القدس وفلسطين.. بين معاناة الاحتلال ومقاومته
بسم الله الرحمن
الرحيم.
وصلى الله على
سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
يطيب لي أن أقدم
في دورة مجمعنا الثالثة عشرة بحثًا حول (القدس وفلسطين) وهو الموضوع الذي يشد
اهتمام جميع المسلمين منذ أكثر من نصف قرن، ويمثل صلب الصراع العربي الإسرائيلي.
فموضوع القدس وفلسطين بقي حيًّا في قلوب الشعوب الإسلامية رغم تتابع الحوادث والأزمات الدولية
والمآسي والفواجع التي عاشتها هذه الشعوب، وما ذلك إلا دليل على قدسية هذه القضية
وتأصلها في نفوس المسلمين.
وأود بهذه
المناسبة أن أحيي جهاد الشعب الفلسطيني المناضل وبسالة المقدسيين المرابطين في
انتفاضتهم المباركة، ونبتهل إلى العلي القدير أن يشد من أزرهم ويمكنهم من الدفع
والجلد ويرفع من معنوياتهم، ويمن علينا وعليهم بالنصر المبين، ويكسر شوكة الغاصبين
المحتلين.
جذور الأطماع الصهيونية
إن أطماع
الصهيونية في فلسطين بدأت منذ أواخر القرن التاسع عشر؛ فقد رسم هرتزل للمجتمع
اليهودي الخطة، وحدد له الهدف بكتابه دولة إسرائيل، بما قام به من اتصالات مكثفة
مع الدولة العثمانية، والدول الأوروبية، وبخاصة بريطانيا أواخر القرن التاسع عشر،
من أجل تحقيق غايته المنشودة، في ظروف كان يهود أوروبا الشرقية وبخاصة روسيا بعد
اغتيال القيصر، يضيقون بإقامتهم في البلاد التي انتشروا بها، ويشعرون بالخوف
والهلع، ويتوقون إلى أن يتجمعوا بوطن لهم متميز يكون خاصًّا بهم وهو فلسطين، كما
زينت لهم ذلك الحركة الصهيونية، وساعدتهم عليه بريطانيا العظمى.
ولما تحمله هذه
الجملة الأخيرة من دلالات، وتوحي به من أفكار وآراء، بل من تصرفات وحركات، أثارت
قضية فلسطين الإسلامية نزاعًا حادًّا، وصراعًا شديدًا بين المسلمين والمسيحيين
سكان البلاد الأصليين وغير الأصليين، وبين الطوائف والفئات المهاجرة إليهم
والزاحفة عليهم في ديارهم. وطبيعي أن تترتب على ذلك أجواء من الظلم والعسف
والإرهاب والاعتداء، منها نهب الأراضي، واغتصاب الممتلكات، ورمي السكان الآمنين
بالقنابل العنقودية، واستخدام الأسلحة الكيميائية المحرمة، والقيام بحملات من
الاعتقال والتعذيب، واقتحام المسجد الأقصى على المصلين، وتدمير مسجد حسن بك بيافا،
ومسجد الشيخ جراحا بالقدس، والهجوم المسلح على الجامعة الإسلامية بالخليل، ونحو
ذلك من الأعمال الوحشية الإجرامية.
القدس.. هوية تاريخية ومكانة تأبى المحو
ولا يقع هذا
العدوان «الإسرائيلي» البغيض المتجدد على جزء خاص أو جهة معينة من البلاد بل هو
مسلط: واقع ومشاهد بكل أطراف فلسطين وفي مقدمتها القدس. تلك البقعة المباركة
الشريفة التي عمرها العرب من مسلمين ومسيحيين من الفتح الإسلامي في عهد عمر بن
الخطاب 15هـ/ 636م إلى اليوم، فتوالت عليهم بها القرون والأجيال، وعاشوا بها حلو
الحياة ومرها. ينطق بمفاخرهم فيها ما شيدوه بها وأقاموه من معالم حضارية، وما
نشروه من علم وثقافة، وما بذلوه من جهد في سبيل بناء حياة آمنة كريمة، تأسيسًا،
ورعاية، وحفظًا، وصيانة. ومن خير من يصف لنا القدس العالم الراحل والمؤرخ الصادق
المرحوم الدكتور إسحاق موسى الحسيني الذي يقول من دراسة علمية جريئة جدًّا نشرها
مركز الأبحاث في بيروت: إني لا أستطيع أن أكتم شعوري نحو مدينتي العزيزة الحزينة
المتشحة بالسواد. إنه ليطيب لي أن أردد ذكرها صباح مساء، وأن أسبح بحمدها، وأن أصف
محاسنها، وأن أذكر أسماءها وتاريخها وعلماءها ومساجدها وكنائسها، وكل ما يمت إليها
من قريب أو بعيد. أليست هي مسقط رأسي، ووطن آبائي وأجدادي، ومهبط الأنبياء ومنبع
الرسالات، والقبلة التي تتجه نحوها قلوب المؤمنين! ليس في العالم كله مدينة
تحاكيها فيما اجتمع فيها من آثار مقدسة، منذ أربعة آلاف سنة إلى اليوم، فيما تثيره
في النفس من مشاعر الإجلال والتقديس، ولا فيما تبعثه في القلب من أنس.
وإن هذه المشاعر
المتدفقة المشتركة التي تفيض بها كل نفوس الفلسطينيين لهي تلك التي رسمها مركز
الإسراء للدراسات والبحوث، حين قال في غضون حديثه عن احتلال فلسطين، من مقدمته
لكتاب (القرارات الدولية الكاملة) من 1947 إلى 1997م.
"أما القلب
(قلب فلسطين) وهو القدس فلم يكن إلا تعبيرًا صادقًا عن تعلق الأرض بالسماء،
والإنسان بالقيم، والجهاد بالألم، واختصارًا لطيفًا لمعراج الرسالة، ووحدة
الأديان، والأمل بالسلام، وخلاص الإنسان ".
وهذه المعاني
القدسية الشريفة التي تجيش بها نفس كل عربي عاش بهذه الديار، وانتسب إليها، لهي
تلك التي استهدفها الاحتلال الصهيوني والاستعمار اليهودي من نحو قرن، من أجل
إذابتها والقضاء عليها. والأمر غير عسير ما دامت الإجراءات والوسائل تتخذ في كل
يوم لتأكيد هذا الاتجاه الإسرائيلي الحاقد من غير بصر رادع أو سلطان وازع.
وهي التي من أجل
حمايتها والحفاظ عليها وتخليدها وصيانة الوطن والهوية مارس الشعب الفلسطيني ويمارس
في أمسه ويومه وغده كل ألوان المقاومة والجهاد على جبهات متعددة. فمن مظاهرات
ومصادمات يقوم بها هذا الشعب العربي الفلسطيني احتجاجًا على السياسة البريطانية
والأنظمة الصهيونية إلى إعلان عن رفضه الصريح لإقامة الوطن القومي لليهود ببلد
فلسطين.
ومن مواجهات
دامية لاعتداءات اليهود على مدى سنوات 1929م - 1936 - 1948 - 1949 – 1967م، وقيامه
أثناء ذلك بمعارضته لقرار التقسيم وللإعلان عن قيام دولة إسرائيل، ودخوله الحرب
مناهضًا ومجاهدًا من أجل تحرير وطنه في سنوات 1956م - 1967 – 1973م، إلى إنشائه
منظمة التحرير الفلسطينية، وظهور الانتفاضة يساندها تكافل الفصائل السياسية والقوى
الشعبية.
ودفع الناس
اليأس والإحباط فحملهم على تشكيل المنظمات الفدائية. ولكن رغم مآسي الفتنة والثورات
والحروب لم تلبث القوات العدوانية وسلطات الاحتلال متمسكة بمنطق القوة العسكرية
والأسلحة المتطورة، والتأييد الخارجي. فهم لذلك معتدون بما عندهم من عتاد ودعم،
يعرفون الحق ولا يذعنون له، ويدركون الطغيان والطاغوت ويستمسكون به، ويدعون إلى
الرشاد والسلم فيمنعون نفاذ القوانين وتنفيذ المعاهدات، ويتحدَّون الإرادة
الدولية، ولا يركنون بصدق إلى المفاوضات، ويعطلون سبل التعاون المثمر بين الأمم.
في هذه الفترة
الطويلة على المستضعفين، القصيرة في عمر الزمان، تتابعت الأحداث والهجومات، وصور
القهر والاستيلاء، وأسباب الاستعلاء والهيمنة المختلفة المتجددة على فلسطين وأهل
فلسطين. فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله، وما ضعفوا وما استكانوا، والله يحب
الصابرين. وهم في كل تلك الأحوال والظروف متحلون بالإيمان والثبات، يرددون تعاليم
آيات القرآن البينات، داعين: (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا
فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ)
(آل عمران: 147).
ومن يرد أن يلم
بأنواع الصراعات، وأسرار النزاعات، وأشكال المواجهة، وصور التحديات يعد أولًا إلى
دراسة الوقائع والملابسات فإن هذا البحث لا يتسع لمثل ذلك.
ويتتبع ثانيًا -إن
شاء الله- في مسيرة هذه الحلقة الأخيرة من تاريخ الشرق الأوسط وفلسطين التي تمتد
على مدى نحو قرن أو يزيد كل المواقف العدوانية.
من جهة،
والمواقف الجهادية من جهة أخرى. فإذا هي كلها بارزة بعناوين من نار ونور؛ فهي
متمثلة في: وعد بلفور، وقرار التقسيم، والقدس، والتدويل، والسيادة، والسياسة
التوسعية للاستعمار اليهودي قبل عام 1967م وبعدها، ومتلمسة في التفاف المجاهدين
حول مقدساتهم، يذودون عنها بأموالهم وأنفسهم، وفي قيام منظمة التحرير الفلسطينية
الجامعة لشملهم والممثلة لهم، المتكلمة بلسانهم، وفي الحركات الجهادية الأخرى كالـ
انتفاضة وغيرها، وفي مواقف التفاوض المرن من أجل السلم بما يكشف لدى هؤلاء عن
بطولات مجيدة في المجالين العسكري القتالي، والتفاوضي السياسي.
ويعنينا في هذا المقام أن نتبين عن طريق المقاصد والأعمال القواعد الأساسية للاحتلال الصهيوني للقدس ولفلسطين. فقد كان الاحتلال والإرهاب بجميع صوره وأشكاله مدعاة لنزوح المواطنين عن ديارهم، واضطرارهم إلى طلب اللجوء إلى البلاد المجاورة خارج بلادهم. وبقدر ما تخلو البلاد من ساكنيها، والأوطان من أبنائها تتهيأ أسباب أكثر للهيمنة والحكم والتصرف المطلق في الأراضي المنتزعة، وتتوفر للعدو فرص جديدة للتوسع الاستعماري وللاستبداد بكل شيء، واستغلال كل شيء، ويمضي المحتل الإسرائيلي - ليثبت أقدامه، ويدعم وجوده وسلطانه - في سلوك المنهج الأقسى والأنكى والأشد ظلمًا وخطورة، معتمدًا في سياسته الاستعمارية القمعية القواعد الثلاثة التي ترسمها في تحركاته كلها في فلسطين والقدس والبلاد العربية المجاورة؛ وهي: الهجرة والاستيطان والتهويد.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً