السيادة أم التبعية في أمريكا اللاتينية.. اعتقال الرئيس الفنزويلي كاختبار للدور الأمريكي
تجد أمريكا
اللاتينية نفسها اليوم أمام معادلة معقدة تتجدد مع كل أزمة سياسية أو اقتصادية تمر
بها إحدى دولها، أعاد اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو فتح نقاش واسع في
أمريكا اللاتينية حول طبيعة الدور الأمريكي وحدود النفوذ الخارجي في شؤون دول
القارة، فالحدث لم يُستقبل بوصفه تطوراً فنزويلياً داخلياً فحسب، بل كإشارة سياسية
ذات أبعاد إقليمية تمس توازنات السلطة والسيادة في أمريكا اللاتينية بأسرها.
ولطالما شكلت
فنزويلا بؤرة توتر مستمرة في العلاقات الأمريكية اللاتينية، فمنذ تبنيها نهجاً
سياسياً مناهضاً للولايات المتحدة، أصبحت ساحة اختبار لسياسات الضغط والعقوبات
والعزل الدبلوماسي، ومع تفاقم أزمتها الاقتصادية والسياسية تحوّلت إلى نموذج
تُسقِط عليه واشنطن خطاب «تغيير النظام» تحت مبررات ديمقراطية وإنسانية.
لكن ما يميّز
اللحظة الراهنة انتقال الصراع من مستوى الضغوط غير المباشرة إلى الحديث عن إجراءات
غير مسبوقة تمس رأس السلطة، وهو تطور يضع القارة أمام سقف التدخل الأمريكي، ومدى
قدرة دول أمريكا اللاتينية على مواجهته أو احتوائه؟
فنزويلا.. بين الأزمة الداخلية والضغط الخارجي
تعاني فنزويلا
منذ سنوات أزمة مركبة تشمل انهياراً اقتصادياً وتضخمًا مفرطاً وهجرة واسعة،
واستقطاباً سياسياً حاداً، وقد استثمرت الولايات المتحدة وحلفاؤها هذه الأزمات
لتكثيف الضغوط على حكومة مادورو، معتبرين أن تغيير النظام بات ضرورة لإنقاذ
البلاد.
في المقابل، ترى
الحكومة الفنزويلية وأنصارها أن العقوبات الأمريكية السبب الرئيس لتفاقم الأوضاع
المعيشية، وأن واشنطن تستخدم معاناة الشعب أداة لتحقيق أهداف سياسية، وفي هذا
الإطار، فإن ما حدث يُفهم على أنه تدخل مباشر في سيادة الدول، ويعزز الفكرة التي
أصبحت راسخة على محدودية قدرة المؤسسات الدولية، وعلى رأسها الأمم المتحدة ومجلس
الأمن ومحكمة العدل الدولية، على لجم السلوك الأحادي للولايات المتحدة التي تتعامل
في كثير من الأحيان مع النظام الدولي باعتباره أداة لخدمة مصالحها لا إطاراً
ملزمًا لها.
فاختلال موازين
القوة داخل هذه المؤسسات ولا سيما حق النقض في مجلس الأمن، يسمح لواشنطن بتجاوز
قرارات الشرعية الدولية أو تعطيلها؛ ما يُفرغ مبادئ القانون الدولي من مضمونها
العملي، ويُحوّل النظام العالمي إلى منظومة انتقائية تُطبق فيها القواعد على
الضعفاء أكثر مما تُفرض على القوى الكبرى والحرب على غزة ليست ببعيدة عن ذلك.
مواقف دول أمريكا اللاتينية.. انقسام واضح
جاءت ردود فعل
دول أمريكا اللاتينية متباينة، ويمكن تقسيمها إلى 3 كتل رئيسة:
أولاً: دول رافضة للتدخل الأمريكي:
دول مثل بوليفيا
ونيكاراغوا وكوبا وأحيانًا المكسيك، عبّرت تاريخياً عن رفضها لأي تدخل خارجي في
شؤون الدول ذات السيادة، هذه الدول ترى أن استهداف القيادة الفنزويلية، حتى تحت
ذرائع قانونية أو سياسية، يشكّل سابقة خطيرة قد تُستخدم لاحقاً ضد أي حكومة لا
تنسجم مع التوجهات الأمريكية، بالنسبة لهذه الدول، القضية لا تتعلق بالدفاع عن
مادورو كشخص، بل بالدفاع عن مبدأ عدم التدخل الذي يُعد حجر الزاوية في النظام
الإقليمي اللاتيني.
ثانياً: دول متحالفة أو متقاربة مع واشنطن:
تبنّت بعض
الحكومات خصوصاً ذات التوجهات اليمينية أو المحافظة مواقف أقل حدة تجاه الولايات
المتحدة، فدول مثل كولومبيا أو بعض حكومات أمريكا الوسطى تنظر إلى الأزمة
الفنزويلية من زاوية الأمن الإقليمي والهجرة غير النظامية، وترى في الضغط الأمريكي
وسيلة لإنهاء حالة عدم الاستقرار، غير أن هذه الدول رغم تقاربها مع واشنطن تبقى
حذرة من تأييد أي تحرك قد يُفهم كخرق صارخ للأعراف الدولية لما يحمله من تداعيات
داخلية وإقليمية.
ثالثاً: دول الموقف الرمادي أو الوسيط:
البرازيل وتشيلي
والأرجنتين تحاول غالباً اعتماد خطاب متوازن يدعو إلى الحلول السياسية والحوار دون
الانخراط الكامل في المواجهة أو الاصطفاف، هذه الدول تدرك أن التصعيد قد يؤدي إلى
زعزعة الاستقرار الإقليمي، لكنها في الوقت نفسه لا تريد خسارة علاقاتها الإستراتيجية
مع الولايات المتحدة.
أوراق القوة لدى دول أمريكا اللاتينية
رغم الفجوة
الكبيرة في موازين القوة العسكرية مع الولايات المتحدة، تمتلك دول أمريكا
اللاتينية عدة أوراق يمكن توظيفها كالشرعية الإقليمية والدبلوماسية، فالمنظمات
الإقليمية مثل تجمع دول أمريكا اللاتينية والكاريبي ومنظمة دول أمريكا الجنوبية،
تشكّل منصات مهمة لتوحيد المواقف أو على الأقل لعرقلة أي شرعنة إقليمية للتدخلات
الأحادية وحدة الخطاب حتى لو كانت جزئية تمنح الدول اللاتينية وزناً تفاوضياً
أكبر.
مضافاً لذلك
العمق الجغرافي والاقتصادي، فأمريكا اللاتينية تمتلك موارد طبيعية هائلة من النفط
والغاز إلى المعادن النادرة والغذاء، هذه الموارد تمنحها قدرة تفاوضية مهمة خصوصاً
في ظل التنافس الدولي المتزايد بين الولايات المتحدة والصين وروسيا، فتنويع
الشراكات الاقتصادية يقلل من القدرة الأمريكية على فرض إرادتها منفردة.
كذلك، الرأي
العام والذاكرة التاريخية الجماعية في القارة ما زالت تحتفظ بتجارب التدخل
والانقلابات المدعومة خارجياً، هذا العامل يشكّل قيداً سياسياً حتى على الحكومات
المتحالفة مع واشنطن، إذ يصعب تبرير دعم علني لإجراءات تُذكّر شعوب المنطقة بمراحل
مؤلمة من تاريخها الحديث.
والتحالفات
الدولية البديلة، فانفتاح بعض دول أمريكا اللاتينية على قوى دولية أخرى يمنحها
هامش مناورة أوسع، فوجود شركاء دوليين يحدّ من فعالية العزل والعقوبات ويمنح الدول
المستهدفة قدرة أكبر على الصمود.
اختبار حقيقي للسيادة الإقليمية
إن ما يجري حول
فنزويلا يتجاوز شخص الرئيس أو شكل النظام السياسي القائم فيها، إنه اختبار لقدرة
أمريكا اللاتينية على حماية مفهوم السيادة في عالم يشهد عودة منطق القوة، فنجاح أي
تدخل مباشر أو غير مباشر دون رد فعل إقليمي قوي قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من
العلاقات غير المتكافئة، في المقابل فإن تبلور موقف لاتيني جماعي، حتى لو اقتصر
على رفض الإجراءات الأحادية، يمكن أن يشكل نقطة تحول في إعادة صياغة العلاقة مع
الولايات المتحدة على أسس أكثر توازنًا.
لذا، فإن اعتقال
الرئيس الفنزويلي يكشف عن هشاشة التوازنات السياسية في أمريكا اللاتينية، وعن عمق
الصراع حول النفوذ والسيادة، وبين انقسام المواقف وتعدد المصالح، تظل القارة أمام
خيارين؛ إما القبول بمنطق فرض الأمر الواقع، أو السعي إلى بناء موقف إقليمي مستقل
يوظف ما تملكه من أوراق قوة سياسية واقتصادية ودبلوماسية، بالمحصلة لا تختبر هذه
اللحظة مستقبل فنزويلا وحدها، بل تختبر أيضاً قدرة أمريكا اللاتينية على أن تكون
فاعلاً مستقلاً في نظام دولي سريع التحول، لا مجرد ساحة نفوذ لقوى أكبر منها،
فالولايات المتحدة الأمريكية تعود لاستخدام أسلوب السبعينيات في اختطاف مناوئيها
كبديل لحرب مباشرة كونه خيار سريع وأقل كلفة.
اقرأ أيضاً:
الرئيس الفنزويلي متحدياً ترامب بعد العقوبات الأمريكية: "هيا افعلها"