التربية بالإرداف والمصاحبة للأولاد
لقد أبرزت
المقالة السابقة أنَّ القدوة الصالحة والسَّمْت الحسن من أعظم أساليب التربية
النبوية التي تغرس القيم في النفوس وتُنشئ جيلاً مستقيم السلوك والعقيدة، غير أنّ
القدوة لا تكتمل أثرًا ولا تستقر في القلوب إلا إذا صاحبها احتكاكٌ مباشر،
ومرافقةٌ عمليةٌ تُحوِّل المثال النظري إلى تجربة واقعية ملموسة،
وهنا يبرز
الأسلوب الثالث في التربية النبوية: التربية بالإرداف والمصاحبة، الذي يجمع بين
التعليم بالقدوة والتربية بالممارسة والمشاهدة.
فالمُصاحبة
والمرافقة والمصادقة تعدّ من ركائز التربية الناجعة، وهي في حقيقتها وسيلة عملية
لتقريب القلوب، وبناء الثقة، وغرس الأخلاق في إطارٍ من الحبِّ والمودة، ولذا كان
النبيّ صلى الله عليه وسلم يربط أبناء أمته به ربطًا وجدانيًا قويًّا، فيصحبهم في
الأسفار، ويُردفهم خلفه على الدابة، ويحادثهم أثناء السير، ويعلّمهم من خلال
الموقف العمليّ لا بالكلمة المجرّدة.
وقد ورد في كتب
اللغة أنّ الإرداف هو التتابع والمرافقة، كما قال ابن الأثير في كتابه «النهاية»:
«رديف أي تتابع»؛ ومنه قوله تعالى: (بِأَلْفٍ
مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ) (الأنفال: 9)؛ أي: متتابعين يردف بعضُهم بعضًا.
وعلى هذا فإنّ
الردف هو المصاحبة والمصادقة، ومن هذا المعنى اللغوي انطلق الهدي النبوي في تربية
النفوس، حيث اتخذ النبي صلى الله عليه وسلم من المصاحبة وسيلةً تربويةً فعّالةً،
تُنضج العقل، وتُهذّب الخُلق، وتغرس الإيمان في القلوب.
ومن نماذج هذه
التربية النبوية المضيئة ما يلي:
1- إرداف الفضل
بن عباس: جاء في الصحيحين من حديث عبدالله بن عباسٍ قال: كَانَ الْفَضْلُ رَدِيفَ
رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ مِنْ خَثْعَمَ فَجَعَلَ
الْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ، وَجَعَلَ النَّبِيُّ صلى الله
عليه وسلم يَصْرِفُ وَجْهَ الْفَضْلِ إِلَى الشِّقِّ الْآخَرِ.
فكان الموقف
درسًا عمليًا في غضِّ البصر، وقد علَّم النبي صلى الله عليه وسلم صاحبه بالعمل قبل
القول، والموقف قبل الوعظ.
2- إرداف أسامة
بن زيد، والفضل، في أيام الحجّ: فعن ابن عباس: أنَّ أُسَامَةَ بن زيدٍ كان رِدْفَ
النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، مِنْ عَرَفَةَ إِلَى الْمُزْدَلِفَةِ، ثُمَّ
أَرْدَفَ الْفَضْلَ مِنَ الْمُزْدَلِفَةِ إِلَى مِنًى، قَالَ: فَكِلَاهُمَا قَالَ:
لَمْ يَزَلِ النبي صلى الله عليه وسلم يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ.
ففي هذا الموقف
يتجلى التعليم بالمشاهدة، إذ يرافق النبي صلى الله عليه وسلم شبانًا من أمته في
شعيرة الحجّ ليتعلموا منه أداء المناسك بالفعل المباشر، لا بمجرد السماع.
3- إرداف معاذ
بن جبل وتعليمه التوحيد: فعن معاذ بن جبلٍ قال: كنْتُ رِدْفَ النبي صلى الله عليه
وسلم، لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ إِلَّا مُؤَخَّرَةُ الرَّحْلِ، ثم دار بينهما
حوارٌ إيمانيٌّ رفيع انتهى بقوله صلى الله عليه وسلم: «فَإِنَّ حَقَّ اللَّهِ
عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ، وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا.. أَنْ لَا
يُعَذِّبَهُمْ..».
إنّها لحظة
تربوية نادرة تُظهر كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يغرس العقيدة في قلب الشاب
برفقٍ وملاطفةٍ ومحادثةٍ شخصيةٍ أثناء المسير، بعيدًا عن الجمود الوعظيّ أو
الجلسات الرسمية.
4- إرداف
عبدالله بن عباس وتعليمه أصول الإيمان: وقد قال له النبي صلى الله عليه وسلم: يَا
غُلامُ، إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: «احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ..»، إنها تربية
قلبية وعقلية عميقة تمتزج فيها المرافقة بالتعليم، والمودة بالعلم، فيتلقّى الطفل
العلم في سياقٍ من الحنان والثقة والرحمة.
وهذا الأسلوب
التربوي لم يقتصر على النبي صلى الله عليه وسلم، بل سار عليه أصحابه الكرام من
بعده، فكانوا يصحبون أبناءهم ويشاركونهم المواقف ليتعلموا الأدب والدعاء والخلق.
فعن علي بن
ربيعة قال: كنتُ رِدْفَ عليٍّ رضي الله عنه، فلما وضع رجله في الركاب قال: باسم
الله، ثم حمد الله ثلاثًا، ثم ضحك، فقلت: ما يُضحكك؟ قال: كنتُ رِدْفًا لرسول الله
صلى الله عليه وسلم ففعل كما رأيتني أفعل، فكانت المصاحبة هنا وسيلةً لتوريث
الدعاء، ونقل السلوك العملي، وتعميق العلاقة الروحية بين المربي والمتربي.
وكذلك ما رواه
ابن عمر في مجالسة الكبار، حين قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَثَلُ
المُؤْمِنِ كَمَثَلِ شَجَرَةٍ خَضْرَاءَ..»، فَأَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ هِيَ
النَّخْلَةُ فَاسْتَحْيَيْتُ، فَقَالَ: هِيَ النَّخْلَةُ، فَقُلْتُهَا لِعُمَرَ،
فَقَالَ: لَوْ كُنْتَ قُلْتَهَا لَكَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ كَذَا وَكَذَا.
وهذا مشهد آخر
من مشاهد التربية بالمصاحبة، حيث يشهد الابن مجلس الكبار، ويتعلم الأدب مع الكلام،
والثقة بالنفس مع الحياء، فينضج فكره ويتأدب قلبه.
آثار التربية بالإرداف والمصاحبة في التربية الوالدية
إن هذا اللون من
التربية يترك أثرًا عميقًا في نفس الطفل؛ فهو يغرس في الأبناء الأنس بأهلهم،
ويقوّي جسور الحوار والثقة، ويصنع من البيئة الأسرية ميدانًا للتجربة والممارسة،
لا التوجيه اللفظي فحسب، كما أنه يُكسب الأبناء الطمأنينة والسلوك العمليّ المتزن،
ويزرع فيهم روح الالتزام القيميّ والخلقيّ دون عناء أو إكراه.
فالطفل الذي
يصحب والده في زيارة المريض، أو رحلة العمل، أو ميدان الخير، يرى في سلوك أبيه
درسًا حيًّا يغنيه عن ألف موعظة، والابنة التي ترافق أمها في مواقف الحياة اليومية
تتعلم اللطف، والصبر، والإيمان العمليّ من تصرفاتٍ واقعيةٍ مؤثرة.
ولقد علَّمنا النبي
صلى الله عليه وسلم بهذا الأسلوب أنَّ التربية ليست كلماتٍ تُقال، وإنما حياة
تُعاش ومواقف تُرى، فالمصاحبة تُخرج جيلاً يتعلّم من الموقف قبل المحاضرة، ومن
السلوك قبل الخطبة.
وهكذا، فإنّ
التربية بالإرداف والمصاحبة تمهّد في حقيقتها لأسلوبٍ تربويٍّ آخر لا يقلّ أثرًا،
بل يمتدّ ليغذي الفكر والخيال والعاطفة، ألا وهو أسلوب التربية بالقصة والحكاية،
الذي كان للنبي صلى الله عليه وسلم فيه منهجٌ عظيم في تعليم القيم وغرس المبادئ من
خلال الكلمة المؤثرة والموقف القصصي المعبر.
اقرأ
أيضاً:
التربية
بالموعظة الحانية والحوار الإيجابي
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً