د. علي الصلابي

د. علي الصلابي

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

ما إِن انتهت حروب الردَّة، واستقرَّت الأمور في الجزيرة العربيَّة الَّتي كانت ميداناً لها، حتَّى شرع الصِّدِّيق في تنفيذ خطَّة الفتوحات الَّتي وضع معالمها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجيَّش الصِّدِّيق لفتح العراق جيشين؛ الأوَّل بقيادة خالد بن الوليد، وكان يومئذٍ باليمامة، فكتب إِليه يأمره بأن يغزو العراق من جنوبه الغربيِّ، والجيش الثاني بقيادة عياض بن غنم، وكان بين النِّباج والحجاز، فكتب إِليه بأن يغزو العراق من شماله الشَّرقي بادئاً بالمسيخ.

وكتب الصِّدِّيق رضي الله عنه إِلى خالدٍ، وعياض: ثمَّ يستبقان إِلى الحيرة، فأجهما سبق إِلى الحيرة؛ فهو أميرٌ على صاحبه، وقال: إِذا اجتمعتما إِلى الحيرة، وقد فضضتما مسالح فارس، وأمنتما أن يؤتى المسلمون من خلفهم، فليكن أحدكما ردءاً للمسلمين، ولصاحبه بالحيرة، وليقتحم الآخر على عدوِّ الله وعدوِّكم من أهل فارس دارَهم، ومستقرَّ عزِّهم؛ المدائن.

وكان المثنَّى بن حارثة قد قدم على أبي بكرٍ، وحثَّ الصِّدِّيق على محاربة الفرس، وقال له: ابعثني على قومي، ففعل ذلك أبو بكر، فرجع المثنَّى، وشرع في الجهاد بالعراق، ثمَّ إِنَّه بعث أخاه مسعود بن حارثة إِلى أبي بكرٍ يستمدُّه، فكتب معه أبو بكر إِلى المثنَّى: أمَّا بعد: فإِنِّي قد بعثت إِليك خالد بن الوليد إِلى أرض العراق، فاستقبله بمن معك من قومك، ثمَّ ساعده، ووازرة، وكاتفه، ولا تعصينَّ له أمراً، ولا تخالفنَّ له رأياً، فإِنه من الذين وصف الله ـ تبارك وتعالى ـ في كتابه: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا} [الفتح: 29]، فما أقام معك فهو الأمير، فإِن شخص عنك فأنت على ما كنت عليه.

وكان من قوم المثنَّى رجلٌ يدعى: مذعور بن عديٍّ، خرج عن المثنَّى بن حارثة، وراسل الصِّدِّيق، وقال له: أمَّا بعد: فإِنِّي امرؤ من بني عجل، أحلاس الخيل ـ أي: يلزمون ظهورها ـ وفرسان الصَّباح ـ أي: يغيرون صباحاً ـ ومعي رجالٌ من عشيرتي الرَّجل خيرٌ من مئة رجلٍ، ولي علمٌ بالبلد، وجراءٌ على الحرب وبصرٌ بالأرض، فولين أمر السَّواد أفككه إِن شاء الله.

وكتب المثنى بن حارثة رضي الله عنه بشأن مذعور بن عديٍّ إِلى الصِّدِّيق، فقال له: ... فإِنِّي أخبر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّ امرأً من قومي يقال له: مذعور بن عديٍّ أحد بني عجل في عددٍ يسير، وإِنَّه أقبل ينازعني، ويخالفني، فأحببت إِعلامك ذلك لترى رأيك فيما هنالك، وردَّ الصِّدِّيق على مذعور بن عديٍّ، فقال له: أمَّا بعد: فقد أتاني كتابك، وفهمت ما ذكرت، وأنت كما وصفت نفسك وعشيرتك نعم العشيرة، وقد رأيت لك أن تنضمَّ إِلى خالد بن الوليد، فتكون معه وتقيم معه ما أقام بالعراق، وتشخص معه إِذا شخص.

وكتب إِلى المثنَّى بن حارثة: فإِنَّ صاحبك العجليَّ كتب إِليَّ يسألني أموراً، فكتبت إِليه آمره بلزوم خالد حتَّى أرى رأيي، وهذا كتابي إِليك آمرك ألا تبرح العراق حتَّى يخرج منه خالد بن الوليد، فإِذا خرج منه خالد بن الوليد فالزم مكانك؛ الذي كنت به، وأنت أهلٌ لكلِّ زيادةٍ، وجديرٌ بكلِّ فضلٍ.

وممَّا سبق يمكننا أن نستخلص بعض الدروس والعبر والفوائد، فمنها:

1- كان تاريخ بعث خالد إِلى العراق في شهر رجب، وقيل: في المحرم سنة اثنتي عشرة.

2- الحسُّ الإستراتيجيُّ عند الصِّدِّيق:

إِنَّ الأوامر الَّتي وجَّهها الصِّدِّيق إِلى قائديه خالدٍ، وعياضٍ تشير إِلى الحسِّ الإستراتيجيِّ المتقدِّم؛ الذي كان يملكه الصِّديق ـ رضي الله عنه ـ فقد أعطى جملة تعليماتٍ عسكريةٍ إستراتيجيَّةٍ، وتكتيكيَّةٍ، فحدَّد لكلٍّ من القائدين المسلمين جغرافياً منطلقة للدُّخول إِلى العراق، كأنَّما هو يمارس القيادة من غرفة العمليَّات بالحجاز، وقد بسطت أمامه خارطة العراق بكلِّ تضاريسها، ومسالكها، فيأمر أحدهما (خالداً) بدخول العراق من أسفلها جنوباً بغرب (أي: الأبلَّة)، ويأمر الثاني (عياداً) بدخول العراق من أعلاها شمالاً بشرق (أي: المسيخ)، ويأمر الاثنين معاً أن يلتقيا في وسط العراق، ولا ينسى الخليفة مع ذلك أن يأمرهما بأن لا يُكرها النَّاس على الانخراط في جيشهما، وأن لا يجبرا أحداً على البقاء معهما للقتال، فلم يكن التَّجنيد في نظره إِلزاميّاً، إِنَّما كان طوعيّاً، واختياريّاً.

3- تحديد الحيرة كموقعٍ إستراتيجي:

كان هدف الخليفة الصِّدِّيق السَّيطرة على الحيرة، وذلك لأهمِّيتها العسكريَّة، فالحيرة تقع على بعد ثلاثة أميالٍ جنوب (الكوفة)، وتبعد عن (النَّجف) مسيرة ساعةٍ للفارس إِلى الجنوب الشَّرقي للنَّجف، والنَّاظر على الخارطة يرى لأوَّل وهلةٍ أهمِّية هذا الموقع الاستراتيجي، فالحيرة كانت (عقدة مواصلات) في نقطةٍ تتَّصل بها الطُّرق من جميع الاتجاهات، فهي تتَّصل بالمدائن من الشَّرق عبر نهر الفرات وتتَّصل شمالاً بـ (هيت) وتتَّصل بـ (الأنبار) على جسر الأنبار، وتتَّصل بالشام من الغرب، كما تتَّصل بـ(الأبلَّة) في منطقة (البصرة) بالعراق، وفي (كسكر) في (السَّواد)، وفي (النُّعمانية) على نهر دجلة، ومن هذا يتَّضح جليّاً أهمِّية السَّيطرة على هذا الموقع المهمِّ، وكان الصِّدِّيق مصيباً عندما جعلها هدفاً لجيشين، هما جيش خالدٍ، وجيش عياض، فالحيرة كانت قلب العراق، وأقرب منطقة مهمَّة إِلى المدائن عاصمة الإمبراطورية الفارسيَّة، الَّتي كانت تدرك هذه القيمة الإستراتيجيَّة للحيرة، ولذا كانت ترسل القوَّات باتجاهها دائماً لاستعادتها، لأنَّ المسيطر على الحيرة يؤمِّن سيطرته على المنطقة الكائنة غربي الفرات بأجمعها، وهي عدا هذا كانت مهمَّة للقوات الإِسلاميَّة في قتالها الرُّوم في بلاد الشَّام.

إِنَّ تخطيط الصِّدِّيق للوصول إِلى الحيرة في الفتوحات يُعرف في الخطط العسكريَّة للجيوش الحديثة بحركة فكَّي الكمَّاشة، أو عملية الالتفاف الدَّائري بأكثر من جيشٍ، وهذا يؤكِّد: أنَّ عمليَّة فتح العراق، وضم أطراف شبه الجزيرة العربيَّة عن طريق الجهاد لم تكن محض مصادفةٍ، أو نتيجةً لمجريات الحوادث .

ويظهر للباحث فقه أبي بكرٍ رضي الله عنه في التَّخطيط الجهادي بأنَّه كان يرتكز على اتِّخاذ القرارات بتنظيم الجيوش، وتوجيهها، وتحديد واجباتها، وأهدافها، وتنسيق التَّعاون فيما بينها، وتحقيق التَّوازن على مسارح العمليَّات، غير أنَّه يترك لقادته حرِّيَّة العمل العسكري لإِدارة العمليَّات القتاليَّة بالأساليب؛ التي يرونها مناسبةً، وبالطَّرائق؛ الَّتي تستجيب لما يجابهونه من مواقف .

4- نكران الذَّات عند المثنَّى بن حارثة:

ومن المواقف الَّتي تذكر في الجهاد في العراق ما كان للمثنَّى بن حارثة الشَّيباني، وكان يقاتل الأعداء في العراق بقومه، ولما علم بذلك أبو بكر سرَّه ما كان منه، فأمَّره على مَنْ بناحيته، وذلك قبل مجيء خالد، فلمَّا توجهت همَّة الصِّدِّيق لغزو فارس رأى أنَّ خالداً أجدر القواد بهذه المهمَّة، فوجهه لها، وكتب كتاباً إِلى المثنَّى يأمره بالانضمام إِلى خالدٍ، وطاعته، فما كان منه إِلا أن سارع في الاستجابة، ولحق بخالدٍ، هو وجيشه، وإِنَّ هذا موقفٌ يُذكر للمثنَّى حيث لم يَغُرَّه كثرة جيشه، ولا كونه أقدم من خالدٍ في إِمرة جيوش العراق، فلم يحمله ذلك على أن يرى أنَّه أحقُّ بالقيادة من خالدٍ .

5- احتياط الصِّدِّيق لأمر الجهاد في سبيل الله:

وقد جاء في كتاب أبي بكرٍ لخالدٍ، وعياض بن غنْم أن استنفروا مَنْ قاتل أهل الردَّة، ومن ثبت على الإِسلام بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يغزونَّ معكم أحدٌ ارتدَّ حتَّى أرى رأيي، فلم يشهد الأيَّام مرتدٌّ، يعني في أوَّل الأمر، وقد شهدوا الأيَّام بعد ذلك، حينما ثبتت استقامتُهم، كما سيأتي بإِذن الله تعالى، وهذا الموقف من أبي بكرٍ مبنيٌّ على الاحتياط لأمر الجهاد في سبيل الله تعالى، حتَّى لا يشترك فيه طلاَّب الدُّنيا، فيكونوا سبباً في فشل المجاهدين، واختلال صفوفهم.

وهذا درسٌ تربويٌّ من أبي بكرٍ استفادة من الدُّروس النَّبويَّة الغالية، وذلك في تنقية الصَّفِّ الإِسلامي من الشَّوائب، وتوحيد هدفه حتَّى يكون خالصاً لوجه الله تعالى، فيأمن بذلك من الانتكاسات الخطيرة الَّتي تحدث بسبب تعدُّد الأهداف، ولقد حرص أبو بكر على هذا المبدأ السَّامي مع شدَّة احتياج الجيش الإِسلاميِّ آنذاك إِلى الرِّجال، ممَّا يدلُّ على قناعته التَّامة بأن العبرة بسموِّ الهدف، والإِخلاص، لا بكثرة العدد .

6- الرِّفق بالناس، والتَّوصية بفلاحي العراق:

وفي قول الصِّدِّيق لخالدٍ: وتألَّف أهل فارس، ومن كان في ملكهم من الأمم، وهذا القول بيَّن لنا الهدف من الجهاد الإِسلامي خارج بلاد الإِسلام، فهو جهاد دعوي، يقصد به دعوة النَّاس إِلى الدُّخول في الإِسلام، ولمَّا كانت الدَّعوة غير ممكنةٍ مع بقاء الحكومات، فإِنَّه لا بدَّ من إِزالتها؛ لتمكين شعوبها من الدُّخول في الإِسلام، وهذا الهدف ظاهرٌ في جميع المعارك؛ التي خاضها الصَّحابة ـ رضي الله عنهم ـ حيث كانوا يدعون أعداءهم إِلى الإِسلام، فيكون لهم ما للمسلمين، وعليهم ما عليهم، فإِن أبوا؛ فليستسلموا لحكم الإِسلام، ويدفعوا الجزية مقابل حماية المسلمين لهم، فإِن أبوا فلا بدَّ من القتال حتَّى تكون كلمة الله هي العليا ، وقد وصَّى الصِّدِّيق ـ رضي الله عنه ـ قادة جيوشه بفلاحي العراق، وأهل السَّواد، حرصاً منه على هداية النَّاس، وعلى منابع الثَّروة، وعلماً منه بأنَّ العمران لا يقوم بدون دولة، كما أنَّ الفلاحة مصدر من مصادر الثَّروة، وهي المتصلة بحياة النَّاس، ومعايشهم .

7- لا يهزم جيش فيهم مثل هذا:

عندما استمدَّ خالدٌ أبا بكرٍ أثناء سيره للعراق أمدَّه الصِّدِّيق بالقعقاع بن عمرو التَّميمي فقيل له: أتُمدُّ رجلاً قد ارفضَّ عنه جنوده برجلٍ؟ فقال: لا يهزم جيش فيهم مثلُ هذا، وهذا فراسةٌ من أبي بكر بيَّنتها أحداث العراق بعد ذلك، وقد كان أبو بكر أعلم النَّاس بالرِّجال، وما يتَّصفون به من طاقاتٍ، وكفاءاتٍ مختلفة.

 

__________

المراجع

1- د. علي محمّد محمَّد الصَّلاَّبي، الانشراح ورفع الضيق في سيرة أبو بكر الصديق، شخصيته وعصره، دار ابن كثير، دمشق، ص. ص (322 : 327).

2- الطَّبري، تاريخ الرسل والملوك، دار التراث، بيروت، الطبعة الثانية - 1387 هـ، (4/ 159 : 163).

3- عبد الجبار السامرائي، معارك خالد بن الوليد ضدَّ الفرس، الدَّار العربيَّة للموسوعات، لبنان، الطَّبعة الأولى 1984م، ص35.

4- محمَّد حميد الله، مجموعة الوثائق السِّياسيَّة للعهد النَّبويِّ، والخلافة الرَّاشدة، دار النفائس، الطَّبعة الخامسة 1405هـ 1985م، ص371.

5- محمود شاكر، التَّاريخ الإِسلاميُّ، الخلفاء الرَّاشدون، المكتب الإِسلاميُّ، الطَّبعة الخامسة، 1411هـ 1990م، (9/129 : 131).

6- د. نزار الحديثي، د. خالد جاسم الجنابي، أبو بكرٍ الصِّدِّيق، دار الشُّؤون الثقافية العامة، العراق، الطَّبعة الأولى، 1989م، ص45.

7- د. ياسين سويد، الفنُّ العسكريُّ الإِسلاميُّ، شركة المطبوعات للتَّوزيع والنَّشر، لبنان، الطَّبعة الأولى 1409هـ، 1988م، ص (83، 84).

 

إنَّ توحيد الله عزَّ وجل ومحاربة جميع مظاهر الشرك المنافية للتوحيد هي أساس الدين وركنه القويم، وهو المهمة السامية التي ابتعث الله عز وجل بها جميع الأنبياء والرسل، قال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل : 36]. وقال تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} [النساء : 36]. وقال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ *} [الذاريات : 56].

وقد أقام ابن باديس مشروعه التجديدي الإصلاحي الدعوي التربوي على تطهير الإسلام من كل البدع والخرافات والشوائب والأضاليل التي ألصقت به كذباً وزوراً، وكذا بناء الإنسان القرآني على أساس من الكتاب والسنَّة وهدي السلف الصالح؛ لأن إصلاح العقيدة هو منطلق كل إصلاح جاد في المجتمع، لأن فساد العقيدة وسيطرة جملة من المفاهيم الغريبة على الكتاب والسُنَّة على عقل وقلب الإنسان المسلم في عصور الانحطاط؛ هي سبب تدهور المجتمعات الإسلامية وابتعاد الإنسان المسلم عن الفعالية وركونه للسكوت والاستسلام.

ومن هذه القضايا التي أولاها ابن باديس عناية فائقة قضية التوحيد والشرك، ففي العقيدة التي أملاها على طُلابه وتحت عنوان «عقائد الإيمان بالله».

يقول: هو الموجود الحق لذاته الذي لا يقبل وجوده العدم، فهو القديم الذي لا بداية لوجوده وهو الباقي الذي لا نهاية لوجوده. وهو الموجود الذي سبق وجوده كل موجود، فكان تعالى وحده ولا شيء معه، ثم خلق ما شاء من مخلوقاته فهو الغني بذاته عن جميع الموجودات وهي المفتقرة كلها ابتداء ودوماً إليه.

ويقول الشيخ عبد الحميد بن باديس: وهو الواحد في ذاته وصفاته وأفعاله فلا ثاني له، ولا نظير ولا شريك له في ذاته. ولا ثاني له ولا نظير له في أسمائه. ولا ثاني له ولا نظير له في صفاته. ولا ثاني له ولا نظير له في أفعاله.

إنَّ نصوص الشريعة تقضي بأن الله عز وجل موصوف بصفات الجلال والجمال والكمال ومنزه عن كل صفات النقص التي لا تليق بكمال الربوبية وجلال الإلهية، قال تعالى: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَانُ الرَّحِيمُ *هُوَ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلاَمُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ *هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِىءُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ *} [الحشر : 22 ـ 24].

وقد فصل ابن باديس في موضوع التوحيد وبين أقسامه وشرح كل قسم بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة وأقوال الأئمة العدول الأثبات فقال: التوحيد هو اعتقاد وحدانية الله وإفراده بالعبادة، والأوَّل هو التوحيد العلمي والثاني هو التوحيد العملي ولا يكون المسلم مسلماً إلا بهما.

وبعد هذا التعريف الجامع للتوحيد وهو اعتقاد وحدانية الله وإفراده بالعبادة، شرع في بيان أقسام التوحيد:

  • توحيد الربوبية:

وعرَّفه بالقول: توحيد ربوبيته: وهو العلم بأن لا خالق غيره، ولا مدبِّر للكون، ولا متصرف فيه سواه.

فتوحيد الربوبية هو الاعتقاد الجازم بأن لهذا الكون خالقاً أوجده من عدم بعد أن لم يكن، وأنَّه هو المتصرف في شؤون الكون، فالله وحده هو الخالق والرازق، والمحيي والمميت والمبدأئ والمعيد، الضار والنافع، فهو وحده قيِّوم السماوات والأرض، وهذا الأمر تشهد له نصوص القرآن الكريم، ونصوص السُنَّة النبوية الشريفة، من ذلك:

  • {هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ} [فاطر : 3].
  • {أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ} [الأعراف : 54].
  • {يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ} [السجدة : 5].

ويقول الرسول (ص): لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد.

  • توحيد الألوهية:

وقال عنه: ومن توحيده تعالى توحيده في الألوهية: العلم بأنه تعالى هو المستحق للعبادة وحده دون سواه والقصد والتوجه والقيام بالعبادات كلها إليه.

فالله وحده هو المستحق للعبادة، فلا يعبد إلا الله ولا يعبد إلا بما شرع، والنصوص الشرعية التي تشهد لهذا المعنى كثيرة:

  • قال تعالى: {أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ *} [الأنبياء : 25].
  • وقال تعالى: {إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ *} [الأنعام : 79].
  • وقال تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ *لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ *} [الأنعام : 162 ـ 163].

فصّل ابن باديس أن توحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية الذي هو أساس الدين، فقال: ووحدانيته تعالى في ربوبيته تستلزم وحدانيته تعالى في ألوهيته، فالمتفرد بالخلق والرزق والعطاء والمنع ودفع الضر وجلب النفع هو الذي يجب أن يفرد بالعبادة التي هي غاية الخضوع والذل مع الفقر والحاجة للعزيز القادر المنعم.

  • توحيده في شرعه:

قال ابن باديس: توحيده في شرعه، فلا حاكم ولا محلل ولا محرم سواه.

وهو أن الله عز وجل هو المشرع لعباده فهو الذي يأمرهم وينهاهم ويحلّ لهم ويحرم عليهم، ونصوص الشريعة التي تدل على هذا المعنى كثيرة منها:

  • قال تعالى: {أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ} [الأعراف : 54].
  • وقال تعالى: {وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ} [النحل : 116].
  • قال تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} [الشورى : 21].
  • وقال تعالى: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ} [الشورى : 10].
  • وقال تعالى: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا *} [النساء : 65].

وعن عدي بن حاتم الطائي أنه لما جاء النبي (ص) وسمعه يتلو قوله تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ} [التوبة : 31]. قال عدي: يا رسول الله، إنهم لم يكونوا يعبدونهم؟ قال أليس كانوا إذا حرَّموا عليهم شيئاً حرَّموه، وإذا  أحلوا لهم شيئاً أحلوه؟ قال، قلت: نعم ، قال رسول الله (ص): فتلك عبادتهم إيَّاهم.

  • توحيد الأسماء والصفات:

يقول ابن باديس: وهو الواحد في ذاته وصفاته وأفعاله، فلا ثاني له ولا نظير له، ولا شريك له في ذاته، ولا ثاني له ولا نظير له في أسمائه، ولا ثاني ولا نظير له ولا شريك في صفاته.

وقال: عقيدة الإثبات والتنزيه: فثبت له ما أثبته لنفسه على لسان رسوله، من ذاته وصفاته وأسمائه وأفعاله. وننتهي عند ذلك ولا نزيد عليه وننزهه في ذلك عن مماثلة أو مشابهة شيء من مخلوقاته، ونثبت الاستواء والنزول ونحوهما ونؤمن بحقيقتهما على ما يليق به تعالى بلا كيف، وبأن ظاهرها المتعارف في حقنا غير مراد.. ولا تحيط العقول بذاته ولا بقضائه ولا بأسمائه.

 المصادر:

  1. علي محمّد الصّلابيّ، كفاح الشعب الجزائري ضد الاحتلال الفرنسي وسيرة الزعيم عبد الحميد بن باديس، ج 2، دار ابن كثير، دمشق، بيروت، ط 1، 2016م، ص 354 -358.
  2. عبد الحميد بن باديس، العقائد الإسلامية مِنَ الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، مكتبة الشركة الجزائرية، الجزائر، ط2، ص 67 -82.
  3. محمد الدراجي، الإمام عبد الحميد بن باديس وجهوده في تجديد العقيدة الإسلامية، دار الهدى للنشر والتوزيع، 2012م، ص 40.

أعطى الله تعالى للإنسان إرادة، ولكن إرادته تبقى محدودة بما أعطاه الله تعالى من القدرة والإمكان، وعليه أن يستعمل تلك القدرة والإمكان للخير، وإنَّ لله تعالى الإرادة الكاملة الشاملة لكل شيء، فما شاء كان وما لم يَشأ لم يكن؛ نُثبتها كما أثبتها لنفسه، ولا نخوضُ بما زاد عن ذلك، والمحققون من أهل السُّنة يقولون: الإرادة في كتاب الله نوعان: إرادة كونية قدرية، وإرادة دينية شرعية.

الإرادة الكونية القدرية:

هي المشيئة العامة التي يدخل فيها جميع المخلوقات من بر وفاجر وصالح وطالح، وهي إرادة الله تعالى لفعله، سواء إن كان المفعول منه محبوباً أو غير محبوب، يرضيه أم لا يرضيه، فالله تعالى يفعل ما يشاء، ولا يشاء شيئاً إلا بعد إرادته له، وكل ما كان منه فليس فيه إلا الجمال والجلال والحسن.

أما أفعال العباد فهي منقسمة، ففيها الحسن وفيها القبيح، وليس للعباد أن يفعلوا ما يشاؤون، وإنما يفعلون ما يؤمرون به امتثالاً وانتهاءً، وهذا هو الحسن منهم.

وتلك الإرادة متعلقة بالخلق، وهي من لوازم الربوبية، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ويدخل في هذه المشيئة خلق الأقوياء والضعفاء والفقراء والمؤمنين الكفار، والملائكة والشياطين، وخلق الخيرات والفضائل، وخلق السيئات والحسنات، وخلق التوفيق والخذلان، وخلق القوة والعجز، والبلادة والذكاء.

الآيات التي تدل على الإرادة الكونية:

قال تعالى: "وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ" (الأنعام: 112).

وقال تعالى: "وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَـكِنَّ اللّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ"(البقرة: 353).

وقال تعالى: "ولَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِيا لأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا" (يونس: 39).

وقال تعالى: "وَلَوْشَاء اللّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ"(النساء: 90).

وقال تعالى: "فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء" (الأنعام: 125).

وقال تعالى: "وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ" (هود: 44).

وقال تعالى: "وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَـكِنَّ اللّهَ يَفْعَلُ مَايُرِيدُ" (البقرة: 253).

وقال تعالى: "وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَاشَاء اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ" (الكهف: 39).

وقال تعالى: "وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا" (السجدة : 13).

وقال تعالى: "وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا"(الإنسان: 30).

وقال تعالى: "مَن يَشَإِ اللّهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ" (الأنعام : 39).

وقال تعالى: "إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ" (يس: 82).

وهذه الإرادة وتلك المشيئة هي التي تستلزم وقوع المراد، والمراد إما أن يكون مراد لذاته محبوباً لله تعالى، وذلك لما فيه من الخير، كخلق الأنبياء والصالحين وكذلك كافة الفضائل والخيرات، أو مراداً لغيره وهذا يطلق على الكفر وجميع الشرور والآثام، فإنها ليست مرادة لذاتها وإنما هي مرادة لشيء آخر محبوب إلى الله تعالى. والحق أن جميع أفعاله وشرعه لها حكم وغايات، لأجلها شرع وفعل، وإن لم يعملها الخلق على التفعيل، فلا يلزم من عدم علمهم بها انتفاؤها في نفسها.

وحاصل الإرادة الكونية إثبات مشيئة الله تعالى المطلقة في إيجاد المخلوقات كلها واختلاف أنواعها وأشكالها، وتفاوت فضائلها وشرورها وجمالها ودمامتها وكيسها وعجزها، وكفرها وإيمانها، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، فالله على كل شيء قدير، ولا يقع في ملكه إلا ما يريد، ولا يقع فيه شيء كرهاً عنه، فهو الذي أراد إيمان المؤمنين، وهو الذي أراد كفر الكافرين، وكل ذلك في علمه السابق، ولا يمكن لأحد أن يخرج عن علمه، وعلمه يستلزم ثبوت قدرته.

وفي الإرادة الكونية قد يبغض الله تعالى طاعة العاصي ولا يعينه عليها بعد الإرشاد والنصح والبيان، وذلك لحكمه عظيمة جليلة، كما قال تعالى في المنافقين الذين تخلفوا مع الخوالف في بيوتهم، وتركوا الخروج للجهاد مع النبي صلى الله عليه وسلم كما في غزوة تبوك: " وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً وَلَـكِن كَرِهَ اللّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُواْ مَعَ الْقَاعِدِينَ" (التوبة : 46)، وقد بين الله تعالى الحكمة في بغضه لطاعته فقال: "لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ" (التوبة: 47).

وهو سبحانه: "لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ" (الأنبياء: 23)، وذلك لأنه يتصرف في ملكه، وهذا ليس فيه ظلم، إنما الظلم في الحقيقة يكون من تصرف المتصرف فيما لا يملك، ومنع المستحق ما يستحقه، والله تعالى لا يجب عليه شيء لأحد حتى يحاسب على ما ضيق ومنع، وعلى ما أهان وخذل، وإنما هو حكمة بالغة ورحمة واسعة وعدل قويم.

الإرادة الدينية الشرعية:

هي إرادة الله تعالى لأمره الديني الشرعي، وهي التي أرسل من أجلها الرسل، وأنزل من أجلها الكتب وهي لا تستلزم وقوع المراد مع كونه محبوباً لله تعالى إلا إذا كان متعلقاً بالإرادة الكونية، والإرادة الشرعية الدينية تدل دلالة واضحة على أنه سبحانه لا يحب الذنوب والمعاصي والضلال والكفر، ولا يأمر بها ولا يرضاها، وإن كان شاءها خلقاً وتقديراً وإيجاداً، وأنه سبحانه وتعالى يرضى ويحب كل ما يتعلق بهذه الإرادة الدينية الشرعية ويثيب أصحابها، ويدخلهم الجنة وينصرهم في الحياة الدنيا وفي الآخرة وينصر بها، أي: الإرادة الدينية الشرعية للعباد من أوليائه المتقين وحزبه المفلحين وعباده الصالحين.

الآيات الدالة على الإرادة الشرعية:

قال تعالى: "يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ" (البقرة: 185).

وقال تعالى: "مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ" (المائدة: 6).

وقال تعالى: "وَاللّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيمًا" (النساء: 27).

وقال تعالى: "يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا" (النساء: 28).

وقال تعالى: "إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا" (الأحزاب: 33).

وقال تعالى: "إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ" (الزمر: 7).

الفرق بين الإرادتين:

الإرادة الكونية يلزم فيها وقوع المراد، والإرادة الشرعية لا يلزم فيها.

الإرادة الشرعية تختص فيما يحبه الله، والكونية عامة فيما يحبه وما لا يحبه.

فما كان بمعنى المشيئة فهو إرادة كونية وما كان بمعنى المحبة فهو إرادة شرعية.

الله يريد المعاصي كوناً لا شرعاً، لأن الإرادة الشرعية بمعنى المحبة والله لا يحب المعاصي ولكن يريدها كونا أي مشيئة فكل ما في السموات والأرض فهو بمشيئة الله.

تعلق الإرادتين بالمخلوقات:

تنقسم المخلوقات من حيث تعلقها بالإدارتين إلى أربعة أقسام:

الأول: ما تعلقت به الإرادتان، وهو ما وقع في الوجود من الأعمال الصالحة، فإن الله أراده إرادة دين وشرع، فإمر وأحبه ورضيه، وأراده إرادة كون فوقع، ولولا ذلك ما كان.

الثاني: ما تعلقت به الإرادة الدينية فقط، وهو ما أمر الله به من الأعمال الصالحة، فعصى ذلك الكفار والفجار فتلك كلها إرادة دين وهو يحبها ويرضاها وقعت أو لم تقع.

الثالث: ما تعلقت به الإرادة الكونية فقط، وهو ما قدره الله وشاءه من الحوادث التي لم يأمر بها كالمباحات والمعاصي فإنه لم يأمر بها، ولم يرضها، ولم يحبها، إذ هو لا يأمر بالفحشاء ولا يرضى لعباده الكفر، ولولا مشيئته وقدرته وخلقه لها لما كانت ولما وجدت، فإنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.

الرابع: ما لم تتعلق به هذه الإرادة ولا هذه، فهذا ما لم يقع ولم يوجد من أنواع المباحات والمعاصي.

والسعيد من عباد الله من أراد الله منه تقديراً ما أراد به تشريعاً، والعبد الشقي من أراد به تقديراً ما لم يرد به تشريعاً.

 

________

المراجع:

1- د. علي محمد محمد الصّلابيّ، الإيمان بالقدر، دار ابن كثير، بيروت، ص (69: 75).

2- ابن تيمية، مجموع الفتاوى، وزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد السعودية - مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، 1425ه – 2004م، (8/ 188- 189).

3- علي بن السيد الوصيفي، القضاء والقدر عند السلف، دار الإيمان للنشر و التوزيع، ط1، 1423هـ- 2002م، ص 62- 64- 65

4- عمر الأشقر، القضاء والقدر، دار النفائس للنشر، الأردن، ط13، 1425 هـ - 2005م، ص

5- محمد بن صالح بن محمد العثيمين، المجموع الثمين مجموع فتاوى ورسائل العثيمين، دار الوطن- دار الثريا، 1413 هـ ، (1 / 157).

6- محمد بن صالح بن محمد العثيمين، شرح العقيدة الواسطية، دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع، السعودية، ط6 ، 1421 هـ، (1 /223).

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فتمر في حياة الأمم والشعوب أحداث عظيمة ووقائع وأيام خالدة تحمل في طياتها ما يسعد القلوب ويُسر النفوس، ولقد شرفت أمتنا الإسلامية بأعظم هذه الوقائع، وأكمل الأيام، وأتم الليالي، إنها ليلة القدر التي وزنها الله تبارك وتعالى بألف شهر في ثوابها وفضلها ومكانتها.

فمن فضائل شهر رمضان وجوائزه العظام: تضمنه لليلة القدر، وهي ليلة عظيمة القدر، ضاعف الله فيها أجر العمل الصالح لهذه الأمة أضعاف كثيرة. فقد تنزل القرآن في هذه الليلة، بقوله سبحانه وتعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ* وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ} [القدر: 1، 2]. وقال الله جل وعلا: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ} [الدخان: 3].

  1. شرح سورة القَدر:

قوله تعالى: "إنا أنزلناه" أيّ القرآن، لأن القرآن الكريم أنزل جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، ثم نزل مفصلًا بحسب الوقائع في ثلاث وعشرين سنة على النبي الكريم صلى الله عليه وسلم. واختصت ليلة القدر بهذا الحدث التاريخي العظيم في أمتنا، فهي ليلة مباركة وعظيمة لكثرة خيرها وبركتها وفضلها. إذ وصفها الله سبحانه وتعالى بأنها يُفّرَقُ فيها كل أمر حكيم، أيّ يفصل من اللوح المحفوظ إلى الكَتبة ما هو كائن من أمر الله تعالى في تلك السَنة من الأرزاق والآجال، والخير والشر وغير ذلك من أوامر الله المحكمة المتقنة، التي ليس فيها لا نقص ولا خلل ولا باطل. وعن" "في ليلة القدر" قال ابن الجوزي: وفي تسميتها بليلة القدر خمسة أقوال:

أحدها: أنها ليلة عظيمة. يقال: لفلان قدر. قال الزهري؟ ويشهد له: "وما قدروا الله حق قدره". (سورة الزمر: 67).

والثاني: أنه الضيق. أي هي ليلة تضيق فيها الأرض عن الملائكة الذين ينزلون. قال الخليل بن أحمد، ويشهد له: "ومن قدر عليه رزقه". (الطلاق: 7).

والثالث: أن القدر الحكم، كأن الأشياء تقدر فيها، قال ابن قتيبة.

والرابع: أن من لم يكن له قدر صار بمراعاتها ذا قدر. قال أبو بكر الوراق.

والخامس: لأن نزل فيها كتاب ذو قدر، وينزل فيها رحمة ذات قدر، وملائكة ذوو قدر، حكاه شيخنا علي بن عبيد الله. ن هذه الليبلة

وقال ابن عثيمين رحمه الله: وصفها الله سبحانه بأنها مباركة؛ لكثرة خيرها وبركتها وفضلها.

ومن بركتها أن القرآن أنزل فيها، وهذه الليلة هي في شهر رمضان المبارك ليست في غيره من الأشهر، قال الله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان} [البقرة: 185].

ثم قال تعالى لشان ليلة القدر التي اختصها بإنزال القرآن العظيم فيها: "وما أدراك ما ليلة القدر"؛ فهذا على سبيل التعظيم لها، والتشويق إلى خبرها.

ثم قال: "ليلة القدر خير من ألف شهر"؛

فقيامها والعمل فيها خير من قيام ألف شهر من هذا الزمان، وهي أفضل من عبادة كل تلك المدة. وعند قوله تعالى: "تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر"؛ هذا يدل على كثرة الرحمة والبركة فيها، فإن الملائكة ينزلون مع تنزل البركة والرحمة، كما يتنزلون عند تلاوة القرآن، ويحيطون بحلق الذكر، ويضعون أجنحتهم لطالب العلم بصدق تعظيمًا له. والمقصود بالروح هنا جبريل عليه السلام.

"سلام هي حتى مطلع الفجر"؛ أي السلام في الآية أنه لا يحدث فيها داء، ولا يرسل فيها شيطان، وهي ليلة كل ما فيها أمن وبركة وعافية، فهي ليلة سلام للمؤمنين من كل مخوف، ولكثرة من يعتق فيها من النار ويسلم من عذاباتها. وفي قوله: "حتى مطلع الفجر"؛ أي أن ليلة القدر تنتهي بطلوع الفجر لانتهاء عمل الليل به.

فإذًا: ليلة القدر نقطة بداية في حياة المسلم لا نقطة عابرة، ويجب أن تكون نقطة تحول في حياته لا أن تكون مجرد حدث طقسي معين، ففضل هذه الليلة يعدل الكثير عند الباري تبارك وتعالى.

  1. فضائل ليلة القَدر؟

سميت الليلة بهذا الاسم؛ لأن الله تعالى يُقدّر فيها الأرزاق والآجال، وحوادث العالم كلها، فيكتب فيها الأحياء والأموات، والناجون والهالكون، والسعداء والأشقياء، والعزيز والذليل، وكل ما أراده الله تعالى في تلك السنة، ثم يدفع ذلك إلى الملائكة لتتمثله، كما قال تعالى: "فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ". وهو التقدير السنوي، والتقدير الخاص، أما التقدير العام فهو متقدم على خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة كما صحت بقوله الأحاديث.

وبعد قراءة سورة القدر وشروحها وقيمة تلك الليلة في ميزان الله تبارك وتعالى، نخلص لإيراد الفضائل التي اختصت بها تلك الليلة العظيمة، وهي:

  1. تنزل القرآن فيها، وهي المعجزة الخالدة للنبي صلى الله عليه وسلم.
  2. ليلة كثيرة البركة والرحمة.
  3. هذه الليلة تقدر فيها الآجال والأرزاق وحوادث الليل والنهار.
  4. إن العبادة فيها خير من عبادة ألف شهر.
  5. الملائكة تتنزل فيها وهم لا ينزلون إلا بالخير والبركة والرحمة والعتق من النار.
  6. أنها سلام من الآفات والعقوبات.
  7. من قامها غفر له ما تقدم من ذنبه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم" من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه" متفق عليه.
  8. تحديد ليلة القَدر:

اختلف العلماء في تحديد ليلة القدر، وذلك على أكثر من أربعين قولاً ورأيًا، ذكرها الحافظ ابن حجر في فتح الباري، وهذه الأقوال بعضها مرجوح، وبعضها شاذ، وبعضها باطل. وقد أكد جمهور العلماء أنها في العشر الأواخر من شهر رمضان، واختلفوا أي ليالي العشر أرجح على أقوال كثيرة منها، فقول الصحابة والتابعين في ليلة ثلاث وعشرون، وقول الشافعية بأنها في ليلة إحدى وعشرون وغيرهم عدد ليال أخرى في العشر الأخير.

لكن أسلم القول هو أن ليلة القدر في العشر الأواخر من شهر رمضان، وأنها تنتقل في ليالي العشر، فمن قام ليالي العشر كلها وأحياها وبالعبادة أصاب ليلة القدر يقينًا. وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية "ليلة القدر في العشر الأواخر من شهر رمضان، هكذا صح عن النبي صلى الله عليه وسلم، وتكون في الوتر منها". وهنا ذكر الحافظ ابن حجر في الفتح: "أرجح الأقوال إنها في الوتر من العشر الأخير، وأنها تنتقل". ونظرًا لاختلاف المطالع والبلدان في تحديد بداية الصوم، فإنها تطلب في الأشفاع من العشر الأواخر كما تطلب في الأوتار، لأن الليلة قد تكون وترًا في بلد، وتكون شفعًا في بلد آخر. وكذلك الوتر له اعتباران: اعتبار بما مضى، واعتبار بما بقي، فإذا كان الشهر تامًا فالأوتار باعتبار ما بقي هي ليالي الشفع.  وعلى هذا إذا كان الشهر ثلاثين، يكون ذلك ليال الأشفاع، وتكون الاثنين وعشرين تاسعة تبقى، وليلة أربع وعشرين سابعة تبقى، وهكذا فسره أبو سعيد الخدري في الحديث الصحيح.. وإذا كان الشهر تسعًا وعشرين كان التاريخ بالباقي كالتاريخ بالماضي. وإذا كان الأمر هكذا، فينبغي أن يتحراها المؤمن في العشر الأواخر جميعه.

 

  1. بل هو خير لكم

عن عبادة بن الصامت قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخبرنا بليلة القدر، فتلاحى رجلان من المسلمين، فقال صلى الله عليه وسلم: خرجت لأخبركم بليلة القدر، فتلاحى فلان وفلان فرفعت، وعسى أن يكون خيرًا لكم، فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة". رواه البخاري.

وقال ابن كثير: فتلاحى فلان وفلان فرفعت" فيه استئناس لما يقال: إن المماراة تقطع الفائدة والعلم النافع كما جاء في الحدي: "إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه" رواه أحمد.

وقول ابن كثير: "وعسى أن يكون خيرًا لكم، يعني عدم تعيينها لكم، فإنها إذا كانت مبهمة، اجتهد طلابها في ابتغائها في جميع محال رجائها، فكان أكثر للعبادة، بخلاف ما إذا علموا عينها، فإنها كانت الهمم تتقاصر على قيامها فقط، وإنها اقتضت الحكمة إيهامها، لتعم العبادة جميع الشهر في ابتغائها، ويكون الاجتهاد في العشر الأخير أكثر. وقال ابن الجوزي: "والحكمة من إخفائها: أن يتحقق الاجتهاد الطالب، كما أخفيت ساعة الليل، وساعة الجمعة.

  1. كيفية إحياء ليلة القَدر

قال ابن رجب: وأما العمل في ليلة القدر، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه: من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه" متفق عليه. وقيامها إنما هو إحياؤها بالتهجد فيها والصلاة. وقد أمر عائشة بالدعاء فيها. وأما العمل والعبادة في ليلة القدر، فقد كان النبي الكريم صلى الله عليه وسلم يتهجد في ليالي رمضان، ويقرأ قراءة مرتلة، لا يمر فيها رحمة إلا سأل، ولا بآية فيها عذاب إلا تعوذ، فيجمع بين الصلاة والقراءة والدعاء والتفكر، وهذا أفضل الأعمال وأكملها في ليالي العشر وغيرها والله أعلم. وقال الشعبي في ليلة القدر ليليها كنهارها. وقالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر أحيا ليله، وأيقظ أهله، وشد المئزر" متفق عليه. وشد المئزر كناية عن اعتزاله النساء واجتهاده في العبادة.

وقال ابن الجوزي: "وقد كان السلف يتأهبون لها، فكان لتميم الداري حُلة بألف درهم يلبسها في الليلة التي يرجى أنها ليلة القدر. وكان ثابت وحميد يغتسلان ويتطيبان ويلبسان أحسن ثيابهما، ويطبيان مساجدها في الليلة التي ترجى فيها ليلة القدر. وقد قال النبي الكريم: "إن هذا الشهر قد حضركم، وفيه ليلة خير من ألف شهر، من حُرمها فقد حُرم الخير كله، ولا يحرم خيرها إلا محروم". رواه ابن ماجه

  1. دعاء ليلة القَدر:

يقول ابن كثير: والمستحب الإكثار من الدعاء في جميع الأوقات، وفي شهر رمضان أكثر، وفي العشر الأخير منه، ثم في أوتاره أكثر، والمستحب أن يكثر من هذا الدعاء: "اللهم أنك عفو تحب العفو فاعف عني". وسؤال العفو في ليلة القدر بعد الاجتهاد في الأعمال فيها وفي ليالي العشر؛ لأن العارفين يجتهدون في الأعمال، ثم لا يرون لأنفسهم عملًا صالحًا، ولا حالًا ولا مقالًا، فيرجعون إلى سؤال العفو كحال المذنب المقصر. وهذا الدعاء يجعلنا نقف عدة وقفات ونستخلص منها العِبر وهي:

  1. الحكمة في تخصيص هذه الليلة بسؤال العفو؛ ذلك لأَنَّ "العبد يسير إلى الله سبحانه بين مشاهدة منته عليه، ونعمه وحقوقه، وبين رؤية عيب نفسه وعمله وتفريطه وإضاعته، فهو يعلم أَنَّ ربه لو عذبه أشد العذاب لكان قد عدل فيه، ولهذا كان في حديث سيد الاستغفار: "أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي"، فلا يرى نفسه إلا مقصرًا مذنبًا، ولا يرى ربه إلا محسنًا".
  2. الدعاء بهذا اللفظ يتضمن أدبًا من آداب الدعاء المهمة: وهو الثناء على الله تعالى بما هو أهله، وبما يناسب مطلوب الداعي؛ أي تمجيد وثناء العبد على ربه، والآخر: سؤال من العبد لربه.
  3. استشعار حسن الظن بالله تبارك وتعالى: فيعمر قلب المؤمن بالرجاء.
  4. حاجة العبد وفقره إلى عفو الله تعالى.
  5. يُسر الإسلام: وتسري دلائل هذا التيسير وأماراته في جميع مناحي التشريع، ومنها أدعية الوحيين، حتى قالت عائشة: "كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَستحِبُّ الجَوامِعَ مِن الدعاء، ويَدَعُ ما سِوى ذلك".

في نهاية حديثنا وتبحرنا في فضائل وعظيم قدر ليلة القدر نختم بأبيات شعرية تتناسب وسياق قولنا:

يا رب عبدك قد أتاك      وقد أساء وقد هفا

يكفيه منك حياؤه         من سوء ما قد أسلفا

حَمَل الذنوب على        الذنوب الموبقات وأسرفا

وقد استجار بذيل عفوك     من عقابك ملحفا

رب اعف عنه وعافه        فلأنت أولى من عفا.

 

 

___________________

المراجع

  • ابن تيمية: مجموع الفتاوى 25/286.
  • أحمد عبد المجيد مكي، وقفات تربوية مع دعاء ليلية القدر، موقع قصة الإسلام، 15 يوليو/ تموز 2015، رابط: https://bit.ly/2jYgTf6
  • تفسير ابن كثير.
  • جماز الجماز، ليلة القدر: فضائل وأحكام، موقع قصة الإسلام، 13 سبتمبر/ أيلول 2009، رابط: https://bit.ly/2rJrHBO
  • عبد اللطيف البريجاوي، تدبرات قرآنية في سورة القدر، قصة الإسلام، 13 سبتمبر/ أيلول 2009، رابط: https://bit.ly/2rHWEpp
  • مدار الوطن للنشر/ القسم العلمي، ليلة القدر خير من ألف شهر، الرياض، السعودية، ط1 2006.
  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top