بدائل العبادات الكبرى.. أجر عظيم وجهد يسير
الحمدُ لله الذي جعل الطرق الموصلة إلى رضاه كثيرة ومتنوعة، فمن أُغلق عليه بابٌ منها فُتِح له آخر، وذلك أنَ الناس في الهمم متفاوتون، وقد علم الله ذلك منهم وقدّره، فرحمهم بالكثرة والتنوع، وأوجد لهم -كرماً ولطفاً- بدائل لكثير من العبادات، كي لا ينقطعوا عنه سبحانه، فإنَ المسلم قد يتيسر له أبواباً من العبادات بأن تميل نفسه إليها، فيكون عليها أقدر وأنشط، ويتعذر عليه أخرى عجزاً كمرضٍ، أو فقرٍ أو شُغلٍ، لكن لا أحد مِن أهل الإسلام مغبون، إلاّ من تكاسل أوغاب عنه توفيق الله.
قال ابن رجب: فسبحانَ مَن فَضَّلَ هذهِ الأمَةَ وفَتَحَ لها على يدي نبيِّها نبيِّ الرَّحمةِ أبوابَ الفضائلِ الجمَّةِ، فما مِن عملٍ عظيمٍ تقومُ بهِ قومٌ ويَعْجِزُ عنهُ آخرونَ، إلَّا وقد جَعَلَ اللهُ عملًا يُقاوِمُهُ أو يَفْضُل عليهِ، فتَتَساوى الأُمَّةُ كلها في القدرةِ عليهِ. (لطائف المعارف، ص553).
وهذه واللهِ نِعَمٌ تستوجب الشكر، وإنَ من شكرها الإتيان بها، وتبليغها من جهلها، وتذكيرها مَن غفل عنها.
ومن هذه البدائل:
1- ذِكرٌ يعدِلُ النفقة والجهاد والقيام:
عن عبدِ اللَّهِ بنَ مسعودٍ قالَ: «إنَّ اللَّهَ قسَّمَ بينَكم أخلاقَكم كما قسَّمَ بينَكم أرزاقَكُم، وإنَّ اللَّهَ يؤتي المالَ من يحبُّ ومن لا يحبُّ، ولا يؤتي الإيمانَ إلَّا من أحبَّ، فإذا أحبَّ اللَّهُ عبدًا أعطاهُ الإيمانَ، فمن ضنَّ بالمالِ أن ينفقَهُ، وَهابَ العدوَّ أن يجاهدَهُ، واللَّيلَ أن يُكابدَهُ: فليُكثر من قولِ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ واللَّهُ أَكبرُ والحمدُ للَّهِ وسبحانَ اللَّهِ» (صحيح الترغيب، 1571)، وقال عنه في صحيح الأدب المفرد (209) صحيح موقوفاً في حكم المرفوع، دون زيادة (فإذا أحبَّ اللَّهُ عبدًا أعطاهُ الإيمانَ).
ومما يستفاد من الحديث:
أولاً: أنّ الأخلاق مُقدَرة كالأرزاق، وأنّ الخَلْق فيها متفاوتون، فصاحب خُلُقٍ عالٍ، وصاحبُ خُلُقِ سافلٍ، وما بينهما.
ثانياً: أنّ الدنيا وبالأخص منها المال، مبذولة لكل الخلق، مَن آمن منهم ومَن كفر، ولِمن أطاع ولمن عصى، كما قال تعالى: (كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا) (الإسراء: 20).
لكن الإيمان لا يخص اللهُ به إلاَ مَن أحب، فإذا وجدتَ أنّ الدنيا قد زُوِيَت عنك وأنت تطلبها، وأنَ الإيمان قد بُسِطَ لك وحُبَِب إليك، وأنت به فرِحٌ راضٍ، فاعلم أنّ هذا علامة حبٍ ورضا من الرب الجليل، فالزم الشكر على ما أولاك وتفضل به عليك.
ثالثاً: أنّ مَن تمكن حب المال من قلبه فبخل عن إنفاقه في سبيل الله وفي وجوه الخير، وخاف العدو فترك الجهاد في سبيل الله، وشقَ عليه قيام الليل، فليُكثِرْ مِن قَولِ هذه الكَلِماتِ الأربَعَ وهي: لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، واللَّهُ أكبَرُ، والحَمدُ للَّهِ، وسُبحانَ اللَّهِ، ولا يشترطُ فيها الترتيب، فتقوم مَقامَ إنفاقِ المالِ والجِهادِ في سَبيلِ اللهِ وقيامِ اللَّيلِ.
وجاء في رواية: «مَنْ ضَنَّ بِالْمَالِ أَنْ يُنْفِقَهُ، وَبِاللَّيْلَ أَنْ يُكَابِدَهُ، فَعَلَيهِ بِسُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ» (صحيح الجامع الصغير، 6377).
وهذه الأمور الثلاثة من الأمور الشاقة بالفعلِ -وإن كان المقصود بالجهاد والنفقة النوافل لا الفرائض- ولا يقدر عليها كل الناس، فهي تخلٍّ عن المال الذي أخبر الله عن حب الإنسان له فقال: (وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ) (العاديات: 8)، وهي تخلٍّ عن النفسِ، التي بفواتها تفوت الحياة الدنيا وما فيها من ملاذٍّ ومُتَع، وهي تخلٍّ عن نوم بعض الليل الذي جعله الله سكناً وراحة للأبدان، فأكثر الناس عنها عاجزون، لكن رحمة الله أدركتهم ببديلٍ من السهولة بمكان، والموفق مَن وفقه الله.
2- ثوانٍ معدودة تعدِل ساعاتٍ ممدودة:
عن جويرية بنت الحارث أم المؤمنين رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا بُكْرَةً حِينَ صَلَّى الصُّبْحَ، وَهِيَ فِي مَسْجِدِهَا، ثُمَّ رَجَعَ بَعْدَ أَنْ أَضْحَى، وَهِيَ جَالِسَةٌ، فَقَالَ: «مَا زِلْتِ عَلَى الْحَالِ الَّتِي فَارَقْتُكِ عَلَيْهَا؟»، قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «لَقَدْ قُلْتُ بَعْدَكِ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، لَوْ وُزِنَتْ بِمَا قُلْتِ مُنْذُ الْيَوْمِ لَوَزَنَتْهُنَّ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، عَدَدَ خَلْقِهِ وَرِضَا نَفْسِهِ وَزِنَةَ عَرْشِهِ وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ» (صحيح مسلم، 2726).
وقولها: «بَعدَ أنْ أَضحَى»؛ أي: دخَلَ في وَقتِ الضُّحى، قَريبًا مِن نِصفِ النَّهارِ، كما عندَ التِّرمذيِّ، وهو قد يكون خمس ساعات أو أكثر، فوَجَدَها رَضيَ اللهُ عنها جالِسةً في مَوضِعِها وهي ما زالتْ تُسَبِّحُ وتَذكُرُ اللهَ تَعالَى، فدلّها على كلمات تُقال في لحظات، تعدلُ بل ترجح على ما ذكرت به ربها في ساعات.
وذلك لأنّ الكلمات التي ذكر بها النبي صلى الله عليه وسلم ربه فيها من التعظيم والثناء والإجلال ما يرجح كل ذكر، لأنها؛ تسبيحُ وتحميدٌ للهِ عزَّ وجلَّ بعَددِ جميعِ مَخْلوقاتِه والتي لا يُحصيها إلَّا هو جل ثناؤه، وبمِقدارٍ يكونُ سببًا لِرضاهُ تَعالَى، وقدْرِ وَزنِ عَرْشِه الَّذي لا يَعْلَمُ مِقدارَ ثِقَله إِلَّا هو عزَ جاره، وبمقدار مِداد كَلِماتِه، وكَلِماتُ اللهِ تَعالَى لا يُقارَنُ بها شَيءٌ ولا تَنفَدُ، كما قال تَعالَى: (قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا) (الكهف: 109)، فما أعظمه مِن ذكر، يُكثِرُ الأجر في لحظاتٍ مِن غَيرِ تعَبٍ ولا نَصَبٍ.
3- احشدوا لختمة الأجر:
عن أبي هريرة أنَ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «احشُدوا؛ فإنِّي سَأقرَأُ علَيكُم ثُلُثَ القُرآنِ»، فحَشَدَ مَن حَشَدَ، ثُمَّ خَرَجَ فقَرَأ: «قُل هو اللهُ أحَدٌ»، ثُمَّ دَخَلَ، فقال بَعضُنا لبَعضٍ: إنِّي أُرى هذا خَبَرٌ جاءَه مِنَ السَّماءِ، فذاك الذي أدخَلَه، ثُمَّ خَرَجَ فقال: «إنِّي قُلتُ لكم سَأقرَأُ علَيكُم ثُلُثَ القُرآنِ، ألا إنَّها تَعدِلُ ثُلُثَ القُرآنِ» (صحيح مسلم، 812).
ومما يستفاد من الحديث:
أن قراءة سورة «الإخلاص» مرة تعدلُ قراءة عشرة أجزاء، وقراءتها ثلاث مرات تعدل قراءة القرآن كله، فيكون ختم القرآن ختمة تلاوة بأن تقرأ القرآن كله، وختمة أجر بأن تقرأ سورة «الإخلاص» ثلاث مرات، وهو بديل لمن عجز عن القراءة أو ضاق وقته عن الورد القرآني، وهو زيادة فضل لمن أراد أن يجمع بين ختمتي التلاوة والأجر.
وقول النبي صلى الله عليه وسلم لأصْحابِه: «احَشُدُوا» أمر بالاجتماع والحشد للإخبار بأمْرٍ عَظيمٍ؛ وهو أنَّه سيَقرأُ عليهم مِنَ القُرآنِ ثُلُثَه حَقيقةً، وقد ظن الصحابة ذلك بالفعل، فأخْبَرَهم أنَّ سورةَ الإخْلاصِ َيَحصُلُ لقارئِها ثوابُ قراءةِ ثُلُثِ القرآنِ، وذلك بِاعتِبارِ مَعَانِيهِ؛ فإنَّ القرآنَ فيه أحْكامٌ، وأخْبارٌ، وتَوحيدٌ، وَقَدِ اشتَمَلَتْ هي على القِسْمِ الثَّالثِ (التَّوْحيدِ)؛ فكانتْ ثُلُثًا بهذا الاعْتبارِ.
4- حج وعمرة بلا زاد ولا نفقة:
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ صَلَّى الْغَدَاةَ فِي جَمَاعَةٍ، ثُمَّ قَعَدَ يَذْكُرُ اللَّهَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، كَانَتْ لَهُ كَأَجْرِ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ، تَامَّةٍ تَامَّةٍ تَامَّةٍ» (سنن الترمذي، 586).
وهناك بدائل أخرى لعبادات كبرى تقوم مقامها، وكلها تدل على عظيم كرم الله وفضله ورحمته بأمة نبيه صلى الله عليه وسلم، فالحمد لله على ما أولانا من نعم، ويسر لنا من أسباب الطاعة ما نرقى به إلى مرضاته.
اقرأ أيضا
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً