الثروة الشبابية.. من أزمة الرقم إلى مشروع النهضة
شاهدتُ فيلمًا
وثائقيًا لمذيعة يمنية في هيئة الإذاعة البريطانية عن المقاتلين العرب في صفوف
الجيشين الروسي والأوكراني، فانكشفت لي حقيقة طالما توارت عنا خلف ضجيج الآلة
الحربية التي لا نملكها، واختفت تحت سطوة التقنية، بان لي جليا أن الآلة الحربية
مهما بلغت لا تصنع حضارة، وأن الصناعة مهما اتسعت مجالاتها العسكرية لا تفرض
استقراراً، وأن الأوطان لا تُصان فقط بتكديس السلاح، بل بالإنسان أولًا، وبالشباب
خاصة؛ بعقولهم الحيّة، وطاقاتهم المتدفقة، وصدق انتمائهم لأرضهم، وحبهم لأوطانهم
وتفانيهم في الذود عنها.
وقد بدا هذا
جليًا لا في حرب روسيا وأوكرانيا وحدها، كذلك في الصمود الملحوظ لشعب لا يتجاوز
تعداده تعداد حيّ من أحياء القاهرة، تحت الحصار منذ احتلاله في عام 1967م، حيث
واجهت إرادته أعتى آلات الحرب لأكثر من عامين، في مهلكة شارك فيها العالم، فواجه
العالم كله بإرادة بشرية تفوق ترسانات حديثة مدججة بالأسلحة جواً وبراً وبحراً،
ومن هنا يتسلّل الأمل، حتى مع شحّ الموارد؛ ما دامت الأمة تزخر بشبابها؛ قال
تعالى: (وَأَعِدُّواْ لَهُم
مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّةٖ وَمِن رِّبَاطِ
ٱلۡخَيۡلِ تُرۡهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمۡ) (الأنفال: 60).
وقد فسّر النبي صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ القوة هنا فقال: «ألا إن القوة الرمي» (رواه مسلم)، والمراد
أن القوة منظومة تشمل الإنسان تدريبًا وتأهيلًا قبل أن تكون أدواتٍ وسلاحًا.
يروى أن الزبير
بن العوَّام (ت 36هـ) ابن عمة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أحد
العشرة المبشرين بالجنة، ضرب رجلاً فقدَّه نصفين، فقيل له: ما أمضى سيفك! فقال:
كلا إنما هي قوة «الساعد»(1).
وطاهر بن الحسين
الخزاعي (ت 207هـ) كان الخليفة المأمون يسميه ذا اليمينين لأنه ضرب شخصاً في واقعة
فقده نصفين وكانت الضربة بشماله»(2).
قال المتنبي (ت
354هـ):
وَمَا تَنْفَعُ
الخَيْلُ الكِرَامُ وَلا القَنَا إِذَا
لَمْ يَكُنْ فَوْقَ الكِرَامِ كِرَامُ(3)
وقريب منه قول
الحسين بن علي الطغرائي (ت 457هـ):
وعادةُ
السَّيْفِ أَن يَزهَى بَرونَقِهِ وَليسَ
يَعمَلُ إِلَّا في يَدَي بَطَلِ(4)
فالنصوص
الشرعية، قرآنًا وسُنة، تتضافر على حقيقة واحدة؛ أن الحضارات لا تقوم على التفوق
التقني وحده، ولا تُصان بتكديس السلاح، وإنما تنهض بالإنسان، وتشتد بسواعد الشباب،
وتستمر بصدق الانتماء وحيوية الوعي، فإذا وُجد هذا كله، بقي الأمل حيًّا، مهما
شحّت الموارد، ومهما اشتدت الأزمات
الشباب بين كنز مُهمل وخطاب معطل
تتشابك اليوم في
المشهد العربي مفارقة وجودية تكاد تكون فريدة؛ ففي الوقت الذي تتنافس فيه الأمم
الكبرى على استقطاب العقول البشرية وترميم نسيجها الديمغرافي، تعاني الأمة العربية
من استنزاف منهجي لثروتها البشرية الهائلة، تلك التي يفوق عدد شبابها سكان دول
كبرى بأكملها، لقد تحول الإنسان العربي في الخطاب التنموي السائد من كينونة حضارية
إلى مجرد رقم في إحصاءات البطالة أو الهجرة أو الفقر، بينما تكشف التحولات الدولية
أن مستقبل الأمم يُقاس بمدى حكمة استثمارها في رأس مالها البشري، فهل يمكن تحويل
هذه الطاقة البشرية المعطلة إلى محرك للنهضة؟
الإنسان ليس مجرد رقم
رسم القرآن
الكريم الدور الوجودي للإنسان وأعطاه وصف التكريم؛ (وَلَقَدۡ كَرَّمۡنَا بَنِيٓ ءَادَمَ وَحَمَلۡنَٰهُمۡ فِي
ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ وَرَزَقۡنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَفَضَّلۡنَٰهُمۡ عَلَىٰ
كَثِيرٖ مِّمَّنۡ خَلَقۡنَا تَفۡضِيلٗا) (الإسراء: 70)، وجعل دوره غير مقصور في مكان دون آخر، بل إن تاريخ
الحضارات يشهد أنها قامت بالإنسان ولأجله، فما بنى الحضارات ووضع أسس العلوم إلا
الإنسان المبدع والإرادة المصممة، واختزال هذا الكائن في مؤشرات كمية هو اختزال
للمستقبل ذاته، والدول التي أدركت هذا المعنى بعد الحرب العالمية الثانية، استثمرت
في تعليم مواطنيها وصحتهم فقفزت من الحطام إلى مصاف الدول المتقدمة خلال عقود.
خرافة الاكتظاظ السكاني
في الوقت الذي
تدعو فيه الديانات لتكثير النسل في الكتاب المقدس عندهم حيث يقول: «أَثْمِرُوا وَأكْثروا
وَامْلؤوا الأَرْضَ، وَأَخْضِعُوهَا»(5)، وبالرغم من هذا يواجه
الخطاب العربي إشكالية عميقة في التعاطي مع الثروة البشرية، حيث يتم تصويرها
غالباً كمشكلة انفجار سكاني بدلاً من اعتبارها حلاً، بينما تثبت تجارب دول مثل
كوريا الجنوبية وسنغافورة أن الكثافة السكانية، حين تُحوّل إلى طاقة منتجة، تصبح
أقوى محركات النمو، الفارق الجوهري ليس في العدد، بل في جودة التأهيل والتخطيط
والرؤية.
آليات استنزاف الشباب وتفكيك المكان
إستراتيجية التهجير.. تفريغ الأرض
أصبح النزوح
والتهجير القسري في الصراعات العربية أداة لإعادة توزيع الخرائط الديموغرافية، كما
في حالات سورية واليمن وليبيا، حيث تحولت المدن من مراكز إشعاع ثقافي إلى أماكن
طاردة للسكان، وقد عرفت أصدقاء أسرته مشتتة بين قارات الدنيا، وبأقل من هذا الشتات
يتحول هَمّ الناس إلى تحصيل الكفاف من ضرورات الدنيا، وهذه ليست نتيجة عرضية
للحرب، بل هي إستراتيجية تهدف إلى:
- قطع الصلة الروحية بين المجتمع وأرضه وهويتها.
- خلق جيل
منقطِع الجذور، يسهل التأثير في ولائه وهويته.
استهداف الأسرة نواة المجتمع
معلوم أن الأسرة
هي الخلية المناعية للمجتمع، واستهدافها اليوم يأخذ أشكالاً متطورة:
- تفكيك اقتصادي: بطالة الشباب تؤخر الزواج وتزيد معدلات الطلاق تحت وطأة الضغوط.
- تفكيك قيمي: عبر حروب إلكترونية على منظومة القيم الأسرية والاجتماعية عبر وسائل الإعلام ووسائل التواصل.
- تفكيك نفسي:
الصدمات الجماعية في مناطق الحرب تترك آثاراً عميقة على التماسك الأسري، حيث تنتشر
حالات الاكتئاب والعنف المنزلي.
هجرة العقول والنزيف المستمر
تشير تقديرات
البنك الدولي إلى أن المنطقة العربية تخسر سنوياً آلاف الكفاءات في الطب والهندسة
والعلوم، هذه هجرة مزدوجة الكلفة؛ نخسر تكلفة تعليمهم أولاً، ثم نخسر إسهاماتهم
المستقبلية، وتستمتع الدول المستقبِلة بثمرة تعليمنا دون أن تتحمل كلفته.
الشباب بين الاستنزاف والاستثمار
بات تحويل سلم
الأولويات في الفكر التنموي ضرورة، وليس فقط التركيز على إدارة الفقر والبطالة،
فإطلاق الطاقات الكامنة، كتجربة ماليزيا في تحويل تنوعها الإثني من عامل صراع إلى
مصدر قوة، عبر سياسات تعليمية واقتصادية شاملة، تقدم نموذجاً يُحتذى.
المحاور العملية
أ- مشروع تأهيل شامل:
- بتعليم يركز على التفكير والإبداع والمهارات الرقمية، لا الحفظ والتلقين.
- باستثمار في الصحة البدنية والنفسية كشرط للإنتاجية والابتكار.
- وربط التعليم
بسوق العمل، عبر شراكات إستراتيجية بين الجامعات والقطاع الخاص.
ب- سياسات تحفيزية للأسرة والاستقرار:
- دعم مادي ومعنوي للأسرة ككيان أساسي.
- قوانين عمل مرنة تتيح التوازن بين الحياة والعمل.
- برامج تثقيف
أسرية لمواجهة محاولات التفكيك القيمي.
جـ- استعادة العقول واستقطاب الكفاءات:
- حاضنات وبيئات جاذبة للباحثين والمبتكرين.
- شراكات مع المغتربين لاستثمار خبراتهم ولو عن بعد.
- منح دراسية
مشروطة بالعودة والخدمة.
د- تحصين الهوية والانتماء:
- خطاب ثقافي إيجابي يعيد تعريف الهوية العربية كهوية منفتحة قادرة على العطاء.
- إبراز النماذج الناجحة في التاريخ والمعاصرة.
- مشاريع تنموية
وطنية كبرى تخلق شعوراً بالانتماء والإنجاز الجماعي.
الحصون الخاوية والفرصة التاريخية
لطالما راهن
المفسدون على آلة الحرب لتحقيق أغراضهم، لكنهم اليوم يواجهون معادلة جديدة؛ الحصون
تخلو من المدافعين، والعمران يفتقد إلى الساكنين، هذه ليست علامة ضعف للمجتمعات
العربية، بل هي مؤشر على فشل مشروع التفكيك ذاته، الفرصة التاريخية تكمن في أن
الأمة لا تزال تملك المورد الأساسي؛ الشباب المتعطش للإنجاز، والمرأة القادرة على
العطاء، والعقول المبدعة المنتظرة البيئة الحاضنة.
إن الدول التي
تخلو من شعوبها أشبه بقلاع من رمال، والوعي العربي المتنامي بخطورة استنزاف موارده
البشرية يشكل منعطفاً حاسماً، عندما تدرك الأمة أن أقوى سلاح في مواجهة مشاريع
التفكيك الاستثمار في الإنسان، وعندما تتحول الروح الشبابية من طاقة معطلة إلى
طاقة منتجة، فإن معادلة القوى ستنقلب.
نحو عقد اجتماعي جديد
التحدي الحقيقي
اليوم معركة إرادات وعقول، ليست معركة على مستقبل وجودنا الحضاري، يتحقق بعقد
اجتماعي جديد بين الحكومات والمجتمعات العربية، يُعيد وضع الإنسان في قلب أولوياته،
عقد يُحوّل التحديات الديموغرافية إلى ميزة تنافسية، والطاقات المعطلة إلى محركات
نمو.
فالنهضة ليست حلماً مستحيلاً، بل هي خيار إستراتيجي يبدأ باعتزاز كل فرد بقيمته، واعتراف الدولة بقدسية كينونة مواطنيها، حين نتعامل مع الإنسان على أنه صانع حضارة وليس رقماً في جدول، وحين نؤمن بأن في صحرائنا خيرات تكفي، وفي شبابنا طاقات تفيض، سنكون قد وضعنا أول لبنة في صرح النهضة الحقيقية، المستقبل يُصنع اليوم، والإنسان هو مادته الأولية والأخيرة، وهو بالتالي حامل مشروعه الوحيد.
اقرأ أيضا
الهوامش
- 1 مجلة المنار الكاتب: محمد رشيد رضا، عدد 16 جمادى الآخرة 1316هـ/ نوفمبر 1898م.
- 2 سير أعلام النبلاء (10/ 108)، الوافي بالوفيات (16/ 227).
- 3 الأمثال السائرة من شعر المتنبي، للصاحب بن عباد (ت 385هـ) تحقيق الشيخ محمد حسن آل ياسين، مكتبة النهضة- بغداد، الطبعة الأولى، 1385هـ، ص50، وقوله: «القَنَا»: الرماح، ومراده أنْ لا نفعَ للخيل إذا لم يركبها فارس ذو قوة وبأس.
- 4 الدر الفريد وبيت القصيد، للمستعصمي (ت 710هـ) تحقيق: د. كامل سلمان الجبوري، دار الكتب العلمية، بيروت- لبنان الطبعة: الأولى، 1436هـ (3/ 264).
- 5 سفر التكوين (1: 28).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً