...

سيد قطب.. ومدرسة تفسيرية نادرة

الأستاذ سيد قطب (1386هـ/ 1966م) عاش حياة الأمناء على الدين، وانقضت حياته قضاء الشهداء المجاهدين، ويعد تفسيره «في ظلال القرآن» ظاهرة تفسيرية جديدة قد حملت في طياتها: نجاحها وإشكاليتها، وتأثيرها العميق ومحدوديتها المنهجية معاً.

فسيد قطب رحمه الله لم يأت بتفسير من نوع التفاسير التي سبقته، وإنما أقام صرحاً منهجياً جديداً، وجنح بمركب التفسير إلى أفق لم يسبق إليه، فكانت ظلاله التي أضاءت بالقرآن معالم الطريق في دياجير واقع معتم، وبينت سبل التغيير ومعالم مجتمع السيادة التي تهد أوثان جاهلية أي عصر، لأن القرآن يقرأ في كل عصر، ولا يصح ربطه بلحظة سياسية محددة، فإن سيداً ربط بين جاهلية عصر التنزيل وجاهليات العصور اللاحقة له.

ولئن كان بعض العلماء وضعوا كتاب «الظلال» في قالب من قوالب التفاسير القديمة، فراحوا يلصقون به صفة «التفسير الأدبي» كفرع من التفسير اللغوي، فلا أظن ذلك نابعاً من قصور فهم، أو من خور عزيمة أمام الصدوع بالحق، إذ لم يبتعدوا؛ لأنه كان شاعراً ينظم القوافي، وكان ناثراً يصنع من النثر جياداً في ميادين البيان، لكن نقده للجاهلية أعمق من أن تُحصَر قوته في لفتة أسلوبه، أو تُحجَز عبقريته في زاوية أدبية. إن جوانب سيد الأدبية ليست مجرد زينة زيَّن بها الظلال، بل هي جوهر الرؤية، ونثره الخاص لمعاني القرآن جعله يتلى في عقول القُرَّاء وكأنه نزل لتوه على مجتمعهم، وهذا عين الإعجاز البياني الذي تحدث عنه الجرجاني (471هـ/ 1078م)، لكن قطب نقله في التفسير من النظرية إلى التطبيق العملي.

لقد سبق المفسرين لا بتكرار ما قالوه، بل بتأسيس مدرسة جديدة في التفسير لم تعرف من قبل: مدرسة لبيان معالم المنهج الحركي للتغيير على نهج التنزيل، التي جعلت من القرآن دستور انطلاق لا كتاب تأمل فقط، كما كان سبقه ليس بإضافة تفسير، بل بإضافة نوع جديد إلى أنواع التفاسير المعروفة؛ المأثور والرأي والإشاري والفقهي واللغوي، بل في استدعاء هذه المفاهيم كلها في بوصلة واحدة تشير إلى المنهج الذي تنبثق منه النهضة الإسلامية الحقة.

وهذا المنهج لم يسبقه إليه أحد من المفسرين القدامى، لا الطبري (310هـ/ 923م) كرمز للتفسير بالمأثور، ولا فخر الدين الرازي (606هـ/ 1209م) كنموذج لمدرسة التفسير بالرأي، ولا القرطبي (671هـ/ 1273م) كمثال التفسير الفقهي، ولا التستري (283هـ/ 896م) صاحب مدرسة التفسير الإشاري الصوفي، فهؤلاء وغيرهم ‌رَحِمَهُمُ ‌اللَّهُ كانوا يفسرون القرآن ليُفْهَم، أما سيد فكان يفسره ليُفَعَّل.

وحين أقول: إنه جنح بمركب التفسير إلى أفق لم يسبق إليه، فلا أغفل أعلاماً كُثراً سبقوه في هذا المضمار، وإن لم يصطلحوا على تسميته، من مثل الإمام محمد عبده (1323هـ/ 1905م) وتلميذه رشيد رضا (1354هـ/ 1935م) في تفسير «المنار»، وكانا قد وضعا لبنات التفسير الإصلاحي الحركي قبل قطب بعقود، ومالك بن نبي (1393هـ/ 1973م) -المعاصر لقطب- كان قد أسس فلسفة التغيير والتأثير الحضاري من خلال قراءة القرآن.

فهؤلاء وإن لم يبلغوا شأوه في البيان، لكنهم وضعوا له معالم وأسساً سار عليها وأكملها، وكان سبق قطب في شدة التركيز وحدة الخطاب وبلاغة النثر لا في الأصل المنهجي، وتمام المشروع على القرآن كله، وليس في مجرد تصنيفات محدودة أو لم يكتب لها الكمال، وإن كنت أرى قطباً واقفاً على أكتاف محمد عبده، ومالك بن نبي، وليس مجرد مكرر، فهو قد أحرق ما كانوا يتباطؤون فيه.

فهم سبقوه في المنهج، لكن قطباً أخرجه في «الظلال» مشروعاً جديداً كلياً في التفسير، وأضاف جرعة تركيز إيمانية وحركية بتركيزه على مفاهيم:

  • الطاغوت كمساوٍ لمفهوم الجاهلية.
  • إيضاح المنهج الرباني بدلا لاستقصاء أقوال السابقين.
  • مجتمع السيادة كبديل لـ المدينة الفاضلة.

وأنا هنا أستعير تعبيراً من سباقات الجري، حيث يقطع العدَّاء المسافة بقفزات هائلة متجاوزاً مراحل تدرجية كان يفترض أن يمر بها، وأطبق هذه الاستعارة على قطب فأقول: إن قطباً أحرق المراحل وقفز قفزات نوعيه، بما يعني:

1- أثر قطب في تفسير القرآن اليوم أعظم من أثر غيره

لكن ليس لأنه سبق، بل لأنه أحرق المراحل بين النص والواقع، وهذه سبب تميزه عند بعض النقاد وسبب ضعفه عند آخرين. فمن يقرأ الظلال اليوم يجد خطاباً ملتهباً، ينفض غبار السنين عن منهج القرآن في تجربة تغيير واقع العرب الأقدمين، ذلك المنهج الذي نقلهم من حياة البوادي إلى أرفع درجات سلم المجد والحضارة.

ومن يقرأ لغيره قد يجد موسوعة علمية، وإن اهتمت بتحرير الخلاف فمعاركها خلافية خسائرها مختصرة في المداد والأوراق، وهو أسلوب أكاديمي يخاطب العقل. أما قطب فقد خاطب الإرادة، وكلا الأسلوبين له من يتبعه. ناقدوه يطلبون منه ما لم يكتب له من الدقة الأكاديمية، وأنصاره يجدون عنده ما لا يجدونه عند غيره من قوة الدفع الإيماني. وهنا أقول لهما: كلاكما على حق، ولكن كلاكما يتكلم عن منهجين أو كتابين مختلفين.

2- تجاوز أسباب النزول إلى دلالة النص الحالية:

أ- مناهج التفسير الكلاسيكية كانت تبدأ بتحديد الآية، ثم بيان متى نزلت، وفيم نزلت، ومن الصحابة الذين رووا سبب النزول، وما القراءات فيها، وما أقوال السلف، ثم تنتقل إلى الاستنباط. وهذا منهج تدرجي، فيه كل مرحلة تؤسس للأخرى.

ب- منهج قطب في الظلال: يبدأ بقراءة الآية وكأنها نزلت اليوم على مجتمع المسلمين المعاصر. وقد يذكر سبب النزول في سطرين، ثم يمضي الصفحات الطوال في تحليل الواقع الحاضر في ضوء الآية. لقد أحرق مرحلة التأصيل التاريخي ليصل مباشرة إلى مرحلة التطبيق الواقعي.

3- تجاوز القواعد اللغوية المجردة إلى التأثير البياني المباشر:

أ- المنهج التدرجي: يمر بمحطات: مفردات، ثم إعراب، ثم بلاغة، ثم دلالات.

ب- منهج قطب: يقرأ الآية، فتتفاعل مع نفسه، ثم ينفجر تعبيراً عنها، فالآية عنده مشهد متكامل، لا كلمات تحتاج إلى فك شفرات، هو لا يشرح الآية، بل يعيشها ثم يعبر عن حياته فيها. وهذا أيضاً جدير بأن يوصف بحرق المراحل التحليلية البطيئة.

4- تجاوز التراث التفسيري إلى المواجهة المباشرة:

أ- التفسير التدرجي يتوقف مطولاً عند أقوال السابقين ثم يرجح بينها.

ب- قطب كثيراً ما يتجاوز من قال ماذا قال، إلا إذا تصدى لمفهوم خاطئ فيقف عنده ليستبعده، وهو يلج للآية مباشرة، ليس كأن المكتبة التفسيرية لا وجود لها، بل لأنه لو أعاد ما قيل في كل آية لخرج تفسيره أضعاف ما هو عليه. ولذلك من يقرأ تفسيره كأنه اعتمد المشهور من تفسير ابن كثير (774هـ/ 1373م) ثم علق بما يكرس منهجه في إرساء الحضارة الإسلامية وتثبيت دعائمها.

جـ- وخلط بين التفسير والتأمل الوجداني حتى جاء الظلال أقرب إلى خطاب وعظي حركي منه إلى تفسير بالمعنى التقليدي.

ومن هنا جاء اسمه متسقاً مع منهجه «في ظلال القرآن»؛ فكأنه يسير في ظل القرآن، ويعيش في أجوائه، ويتنفس نسيمه. وهذا اعتراف منه بحدود مشروعه: في الظل لا في الشمس، وإن كانت الظلال بياناً لطبيعة تأثيره، فالظل ألطف من الشمس المباشرة، وأقدر على الإحياء في الحر الشديد وقسوة الحكم الجبري الذي أُنهي على حياته الدنيا فيه.

أنصار قطب يقولون: لم يحرق المراحل، بل بدأ من حيث انتهى غيره من مرحلة المواجهة الحضارية المشروعة في زمن الاحتلال والهزيمة النفسية للأمة.

لكنه فعلاً أحرق مراحل بين النص والواقع وقفز على أسئلة تاريخية ولغوية وتراثية ليصل مباشرة إلى سؤال: ماذا يقول هذا النص للمسلم اليوم في معركته ضد الجاهلية المعاصرة؟ وهذا إنجازه العظيم، ونقطة ضعفه في آن واحد.

نعم لم يحرق المراحل من الصفر، لكنه أحرق المراحل الباقية التي كان الإصلاحيون قبله لا يزالون متمسكين بها. فمحمد عبده ورشيد رضا كانا لا يزالان يهتمان كثيراً بالجانب اللغوي والتراثي، وإن اتجها إصلاحياً. أما قطب فذهب إلى أن المواجهة الحضارية معركة آنية ومُلِحَّة، ولا وقت للوقوف الطويل عند الخلافات النحوية أو سرد كل الأقوال عند كل آية. فلم يحرق مراحل البداية، لكنه أحرق المراحل المتوسطة التي كان غيره يعتبرها ضرورية.

وبهذا نجح في إحياء معاني القرآن كقوة دافعة للتغيير أكثر مما نجح في إنتاج تفسير علمي أكاديمي. الظلال كتاب نهضة وفكر، لكنه ليس مرجعاً بالمعنى التقليدي.

إن «الظلال» ليس تفسيراً يقرأ، بل تجربة تعاش. ومن أراد علم التفسير فليذهب إلى المفسرين من الطبري مروراً بالقرطبي وحتى ابن عاشور، ومن أراد أن يرى كيف أحدث القرآن ثورة في النفس والمجتمع، فليجلس في ظلال قطب. والناقد العادل لا يسأل التفاحة أن تكون برتقالة، ولا يسأل الظلال أن يكون جامع البيان أو جامع الأحكام.

حاولت أن أكون منصفاً فوضعت يدي على مواطن القوة دون أن تغشاني عاطفة، وعلى مواطن الضعف دون أن تطغى علي مجاملة. فالظلال ليس تفسيراً تقليديا، بل هو نموذج تفسيري حركي استثنائي، نفع الأمة في يقظتها أكثر مما نفعها في فهمها السطحي للنص. وكثير من حركات الصحوة الإسلامية المعاصرة تدين لهذا الكتاب برؤيتها للقرآن ككتاب تغيير حضاري لا كتاب تأمل معرفي، بل محاولة منهجية هز بها الأمة وأيقظها من غفلتها.

والحمد لله رب العالمين.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة