دلالات تمديد أوقات اقتحام «الأقصى»

علي إبراهيم

19 أبريل 2026

48

مع إعادة فتح المسجد الأقصى المبارك وعودة اقتحامات المستوطنين بعد إغلاق امتد لنحو 40 يومًا، شهد المسجد جملةً من الاعتداءات، امتدتّ من النفخ في بوق «الشوفار»، وأداء الطقوس العلنية في مواضع مختلفة من «الأقصى»، وليس انتهاءً بالمشاركة السياسية والدينية في هذه الاقتحامات، التي تمثلت باقتحام وزير الأمن القومي المتطرف إيتمار بن غفير، إلى جانب عددٍ من حاخامات المنظمات المتطرفة.

 وفي خضم هذه التطورات المتسارعة، تجلى واحدٌ من أخطر مظاهر العدوان، حيث قررت شرطة الاحتلال تمديد فترة الاقتحامات الصباحية للمسجد الأقصى بمقدار نصف ساعة إضافية صباحًا، ونحاول في هذا المقال استقراء سياقاته، وأبرز الأخطار المترتبة عليه.

توسيع متدرج لساعات الاقتحام

وصلت ساعات الاقتحام الأخيرة على إثر التمديد الأخير إلى 6 ساعات ونصف ساعة، وسنستعرض تفاصيل هذا التمديد في سياق المقال، ولكن من المهم الإشارة إلى أن ساعات الاقتحام لم تكن بهذا الشكل، مع بدء اقتحامات «الأقصى»، حيث تُشير المعطيات إلى أن الاقتحامات كانت تجري بحماية أمنية مشددة، ولوقتٍ قصير جدًا، ما بين العاشرة والحادية عشرة صباحًا، ومع تولي شرطة الاحتلال زمام الأمور، لتصبح الجهة التي تُشرف على الاقتحامات، وتؤمن الحماية للمقتحمين، رسخت منذ عام 2008م اقتحام «الأقصى» ضمن ساعات محددة، وصلت في تلك المرحلة إلى 3 ساعات، ما بين 7:00 حتى 10:00 صباحًا.

ومنذ ذلك الحين، شهدت هذه الفترات توسيعًا تدريجيًا، ففي عام 2016م أضافت شرطة الاحتلال ساعة إضافية على وقت الاقتحامات الصباحي، ومن ثم فتحت المجال أمام المستوطنين لاقتحام المسجد بعد صلاة الظهر، وفي عام 2018م وسعت مدة الاقتحام، من خلال إضافة 45 دقيقة إضافيّة، وفي مايو 2024م سمحت شرطة الاحتلال للمستوطنين باقتحام «الأقصى» قبل 15 دقيقة من أوقات الاقتحام المعتادة؛ وهذا ما انعكس على تمديد أوقات الاقتحامات لنحو 5 ساعات في الشهر الواحد.

وتُشكل هذه القرارات نماذج لسعي الاحتلال إلى ترسيخ التقسيم الزماني الكامل، وصورة من سياسة ممنهجة تهدف إلى فرض واقع جديد داخل المسجد، وهو ما سمح بأن تصل ساعات الاقتحام إلى ما وصلت إليه حاليًا، التي بلغت نحو 6 ساعات ونصف ساعة يوميًا، وما يُمكن أن تؤول إليه الأوضاع لاحقًا.

الذريعة المؤقتة والواقع الدائم

وفي عودة إلى الإجراء الأخير، مع عودة اقتحامات «الأقصى» في 9 أبريل 2026م، فقد شهدت السنوات الماضية محاولة من قبل أذرع الاحتلال لتمديد الاقتحامات نصف ساعة صباحًا، إلا أن شرطة الكيان تراجعت عن ذلك لاحقًا.

أما الإجراء الأخير، فقد بدأ مع اقتراب شهر رمضان الماضي، حيث قررت شرطة الاحتلال تبكير فتح باب المغاربة، لكي يبدأ الاقتحام عند الساعة السادسة والنصف بدلاً من السابعة صباحًا، وحينها تذرعت شرطة الاحتلال بأن نصف الساعة الإضافيّة تعويض عن إلغاء فترة الاقتحامات المسائية، التي تجري عادةً ما بين صلاتي الظهر والعصر، بسبب حلول شهر رمضان.

وعلى إثر إغلاق «الأقصى» لأربعين يومًا، ومنع الفلسطينيين من أداء صلواتهم في المسجد نحو 20 يومًا من رمضان، وما لحقه من عيد الفطر وأيام الجمع وغيرها، كانت شرطة الاحتلال تتحضر لترسيخ هذه التوسعة الزمنية مع فتح أبواب «الأقصى».

وفي 9 أبريل 2026م، فتحت أبواب المسجد الأقصى، وبعد نحو 45 دقيقة من انتهاء صلاة الفجر، أخرجت قوات الاحتلال المصلين من «الأقصى» بالقوة، لتفسح المجال أمام عودة الاقتحامات بعد هذا الإغلاق الطويل، ولكن المفاجئ حينها، أن شرطة الاحتلال فتحت باب المغاربة أمام المقتحمين قبل نصف ساعة من المعتاد، مع الإبقاء على مدة الاقتحام المسائية، التي أشرنا إليها آنفًا، وهذا يعني تكريس إضافة نصف ساعة بشكلٍ يوميّ، وهو ما سيؤدي إلى رفع متصاعد في أعداد المقتحمين، لا سيما خلال مواسم الأعياد اليهودية المركزية، فقد أضافت شرطة الاحتلال 20 ساعة شهريًا، يستطيع خلالها المستوطنون تدنيس المسجد، واقتحامه، وما يتصل بذلك من عدوانٍ ممنهج.

سياقات القرار.. سيادة الشرطة ومطالب المتطرفين

ويُشير القرار، وسياقات صدوره، إلى نية مبيتة لشرطة الاحتلال لتوسيع ساعات الاقتحام، حيث طُبق القرار بشكلٍ مباشر، بعد عودة اقتحامات «الأقصى»، وفي اليوم نفسه الذي فُتح فيه المسجد، ويُمكن قراءته ضمن سياقين إستراتيجيين بالغي الخطورة، وهما:

الأول: ترسيخ شرطة الاحتلال كأداة للسيادة على «الأقصى»: خلال السنوات الماضية، تحولت شرطة الاحتلال إلى الأداة التنفيذية الأولى لفرض السيادة «الإسرائيلية» المطلقة على المسجد الأقصى، وباتت الجهة الحصرية التي تقرر أوقات الاقتحامات ومددها، وقد مارست هذا التمديد عدة مرات -كما أوردنا في المقال- في سياق التهويد الممنهج لـ«الأقصى»، وما يتصل بذلك من سحبٍ لصلاحيات دائرة الأوقاف الإسلامية في المدينة المحتلة.

الثاني: التماهي المستمر مع أطروحات ومطالب «منظمات المعبد»: إذ يرتبط هذا القرار مباشرة بتلبية أطروحات «منظمات المعبد» المتطرفة، التي تسعى إلى ترسيخ التقسيم الزماني الكامل ما بين المسلمين والمستوطنين، فخلال فترة إغلاق «الأقصى»، طالبت هذه المنظمات بتخصيص 9 ساعات كاملة يوميًا لاقتحاماتها، في مقابل 9 ساعات أخرى تُخصص للمسلمين.

أخيرًا، يشكل تمديد أوقات الاقتحامات حلقة من سلسلة متصاعدة من العدوان على «الأقصى»، وخطوة نحو المزيد من العدوان على المسجد ومكوناته البشرية، وفي استقراء لسلوك الاحتلال ومستوطنيه، فإن الساعات التي وصل إليها اليوم مقدمة نحو مزيد من العدوان على المسجد، ومحطة في طريق طويل تسعى من خلاله هذه الجماعات للوصول إلى أكثر من ذلك في المسجد، إن من حيث تقسيمه زمانيًا بشكلٍ كامل، أو اقتطاع أجزاء منه، وصولًا إلى إنهاء الوجود الإسلامي في «الأقصى» وبناء «المعبد» المزعوم، بالتزامن مع تصاعد حضور داعمي هذه الجماعات، في بنية الشرطة ابتداءً من المفوض العام إلى أصغر العناصر داخل «الأقصى» وفي محيطه.


اقرأ أيضاً:

مخططات تقسيم «الأقصى».. من الفكرة إلى التنفيذ

الوضع القائم في «الأقصى».. أبعاده ومدى خطورته

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة