الوجه الآخر لـ«أمريكا أولاً»..‏

تداعيات قرارات ترمب الاقتصادية على الدول العربية ‏والإسلامية

د .هبة جمال

05 أبريل 2025

466

أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عن فرض رسوم جمركية جديدة على الواردات من مختلف الدول، كجزء من سياسته الاقتصادية الرامية إلى دعم الصناعات المحلية الأمريكية وتقليل العجز التجاري الأمريكي، شملت هذه الرسوم سلعاً متنوعة من عدة دول؛ ما أدى إلى ردود فعل متباينة، حيث اعتبرها البعض خطوة إيجابية لدعم الاقتصاد الأمريكي، بينما حذر آخرون من تداعياتها السلبية على الأسواق العالمية.

تم فرض هذه الرسوم الجمركية بنسب متفاوتة على الواردات، وكانت هذه الرسوم أعلى على بعض الدول التي تصنفها الولايات المتحدة ضمن منافسيها التجاريين الرئيسين، في حين حصلت دول أخرى على استثناءات جزئية أو تخفيضات، وشملت هذه الرسوم منتجات صناعية وزراعية، إلى جانب المواد الخام المستخدمة في التصنيع؛ ما أثر بشكل مباشر على تكاليف الإنتاج والأسعار العالمية.


الهيمنة على الاقتصاد العالمي واحتمالات تغير خريطة القوى العالمية |  مجلة المجتمع الكويتية
الهيمنة على الاقتصاد العالمي واحتمالات تغير خريطة القوى العالمية | مجلة المجتمع الكويتية
اتسم القرن العشرين بسيطرة الغرب وأمريكا على المقدر...
mugtama.com
×


أولًا: تأثير القرار على الدول العربية والإسلامية:

1- المزايا المحتملة:

‌أ- تشجيع التجارة البينية: قد تدفع هذه الرسوم الدول العربية والإسلامية إلى تعزيز التعاون الاقتصادي فيما بينها لتقليل الاعتماد على الأسواق الأمريكية، ومن أحد الحلول الممكنة تعزيز التجارة البينية بين الدول العربية والإسلامية؛ وهو ما يمكن أن يحقق العديد من الفوائد الاقتصادية والإستراتيجية، ومنها:

- زيادة حجم التبادل التجاري بين الدول العربية والإسلامية، فعلى رغم وجود اتفاقيات تجارية بين الدول العربية مثل «منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى»(1)، فإن التبادل التجاري بين هذه الدول لا يزال أقل من الإمكانات المتاحة، وفرض الرسوم الجمركية الأمريكية يمكن أن يشجع الحكومات العربية والإسلامية على تطوير سياسات تسهل التبادل التجاري، كتقليل التعريفات الجمركية الداخلية، وتحسين البنية التحتية للنقل واللوجستيات بين دولهم.

الرسوم الأمريكية قد تدفع الدولَ العربية والإسلامية إلى تعزيز ‏التعاون الاقتصادي والتجارة البينية فيما ‏بينها

- تطوير سلاسل الإمداد الإقليمية، فبدلاً من الاعتماد على المواد الخام أو المنتجات شبه المصنعة من الدول الغربية، يمكن للدول العربية والإسلامية أن تعمل على تطوير سلاسل إمداد متكاملة داخل المنطقة، وعلى سبيل المثال، يمكن لدول الخليج التي تعتمد على استيراد المنتجات الزراعية من الولايات المتحدة، أن تزيد وارداتها من الدول العربية ذات الإنتاج الزراعي القوي كمصر والسودان وسورية.

- تقليل التقلبات الناتجة عن الأزمات العالمية، فمن خلال تعزيز التجارة البينية تصبح الاقتصادات العربية والإسلامية أقل عرضة للتقلبات الناتجة عن الحروب التجارية والاضطرابات الاقتصادية العالمية، فعندما تعتمد دولة على أسواق قريبة ومستقرة نسبياً، فإنها تقلل بذلك من أخطار تقلبات الأسعار والتغيرات السياسية التي قد تؤثر على التجارة مع الدول الكبرى.



- تحفيز الاستثمار في الصناعات المشتركة، فمع تزايد الحاجة إلى تقليل الاعتماد على الواردات الأمريكية، يمكن للدول العربية والإسلامية الاستثمار في مشروعات صناعية مشتركة، كالصناعات الغذائية، والدوائية، والبتروكيماوية، والدفاعية والعسكرية، وصناعة الإلكترونيات والتكنولوجيا، ومواد البناء، والسيارات، والنسيج؛ ما يعزز التكامل الاقتصادي ويخلق فرص عمل جديدة داخل المنطقة.

ب- تنويع الأسواق التجارية: يمكن أن تكون هذه فرصة جيدة للدول العربية والإسلامية لإعادة توجيه الصادرات نحو أسواق أخرى في آسيا وأفريقيا وأوروبا؛ ما يقلل من التبعية الاقتصادية للولايات المتحدة الأمريكية، من خلال:

- تعزيز العلاقات التجارية مع آسيا، حيث تمثل الأسواق الآسيوية، وخاصة الصين والهند، فرصة كبيرة أمام الدول العربية والإسلامية لتنويع صادراتها، فالصين مثلاً تعتبر أكبر مستورد للنفط والغاز؛ ما يجعلها سوقاً مهمة لدول الخليج، كذلك يمكن أن تستفيد الدول العربية من مبادرة «الحزام والطريق»(2) الصينية لتعزيز البنية التحتية التجارية وتيسير التصدير إلى الأسواق الآسيوية.

.. ويمكن لدول الخليج أن تزيد وارداتها من الدول العربية ذات الإنتاج الزراعي القوي كمصر والسودان وسورية

- توسيع التجارة مع الاتحاد الأوروبي، فعلى رغم المنافسة الكبيرة، لا يزال الاتحاد الأوروبي أحد أهم الشركاء التجاريين للدول العربية والإسلامية، وعليه يمكن تعزيز الصادرات العربية إلى أوروبا عبر توقيع اتفاقيات تجارة حرة جديدة، والاستفادة من القرب الجغرافي لتقليل تكاليف النقل. 

- استهداف الأسواق الأفريقية، تعد أفريقيا سوقاً واعدة للمنتجات العربية والإسلامية، خاصة في مجالات الزراعة، والطاقة، والبنية التحتية، وعلى سبيل المثال في الدول العربية، فإن مصر والمغرب قاما بالفعل بتوسيع وجودهما التجاري في أفريقيا، وهو ما يمكن أن يكون بديلاً مهماً للأسواق الأمريكية.

- الاستفادة من المنظمات الاقتصادية الدولية، إذ يمكن للدول العربية والإسلامية أن تستفيد من الانضمام إلى منظمات اقتصادية جديدة مثل مجموعة «بريكس» التي تضم دولاً كبرى كالصين وروسيا؛ ما يوفر لها أسواقاً بديلة وفرصاً استثمارية بمنأى عن الولايات المتحدة الأمريكية.


زلزال ترامب الاقتصادي: رسوم جمركية تشعل التوترات العالمية وتهز الأسواق |  مجلة المجتمع الكويتية
زلزال ترامب الاقتصادي: رسوم جمركية تشعل التوترات العالمية وتهز الأسواق | مجلة المجتمع الكويتية
زلزال ترامب الاقتصادي: رسوم جمركية تشعل التوترات العالمية وتهز الأسواق
www.mugtama.com
×


2- العيوب المتوقعة:

‌أ- تراجع الصادرات: تعتبر الأسواق الأمريكية وجهة رئيسة للعديد من المنتجات العربية والإسلامية، بما في ذلك السلع الصناعية، والمنتجات الزراعية، والمواد الخام، ومع فرض الرسوم الجمركية الجديدة، سترتفع تكلفة هذه المنتجات في السوق الأمريكية؛ ما يؤدي إلى:

- انخفاض القدرة التنافسية للمنتجات العربية والإسلامية، فعندما ترتفع أسعار المنتجات نتيجة للرسوم الجمركية، يصبح المستهلك الأمريكي أقل إقبالاً على شرائها، ويفضل المنتجات المحلية أو المستوردة من دول لم تُفرض عليها رسوم جمركية مماثلة.

- تراجع الصادرات الزراعية والغذائية، فتعتمد بعض الدول العربية مثل مصر والمغرب على تصدير المنتجات الزراعية إلى الولايات المتحدة، مثل الفواكه والخضراوات، ومع فرض رسوم جمركية أعلى قد تصبح هذه المنتجات أغلى للمستوردين الأمريكيين؛ ما يدفعهم إلى البحث عن بدائل أرخص من أسواق أخرى، كذلك فإن بعض الدول الإسلامية مثل إندونيسيا وماليزيا التي تصدر زيت النخيل إلى الولايات المتحدة قد تواجه انخفاضاً في الطلب بسبب ارتفاع الأسعار.

- تأثر الصناعات المعتمدة على التصدير، فبعض الدول تمتلك صناعات تعتمد بشكل كبير على التصدير، مثل الألمنيوم والحديد والبتروكيماويات، وفرض الرسوم الجمركية عليها يؤدي إلى زيادة تكاليف هذه المنتجات في الأسواق الأمريكية؛ ما يقلل من تنافسيتها ويؤدي إلى خسائر اقتصادية كبيرة.

من سلبيات القرار على الدول العربية:

- انخفاض القدرة التنافسية للمنتجات العربية

- تراجع الصادرات الزراعية والغذائية

- التأثير على الدول المصدرة للنفط

ب- التأثير على الدول المصدرة للنفط: إن بعض الدول العربية والإسلامية، وخاصة دول الخليج، تعتمد بشكل كبير على تصدير النفط كمصدر رئيس للدخل، ومع فرض الرسوم الجمركية الجديدة وارتفاع التكاليف على الواردات، قد تتأثر هذه الدول بعدة طرق، منها:

- انخفاض الطلب الأمريكي على النفط، فالرسوم الجمركية تجعل المنتجات المستوردة أكثر تكلفة؛ ما قد يؤدي إلى تباطؤ النشاط الصناعي داخل الولايات المتحدة، وعندما يقل الإنتاج الصناعي ينخفض الطلب على النفط؛ ما يؤثر بشكل مباشر على الدول المصدرة. 

- تقلبات أسعار النفط في الأسواق العالمية، فإذا انخفض الطلب الأمريكي على النفط، فقد يؤدي ذلك إلى انخفاض أسعاره عالمياً؛ ما يسبب خسائر كبيرة للدول المنتجة، وعليه قد تضطر الدول المصدرة إلى خفض إنتاجها للحد من انخفاض الأسعار؛ ما يؤثر على عائداتها الاقتصادية.

- تأثير العقوبات والضغوط السياسية على بعض الدول المصدرة للنفط، كإيران وفنزويلا، التي تواجهان بالفعل عقوبات أمريكية تحد من صادراتهما النفطية، وعليه فإن فرض رسوم جمركية إضافية قد يزيد من الضغوط الاقتصادية على هذه الدول، ويُضعِف اقتصاداتها بشكل أكبر.

‌جـ- زيادة التوترات التجارية: قد يؤدي فرض الرسوم الجمركية المرتفعة إلى تصعيد التوترات التجارية بين الولايات المتحدة والدول؛ ما ينعكس سلباً على الاستثمارات وحركة التجارة الدولية، فقد يؤدي إلى:

- ردود فعل انتقامية من الدول المتضررة، فبعض الدول قد تلجأ إلى فرض رسوم جمركية مضادة على المنتجات الأمريكية؛ ما يؤدي إلى تصاعد النزاعات التجارية.

- تراجع الاستثمارات الأجنبية، فالشركات الأجنبية قد تتردد في الاستثمار في الدول التي تواجه قيوداً تجارية مع الولايات المتحدة، خوفاً من تأثير الرسوم الجمركية على أرباحها.

من الضروري أن توازن الحكومات بين حماية الاقتصاد الوطني والحفاظ على استقرار العلاقات التجارية العالمية

- عرقلة التجارة العالمية، إذا زادت التوترات التجارية بين الولايات المتحدة والدول، فقد يؤثر ذلك على سلاسل التوريد العالمية؛ ما يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج والتجارة، وعليه قد تلجأ بعض الدول إلى إعادة النظر في علاقاتها التجارية مع الولايات المتحدة، والبحث عن شركاء تجاريين آخرين لتعويض الخسائر.



ثانياً: سلبيات القرار على الولايات المتحدة الأمريكية:

1- ارتفاع الأسعار المحلية: تؤدي الرسوم الجمركية إلى زيادة تكاليف المنتجات المستوردة؛ ما يرفع الأسعار داخل الولايات المتحدة ويؤثر على القوة الشرائية للمستهلكين.

2- تأثير سلبي على الأسواق المالية: حيث شهدت الأسواق المالية تقلبات حادة نتيجة هذه السياسة، مع تراجع ثقة المستثمرين في استقرار الاقتصاد الأمريكي.



3- أخطار الركود الاقتصادي: يعتقد بعض الاقتصاديين أن استمرار فرض الرسوم الجمركية قد يؤدي إلى تباطؤ النمو الاقتصادي؛ ما يزيد من احتمالية دخول الولايات المتحدة في حالة ركود.

4- زيادة التكاليف على الشركات المحلية: تعتمد العديد من الشركات الأمريكية على المواد الخام المستوردة، وارتفاع تكاليف هذه المواد قد يقلل من قدرتها على الإنتاج والتوسع؛ ما قد يؤدي إلى فقدان وظائف في بعض القطاعات الصناعية.


من الواضح أن سياسة الرسوم الجمركية التي فرضها رئيس الولايات المتحدة الأمريكية خطوة تحمل إيجابيات وسلبيات على المستوى المحلي والدولي، ففي حين أنها قد توفر حماية مؤقتة للصناعات الأمريكية، فإنها تخلق تحديات كبيرة للدول عموماً والدول العربية والإسلامية على وجه الخصوص، كما أنها قد تضر بالاقتصاد الأمريكي نفسه على المدى الطويل؛ لذا، من الضروري أن توازن الحكومات بين حماية الاقتصاد الوطني والحفاظ على استقرار العلاقات التجارية العالمية.

 

 

 

 

___________________

(1) جامعة الدول العربية، اتفاقية تيسير وتنمية التبادل التجاري بين الدول العربية.

(2) الإسكوا، «مبادرة الحزام والطريق: ماذا تحمل للمنطقة العربية؟»، الموقع الرسمي لمبادرة الحزام والطريق https://bit.ly/4lhhC8h.


الرئيسية

مرئيات

العدد

ملفات خاصة

مدونة