أنقرة تسجل هدفاً بمرمى المتبارين على غاز "المتوسط" بالاتفاق مع ليبيا

12:38 07 ديسمبر 2019 الكاتب :   محمد صادق أمين

- جاء التحرك التركي نحو التفاهم مع الحكومة الشرعية الليبية في مواجهة تحركات أخرى لكل من مصر وقبرص واليونان ودولة الاحتلال

- الاتفاقية التركية الليبية حققت مكاسب لأنقرة وطرابلس وقلبت الطاولة على مساعي إقصائهما من معادلة تقاسم الثروات البحرية

 

سلط الاتفاق الذي وقعته تركيا مع حكومة الوفاق الليبية؛ والمتعلق بتحديد مجالات الصلاحية البحرية في البحر المتوسط، الضوء على الصراع المتصاعد على مخزونات الطاقة في المنطقة، وهو ما جعل الدول المتشاطئة تدخل في سباق محموم لترسيم الحدود البحرية بينها لانتزاع أكبر مكاسب اقتصادية ممكنة من الثروات الكامنة في أعماق البحر.

حيث صادقت لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان التركي، الخميس 5 ديسمبر، على مذكرة التفاهم التركية الليبية حول ترسيم حدود مناطق النفوذ البحرية التي تهدف لحماية حقوق البلدين بالاستناد إلى القانون الدولي، التي وقّعها الرئيس رجب طيب أردوغان، مع فايز السراج، رئيس المجلس الرئاسي لـ"حكومة الوفاق الوطني" الليبية، المعترف بها دولياً، في 27 نوفمبر الماضي، وأثارت ضجة كبيرة استدعت أن تطرد اليونان سفير طرابلس بعد إمهاله فترة زمنية محدودة لتقديم نص المذكرة لحكومة أثينا.

صراع الإرادات

وجاء التحرك التركي نحو التفاهم مع الحكومة الشرعية الليبية في مواجهة تحركات أخرى لكل من مصر وقبرص واليونان ودولة الاحتلال "الإسرائيلي" ودول أخرى؛ التي تسعى إلى رسم خريطة محددة للحصول على حصص كبيرة من ثروات الغاز والنفط الضخمة في البحر المتوسط، وعزل تركيا لأسباب سياسية مختلفة عند كل طرف من تلك الأطراف.

ففي يناير 2019م، وبناء على دعوة من وزير البترول والثروة المعدنية المصري طارق الملا، التقى وزراء النفط والطاقة؛ القبرصي واليوناني و"الإسرائيلي" والإيطالي والأردني والفلسطيني، لتأسيس "منتدى غاز شرق المتوسط".

وفي ختام الاجتماع، أصدرت وزارة البترول المصرية بياناً قالت فيه: إن الوزراء أشاروا إلى أن الاكتشافات الغازية الكبيرة في الحقول البحرية بشرق البحر المتوسط سيكون لها تأثير عظيم على تطور الطاقة والتنمية الاقتصادية بالمنطقة.

وأشارت إلى أن المجتمعين أكدوا أن التوسع في الاكتشافات الجديدة والاستغلال الأمثل لها سيكون له بالغ الأثر على أمن الطاقة بالمنطقة.

وبحسب البيان، فإن الوزراء اتفقوا على العمل على إنشاء سوق غاز إقليمية تخدم مصالح الأعضاء من خلال تأمين العرض والطلب، مع العمل على تنمية الموارد على الوجه الأمثل، والاستخدام الكفء للبنية التحتية القائمة والجديدة مع تقديم أسعار تنافسية، إضافة إلى تعزيز التعاون من خلال خلق حوار منهجي منظم وصياغة سياسات إقليمية مشتركة بشأن الغاز الطبيعي بما في ذلك سياسات الغاز الإقليمية.

وتابع البيان أن الدول المجتمعة سعت لتأسيس منظمة دولية تحترم حقوق الأعضاء بشأن مواردهم الطبيعية بما يتفق ومبادئ القانون الدولي، وتدعم جهودهم في الاستفادة من احتياطياتهم واستخدام البنية التحتية وبناء بنية جديدة، بهدف تأمين احتياجاتهم من الطاقة لصالح رفاهية شعوبهم.

واعتبرت أنقرة تأسيس المنتدى بمعزل عنها وعن طرابلس ودون الأخذ بنظر الاعتبار وجود الحكومة القبرصية في الشق التركي، عزماً على تقاسم ثروات الغاز بمياه شرق المتوسط بعيداً عن باقي الشركاء، وهو ما دفعها لاتخاذ موقف حازم بشأن حقوقها وحقوق قبرص التركية، فباشرت بالتنقيب عن الغاز قبالة سواحل قبرص الشمالية التركية، مبررة الخطوة بأنها تفعل ذلك بموافقة من حكومة الأخيرة، ونشر الحساب الرسمي لوزارة الدفاع التركية على موقع "تويتر" مقطعاً مصوراً يظهر قطعاً عسكرية تصاحب سفينة تنقيب تركية، مصحوباً بتعليق قالت فيه: "القوات البحرية التركية تتولى حماية عمليات التنقيب في شرق البحر المتوسط".

ويرى مراقبون أن أنقرة باشرت التنقيب عن الغاز شرق المتوسط في خطوة استباقية لرسم حدودها ومناطق نفوذها البحري، رغم مساعي دول الإقليم لإقصائها عن الساحة.

ثم جاءت الخطوة الجريئة الثانية، بتوقيع اتفاق ترسيم الحدود البحرية مع الحكومة الشرعية في طرابلس، حيث نشر المدير العام للحدود البحرية والجوية في الخارجية التركية، تشاغطاي أرجياس، عبر "تويتر"، خريطة تظهر حدود الجرف القاري والمنطقة الاقتصادية الخالصة لتركيا في البحر المتوسط.

وأوضح مسؤولو الخارجية التركية أنه بموجب هذه الخريطة، يتوجب عدم منح مناطق نفوذ بحرية للجزر اليونانية في المنطقة، والجهة الغربية من الجزيرة القبرصية، سوى مياهها الإقليمية.

وتؤكد الخارجية التركية أن اتفاقيتها مع ليبيا قائمة على الحدود المسجلة أممياً، حيث أرسلت تركيا بلاغاً إلى الأمم المتحدة في 13 نوفمبر 2019، مذكرة سجلت فيها بشكل واضح حدودها في شرقي المتوسط.

مكاسب قلبت الطاولة

حققت الاتفاقية التركية الليبية مكاسب لأنقرة وطرابلس على حد سواء، وقلبت الطاولة على مساعي إقصائهما من معادلة تقاسم الثروات البحرية، حيث أعطتهما منفذاً بحرياً إقليمياً مشتركاً سيمكنهما من التبادل التجاري البحري.

كما تعطي الاتفاقية تركيا حدوداً بحرية مشتركة، بين سواحلها في الجنوب الشرقي، وشمال شرق ليبيا، على مساحة 250 ميلاً بحرياً طولاً، فيما أعادت لليبيا 39 ألف كلم من المياه كانت ستذهب لسيطرة اليونان، التي يؤكد مراقبون أنها تقوم بخروقات في منطقة الجرف القاري الليبي الغنية بالغاز، مستغلة الفوضى وضعف الحكومة الشرعية.

وأعلن وزير الطاقة والموارد الطبيعية التركي، فاتح دونماز، في مؤتمر صحفي عقده يوم 4 ديسمبر الجاري، أن مذكرة التفاهم حول ترسيم حدود مناطق النفوذ البحرية مع ليبيا، أحبطت المحاولات الرامية إلى إقصاء تركيا عن المعادلة في شرق المتوسط.

وأشار إلى أن مؤسسات بلاده المرخص لها سوف تبدأ بأعمال استكشاف وإنتاج النفط والغاز شرق البحر الأبيض المتوسط في إطار الاتفاق التركي الليبي.

وأكد يلماز أن بلاده تعمل منذ فترة طويلة بأعمال التنقيب والمسح عبر سفنها في شرق المتوسط، وأن عملية التنقيب الخامسة تجري حالياً جنوبي جزيرة قبرص.

تجدر الإشارة إلى أن تركيا تعتمد على استيراد 75% من احتياجاتها من الطاقة من الخارج، ويتحمل ميزان مدفوعاتها 40 مليار دولار سنوياً، من هذا المنطلق تعتبر قضية غاز شرق المتوسط ذات أهمية كبرى لأنقرة، فمن الناحية الاقتصادية تعول على مخزونات الطاقة لسد شطر من احتياجاتها في المستقبل، ومن الناحية السياسية تسعى للحفاظ على مكانتها كقوة إقليمية مؤثرة في المنطقة.

ويرى مراقبون أن تركيا سجلت هدفاً متقدماً في مرمى خصومها، بعد أن فاجأتهم بالتوصل إلى اتفاق مع الجانب الليبي، وهي خطوة من شأنها أن تعيد رسم الحدود التي ألهبتها اكتشافات الغاز في قاع المتوسط، ويقدر تقرير لهيئة المسح الجيولوجية الأمريكية عام 2010م وجود (122 تريليون قدم مكعب) أو 3455 مليار متر مكعب من الغاز و كذا 1.7 مليار برميل من النفط قبالة سواحل فلسطين المحتلة وقبرص وسورية ولبنان.

عدد المشاهدات 1387

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top