التربية النبوية للأولاد وتشجيعهم على الإبداع والابتكار

د. عادل هندي

13 يناير 2026

45

بعد أن تحدّثنا في المقال السابق عن أهمية التربية على التميّز والاستقلالية في بناء شخصية متوازنة للأبناء، وبيّنا كيف أن منح الطفل مساحة للتعبير عن ذاته بحرّية واحترام رأيه يسهم في بناء الثقة بنفسه ويُخرجه من دائرة التبعية إلى فضاء القيادة والتأثير، كان لا بدّ من التوسّع في جانبٍ آخر مُكمّل لا يقل أهمية، ألا وهو التربية الإبداعية وتشجيع الأبناء على الابتكار.

فإنّ التميّز بلا إبداع قد ينتهي إلى تقليدٍ جديد في ثوبٍ مختلف، أما حين يُقرَن التميّز بالإبداع، فإننا نضع أبناءنا على طريق الريادة وصناعة الأفكار التي تغيّر العالم بإذن الله.

وفي هذا المقال، نغوص في معالم التربية الإبداعية كما رسمها النبي صلى الله عليه وسلم في مواقفه وتوجيهاته، ونتعلّم كيف نُحفّز أولادنا على إطلاق طاقاتهم العقلية والفكرية والمهارية نحو الخير والبناء.

إنَّ من بين أهمّ ملامح التربية المُبدعة للأبناء تشجيعهم على الإبداع والابتكار، ولقد كان من منهج النبي صلى الله عليه وسلم في التربية أنه كان يُشَجّع الشباب والأبناء على الإبداع، وتعدَّدت أساليبه في التشجيع على التربية الإبداعية، ومن بين تلك الوسائل ما يلي:

أولاً: التشجيع والتحفيز الذاتي للشباب:

لقد كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يشجّع الشباب ويحفّزهم على الإبداع في مجالاته المختلفة؛ فهذا خالد بن الوليد يمتدحه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «قد كنت أرى لك عقلاً رجوت ألا يسلمك إلا إلى خير»(1)؛ حتى صار قائدًا عسكريًّا فائق العطاء والجودة، وما دخل معركةً إلا ونصرهُ الله تعالى.

ثانيًا: توظيف الموهبة المبدعة مباشرة:

ولقد كان من الإبداع النبوي في التربية أنّه صلى الله عليه وسلم أعطى أصحاب الموهبة أمرًا بمباشرة إبداعهم، مثلما صنَعَ مع أبي محذورة، الذي باشر الأذان للمسلمين في مكة، وحسان بن ثابت الشاعر، الذي وظّفَه في هجاء من اعتدى على مقام النبوة والرسالة، فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم: «اهج قريشًا، فإنه أشدّ عليهم من رشق النبل»(2)

ثالثًا: استنفار العقول بالألغاز والإثارة:

وتلك وسيلةٌ عملية في تشجيع الذهن على التفكير المبدِع، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل الصحابة أسئلة كثيرة تحفّز العقول نحو الإبداع، كمثل سؤال: «أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟»(3)، و«أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ؟»(4)، و«أَتَدْرُونَ أَيُّ يَوْمٍ هَذَا»(5)، ومثل قوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل: «أَلَا أُخْبِرُكَ بِمِلَاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ»(6).

وفي موقف عبدالله بن عمر دليل على استنفار العقول بغرَض الإعانة على الابتكار، كما في سؤال النبيّ صلى الله عليه وسلم أصحابه عن النخلة.

رابعًا: تنمية القُدرة على التعلّم الذاتي:

كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم زيداً بن ثابت بمباشرة عمله في ترجمة اللغة الأجنبية له، وفي ذلك دليل إعانة على التعلم الذاتيّ، إلا أن النبيّ صلى الله عليه وسلم لم يُشَجِّع على ذلك إلا بعد أن اختبر زيدًا اختبارًا فرديًّا.

يقول الإمام الذهبي عن زيد: «وكان أحد الأذكياء، فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم أسلم زيد، وهو ابن إحدى عشـرة سنة، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يتعلّم خط اليهود، ليقرأ له كتبهم، قال: «فإني لا آمَنهُم»(7).

فاستثمرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم ذكاء زيد وحُسْن حفظه.

وإذا كانت التربية الإبداعية الميدان الرحب لاكتشاف طاقات الأبناء وصقل مهاراتهم، فإنّ الطريقة النبوية في التربية كانت المنارة التي اهتدى بها الصحابة والتابعون في تربية الأجيال.



اقرأ أيضاً:

التربية النبوية على التميز والاستقلالية

التربية الجسمية والصحية للأولاد وفق منهاج النبوة

الهوامش
  • 1 الطبقات الكبرى: أبو عبدالله محمد بن سعد بن منيع الهاشمي بالولاء، البصري، البغدادي المعروف بابن سعد (ت 230هـ)، تحقيق: محمد عبدالقادر عطا، ج4، ص190، ط1/ 1410هـ/ 1990م، دار الكتب العلمية- بيروت.
  • 2 سير أعلام النبلاء للإمام الذهبيّ: ج2، ص516.
  • 3 صحيح مسلم: كتاب الْبِرِّ وَالصِّلَةِ وَالآدَابِ، بَابُ تَحْرِيمِ الظُّلْمِ (2581)، وعند الإمام أحمد في مسنده بلفظ «من المفلس؟» (8016).
  • 4 أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الْبِرِّ وَالصِّلَةِ وَالآدَابِ، بَابُ تَحْرِيمِ الْغِيبَةِ (2589).
  • 5 صحيح البخاري: كتاب الأدب (6043).
  • 6 سنن ابن ماجه: أبواب الفتن، بَابُ كَفِّ اللِّسَانِ فِي الْفِتْنَةِ (3973). قال شعيب: حديث صحيح.
  • 7 سير أعلام النبلاء: ج2، ص427، 428.
الرابط المختصر :

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة