل إلى غلق إيران مضيق هرمز بالقوة المسلحة حال وصلت صادرتها النفطية إلى "صفر"، ومواجهات عسكرية بين الأسطول الأمريكي في المنطقة وإيران، قد تصل إلى حرب شاملة في المنطقة كلها وتطال الخليج، وسورية والعراق، و"إسرائيل"، وغيرها.

الثاني: يرى أن ما يحدث لن ينتهي لشيء، بسبب فشل العقوبات الأمريكية، وعدم وصول صادرات إيران النفطية إلى الصفر، ويعتبر ما يجري "جعجعة بلا طحن" أو "كثيراً من اللغط حول لا شيء" على غرار اسم المسرحية الكوميدية للكاتب ويليام شكسبير "Much Ado About Nothing" أو "جعجعة بلا طحن".

وقائع التصعيد ومرحلة الأزمة

بدأت الأزمة بإعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي المبرم عام 2015م بين إيران والدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي، بالإضافة إلى ألمانيا، ثم انسحاب ترمب من الاتفاق في 8 مايو 2018م، ثم إعادة فرض العقوبات الاقتصادية على إيران، التي شملت تعطيل معاملات مالية وواردات المواد الأولية وإجراءات عقابية في مجالي صناعة السيارات والطيران المدني، وحظر بيع النفط.

وأعقب هذا تهديدات إيرانية بإغلاق زوارقها البحرية الملاحة في مضيق هرمز، وإرسال واشنطن حاملة طائرات وقوّة من القاذفات، وتهديدات في السادس من مايو الجاري، وقال مستشار الأمن القومي للبيت الأبيض جون بولتون: إنها رسالة واضحة لا لبس فيها إلى النظام الإيراني: سنرد بلا هوادة على أي هجوم ضد مصالح الولايات المتحدة أو حلفائنا.

في الثامن من مايو 2019م، قررت طهران تعليق بعض تعهداتها في الاتفاق النووي التاريخي المبرم عام 2015م مع الدول الكبرى بعد عام على القرار الأمريكي الانسحاب من الاتفاق، مهددة بإجراءات إضافية خلال 60 يوماً في حال لم تطبق الدول الموقعة على الاتفاق بعض التزاماتها.

ماذا يعني إغلاق مضيق هرمز؟

يفصل مضيق هرمز بين مياه الخليج من جهة، ومياه خليج عُمان وبحر العرب والمحيط الهندي من جهة أخرى، لهذا فهو المنفذ الأفضل لمرور نفط الخليج منه إلى آسيا وأوروبا، كما أنه المنفذ البحري الوحيد للعراق والكويت والبحرين وقطر.

ويحد المضيق من الشمال إيران ومن الجنوب سلطنة عُمان، التي تشرف على حركة الملاحة البحرية فيه باعتبار أن ممر السفن يأتي ضمن مياهها الإقليمية.

ويبلغ عرض المضيق 50 كيلومتراً، وعمق المياه فيه 60 متراً، وتكمن أهميته في أن حوالي 40% من الإنتاج العالمي من النفط يمر عبره، ويعد المنفذ الوحيد للدول العربية المطلة على الخليج العربي باستثناء السعودية والإمارات وسلطنة عُمان، وتصدر دول خليجية عبره نحو 90% من نفطها، بينما تصدر عبره الكويت وقطر وإيران كل إنتاجهم.

ويستوعب المضيق من 20 إلى 30 ناقلة نفط يومياً، وإغلاق للمضيق يعني قطع ارتباط الدول المنتجة للخام في الشرق الأوسط بالأسواق الرئيسة في مناطق آسيا والمحيط الهادئ وأوروبا وأمريكا الشمالية وغيرها.

ويعتبر المضيق جزءاً من أعالي البحار، وفقاً للقانون الدولي، وبالتالي يحق لكل السفن المرور فيه ما دام ذلك لا يضر بسلامة الدول الساحلية أو يمس نظامها أو أمنها، بما فيها سفن النفط الإيرانية.

"النووي" أخطر من "النفط"

رغم أن الإيرانيين والأمريكيين يركزون في أحاديثهم على حظر النفط الإيراني وتداعيات ذلك، تبدو الأخطار المترتبة على الجانب النووي أخطر من النفط.

فقد دخل الاتفاق النووي بين إيران والقوى الكبرى حول برنامج طهران النووي، حيز التنفيذ في 16 يناير 2015م بعد موافقة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وإعلانها أن إيران أنجزت المراحل التمهيدية الضرورية لبدء تطبيق الاتفاق الذي وقع في 14 يوليو 2015م، ما أدى إلى رفع العقوبات المفروضة على إيران.

وأبرز مكسب حصل عليه الغرب و"إسرائيل" من اتفاق عام 2015م كان الاتفاق على خفض عدد أجهزة الطرد المركزي التي تستخدمها إيران في تخصيب اليورانيوم من 19 ألف جهاز إلى 6104، وتشغيل 5060 منها فقط، فضلاً عن عدم تخصيب اليورانيوم فوق معدل 3.67% لمدة 15 عاماً على الأقل، وتقليص مخزون اليورانيوم منخفض التخصيب البالغ 10 أطنان إلى 300 كيلوجرام من اليورانيوم منخفض التخصيب، بنسبة 3.67% لمدة 15 عاماً (وهي نسبة أدنى بكثير مما يتطلبه بناء الأسلحة النووية).

الآن أعلنت إيران أنها ستجمد بعض بنود الاتفاق النووي، مثل زيادة تخصيب اليورانيوم (تخصيب اليورانيوم بنسبة أعلى من 3.67% المنصوص عليها في الاتفاق النووي)، ما يسمح بتوفيرها يورانيوم أكثر يصلح لبناء أسلحة نووية إن أرادت، ورد رئيس الوزراء الإسرائيلي على ذلك بقوله: "لن نسمح لها بامتلاك أسلحة نووية".

واتخذت طهران خطوتين أخريين، هما: وقف بيع اليورانيوم المخصب الفائض ووقف بيع الماء الثقيل، وقال وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف: إن إيران ستخفض بعد شهرين المزيد من التزاماتها في إطار الاتفاق النووي، وستزيد مستوى تخصيب اليورانيوم، مؤكداً أن طهران لن تبدأ حرباً ولكنها لن تستسلم.

وساعدها ضمناً إعلان الولايات المتحدة أنها ستبدأ فرض عقوبات على الصادرات الإيرانية من اليورانيوم المخصب التي يجيزها الاتفاق النووي، مع منح إعفاءات 3 أشهر تسمح بإبقاء الاتفاق حياً.

فبموجب الاتفاق يُسمح لطهران ببيع اليورانيوم المخصب بنسبة تفوق السقف المحدد في الأسواق الدولية، مقابل حصولها على اليورانيوم الطبيعي، لكن وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو أعلن عن تعديل في موقف الولايات المتحدة التي ستبدأ فرض عقوبات على أي جهة تشارك في مبادلة اليورانيوم المخصب باليورانيوم الطبيعي، وأيضاً المشاركة في تخزين الماء الثقيل الإيراني الذي يتخطى المعدلات المسموح بها.

ويقول مراقبون: إن إدارة ترمب تسعى إلى دفع إيران لخرق بنود الاتفاق، وبالتالي التسبب بانهياره، وهو ما من شأنه أن يفاقم عزلة طهران على الساحة الدولية، لهذا حذر روحاني من انهيار الاتفاق النووي وأمهل الدول الخمس شهرين، وأبلغ سفراء كل من بريطانيا وألمانيا وروسيا والصين بوقف بعض التزامات إيران بالاتفاق النووي لعدم التزام أمريكا بالاتفاق بدورها.

لهذا يبدو التصعيد العسكري المتبادل مؤشراً مقلقاً لاحتمالات الدخول في حرب بعدما نشرت طهران قواتها في الخليج ومضيق هرمز تحديداً، وأرسلت أمريكا حاملة طائرات وقاذفات "B52" القادرة على حمل رؤوس نووية لردع إيران، وبدأت في إطلاق تصريحات الحرب.

وربما يُمثل انسحاب إيران من الاتفاق، الذي استغرق التفاوض عليه سنوات طويلة، تطوُّراً خطيراً، خاصة بعدما أوضح الرئيس الإيراني حسن روحاني أن بلاده لن تُواصل الوفاء ببعض التزاماتها بموجب الاتفاق، فيما يتعلق بإنتاج المواد الانشطارية، وذلك بعد عامٍ واحد من إعلان دونالد ترمب أنَّ الولايات المتحدة ستنسحب من المعاهدة.

حرب بلا نار

مقابل سيناريو الحرب الملتهبة التي يجري الحديث عن صعود مؤشراتها، هناك سيناريو آخر يطرحه مراقبون وخبراء في الصراع الأمريكي الإيراني يركز على أن إدارة ترمب لا تتقن سوى التهديدات، وأنها لا تنفذ ما "تجعجع" بشأنه بدليل ما فعلته مع كوريا الشمالية والصين وغيرها.

وأن الولايات المتحدة الأمريكيّة فقدت هيبتها في مُعظم أنحاء العالم، ولم يعُد أحد يصدقها، منذ مجيء ترمب، وتهديداتها ليست سوى محاولة لإنقاذ ماء الوجه وتحويل الأنظار عن الفشل في منع الصادرات النفطية الإيرانية بالكامل ووصولها للصفر.

فالتهديد الأمريكي بإرسال حاملة طائرات أمريكية إلى المِنطقة ليس جديداً، والحاملات الأمريكية لم تغادر المنطقة كي تعود لها، كما أن هناك قوات وسفناً حربية أمريكية تجوب المنطقة باستمرار، وهناك تواجد عسكري جاهزة في الخليج مثل القاعدة البحرية للأُسطول الخامس في البحرين، والقاعدة الجوية في العديد بقطر، وغيرها.

والنفط الإيراني لا يزال يتدفق عبر مضيق هرمز ويجري تصديرها برغم الحظر والعقوبات الأمريكية، فلماذا ستغلق إيران أصلاً المضيق؟ وتهديدات بولتون، وبومبيو تبدو أكثر ميلاً للضغط وجلب إيران إلى مائدة المُفاوضات على 12 شرطاً أمريكياً جديداً للاتفاق النووي.

وهناك مئات المكاتب جرى فتحها في تركيا وكردستان العراق لتهريب النفط الإيراني، تمامًا مثلما أن معظم الدول المستوردة للنفط الإيراني مثل الصين والهند وتركيا رفضت الالتزام بالعُقوبات الأمريكية.

والأهم أن الأمريكيين عرضوا الحوار مع إيران ولقاء الرئيسين بنفس سيناريو التصعيد ثم التبريد الذي جرى مع كوريا الشمالية، وآخرها أثناء انعقاد الدورة الأخيرة للجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث عرض الوسطاء ترتيب لقاء له مع الرئيس ترمب الذي كان يتواجد هناك، ولكن الإيرانيين رفضوه لعدم ثقتهم في إدارة ترمب.

وهي مؤشرات لا تشير لحرب نارية كما يرى الخبراء، بقدر ما تشير إلى "حرب بلا نار" أو "حرب تصريحات".

بدليل أن مسؤولاً في وزارة الدفاع أكد أنه "لا حرب أمريكية إيرانية تلوح في الأفق"، مشيراً إلى أن الهدف الأساسي من التحركات في الخليج يتمثل في "إظهار قوة الردع العسكرية الأمريكية في وجه تهديدات إيران".

وقال وزير الدفاع الأمريكي بالوكالة بات شانهان، في وقت سابق: إن الإعلان عن نشر حاملة الطائرات "أبراهام لنكولن" ومجموعة من القطع الحربية في منطقة الشرق الأوسط، "يمثل إجراء احترازياً رداً على التهديدات الإيرانية".

بل إنه حين صرح به مستشار الأمن القومي الأمريكي جون بولتون أن هناك مؤشرات واضحة على وجود تهديد إيراني وشيك ضد مصالح أمريكية في المنطقة استدعى إرسال حاملة الطائرات الضخمة «إبراهام لنكولن» إلى مياه الخليج الدولية"، رد عليه معلق أمريكي في أحد التلفزيونات الأمريكية (ريتشارد أنجل، مراسل الشؤون الخارجية في تلفزيون "أن بي سي")، يقول: إن الأمريكيين يواجهون حالياً على الأرجح «تهديداً غير محدد بشكل دقيق، وليس وشيكاً بالشكل الذي تحدث عنه بولتون»!

وتساءل أنجل عن الهدف المحدد من وراء إرسال حاملة الطائرات هذه هل هو للتعامل مع تهديد لا يبدو جدياً بالشكل الذي صوره لنا مستشار الأمن القومي، أم لسبب آخر؟ وإذا كان هناك سبب آخر، فهل هو استفزاز إيران؟

أياً كانت التطورات المنتظرة وحرب عض الأصابع، فالمتضرر الأكبر هو دول الخليج التي ستعيش على أعصابها طوال فترة الأزمة ما سيحول صيف الخليج إلى صيف ملتهب ومعبأ بالقلق.

سيناريوهات المستقبل

يمكن توقع أربعة سيناريوهات لمستقبل الأزمة الإيرانية الأمريكية الجديدة على النحو التالي:

الأول: جر أمريكا المنطقة العربية ككل لحرب مع إيران في حالة تنسيقها مع تل أبيب للقيام بضربات جوية ضد إيران، حيث ستضطر طهران للرد بقصف تل أبيب والقواعد الأمريكية في العراق وسورية والخليج، وسيدخل "حزب الله" الحرب بضرب "إسرائيل" واندلاع حرب شرسة في لبنان، وقد تمتد المعركة إلى غزة، وهذا السيناريو قد يلجأ له ترمب للخروج من أزمته الداخلية وإرضاء المعسكر اليميني المتشدد في إدارته وتعزيز فرصه في الانتخابات المقبلة.

وقد يدفع طهران لذلك تأثير العقوبات مباشراً على صادرات إيران ووارداتها، وبالتالي تلجأ إلى حماية مصالحها ومنع الصادرات النفطية الخليجية من مضيق هرمز ما يشعل الحرب.

الثاني: انتهاء الأزمة كما بدأت دون أي مكاسب لأمريكا أو إيران على غرار ما جرى في ظل إدارة أوباما بالعودة لسلسلة مفاوضات جديدة تشارك فيها أوروبا بغرض تقديم إيران بعض التنازلات الطفيفة لحفظ ماء وجه إدارة ترمب، والوصول لاتفاق نووي جديد أو تحسين القديم عبر التوسع في فرض المزيد من العقوبات الاقتصادية على إيران بهدف تعميق أزمة القيادة الإيرانية، واللعب على وتر تغذية ثورة شعبية في ظل أوضاع اقتصادية متردية.

وقد يساهم في ذلك قدرة طهران على أن تتعايش مع العقوبات من خلال خبرتها التاريخية في هذا الصدد، لا سيما أنها واجهت سبعة مشاريع أممية تمخضت عن قرارات صادرة من مجلس الأمن الدولي، وتعايشت مع تلك العقوبات بدءاً من العام 2006 وحتى العام 2013م.

الثالث: اضطرار إيران للرضوخ والقبول بالمطالب الأمريكية خاصة لو جرى تشديد الحصار والمقاطعة ومنع بيع نفطها في الخارج، أي تستجيب إيران أو ترضخ إلى المطالب الأمريكية وتقبل بالتوصل إلى اتفاق جديد يشمل برامجها النووية والصاروخية الباليستية ودورها الإقليمي ووجودها العسكري في سورية واليمن والعراق ولبنان وفلسطين.

الرابع: انتهاء الأزمة كما بدأت بغياب إدارة ترمب في الانتخابات المقبلة ومجيء إدارة ديمقراطية أكثر مرونة مع إيران تعود للالتزام بالاتفاق النووي بين إيران والدول الكبرى.

عدد المشاهدات 1470

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top